ي قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ أهلُ الكوفةِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ بكسرِ الشينِ، وبغيرِ ألفٍ. وقرأته عامة قرأة أهلُ الكوفةِ: (شَقاوَتُنا) بفتحِ الشينِ والألفِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وتأويلُ الكلامِ: قالوا: ربَّنا غلَب علينا ما سبَق لنا في سابقِ علمِك وخُطَّ لنا في أمِّ الكتابِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. قال: التي كُتبتْ علينا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ]، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.
: ألم نكُ في الدنيا آباءَكم وأبناءَكم وإخوانَكم وعشيرتَكم؟ فيقولون: بلى. فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قالوا: هو ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدُ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: وحدَّثنى عَبْدةُ المَرْوَزِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن عمرَ بن أبي ليلى، قال: سمِعتُ محمدُ بنُ كعبٍ، زاد أحدُهما على صاحبِه: قال محمدُ بنُ كعبٍ: بلَغني، أو ذُكر لى، أنَّ أهلَ النارِ استغاثُوا بالخَزَنَةِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. فردُّوا عليهم ما قال اللهُ: فلما أيِسُوا نادَوْا: يا مالكُ. وهو عليهم، وله مجلسٌ في وَسَطِها، وجسورٌ تمرُّ عليه ملائكةُ العذابِ، فهو يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، فقالوا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. سألوا الموتَ، فمكَث لا يجيبُهم ثمانين ألفَ سنةٍ من سِنِى الآخرةِ، أو كما قال، ثم لحَظ إليهم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
َّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية. فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: [ولا تتكلمونَ] فيها أبدًا. فانْقَطَع عند ذلك الدعاءُ والرجاءُ
منهم، وأقبَلَ بعضُهم ينبَحُ في وجهِ بعضٍ، فأُطْبِقَت عليهم.
قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ في حديثهِ: فحدَّثنى الأزهرُ بنُ أبى الأزهرِ أنه قال: فذلك قولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ]، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: فوالذى أنزَل القرآنَ على محمدٍ، والتوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ما تكلَّم أهلُ النارِ كلمةً بعدها إلا الشهيقَ والزَّفيرَ في الخلدِ أبدًا، ليس له نفادٌ. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ قال: كنا في جِنازةٍ ومعنا أبو جعفرٍ [القارئُ، فجلَسنا، فتنَحَّى أبو جعفرٍ]، فبكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا جعفرٍ؟
فادٌ. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ قال: كنا في جِنازةٍ ومعنا أبو جعفرٍ [القارئُ، فجلَسنا، فتنَحَّى أبو جعفرٍ]، فبكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا جعفرٍ؟ قال: أخبَرنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ أهلُ النارِ لا يتنفَّسُون.
وقولُه: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. يقولُ: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيلِ الرشادِ، وقصدِ الحقِّ.
تْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فَضَلَلْنَا عنها ولم نُرْزَقْهَا.
ثم قالوا: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) أي: رُدَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١، ١٢] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار يسألون يوم القيامة، فيقول لهم ربهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإِيمان؛ لأن الله أراد بهم الشقاء، وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا،
وكذبوا الرسل.
، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإِيمان؛ لأن الله أراد بهم الشقاء، وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا،
وكذبوا الرسل. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله هنا ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ الظاهر أن معنى قولهم: ﴿غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا﴾ أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم، وتلت عليهم آيات ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية غلب عليهم، فكذبوا الرسل، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا من شقاوتهم. ونظير الآية على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ وقوله عن أهل النار: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب، ولا الندم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وهذا الذي فسرنا به الآية هو الأظهر الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وبه تعلم أن قول أبي عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. اهـ. تكلف مخالف للتحقيق.
ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل، ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق.
ْ نَارًا﴾ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. اهـ. تكلف مخالف للتحقيق.
ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل، ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق. اهـ.
ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى.
وقوله هنا: ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٧)﴾ أي: عن الإِسلام إلى الكفر، عن طريق الجنة إلى طريق النار.
وقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي: (شقاوتنا) بفتح الشين، والقاف وألف بعدها، وقرأه الباقون: بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف.
•