القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾
يقولُ تعالى ذِكرُه: يُسَبِّحُ هؤلاء الذين عندَه من ملائكتِه ربَّهم الليل والنَّهارَ لا يفْتُرون من تَسْبيحِهم إيَّاه.
كما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ و ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. فقال: هل يَئودُكَ طَرْفُك؟ هل يَئودُك نَفَسُك؟ قال: لا. قال: فإنَّهم أُلهِموا التسبيحَ كما أُلْهِمتمُ الطَّرْفَ والنَّفَسَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن حسانَ بن مُخارقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: قلتُ لكَعْبِ الأحبارِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.
اقَ الشَّيبانيِّ، عن حسانَ بن مُخارقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: قلتُ لكَعْبِ الأحبارِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أما يشْغَلُهم رسالةٌ أو عملٌ؟ قال: يا بنَ أخى، إنَّه جُعِل لهم التسبيحُ كما جُعِل لكم النَّفَسُ، ألستَ تأكلُ وتشْرَبُ، وتقومُ وتَقْعُدُ، وتجيءُ وتذهَبُ، وأنت تَتَنفس؟ قلتُ: بلى. قال: فكذلك جُعِل لهم التسبيحُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو داودَ، قالا: ثنا عِمْرانُ القطَّانُ، عن قتادَة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ،
ٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو داودَ، قالا: ثنا عِمْرانُ القطَّانُ، عن قتادَة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ،
عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن الله [جزَّأ الخَلَقَ] عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعل تسعةَ أجزاءٍ الملائكةَ، وجزءًا سائرَ الخَلْقِ، وجزَّأ الملائكةَ عَشَرة أجزاءٍ، فجعل تسعةَ أجزاءٍ يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءًا لرسالته، وجزَّأ الخلقَ عَشَرةَ أجزاءٍ، فجعَل تسعةَ أجزاءٍ الجنَّ، وجُزْءًا سائرَ بني آدمَ، وجَزَّأ بنى آدمَ عَشَرَةَ أجزاءٍ، فجعَل يأجوجَ ومأجوجَ تسعةَ أجزاءٍ، وجُزْءًا سائرَ بنى آدم آدمَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. يقولُ: إنَّ الملائكة الذين هم عندَ الرحمنِ لا يَسْتَكْبِرُون عن عبادَتِه ولا يَسأمُون فيها. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ بينَما هو جالسٌ مع أصحابِه إذ قال: "تَسْمَعون ما أسْمَعُ؟ " قالوا: ما نَسمَعُ من شيءٍ يا نبيَّ اللهِ.
ولا يَسأمُون فيها. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ بينَما هو جالسٌ مع أصحابِه إذ قال: "تَسْمَعون ما أسْمَعُ؟ " قالوا: ما نَسمَعُ من شيءٍ يا نبيَّ اللهِ. قال: "إنى لأسمَعُ أطِيطَ السماءِ، وما تُلامُ أن تَئِطَّ وليس فيها مَوْضِعُ راحةٍ إِلَّا وفيه مَلَكٌ سَاجِدٌ أو قائمٌ".
وقولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَتَّخَذ هؤلاء المشرِكُون آلهةً مِن الأرضِ هم يُنشرون؟ يعنى بقولِه: ﴿هُمْ﴾. الآلهةَ. يقولُ: أهذه الآلهةُ التي اتَّخَذوها تُنشِرُ الأمواتَ. يقولُ: يُحيون الأمواتَ، ويُنشئون الخَلْقَ، فإن الله هو الذي يُحيى ويُميتُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُنْشِرُونَ﴾. قال: يُحيُون.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾
ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة، فقال: بل (اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؟ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك. فكيف جعلوها لله ندًا وعبدوها معه.
ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السماوات الأرض، فقال (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ) أي: في السماء والأرض، (لَفَسَدَتَا)، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال هاهنا: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) أي: عما يقولون إن له ولدًا أو شريكًا، ﷾ وتقدس وتنزه عن الذي