Atau seperti orang yang melewati suatu negeri yang (bangunan-bangunannya) telah runtuh hingga menutupi (puing-puing) atap-atapnya, dia berkata, "Bagaimana Allah menghidupkan kembali (negeri) ini setelah hancur?" Lalu Allah mematikannya (orang itu) selama seratus tahun, kemudian membangkitkannya (menghidupkannya) kembali. Dan (Allah) bertanya, "Berapa lama engkau tinggal (disini)?" Dia (orang itu) menjawab, "Aku tinggal (disini) sehari atau setengah hari." Allah berfirman, "Tidak! Engkau telah tinggal seratus tahun. Lihatlah makanan dan minumanmu yang belum berubah, tetapi lihatlah keledaimu (yang telah menjadi tulang belulang). Dan agar Kami jadikan engkau tanda kekuasaan Kami bagi manusia. Lihatlah tulang belulang (keledai itu), bagaimana Kami menyusunnya kembali, kemudian Kami membalutnya dengan daging." Maka ketika telah nyata baginya, dia pun berkata, "Saya mengetahui (yakin) bahwa Allah Mahakuasa atas segala sesuatu
في ربِّه؟ ثم عطَف عليه بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. [كأَنَّه قال: هل رأيتَ كالذى حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟ أو كالذى مرَّ على قريةٍ]؟ لأن مِن شأنِ العربِ العَطْفَ بالكلامِ على معنًى نظيرٍ له قد تَقَدَّمَه، وإن خالَف لفظُه لفظَه.
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن الكافَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾؟
زائدةٌ، وأن المعنى: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟ أو الذي مَرَّ على قريةٍ. وقد بَيَّنا فيما مَضَى قَبْلُ أنه غيرُ جائزٍ أن يَكُونَ في كتابِ اللَّهِ شيءٌ لا معنى له، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي مَرَّ على قريةٍ وهى خاويةٌ على عُروشِها؛ فقال بعضُهم: هو عُزَيرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعبٍ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
ٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعبٍ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: عُزَيرٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو خُزَيمةَ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ بُريدةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: هو عُزَيرٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: ذُكِرُ لنا أنه عُزَيرٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
اقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: قال الربيعُ: ذكِر لنا، واللَّهُ أَعْلَمُ، أن الذي أتَى على القريةِ هو عُزَيرٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: عُزَيرٌ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: عُزَيرٌ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبَرنا عُبيدُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: يقالُ: إنه عُزَيرٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: قال لنا سَلْمٌ الخواصُ: كان ابن عباسٍ يَقُولُ: هو عُزَيرٌ.
وقال آخرون: بل هو إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيَّا.
ِهَا﴾: يقالُ: إنه عُزَيرٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: قال لنا سَلْمٌ الخواصُ: كان ابن عباسٍ يَقُولُ: هو عُزَيرٌ.
وقال آخرون: بل هو إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيَّا. وزعَم محمدُ بنُ إسحاقَ أن إِرْمِيَا هو الخَضِرُ.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابن إسحاقَ، قال: اسمُ الخَضِرِ، فيما كان وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ يَزْعُمُ عن بني إسرائيلَ، إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيَّا، وكان مِن سِبطِ هارونَ بن عمرانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: إن إِرْمِيَا لما خُرِّب بيتُ المقدِس وحُرِّقتِ الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: هو إِرْمِيَا.
ي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: هو إِرْمِيَا.
حدَّثني محمدُ بنُ [سَهْلِ بن] عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال:
سمِعت عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: كان نبيًّا وكان اسمُه إِرْمِيَا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَقُولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه إرْمِيَا.
عدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَقُولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه إرْمِيَا.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقَالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عجَّب نبيَّه ﷺ ممن قال، إذ رأى قريةً خاويةً على عُروشِها: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. مع علمِه أنه ابتدَأ خَلْقَها مِن غيرِ شيءٍ، فلم يُقْنِعْه عِلمُه بقُدْرتِه على ابتدائِها، حتى قال: أنى يُحْيِيها اللَّهُ بعدَ موتِها؟
ْدَ مَوْتِهَا﴾. مع علمِه أنه ابتدَأ خَلْقَها مِن غيرِ شيءٍ، فلم يُقْنِعْه عِلمُه بقُدْرتِه على ابتدائِها، حتى قال: أنى يُحْيِيها اللَّهُ بعدَ موتِها؟ ولا بيانَ عندَنا مِن الوجهِ الذي يَصِحُّ مِن قِبَلِه البيانُ عن اسمِ قائلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيرًا، وجائزٌ أن يكونَ إِرْمِيَا، ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ اسمِه، إذ لم يكنِ المقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلْقِ اسمَ قائلِ ذلك، وإنما المقصودُ بها تعريفُ المنكِرين قدرةَ اللَّهِ على إحيائِه خلقَه بعدَ مماتِهم، وإعادتِه إيّاهم بعدَ
لمقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلْقِ اسمَ قائلِ ذلك، وإنما المقصودُ بها تعريفُ المنكِرين قدرةَ اللَّهِ على إحيائِه خلقَه بعدَ مماتِهم، وإعادتِه إيّاهم بعدَ
فنائِهم، وأنه الذي بيَدِه الحياةُ والموتُ، مِن قريشٍ ومَن كان يُكَذِّبُ بذلك مِن سائرِ العربِ، وتثبيتُ الحجةِ بذلك على مَن كان بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن يهودِ بني إسرائيلَ، بإطلَاعِه نبيَّه محمدًا ﷺ على ما يُزِيلُ شكَّهم في نبوَّتِه، ويَقْطَعُ عذرَهم في رسالتِه، إذ كانت هذه الأنباءُ التي أوحاها اللَّهُ إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ في كتابِه، مِن الأنباءِ التي لم يكنْ يَعْلَمُها محمدٌ ﷺ وقومُه، ولم يَكنْ علْمُ ذلك إلا عندَ أهلِ الكتابِ، ولم يكنْ محمدٌ ﷺ وقومُه منهم، بل كان أمِّيًّا، وقومُه أُمَّيُّون، فكان معلومًا بذلك - عندَ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِه - أن محمدًا ﷺ لم يَعْلَمْ ذلك إلا بوحيٍ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إليه.
مًا بذلك - عندَ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِه - أن محمدًا ﷺ لم يَعْلَمْ ذلك إلا بوحيٍ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إليه. ولو كان المقصودُ بذلك الخبرَ عن اسمِ قائلِ ذلك، لكانتِ الدَّلالةُ منصوبةً عليه نصبًا يَقْطَعُ العذرَ، ويُزيلُ الشكَّ، ولكنَّ القصدَ كان إلى ذمِّ قِيلِه، فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخَلْقِه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في القريةِ التي مرَّ عليها القائلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فقال بعضُهم: هي بيتُ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قالا: ثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لما رأى إِرمِيَا هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجبلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ، قال: هي بيتُ المقدسِ.
مَوْتِهَا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ، قال: هي بيتُ المقدسِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ ذلك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أنه بيتُ المقدسِ، أتَى عليه عُزَيرٌ بعدَما خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ البابِليُّ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: إنه مَرَّ على الأرضِ المقدسةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
َ على الأرضِ المقدسةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ بها عُزَيرٌ بعدَ إِذ حَرَّبها بُخْتُنَصَّرَ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خَرَّبَها بُخْتُنَصَّرَ.
وقال آخرون: بل هي القريةُ التي كان اللَّهُ أهلَك فيها الذين خرَجوا مِن ديارِهم
وهم ألوفٌ حذَرَ الموتِ، فقال لهم اللَّهُ: مُوتوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. قال: قريةٌ كانت نزل بها الطاعونُ. ثم اقْتَصَّ قصتَهم التي ذكَرناها في موضعِها عنه، إلى أن بلَغ.
الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. قال: قريةٌ كانت نزل بها الطاعونُ. ثم اقْتَصَّ قصتَهم التي ذكَرناها في موضعِها عنه، إلى أن بلَغ. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]: في المكانِ الذي ذهَبوا يَبْتَغون فيه الحياةَ، فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال: ومَرَّ بها رجلٌ وهى عظامٌ تلوحُ، فوقَف يَنْظُرُ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك كالقولِ في اسمِ القائلِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. سواءٌ لا يَخْتَلِفان.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
يَعْنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: وهي خاليةٌ مِن أهلِها وسكانِها، يقالُ مِن ذلك: خَوَت الدارُ تَخْوِى خَوَاءٌ وخُوِيًّا، وقد يُقالُ للقريةِ: خَوِيَت. والأول أعْرَبُ وأفْصَحُ. وأما في المرأةِ إذا كانت نُفَساءَ فإنه يقالُ: خَوِيت تَخْوَى? خَوًى. مَنْقُوصًا، وقد يُقالُ فيها: خَوَتْ تَخْوِى. كما يُقالُ في الدارِ، وكذلك: خَوَى
الجَوفُ يَخْوِى خوًى شديدًا. ولو قِيل في الجوفِ ما قِيل في الدارِ، وفي الدارِ ما قِيل في الجَوْفِ، كان صوابًا، غيرَ أن الفصيحَ ما ذكَرتُ.
وأما العُروشُ، فإنها الأبنيةُ والبيوتُ، واحدُها عَرْشٌ، وجَمْعُ قليلِه أَعْرُشٌ، وكلُّ بناءٍ فإنه عَرْشٌ، ويُقالُ: [عَرَش فلانٌ، إذا بنَى - يَعْرِشُ ويَعرُشُ - عرشًا]، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] يعنِي: يَبْنُون.
قالُ: [عَرَش فلانٌ، إذا بنَى - يَعْرِشُ ويَعرُشُ - عرشًا]، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] يعنِي: يَبْنُون. ومنه قِيل: عَريشُ مكةَ، يعنِى به خيامَها وأبنيتَها.
وبمثلِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خرابٌ. قال ابن جريجٍ: بلَغنا أن عُزَيرًا حرَج، فوقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ، فوقَف فقال: أبْعدَ ما كان لك مِن المقدسِ والمُقاتِلةِ والمالِ ما كان! فحزِن.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال: هي خرابٌ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يقولُ: ساقِطةٌ على سُقُفِها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.
ومعنَى ذلك فيما ذُكِر، أن قائلَه لما مَرَّ ببيتِ المقدسِ، أو بالموضعِ الذي ذكَر اللَّهُ أنه مَرَّ به خرابًا بعدَ ما عهِده عامِرًا، قال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بَعْدَ خرابِها؟. فقال بعضُهم: كان قِيلُه ما قال مِن ذلك شَكًّا في قدرةِ اللَّهِ على إحيائِه، فأراه اللَّهُ قدرتَه على ذلك، بضَرْبِه المَثَلَ له في نفسِه، ثم أراه الموضعَ الذي أنكَر قدرتَه على عِمارتِه وإحيائِه أحيا ما أراه قبلَ خرابِه، وأعْمَرَ ما كان قبلَ خرابِه، وذلك أن قائلَ ذلك كان - فيما ذُكِر لنا - عهِده عامرًا بأهلِه وسُكّانِه، ثم رآه خاويًا على عُرُوشِه، قد باد أهلُه، وشَتَّتَهم القتلُ والسَّباءُ، فلم يَبْقَ منهم بذلك المكانِ أحدٌ، وخَرِبت منازلُهم ودُورُهم، فلم يَبْقَ فيها إلا الأثرُ، فلمّا رآه كذلك بعدَ الحالِ التي عهِده عليها،
قال: على أيِّ وجهٍ يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ خرابِها فيَعْمُرُها؟
م ودُورُهم، فلم يَبْقَ فيها إلا الأثرُ، فلمّا رآه كذلك بعدَ الحالِ التي عهِده عليها،
قال: على أيِّ وجهٍ يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ خرابِها فيَعْمُرُها؟ استنكارًا - فيما قاله بعضُ أهلِ التأويلِ - فأراه اللَّهُ كيفيةَ إحيائِه ذلك، بمثَلٍ ضرَبه له في نفسِه، وفيما كان [مِن إداوَتِه] وطعامِه، ثم عرَّفه قدرتَه على ذلك وعلى غيرِه، [بإظهارِ إحيائِه] ما كان عجبًا عندَه في قدرةِ اللَّهِ إحياؤُه لرأْيِ عينِه، حتى أبصَرَه ببصرِه، فلمّا رأَى ذلك، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ا كان عجبًا عندَه في قدرةِ اللَّهِ إحياؤُه لرأْيِ عينِه، حتى أبصَرَه ببصرِه، فلمّا رأَى ذلك، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وكان سببَ قِيلِه ذلك كالذى حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، عن وهْبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ أنه كان يَقُولُ: قال اللَّهُ لإرْمِيَا حينَ بعَثه نبيًّا إلى بني إسرائيلَ: يا إِرْمِيَا، مِن قبلِ أَن أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُك، ومِن قبلِ أن أُصَوِّرَك في رَحِم أُمِّك قدَّسْتُك، ومِن قبلِ أن أُخْرِجَك مِن بطنِها طَهَّرْتُكَ، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ السعىَ نَبَّيْتُك، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ الأشُدَّ اختَرتُك، ولأمرٍ عظيمٍ اجْتَبَيْتُك.
بلِ أن أُخْرِجَك مِن بطنِها طَهَّرْتُكَ، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ السعىَ نَبَّيْتُك، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ الأشُدَّ اختَرتُك، ولأمرٍ عظيمٍ اجْتَبَيْتُك. فبعَث اللَّهُ ﵎ إِرْمِيَا إلى ملِكِ بني إسرائيلَ، يسدِدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبرِ مِن اللَّهِ فيما بينَه وبينَه.
قال: ثم عَظُمت الأحداثُ في بنى إسرائيلَ، وركِبوا المعاصيَ، واستحَلُّوا المحارمَ، ونسُوا ما كان اللَّهُ صنَع بهم، وما نجّاهم مِن عدوِّهم سَنْحاريبَ، فأوحَى اللَّهُ ﷿ إلى إرميا: أنِ ائْتِ قومَك مِن بني إسرائيلَ، فاقْصُصْ عليهم ما آمُرُك به، وذَكِّرْهم نعمتى عليهم وعَرِفْهم إحداثَهم.
ثم ذكَر ما أرسَل اللَّهُ به إرْمِيا إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ، قال: ثم أوحَى اللَّهُ جلّ ثناؤه إلى إِرْمِيَا: إنى مُهْلِكٌ بني إسرائيلَ بيافِثَ. ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم [مِن ولدِ] يافِثَ بن نوحٍ.
مِن بنى إسرائيلَ، قال: ثم أوحَى اللَّهُ جلّ ثناؤه إلى إِرْمِيَا: إنى مُهْلِكٌ بني إسرائيلَ بيافِثَ. ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم [مِن ولدِ] يافِثَ بن نوحٍ. فلما سمِع إِرْمِيَا وَحْىَ ربِّه، صاح وبكَى وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرَّمادَ على رأسِه، فقال: ملعونٌ يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ لُقِّيتُ التوراةَ، ومِن شرِّ أيامي يومٌ ولِدتُ فيه، فما أُبقِيتُ آخِرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بي خيرًا ما جعَلني آخرَ الأنبياءِ مِن بني إسرائيلَ، فمِن أجلى تصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ.
فلما سمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه وكيف يَقُولُ، ناداه: يا إِرْمِيَا، أشَقَّ عليك ما أَوْحَيتُ إليك؟ قال: نعم يا ربِّ، أهلِكني [قبلَ أن أرى] في بني إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ ﵎: وعزَتي العزيزةِ لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِك في ذلك.
أن أرى] في بني إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ ﵎: وعزَتي العزيزةِ لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِك في ذلك. ففرِح عندَ ذلك إِرْمِيا لِمَا قال له ربُّه، وطابَت نفسُه، وقال: لا والذي بعَث موسى وأنبياءَه بالحقِّ، لا آمُرُ ربي بهلاكِ بنى إسرائيلَ أبدًا. ثم أتَى مَلِكَ بنى إسرائيلَ، وأخَبَره بما أوحَى اللَّهُ إليه، ففرِح واسْتَبْشَر، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذُنوبٍ كثيرةٍ قدَّمْناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقدرتِه.
ثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحي ثلاثَ سنين لم يَزْدادوا إلا معصيةً، وتماديًا في الشرِّ، وذلك حينَ اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حينَ لم يَكُونوا يَتَذَكَّرون الآخرةَ، وأُمْسِك عنهم حينَ ألهَتْهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملِكُهم: يا بنى
إسرائيلَ، انْتَهوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهُ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم ملوكٌ لا رحمةَ لهم بكم، فإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه.
قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهُ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم ملوكٌ لا رحمةَ لهم بكم، فإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه. فأبَوْا عليه أن يَنْزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه.
وإن اللَّهَ ﷿ الْقَى في قلبِ بُخْتِنَصَّرَ بن نَبُوزرادانَ أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يَفْعَلَ فيه ما كان جدُّه سَنْحاريبُ أراد أن يَفْعَلَه، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ، يُريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ؛ فلما فصَل سائرًا، أتيَ مَلِكَ بني إسرائيلَ الخبرُ أن بُخْتَ نَصَّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملِكُ إِلى إِرْمِيَا، فجاءه فقال: يا إِرْمِيَا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّنا أوحَى إليك ألا يُهلِكَ أهلَ بيتَ المقدسِ حتى يَكُونَ منك الأمرُ في ذلك؟
الملِكُ إِلى إِرْمِيَا، فجاءه فقال: يا إِرْمِيَا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّنا أوحَى إليك ألا يُهلِكَ أهلَ بيتَ المقدسِ حتى يَكُونَ منك الأمرُ في ذلك؟ فقال إِرْمِيا للملِكِ: إن ربي لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأنا به واثقٌ.
فلمّا اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلْكِهم، وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال: اذْهَبْ إلى إِرْمِيَا فاسْتَفْتِه، وأمَره بالذي يَسْتَفْتِيه فيه، فأقبل الملَكُ إلى إرْمِيَا، وقد تمثَّلَ له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا رجلٌ مِن بني إسرائيلَ، أسْتَفْتِيك في بعضِ أمرِى. فأذِن له، فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ أتَيْتُك أسْتَفْتِيك في أهلِ رَحِمي، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرني اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتي إياهم إلا إسْخاطًا لى، فأفْتِني فيهم يا نبيَّ اللَّهِ.
رحامَهم بما أمَرني اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتي إياهم إلا إسْخاطًا لى، فأفْتِني فيهم يا نبيَّ اللَّهِ. فقال له: أحسِنْ فيما بينَك وبينَ اللَّهِ، وصِلْ ما أمَرك اللَّهُ به أن تَصِلَ، وأبْشِرْ بخيرٍ.
فانصرَف عنه المَلَكُ، فمكَثَ أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ الذي كان جاءه، فقعَد بينَ يدَيْه، فقال له إرْميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذي أَتَيْتُك أستفتِيك في شأنِ أهلي. فقال له نبيُّ اللَّهِ ﵇: أوَ ما طَهُرَت لك أخلاقُهم بعدُ، ولم تَرَ منهم الذي تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعْلَمُ كرامةً يَأْتيها أحدٌ مِن الناسِ إلى أهلِ رَحِمِه إلا وقد أتَيْتُها إليهم، وأفضلَ مِن ذلك.
بُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعْلَمُ كرامةً يَأْتيها أحدٌ مِن الناسِ إلى أهلِ رَحِمِه إلا وقد أتَيْتُها إليهم، وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبيُّ: ارْجِعْ إلى أهلِك، فأَحسِنْ إليهم، أسألُ اللَّهَ الذي يُصْلِحُ عبادَه الصالحين، أن يُصْلِحَ ذاتَ بينِكم، وأن يَجْمَعَكم على مَرضاتِه، ويُجَنِّبَكُم سَخَطَه.
فقام الملَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا، وقد نزَل بُخْتُ نَصَّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ بأكثرَ مِن الجرادِ، ففزِع منهم بنو إسرائيلَ فزَعًا شديدًا، وشَقَّ ذلك على ملِكِ بني إسرائيلَ، فدعا إرْمِيَا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعدَك اللَّهُ؟ فقال: إني بربِّي واثقٌ.
ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرمِيَا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يَضْحَكُ ويَسْتَبْشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعدَه، فقعَد بينَ يديْه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كُنْتُ أتَيْتُكَ في شأنِ أهلي مرتَين. فقال له النبيُّ: أو لم يأْنِ لهم أن يُفِيقُوا مِن الذي هم فيه؟
ينَ يديْه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كُنْتُ أتَيْتُكَ في شأنِ أهلي مرتَين. فقال له النبيُّ: أو لم يأْنِ لهم أن يُفِيقُوا مِن الذي هم فيه؟ فقال الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يُصِيبُني منهم قبلَ اليومِ كُنْتُ أصبِرُ عليه، وأعْلَمُ [أنّ ما بهم] في ذلك سَخَطى، فلما أتَيْتُهم اليومَ رَأَيْتُهم في عملٍ لا يُرْضِى اللَّهَ، ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له النبيُّ: على أيِّ عملٍ رَأَيْتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رَأَيْتُهم على عملٍ عظيمٍ مِن سَخَطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ
اليومِ لم يَشْتَدَّ عليهم غضَبِي، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكنِّى غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتَيْتُك لأُخبِرَك، خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي هو بعثَك بالحقِّ إلا ما دعَوتَ عليهم ربَّك أن يُهْلِكَهم. فقال إِرْمِيا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأبْقِهم، وإن كانوا على سَخَطِك وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم.
م ربَّك أن يُهْلِكَهم. فقال إِرْمِيا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأبْقِهم، وإن كانوا على سَخَطِك وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم. فلما خرَجتِ الكلمةُ مِن في إِرْمِيا أرسَلَ اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القُربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها. فلما رأى ذلك إِرْمِيا صاح وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا مَلِكَ السماءِ، ويا أرحمَ الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَني؟ فنودِى: إرميا، إنه لم يُصِبْهم الذي أصابَهم إلا بفُتْياك التي أفْتيتَ بها رسولَنا.
يا مَلِكَ السماءِ، ويا أرحمَ الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَني؟ فنودِى: إرميا، إنه لم يُصِبْهم الذي أصابَهم إلا بفُتْياك التي أفْتيتَ بها رسولَنا. فاسْتَيقَن النبيُّ أنها فُتياه التي أفْتَى بها ثلاثَ مراتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، فطار إِرْمِيا حتى خالَط الوُحوشَ.
ودخَل بُخْتُنَصَّرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بني إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يَمْلأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا، ثم يَقْذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَفَ راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بني إسرائيلَ، وأمَرهم أن يَجْمَعُوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، [فاجتمَع عندَه] كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ مِن بني إسرائيلَ، فاختار منهم [سبعين ألفَ صبيٍّ]، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقْسِمهم
فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملِكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقْسِمُ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخْتَرْتَهم مِن بنى إسرائيلَ.
قْسِمهم
فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملِكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقْسِمُ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخْتَرْتَهم مِن بنى إسرائيلَ. ففعَل، فأصاب كلُّ واحدٍ منهم أربعةَ غِلْمةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ: دانِيالُ وحَنَانْيا ومِيشايل وعزَارْيَا. وجعَلهم بُخْتُ نَصَّرَ ثلاثَ فِرَقٍ، فثُلُثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثُلُثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفَ حتى أقدَمهم، بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأُولى التي أنزَل اللَّهُ [ببني إسرائيلَ] بإحداثِهم وظلمِهم.
ولمّا ولَّى بُخْتُنَصَّرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرْمِيَا على حمارٍ له، ومعه عصيرٌ مِن عنبٍ في زُكْرَةٍ، وسَلَّةُ تينٍ، حتى غَشِي إيلياءَ، فلما وقَف عليها، ورأى ما بها مِن الخرابِ دخَله شكٌّ، فقال: أنّى يُحيى هذه اللَّهُ بعد موتها؟
مِن عنبٍ في زُكْرَةٍ، وسَلَّةُ تينٍ، حتى غَشِي إيلياءَ، فلما وقَف عليها، ورأى ما بها مِن الخرابِ دخَله شكٌّ، فقال: أنّى يُحيى هذه اللَّهُ بعد موتها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ وحمارَه، وعصيرُه وسلةُ تينِه عندَه حيثُ أماته اللَّهُ وأمات حمارَه معه، وأعمَى اللَّهُ عنه العُيونَ فلم يرَه أحدٌ، ثم بعَثه اللَّهُ تعالى فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يقولُ: لم يَتَغَيَّرُ. ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوَى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حينَ وضَعه لم يَتَغيرُ.
العَصَبِ، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوَى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حينَ وضَعه لم يَتَغيرُ. فلمّا عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم عمرُ. ثم عمر اللَّهُ إرميا بعد ذلك، فهو الذي يُرى بفَلَواتِ الأرضِ والبُلْدانِ.
وحدَّثني محمدُ بنُ عَسْكَرٍ وابنُ زَنْجُويَه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: أَوحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيا وهو بأرضِ مصرَ: أن الْحَقْ بأرضِ إيلياءَ؛ فإن هذه ليست لك بأرضِ مُقامٍ. فركِب حمارَه، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ، ومعه سَلَّةٌ مِن عنبٍ وتينٍ، وكان معه سِقاءٌ جديدٌ، فملأَه ماءً، فلما بدَا له شخصُ بيتِ المقدسِ وما حولَه مِن القرى والمساجدِ، ونظَر إلى خرابٍ لا يُوصَفُ، فلما رأى هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجَبَلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
ن القرى والمساجدِ، ونظَر إلى خرابٍ لا يُوصَفُ، فلما رأى هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجَبَلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وسار حتى تَبوَّأَ منها منزِلًا، فربَط حمارَه بحبلٍ جديدٍ، وعلَّق سِقاءَه، وألقَى اللَّهُ عليه السُّباتَ، فلمّا نام نزَع اللَّهُ رُوحَه مائةَ عامٍ، فلما مرَّت مِن المائةِ سبعون عامًا، أرسَل اللَّهُ مَلَكًا إلى ملِكٍ مِن ملوكِ فارسَ عظيمٍ،
يقالُ له: يُوشَكُ. فقال له: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَن تنفِرَ بقومِك فتُعمِّرَ بيتَ المقدسِ وإيلياءَ وأرضَها، حتى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانت، فقال له الملِكُ: أنْظِرْني ثلاثةَ أيامٍ حتى أتَأَهَّبَ لهذا العملِ ولما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ.
سِ وإيلياءَ وأرضَها، حتى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانت، فقال له الملِكُ: أنْظِرْني ثلاثةَ أيامٍ حتى أتَأَهَّبَ لهذا العملِ ولما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ. فأنْظَرَه ثلاثةَ أَيامٍ، فانتدَب ثلاثَمائةِ قَهرمانَ، ودفَع إلى كلِّ قَهرمانَ ألفَ عاملٍ وما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ، فسار إليها قَهارِمتُه ومعهم ثلاثُمائةِ ألفِ عاملٍ، فلما وقَعوا في العملِ ردَّ اللَّهُ رُوحَ الحياةِ في عينِ إِرْمِيَا، [وآخِرُ جسدِه ميتٌ]، فنظَر إلى إيِلياءَ وما حولَها مِن المدينةِ والمساجد، والأنهارُ والحُرُوثُ تُعْمَلُ وتُعَمَّرُ وتُجَدَّدُ، حتى صارَت كما كانت، وبعدَ ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ ردَّ اللَّهُ إليه الرُّوحَ، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومِ ربَطه لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبُ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ في عنقِ الحمارِ لم تَتَغَيرْ جديدةً، وقد أتَى على ذلك ريحُ مائةِ عامٍ، وبردُ مائةِ عامٍ، وحرُّ مائةِ عامٍ، لم تَتَغَيرْ، ولم تُنتَقصْ شيئًا، وقد نَحَل جسمُ إِرْمِيَا مِن
ُرِّب بَيتُ المقدسِ، وحُرِّق الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾. ثم ردَّ اللَّهُ مَن ردَّ مِن بنِي إسرائيلَ على رأسِ سبعينَ سنةً مِن حينَ أماته، يَعمُرُونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ؛ فلما ذهَبَتِ المائةُ ردَّ اللَّهُ إليه رُوحَه، وقد عُمِّرت على حالِها الأُولَى، فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيف تلتامُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ كيف تُكسَى عصبًا ولحمًا، فَلَمَّا تَبَيَّن له ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
له ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. قال: فكان طعامُه تينًا في مِكْتَلٍ، وقُلَّةً فيها ماءٌ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: وذلك أنّ عُزَيرًا مرَّ جائيًا مِن الشام على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعنبٌ وتينٌ، فلما مرَّ بالقريةِ فرآها، وقَف عليها
وقلَّب يدَه وقال: كيف يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ موتِها؟ تكذيبًا منه وشكًّا، فأماته اللَّهُ وأمات حمارَه، فهلَكا ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ، ثم إن اللَّهَ ﷿ أحيا عُزَيرًا فقال له: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قِيل له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ مِن التينِ والعنبِ ﴿وَشَرَابِكَ﴾ مِن العصيرِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: ثم أثارَه حيًّا مِن بعدِ مماتِه. وقد دلَّلْنا على معْنى البعثِ فيما مضَى قبلُ.
وأما معْنى قولِه: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾. فإن "كم" استفهامٌ في كلامِ العربِ عن مَبْلَغِ العددِ، وهو في هذا الموضعِ نَصْبٌ به ﴿لَبِثْتُ﴾. وتأويلُه: قال اللَّهُ له: كم قدرُ الزمانِ الذي لبِثْتَ ميتًا قبلَ أن أبعثَك من مماتِك حيًّا؟ قال المبعوثُ بعدَ مماتِه: لبِثتُ ميتًا إلى أن بَعَثْتَنِي حيًّا يومًا واحدًا أو بعضَ يومٍ.
وذكِر أن المبعوثَ، وهو إرْمِيَا أو عُزَيرٌ، أو مَن كان ممّن أخبَرَ اللَّهُ عنه هذا الخبرَ،
إنما قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ كان قبَض رُوحَه أوّلَ؛ النهارِ، ثم ردَّ إليه رُوحَه آخِرَ النهارِ بعدَ المائةِ العامِ، فقيل له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
اللَّهَ ﷿ كان قبَض رُوحَه أوّلَ؛ النهارِ، ثم ردَّ إليه رُوحَه آخِرَ النهارِ بعدَ المائةِ العامِ، فقيل له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فكان ذلك عندَه يومًا؛ لأنَّه ذكِر أنه قُبِض رُوحُه أولَ النهارِ. وسُئِل عن مقدارِ لُبثِه ميتًا آخِرَ النهارِ، وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. ثم رأى بقيةً مِن الشمسِ قد بَقِيت لم تَغْرُبُ، فقال: ﴿ا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. بمعْنى: بل بعضَ يومٍ. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. بمعْنى: بل يَزِيدُون. فكان قولُه: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رُجوعًا منه عن قولِه: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، ثم بُعِث قبلِ غَيْبوبةِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفَت فرأى بقيةً مِن الشمسِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. فقال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. قال: مَرَّ على قريةٍ خَربةٍ فتعجَّب،
فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فأماته اللَّهُ أَوَّلَ النهارِ، فلبِث مائةَ عامٍ، ثم بعثَه في آخِرِ النهارِ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
وحدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعثَه، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟
ِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
وحدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعثَه، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. [وذلك أنه بُعِث فيما ذكِر لنا قبلَ غروبِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. ثم التفت فرأى بقيةً من الشمسِ من ذلك اليومِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾]. قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: لما وقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بخْتُنَصَّرَ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: كيفَ يعيدُها كما كانت؟ ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، وبُعِث قبلَ غروبِ الشمسِ بعدَ مائةِ عامٍ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟ قال: ﴿يَوْمًا﴾. فلما رأى الشمسَ، قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تُغَيِّره السِّنونَ التي أتَت عليه.
وكان طعامُه فيما ذكَر بعضُهم سلةَ تينٍ وعنبٍ، وشرابُه قلةَ ماءٍ.
وقال بعضُهم: بل كان طعامُه سَلَّةَ عنبٍ وسلةَ تينٍ، وشرابُه زِقًّا مِن عصيرٍ.
وقال آخَرون: بل كان طعامُه سلةَ تينٍ، وشرابُه دَنَّ خمرٍ أو زُكرةَ خمرٍ.
وقد ذكَرنا فيما مضَى قولَ بعضِهم في ذلك، ونَذْكُرُ ما فيه فيما يُسْتَقْبَلُ إِن شاء اللَّهُ.
وفي قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وجْهانِ مِن القراءةِ: أحدُهما، (لم يَتَسَنَّ). بحذفِ الهاءِ في الوصلِ وإثباتِها في الوقفِ، ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ زائدةً صِلةً، كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وجعَل "تَفعَّلْتُ" منه: تَسَنَّيتُ تسنِّيًا.
ذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ زائدةً صِلةً، كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وجعَل "تَفعَّلْتُ" منه: تَسَنَّيتُ تسنِّيًا. واعتلَّ في ذلك بأنّ السَّنَةَ تُجْمَعُ سنواتٍ، فيكونُ تَفَعَّلْتُ على صحَّةٍ، ومن قال في السَّنِة: سُنينةٌ. فجائزٌ على ذلك وإن كان قليلًا، أن يَكُونَ "تَسنَّيْتُ" "تَفَعَّلْتُ"؛ بُدِّلَتِ النونُ ياءً لمّا كثُرت النوناتُ، كما قالُوا: تَظَنَّيتُ وأصلُه الظنُّ.
وقد قال قومٌ: هو مأخوذٌ مِن قولِه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]. وهو المتغيرُ. وذلك أيضًا إذا كان كذلك، فهو أيضًا مما بُدِّلَتْ نونُه ياءً وهى قراءةُ عامةِ قَرَأةِ الكوفةِ.
والآخرُ منهما، إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ. ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ لامَ الفعلِ، ويَجْعَلُها مجزومةً بـ "لم"، ويَجْعَلُ، "فَعَّلْت" منه: تَسَنَّهْتُ. و "يُفَعِّل": أَتَسَنَّهُ تَسَنُّهًا.
ْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ لامَ الفعلِ، ويَجْعَلُها مجزومةً بـ "لم"، ويَجْعَلُ، "فَعَّلْت" منه: تَسَنَّهْتُ. و "يُفَعِّل": أَتَسَنَّهُ تَسَنُّهًا. وقال في تصغيرِ السَّنةِ: سُنَيهةٌ [وسُنيَّةٌ: أسْنَيْتُ عندَ القومِ، وأَسْنَهْتُ] عندَهم: إِذا أقَمتَ سنةً.
وهذه قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ؛ لأنَّها مُثْبتةٌ في مصحفِ المسلمين، ولإثباتِها وجهٌ صحيحٌ في كلتا الحالتين؛ [وذلك أن يكونَ معْنى] قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تأتِ عليه السِّنون فيَتَغَيَّرُ. على لغةِ مَن قال: أَسْنَهْتُ عندَكم أُسْنِهُ.
في كلتا الحالتين؛ [وذلك أن يكونَ معْنى] قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تأتِ عليه السِّنون فيَتَغَيَّرُ. على لغةِ مَن قال: أَسْنَهْتُ عندَكم أُسْنِهُ. إذا أقام سنةً، وكما قال [شاعرُ الأنصارِ]:
ولَيْسَتْ بِسنَهَاءٍ ولَا رُجَّبِيَّةٍ … ولكنْ عَرَايا في السِّنِينَ الجوائحِ
فجعَل الهاءَ في السنةِ أصلًا، وهى اللغةُ الفُصحى، وغيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ
مِن كتابِ اللَّهِ، في حالِ وقفٍ أو وصلٍ، [ولإثباتِه وجهٌ في كلامِ العربِ صحيحٌ، كما غيرُ جائزٍ إثباتُ ما ليس منه، ولحذفِه] وجهٌ معروفٌ في كلامِها.
فإنِ اعتلَّ معتلٌّ بأنّ المصحفَ قد أُلْحِقَت فيه حروفٌ هنَّ زوائدُ على نيةِ الوقفِ، والوجهُ في الأصلِ عندَ القرأةِ حذفُهنَّ، وذلك كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]. فإنّ ذلك هو مما لم يَكُنْ فيه شَكٌّ أنه مِن الزوائدِ، وأنه أُلْحِق علَى نيةِ الوقفِ.
٩٠]. وقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]. فإنّ ذلك هو مما لم يَكُنْ فيه شَكٌّ أنه مِن الزوائدِ، وأنه أُلْحِق علَى نيةِ الوقفِ. فأمّا ما كان مُحْتَمِلًا أن يَكُونَ أصلًا للحرفِ غيرَ زائدٍ، فغيرٌ جائزٍ - وهو في مُصحفِ المسلمين مثبتٌ - صرفُه إلى أنه مِن الزوائدِ والصِّلَاتِ، على أنّ ذلك وإن كان زوائدَ فيما لا شكَّ أنه مِن الزوائدِ، فإن العربَ قد تَصِلُ الكلامَ، فتَنْطِقُ به على نحوِ منطقِها به في حالِ القطعِ، فيكونُ وصلُها إياه وقَطْعُها سواءً، وذلك مِن فِعلِها دَلالةٌ على صحةِ قراءةِ مِن قرَأ جميعَ ذلك بإثباتِ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ، غيرَ أنّ ذلك وإن كان كذلك، فلِقولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ حكمٌ مفارقٌ حكمَ ما كان هاؤُه [زائدةً، لا يُشَكُّ في زيادتِها] فيه.
الهاءِ في الوصلِ والوقفِ، غيرَ أنّ ذلك وإن كان كذلك، فلِقولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ حكمٌ مفارقٌ حكمَ ما كان هاؤُه [زائدةً، لا يُشَكُّ في زيادتِها] فيه.
ومما يَدُلُّ على صحةِ ما قُلنا، مِن أنّ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ مِن لغةِ مَن قال: قد أسنهتُ، وهى المسانهةُ، ما حُدِّثت به عن القاسمِ بن سلَّامٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن أبي الجراحِ، عن سليمانَ بن عُميرٍ، قال: ثنِي هانئٌ مولَى عثمانَ، قال: كُنْتُ الرسولَ بيَن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، فقال زيدٌ: سَلْهُ عن قولِه: لم (يَتسَنَّ)، أو
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؟ فقال عثمانُ: اجعلوا فيها هاءً.
[وحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ]، عن القاسمِ، وحدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ العطارُ، قالا: ثنا ابن مهديٍّ، عن ابن المباركِ، قال: ثنِي أبو وائلٍ؛ شيخٌ مِن أهلِ اليمنِ، عن هانِئ البربريِّ، قال: كنتُ عندَ عثمانَ وهم يَعْرِضون المصاحفَ، فأرْسَلَني بكَتِفِ شاةٍ إلى أبيِّ بن كَعْبٍ، فيها: (لم يتسنّ). و (فأمْهلِ الكافرين). و (لا تَبْدِيلَ للخلقِ).
نتُ عندَ عثمانَ وهم يَعْرِضون المصاحفَ، فأرْسَلَني بكَتِفِ شاةٍ إلى أبيِّ بن كَعْبٍ، فيها: (لم يتسنّ). و (فأمْهلِ الكافرين). و (لا تَبْدِيلَ للخلقِ). قال: فدَعا بالدواةِ، فمحَا إحدَى اللامَين، وكتَب ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. ومحا (فأمهِلْ)، وكتَب ﴿فَمَهِّلِ﴾ [الطارق: ١٧]. وكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. ألْحَق فيها الهاءَ.
ولو كان ذلك مِن "تسنَّى" أو "تسنَّن"، لَما ألْحَق فيه أبيٌّ هاءً، [ولا موضعَ للهاءِ فيه]، ولا أمَر عثمانُ بإلحاقِها فيه.
وقد رُوِىَ عن زيدِ بن ثابتٍ في ذلك نحوُ الذي رُوِى فيه عن أُبيِّ بن كعبٍ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
بإلحاقِها فيه.
وقد رُوِىَ عن زيدِ بن ثابتٍ في ذلك نحوُ الذي رُوِى فيه عن أُبيِّ بن كعبٍ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. فقال بعضُهم بمثلِ الذي قُلنا فيه من أنّ معْناه: لم يَتغيَّرْ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهَمُ، عن وَهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَتَغَيَّرْ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، أي: لم يَتَغيّرْ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني موسَى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: فانظُرْ إلى طعامِك مِن التينِ والعنبِ، وشرابِك مِن العصيرِ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يِّ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: فانظُرْ إلى طعامِك مِن التينِ والعنبِ، وشرابِك مِن العصيرِ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ فيَحْمُضَ التينُ والعنبُ، ولم يَخْتَمِرِ العصيرُ، هما حُلوان كما هما، وذلك أنه مرَّ جائيًا مِن الشامِ على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعِنَبٌ وتِينٌ، فأماتَه اللَّهُ، وأمات حمارَه، ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه ﵎: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه ﵎: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ، وقد أتَى عليه مائةُ عامٍ.
حدَّثني المُثَنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويْبرٍ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهُ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النّضرِ، عن عكرمةَ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيَّرْ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ في مائةِ سنةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتُبِ أن إرْميا كان بإيلياءَ حين خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ، فخرَج منها إلى مِصرَ فكان بها، فأوحَى اللَّهُ إليه: أنِ اخرُجْ منها إلى بيتِ المقدسِ.
بعضِ الكتُبِ أن إرْميا كان بإيلياءَ حين خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ، فخرَج منها إلى مِصرَ فكان بها، فأوحَى اللَّهُ إليه: أنِ اخرُجْ منها إلى بيتِ المقدسِ. فأتاها فإذا هي خَرِبةٌ، فنظَر إليها فقال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بعد موتِها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ ثم بعثَه، فإذا
حمارُه حيٌّ قائمٌ على رِباطهِ، وإذا طعامُه سَلُّ عنبٍ وسَلُّ تينٍ، لم يَتغيرْ عن حالِه.
قال يونسُ: قال لنا سَلْمٌ الخواصُ: كان طعامُه وشرابُه سَلَّ عنبٍ وسَلَّ تينٍ وزِقَّ عصيرٍ.
وقال آخَرونَ: معْنى ذلك: لم يَنْتِنْ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَنْتِنْ.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾. قال: سَلُّ تينٍ، ﴿وَشَرَابِكَ﴾: دَنُّ خَمْرٍ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
ا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾. قال: سَلُّ تينٍ، ﴿وَشَرَابِكَ﴾: دَنُّ خَمْرٍ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَنْتِنْ.
[حدِّثت عن عمّارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَنْتِنْ].
وأحْسَبُ أنّ مجاهدًا والربيعَ ومَن قال في ذلك بقولِهما، رَأوْا أن قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]. بمعْنى المُتغيرِ الريحِ بالنَّتَنِ، مِن قولِ القائلِ: تَسَنَّن. وقد بَيَّنتُ الدَّلالةَ فيما مضَى على أنّ ذلك ليس كذلك.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه مِن الأسَنِ، مِن قولِ القائلِ: أَسِنَ هذا الماءُ يَأْسَنُ أسَنًا. كما قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. فإن ذلك لو كان كذلك، لكان الكلامُ: فانظُر إلى طعامِك وشرابِك لم يَتأَسَّنُ.
َهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. فإن ذلك لو كان كذلك، لكان الكلامُ: فانظُر إلى طعامِك وشرابِك لم يَتأَسَّنُ. ولم يكنْ ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.
[فإن قال]: فإنه منه، غيرَ أنه تُرِكَ همزُه، قيل: فإنه وإن تُرِكَ همزُه فغيرُ جائزٍ تشديدُ نونِه؛ لأن النونَ [من "يتَأسَّنُ"] غيرُ مُشَددةٍ، وهي في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾. مشددةٌ، ولو نُطِق مِن "يَتأسنُ" بتركِ هَمْزِه، لقِيل: "لم يَتَسَّنْ"، بتخفيفِ نونِه بغيرِ هاءٍ تلْحَقُ فيه. ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن الأسَنِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معْنى ذلك: وانظُرْ إلى إحيائِى حمارَك، وإلى عظامِه كيف أُنشْزِهُا، ثم أكْسُوها لحمًا.
ثم اختلف مُتأوِّلو هذا التأويلِ؛ فقال بعضُهم: قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه له ذلك
بعدَ أن أحْياه خلقًا سَوِيًّا، ثم [أراه كيف] يُحْيِي حمارَه؛ تعريفًا منه تعالى ذِكْرُه له كيفيةَ إحيائِه القريةَ التي رآها خاويةً على عُرُوشِها، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مُسْتَنكِرًا إحياءَ اللَّهِ إيَّاها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وَهْبٍ بن مُنَبِّهٍ، قال: بعثَه اللَّهُ فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
ُ، عن وَهْبٍ بن مُنَبِّهٍ، قال: بعثَه اللَّهُ فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. قال: فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف كُسى ذلك منه اللحمُ حتى اسْتَوى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حين وضعَه لم يَتغَيّرْ، فلما عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ثم إنّ اللَّهُ ﵎ أحيا عُزَيرًا، فقال: كم لبثتَ؟ قال: لبِثْتُ يومًا أو بعضَ يومٍ. قال: بل لبِثْتَ مائةَ عامٍ، فانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسنَّهْ، وانظُرْ إلى حمارِك قد هَلَك، وبَلِيَت عظامُه، وانظُرْ إلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا.
َ عامٍ، فانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسنَّهْ، وانظُرْ إلى حمارِك قد هَلَك، وبَلِيَت عظامُه، وانظُرْ إلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا. فبعَث اللَّهُ ﵎ ريحًا، فجاءت بعظامِ الحمارِ مِن كلِّ سَهْلٍ وجَبَلٍ ذهَبت به الطيرُ والسِّباعُ، فاجْتَمَعت، فرَكَّب بعضَها في بعضٍ وهو يَنظُرُ، فصار حمارًا مِن
عظامٍ، ليس له لحمٌ ولا دمٌ، و إن اللَّهَ ﷻ كسَا العظامَ لحمًا ودمَا، فقام حمارًا مِن لحمٍ ودَمٍ وليس فيه روحٌ، ثم أقبَل مَلَكٌ يَمشِى حتى أخذَ بِمِنْخَرِ الحمارِ، فنفَخ فيه، فنَهَق الحمارُ. فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله قائلُ هذا القولِ: وانظُر إلى إحيائِنا حمارَك، وإلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا، ولِنَجْعَلَك آيةً للناسِ. فيكونُ في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
ِ: وانظُر إلى إحيائِنا حمارَك، وإلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا، ولِنَجْعَلَك آيةً للناسِ. فيكونُ في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾. متروكٌ مِن الكلامِ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه عليه مِن ذِكْرِه، وتكونُ الألفُ [واللامُ] في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ بدلًا مِن الهاءِ المُرادةِ في المعْنى؛ لأن مَعْناه: وانظر إلى عظامِه. يَعْنِى: إلى عظامِ الحمارِ.
وقال آخرون منهم: بل قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ذلك له بعدَ أن نفَخ الروحَ في عيْنَيْه.
ْنى؛ لأن مَعْناه: وانظر إلى عظامِه. يَعْنِى: إلى عظامِ الحمارِ.
وقال آخرون منهم: بل قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ذلك له بعدَ أن نفَخ الروحَ في عيْنَيْه. قالوا: وهى أولُ عُضْوٍ مِن أعضائِه نفَخ اللَّهُ فيه الروحَ، وذلك [قبلَ أن يُسوِّيَه] خلقًا سويًا، وقبلَ أن يُحْيِيَ حمارَه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان هذا رجلًا مِن بنى إسرائيلَ نُفِخَ الروحُ في عَينيْه، فنظَر إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يُحيِيه اللَّهُ، وإلى حمارِه حينَ يُحييه اللَّهُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ه حينَ يُحيِيه اللَّهُ، وإلى حمارِه حينَ يُحييه اللَّهُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: بدأ بعينَيْه فنفَخ فيهما الروحَ، ثم بعظامِه فأنْشَزها، ثم وصَل بعضَها إلى بعضٍ، ثم كساها العصبَ، ثم العُروقَ، ثم اللحمَ، ثم نظَر إلى حمارِه، فإذا حمارُه قد بَلِى وابْيَضَّتْ عظامُه، في المكانِ الذي ربطَه فيه، فنُودِى: يا عِظامُ اجْتَمِعي، فإِن اللَّهَ مُنْزِلٌ عليكِ رُوحًا.
ظَر إلى حمارِه، فإذا حمارُه قد بَلِى وابْيَضَّتْ عظامُه، في المكانِ الذي ربطَه فيه، فنُودِى: يا عِظامُ اجْتَمِعي، فإِن اللَّهَ مُنْزِلٌ عليكِ رُوحًا. فسَعَى كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، فوصَل العظامَ، ثم العصبَ، ثم العروقَ، ثم اللحمَ، ثم الجِلْدَ، ثم الشَّعَرَ، وكان حمارُه جَذَعًا، فأحياه اللَّهُ كبيرًا قد تَشَنَّن، فلم يَبْقَ منه إلا الجِلدُ مِن طولِ الزمنِ، وكان طعامُه سَلَّ عنبٍ، وشرابُه دَنَّ خَمْرٍ.
قال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: نفَخ الروحَ في عينَيْه، ثم نظَر بهما إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يَنْشُرُه اللَّهُ، وإلى حمارِه حين يُحيِيه اللَّهُ.
وقال آخَرون: بل جعَل اللَّهُ الروحَ في رأسِه وبصرِه، وجسَدُه ميتٌ، فرأَى حمارَه قائمًا كهيئتِه يومَ ربَطه، وطعامِه وشرابَه كهيئتِه يومَ حلَّ البُقْعَةَ، ثُم قال اللَّهُ له: انظُر إلى عظامِ نفسِك كيف نُنْشِزُها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
قائمًا كهيئتِه يومَ ربَطه، وطعامِه وشرابَه كهيئتِه يومَ حلَّ البُقْعَةَ، ثُم قال اللَّهُ له: انظُر إلى عظامِ نفسِك كيف نُنْشِزُها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: ردَّ اللَّهُ روحَ الحياةِ في عينِ إرميا، وآخِرُ جسدِه ميتٌ، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومَ ربطَه، لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ في عُنُقِ الحمارِ لم [تَتَغيّرْ، جديدةً].
ه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومَ ربطَه، لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ في عُنُقِ الحمارِ لم [تَتَغيّرْ، جديدةً].
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا قد مكَث مائةَ عامٍ، وإلى طعامِه لم يَتَغيرْ، قد أتَى عليه مائةُ عامٍ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فكان أوَّلَ شيءٍ أحيا اللَّهُ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى سائرِ خَلقِه يُخلَقُ.
ْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فكان أوَّلَ شيءٍ أحيا اللَّهُ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى سائرِ خَلقِه يُخلَقُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا، وإلى طعامِه وشرابِه لم يَتَغيرْ، فكان أوَّلَ شيءٍ خُلِقَ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إلى بعضٍ، فلمّا تَبَيَّن له، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:
ذُكِرَ لنا أنه أولُ ما خُلِق منه رأسُه، ثم رُكِّبتْ فيه عيناه، ثم قيل له: انْظُرُ.
عاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:
ذُكِرَ لنا أنه أولُ ما خُلِق منه رأسُه، ثم رُكِّبتْ فيه عيناه، ثم قيل له: انْظُرُ. فجعَل يَنْظُرُ، فجَعَلتْ عِظامُه تَواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وبعينِ نبيِّ اللَّهِ ﵇ كان ذلك، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: وكان حمارُه عندَه كما هو، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قال الربيع: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أنه أولُ ما خُلِقَ منه عَيْناه، ثم قيل: انْظُرْ.
ً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قال الربيع: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أنه أولُ ما خُلِقَ منه عَيْناه، ثم قيل: انْظُرْ. فجعَل يَنْظُرُ إلى العِظامِ يَتَواصلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعَيْنيه، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: واقفًا عليك منذُ مائةِ سنةٍ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. يقولُ: وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُحْيِيها حينَ سَأَلْتنا كيف نُحْيِي هذه. قال: فجعَل اللَّهُ الروحَ في بصرِه وفى لسانِه، ثم قال: ادْعُ الآن بلسانِك الذي جعَل اللَّهُ فيه الروحَ، وانظُرْ ببصرِك. قال: فكان يَنظُرُ إلى الجُمْجُمَةِ. قال: فنادَى: لِيَلْحَقُ كلُّ عَظْمٍ بأَلِيفِه.
: ادْعُ الآن بلسانِك الذي جعَل اللَّهُ فيه الروحَ، وانظُرْ ببصرِك. قال: فكان يَنظُرُ إلى الجُمْجُمَةِ. قال: فنادَى: لِيَلْحَقُ كلُّ عَظْمٍ بأَلِيفِه. قال: فجاء كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، حتى اتَّصَلَتْ وهو يراها، حتى إن
الكِسْرَةَ مِن العظمِ لتَأْتِى إلى المَوْضعِ الذي انْكَسَرت منه، فتَلْصَقُ به، حتى وصَل إلى جُمْجُمَتِه وهو يرَى ذلك، فلما اتَّصَلت شدَّها بالعَصَبِ والعرُوقِ، وأجْرَى عليها اللحْمَ والجِلْدَ، ثم نفَخ فيها الروحَ، ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: ثم أُمِر فنادَى تلك العِظامَ التي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
الَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: ثم أُمِر فنادَى تلك العِظامَ التي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. كما نادَى عِظامَ نفسِه، ثم أحياها اللَّهُ كما أحياه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتبِ أنّ اللَّهَ ﵎ أمات إرميا مائةَ عامٍ، ثم بعثَه فإذا حمارُه حيٌّ قائمٌ على رِباطِه. قال: وردَّ اللَّهُ إليه بصرَه، وجعَل الروحَ فيه قبلَ أن يُبْعثَ بثلاثين سنةً، ثم نظَر إلى بيتِ المقدسِ وكيفَ عُمِرَ وما حولَه. قال: فيقولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه الذي قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
وما حولَه. قال: فيقولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه الذي قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. الآية.
ومعنَى الآيةِ على تأويلِ هؤلاء: وانْظُرْ إلى حمارِك [لم يتسنَّهْ]، ولنَجعَلَك آيةً للناسِ، وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُنْشِزُها بعدَ بِلاها، ثم نَكْسوها لحمًا، فنُحْيِيها بحياتِك، فتَعْلمَ كيف يُحْيِي اللَّهُ القُرَى وأَهْلَها بعدَ مماتِها.
وأَوْلَى الأقوالِ في هذه الآيةِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إِن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه بعَث قائلَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مِن مماتِه، ثم أراه نَظِيرَ ما اسْتَنْكَر مِن إحياءِ اللَّهِ القريةَ التي مرَّ بها بعدَ مماتِها، عِيانًا مِن نفسِه وطعامِه وحمارِه، فجعَل تعالى ذِكْرُه ما أرَاه مِن إحيائِه نفسَه وحمارَه مَثَلًا لما اسْتَنْكَر مِن إحيائِه أهلَ القريةِ التي مرَّ بها خاويةً على عُروشِها، وجعَل ما أرَاه مِن العِبرةِ في طعامِه وشرابِه عِبرةً له وحُجةً عليه في كيفيةِ إحيائِه منازلَ
ن إحيائِه أهلَ القريةِ التي مرَّ بها خاويةً على عُروشِها، وجعَل ما أرَاه مِن العِبرةِ في طعامِه وشرابِه عِبرةً له وحُجةً عليه في كيفيةِ إحيائِه منازلَ القريةِ وجنانَها، وذلك هو معنَى قولِ مجاهدٍ الذي ذكَرناه قَبْلُ.
وإنما قلنا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. إنما هو بمعنَى: وانْظُرْ إلى العظامِ التي تراها ببصرِك كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا. وقد كان حمارُه أدْرَكه مِن البِلَى - في قولِ أهلِ التأويلِ جميعًا - نَظِيرُ الذي لَحِقَ عِظامَ مَن خُوطِبَ بهذا الخطابِ، فلم يُمْكِنْ صَرْفُ معنى قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾. إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ الحمارِ دونَ عِظامِ المأمورِ بالنظرِ إليها، ولا إلى أنه أَمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ نفسِه دونَ عظامِ الحمارِ.
﴾. إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ الحمارِ دونَ عِظامِ المأمورِ بالنظرِ إليها، ولا إلى أنه أَمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ نفسِه دونَ عظامِ الحمارِ. وإذ كان ذلك كذلك - وكان البِلَى قد لَحِقَ عِظامَه وعِظامَ حمارِه - كان الأوْلَى بالتأويلِ أن يكونَ الأمرُ بالنظرِ إلى كلِّ ما أَدْرَكه طَرفُه، مما قد كان البِلَى لَحِقَه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه جعَل جميعَ ذلك عليه حُجةً، وله عِبرةً وعِظةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولِنجعَلَك آيةً للناسِ؛ أمَتْناك مائةَ عامٍ ثم بَعَثْناك.
وإنما أُدْخِلتِ الواوُ مع اللامِ التي في قولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
وهي بمعنى "كى"؛ لأن في دخولِها في "كى" وأخواتها دَلالةً على أنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها، بمعنى: ولنجْعَلَك كذا وكذا فعَلنا ذلك. ولو لم تكنْ قبلَ اللامِ - أعنى لامَ "كى" - واوٌ، كانتِ اللامُ شرطًا للفعلِ الذي قبْلَها، وكان يكونُ معناه: وانظُرْ إلى حمارِك لنجعَلَك آيةً للناسِ.
وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: ولنَجْعَلَكَ حُجةً على مَن جَهِل قُدْرتي، وشكَّ في عَظَمتى، وأنى القادِرُ على فعلِ ما أشاءُ مِن إماتةٍ وإحياءٍ، وإفناءٍ وإنشاءٍ، وإنعامٍ وإذلالٍ، وإقتارٍ وإغناءٍ، بيدى ذلك كلُّه، لا يملكُه أحدٌ دونِى، ولا يقدِرُ عليه غَيرِى.
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: كان آيةً للناس بأنه جاء بعدَ مائةِ عامٍ إلى ولدِه وولدِ ولدِه شابًّا وهم شُيوخٌ.
ُه أحدٌ دونِى، ولا يقدِرُ عليه غَيرِى.
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: كان آيةً للناس بأنه جاء بعدَ مائةِ عامٍ إلى ولدِه وولدِ ولدِه شابًّا وهم شُيوخٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبِيصةُ بن عُقْبَةَ، عن سفيانَ، قال: سمعِتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: قال: جاء شابًّا وولدُه شُيوخٌ.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه جاء وقد هلك مَن يَعْرِفُه، فكان آيةً لمَن قَدِم عليه مِن قومِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: رجَع إلى أهلِه، فوجَد دارَه قد بيعتْ وبُنِيت، وهَلَك مَن كان يَعْرِفُه، فقال: اخْرجُوا مِن دارِى. قالوا: ومَن أنتَ؟ قال: أنا عُزَيْرٌ. قالوا: أليس قد هلَك عُزَيرٌ منذُ كذا وكذا؟ قال: فإن عُزَيرًا أنا هو، كان مِن حالى وكان.
قال: اخْرجُوا مِن دارِى. قالوا: ومَن أنتَ؟ قال: أنا عُزَيْرٌ. قالوا: أليس قد هلَك عُزَيرٌ منذُ كذا وكذا؟ قال: فإن عُزَيرًا أنا هو، كان مِن حالى وكان. فلمّا عرفوا ذلك، خرَجوا له مِن الدارِ، ودفَعُوها إليه.
والذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن القولِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذِكْرُه أخبرَ أنه جعَل الذي وصَف صفته في هذه الآيةِ [آيةً و] حُجةً للناسِ، فكان كذلك حجةً على مَن عرَفه مِن ولدِه وقومِه ممن عَلِم موتَه وإحياءَ اللَّهِ إِيَّاه بعد مماتِه، وعلى مَن بُعِثَ إليه منهم.
القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن العِظامَ التي أُمِرَ بالنظَرِ إليها هي عظامُ نفسِه وحمارِه، وذكَرنا اختلافَ المُختلفين في تأويلِ ذلك، وما يَعْنى كلُّ قائلٍ فيما قاله في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه.
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾، فإن القرأةَ اخْتَلَفت في قراءتِه؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. بضمِ
النونِ و الزايِ، وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ الكوفيين، على معنى: وانظْرْ إلى العظامِ كيف نُرَكِّبُ بعضَها على بعضٍ، ونَنْقُلُ ذلك إلى مَواضِعِه مِن الجسمِ.
وأصلُ النَّشَزِ الارتفاعُ، ومنه قيل: قد نشَزَ الغلامُ، إِذا ارْتَفَع طوله وشبَّ، ومنه نشوزُ المرأةِ على زوجِها، ومِن ذلك قيل للمكانِ المرتفعِ مِن الأرضِ: نَشْزٌ، ونَشَزٌ، ونَشَازٌ.
قيل: قد نشَزَ الغلامُ، إِذا ارْتَفَع طوله وشبَّ، ومنه نشوزُ المرأةِ على زوجِها، ومِن ذلك قيل للمكانِ المرتفعِ مِن الأرضِ: نَشْزٌ، ونَشَزٌ، ونَشَازٌ. فإذا أردتَ أنك رفَعْتَه، قلت: أنْشَزْتُه إنشازًا، ونَشَز هو، إذا ارْتَفَع.
فمعنى قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ - في قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالزايِ -: كيف ترفَعُها مِن أماكنِها مِن الأرضِ، فنردها إلى أماكنِها مِن الجسدِ.
وممن تأوّل ذلك هذا التأويلِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: حدثني عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. يقولُ: نُحرِّكها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. قال: نُخْرِجُها.
وقرَأ ذلك آخرون: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها). بضمِّ النونِ،
وبالراءِ، مِن قولِ القائلِ: أَنْشَرَ اللهُ الموتَى، فهو يُنْشِرُهم إنشارًا.
رَأ ذلك آخرون: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها). بضمِّ النونِ،
وبالراءِ، مِن قولِ القائلِ: أَنْشَرَ اللهُ الموتَى، فهو يُنْشِرُهم إنشارًا. وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ، بمعنى: وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُحيِيها ثم نَكْسوها لحمًا.
ذِكْرُ مَن [تأوَّل ذلك كذلك]
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (كَيْفَ نُنْشِرُها). قال: نظر إليها حينَ يُحْيِيها اللهُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها). قال: كيف نُحْيِيها.
واحتجَّ بعضُ قَرأةِ ذلك بالراءِ وبضمِّ نونِ أولِه، بقولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢].
إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها). قال: كيف نُحْيِيها.
واحتجَّ بعضُ قَرأةِ ذلك بالراءِ وبضمِّ نونِ أولِه، بقولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]. فرأى أن الصوابَ إلحاق قولِه: (وانظر إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها): به.
وقرَأ ذلك بعضُهم: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشُرُها). بفتح النونِ مِن أُولِه
وبالراءِ، كأنه وجَّه ذلك إلى مثلِ معنَى نَشْرِ الشيءِ وطَيِّه، وذلك قراءةٌ غيرُ مَحمودةٍ؛ لأن العربَ لا تقولُ: نَشَر الله الموتَى. وإنما تقولُ: أنشَر اللهُ الموتَى، فَنَشروا هم. بمعنى: أحياهم اللهُ فحَيُوا هم. يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾. وقولُه: ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١].
وعلى أنه إذا أُرِيد به: حَيِىَ المَيْتُ وعاش بعدَ مَماتِه، قيل: نَشَر. قولُ الأعشى مِن بني ثعلبة.
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مما رَأَوْا … يا عجبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ
وروى سماعًا مِن العرب: كان به جَرَبٌ فَنَشَر.
نَشَر. قولُ الأعشى مِن بني ثعلبة.
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مما رَأَوْا … يا عجبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ
وروى سماعًا مِن العرب: كان به جَرَبٌ فَنَشَر. إذا عاد وحَيِيَ.
والقولُ في ذلك عندِى أنّ معنَى الإنشارِ ومعنى الإنشازِ متقاربان؛ لأن معنى الإنشازِ التركيبُ والإنباتُ، وردُّ العظام مِن [الترابِ إلى الأجسادِ، وأن معنى الإنشارِ الإحياءُ والإعادةُ. وإحياءُ] العظامِ وإعادتُها لا شكَّ أنه ردُّها إلى أماكنِها ومواضِعِها مِن الجسدِ بعد مفارقتِها إياها. فهما وإنِ اخْتَلَفا في اللفظِ، فمُتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءةِ بهما الأمةُ مجيئًا يقطَعُ العذرَ، ويُوجِبُ الحُجةَ، فبأيِّهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ، لاتفاقِ مَعْنيَيْهما، وألا حُجةَ تُوجِبُ لإحداهما مِن القضاءِ بالصوابِ على الأُخْرى.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنّ الإنشارَ إذا كان إحياءً فهو بالصوابِ أوْلَى؛ لأن المأمورَ بالنظرِ
إلى العِظامِ وهى تُنْشَرُ، إنما أُمِرَ به ليَرَى عِيانًا ما أَنْكَره بقولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
؛ لأن المأمورَ بالنظرِ
إلى العِظامِ وهى تُنْشَرُ، إنما أُمِرَ به ليَرَى عِيانًا ما أَنْكَره بقولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فإن إحياءَ العظامِ لا شكَّ في هذا الموضعِ إنما عُنى به ردُّها إلى أماكنِها مِن جسدِ المنظورِ إليه وهو يحْيَا، لا إعادةَ الروحِ التي كانت فارقَتْها عندَ المماتِ. والذي يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. ولا شكَّ أنَّ الروحَ إنما نُفِخَتْ في العظامِ التي أُنْشِرت بعد أن كُسِيتِ اللحمَ.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنْشاز تركيبُ العظامِ وردُّها إلى أماكنِها مِن الجسدِ، وكان ذلك معنى الإنشارِ، كان معلومًا استواءُ مَعْنَيَيهما، وأنهما مُتَّفقا المعنى لا مُخْتَلِفاه، ففى ذلك إبانةٌ عن صحةِ ما قلنا فيه.
فأمَّا القراءةُ الثالثةُ فغيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندى، وهى قراءةُ مَن قرأَ: (كيف نَنْشُرُها). بفتحِ النونِ وبالراءِ؛ لشُذوذها عن قراءةِ المسلمين، وخروجِها عن الصحيحِ الفصيحِ من كلامِ العربِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
يعنِى بذلك تعالى ذِكْرُه: ثم نَكْسو العظامَ لحمًا.
والهاءُ التي في قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾. مِن ذكرِ العظامِ، ومعنى ﴿نَكْسُوهَا﴾. نُلْبِسُها ونُوارِيها به كما يُوارِى جسدَ الإنسانِ كسوتُه التي يَلْبَسُها. وكذلك تفعَلُ العرب، تجعَلُ كلَّ شيءٍ غطَّى شيئًا وواراه لباسًا له وكسوةً، ومنه قولُ النابغةِ الجَعْديِّ:
فالحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي … حتى اكْتَسَيْتُ منَ الإسْلامِ سِرْبالا
فجعَل الإسلامَ - إذ غطَّى الذي كان عليه، فواراه وأذهَبه - كسوةً له وسِرْبالًا.
القولُ في تأويلِ قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فلمَّا اتَّضَح له عِيانًا ما كان مستنكَرًا في قدرةِ اللهِ وعظمتهِ عندَه قبلَ عِيانِه ذلك، قال: أَعْلَمُ الآنَ - بعدَ المعاينةِ والاتضاحِ والبيانِ - أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ثم اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (قال اعْلَمْ). على معنى الأمرِ، بوصلِ الألفِ مِن "اعْلَم"، وجزمِ الميمِ منها. وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ، ويذكرون أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قيل اعْلَمْ). على وجهِ الأمرِ من اللهِ للذى أُحْيِي بعدَ مماتِه، فأُمِر بالنظرِ إلى ما يُحْيِيه اللهُ بعدَ مماتِه. وكذلك رُوى عن ابن عباسٍ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلَبِيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قيل اعلمْ أن الله).
دَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلَبِيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قيل اعلمْ أن الله). على وجهِ الأمرِ.
حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن
ابن طاوسٍ، عن أبيه - قال الطبريُّ: أحسَبُه قال: - سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (فلمّا تبيَّن له قال اعْلَمْ). قال: إنما قيل ذلك له.
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلُم - أنه قيل له: انْظُرْ. فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيفَ يتواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعينيه، فقيل له: (اعلمْ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ).
فعلى هذا القولِ تأويلُ ذلك: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن أمرِ اللهِ وقدرتِه، قال اللهُ ﷿ له: اعلم الآن أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ِّ شيءٍ قديرٌ).
فعلى هذا القولِ تأويلُ ذلك: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن أمرِ اللهِ وقدرتِه، قال اللهُ ﷿ له: اعلم الآن أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ولو صرَف مُتَأَوِّلٌ قولَه: (قال اعلم) - وقد قرَأه على وجهِ الأمرِ - إلى أنه مِن قِبَلِ المخبَرِ عنه بما اقتصَّ اللهُ في هذه الآية مِن قصَّتِه، كان وجهًا صحيحًا، وكان ذلك كما يقولُ القائلُ: اعلمْ أن كان كذا وكذا. على وجهِ الأمرِ منه لغيرِه، وهو يعنى به نفسَه.
وقرَأ ذلك آخَرون: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾. على وجهِ الخبرِ عن نفسِه للمتكلِّمِ به، بهمزِ ألفِ ﴿أَعْلَمُ﴾ وقطعِها، ورفعِ الميمِ، بمعنى: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن قدرةِ اللَّهِ وعظيمِ سلطانِه بمعاينتِه ما عاينه، قال المتبيِّن ذلك: أعلمُ الآن أنا أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
وبذلك قرَأت عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ العراقِ.
ه بمعاينتِه ما عاينه، قال المتبيِّن ذلك: أعلمُ الآن أنا أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
وبذلك قرَأت عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ العراقِ. وبذلك مِن التأويلِ تأوَّله جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهَمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا عايَنَ مِن قدرةِ اللهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَيْنِ نبيِّ اللهِ ﵇ كان - يعني إنشارَ العظامِ - فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
نا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَيْنِ نبيِّ اللهِ ﵇ كان - يعني إنشارَ العظامِ - فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال عُزَيْرٌ عندَ ذلك - يعنى عندَ معاينتِه إحياءِ اللهِ حمارَه -: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: جعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إِلى بعضٍ، ﴿فَلَمَّا
تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ نحوَه.
وأَوْلَى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مِن قرأَ: (اعْلَمْ).
ُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ نحوَه.
وأَوْلَى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مِن قرأَ: (اعْلَمْ). بوصلِ الألفِ، جزمِ الميمِ، على وجهِ الأمرِ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للذى أحياه بعدَ مماتِه، بالأمرِ بأن يَعْلَمَ أن الله الذي أراه بعينَيْه ما أراه مِن عظيمِ قدرتِه وسلطانِه؛ مِن إحيائه إيَّاه وحمارَه بعد موتٍ مائةَ عامٍ وبَلائِه، حتى عادا كهيئتهما يومَ قَبْضِ أرواحِهما، وحِفْظه عليه طعامَه وشرابَه مائةَ عامٍ، حتى ردَّه كهيئتِه يومَ وضَعه، غيرَ مُتَغَيِّرٍ - على كلِّ شيءٍ قادرٌ كذلك.
وإنما اخْتَرْنَا قراءة ذلك كذلك، وحَكَمْنا له بالصوابِ دونَ غيرِه؛ لأن ما قبلَه مِن الكلامِ أمرٌ من اللهِ؛ قولًا للذى أحياه اللهُ بعدَ مماتِه، وخطابًا له به، وذلك قولُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ - ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
به، وذلك قولُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ - ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. فلمَّا تبيَّن ذلك له جوابًا عن مسألتِه ربَّه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. قال اللهُ ﵎ له: اعلمْ أن الله الذي فعل هذه الأشياءَ على ما رأيتَ، على غير ذلك مِن الأشياء قديرٌ، كقدرتِه على ما رأيتَ وأمثالِه، كما قال لخليلِه إبراهيمَ صلى الله عليه، بعدَ أن أجابه عن مسألتِه إيَّاه في قولِه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فأمَر إبراهيمَ بأن يَعْلَم بعدَ أن أَراه كيفيَّةَ إحيائِه الموتى أنه عزيزٌ حكيمٌ، وكذلك أمَر الذي سأل فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعدَ أن أَراه كيفيةَ إحيائِه إيَّاها، أن يَعْلَمَ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ثل الذي حاج إبراهيم في ربه؟ ولهذا عطف عليه بقوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رَوَّاد عن آدم بن أبي إياس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير.
ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه. وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بُرَيْدَة وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا.
أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بُرَيْدَة وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق؛ عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أنه قال: وهو اسم الخضر ﵇.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري -من أهل الجار، ابن عم مطرف-قال: سمعت رجلا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه: حزقيل بن بورا.
وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل.
[وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنه؛ فبعثه الله وهو كذلك، وكان له ابن فبلغ من السن مائة وعشرين سنة، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجد شابا وابنه وابن ابنه شيخان كبيران قد بلغا الهرم، وأنشدني به بعض الشعراء:
واسوَدّ رأس شاب من قبل ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
يرى أنه شيخا يدب على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشعر
وما لابنه حبل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصغير فيعثر
وعمر ابنه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعين غبر]
يدب على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشعر
وما لابنه حبل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصغير فيعثر
وعمر ابنه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعين غبر]
وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. (وَهِيَ خَاوِيَة) أي: ليس فيها أحد من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُويا.
وقوله: (عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه قال الله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه) قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها. فلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه؟
ن موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها. فلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه؟ فلما استقل سويا قال الله له -أي بواسطة الملك-: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم) قالوا: وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) وذلك: أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما فقده لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب تعفن (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِك) أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دليلا على المعاد (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض.
الله ﷿ وأنت تنظر (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دليلا على المعاد (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض.
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نُعَيْم عن إسماعيل بن أبي حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قرأ: (كَيْفَ نُنشِزُهَا) بالزاي ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقرئ: (ننشرها) أي: نحييها قاله مجاهد (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا).
وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق كله بإذن الله ﷿ وذلك كله بمرأى من العزير فعند ذلك لما تبين له هذا كله (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك وقرأ آخرون: "قَالْ
ين له هذا كله (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك وقرأ آخرون: "قَالْ اعْلَمْ" على أنه أمر له بالعلم.