(١١١)﴾.
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار، يقول: (اخْسَئُوا فِيهَا) أي: امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء. (وَلا تُكَلِّمُونِ) أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.
قال العَوْفِي، عن ابن عباس: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم -والله -على مالك ورب مالك.
وب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم -والله -على مالك ورب مالك. ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) قال: والله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.
وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، حدثنا أبو الزَّعْرَاء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله ألا يخرج منهم أحدًا -يعني: من جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب. فيقول: من عرف أحدًا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول: أنا فلان.
جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب. فيقول: من عرف أحدًا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول: أنا فلان. فيقول: ما أعرفك.
، قال: فعند ذلك يقول: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)، فعند ذلك يقول: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ). وإذا قال ذلك، أطبقت عليهم فلا يخرج منهم بَشَر.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ، (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي: حملكم بغضهم على أن نَسِيتم معاملتي (وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل النار يدعون ربهم فيها، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها فإنا ظالمون، وأن الله يجيبهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ أي: امكثوا فيها خاسئين، أي: أذلاء صاغرين حقيرين؛ لأن لفظة اخسأ إنما تقال للحقير الذليل، كالكلب ونحوه. فقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: ذلوا فيها ماكثين في الصغار والهوان.
الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وفي الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فأجيبوا: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ وفي سورة إبراهيم: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وفي سورة فاطر ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مثل هذه الأجوبة.
وعن ابن عباس: أن بين كل طلب منها، وجوابه ألف سنة واللَّه أعلم.
وقوله في هذه الآية: ولا تكلمون، أي: في رفع العذاب عنكم، ولا إخراجكم من النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها.
•