Katakanlah kepada laki-laki yang beriman, agar mereka menjaga pandangannya, dan memelihara kemaluannya; yang demikian itu lebih suci bagi mereka. Sungguh, Allah Maha Mengetahui apa yang mereka perbuat
ِ عما لا يَحلُّ النظرُ إليه، وحِفْظَ الفرجِ عن أن يَظهرَ لأبصارِ الناظرين - أطهرُ لهم عندَ اللَّهِ وأفضلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خِبرةٍ بما تصنعون أيها الناسُ، فيما أمَركم به مِن غضِّ أبصارِكم عما أمَركم بالغضِّ عنه، وحفظِ فروجِكم عن إظهارِها لمن نهاكم عن إظهارِها له.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
ْ﴾. قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. فإنه يعنى السِّتْرَ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. قال: يَغُضُّوا أبصارَهم عما يَكرَهُ اللَّهُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. قال: يَغُضُّ مِن بصرِه أن ينظرَ إلى ما لا يَحلُّ له - إذا رأَى ما لا يَحلُّ له غضَّ مِن بصرِه، لا ينظرُ إليه - ولا يستطيعُ أحدٌ أن يَغُضَّ بصرَه كلَّه، إنما قال اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾.
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث يونس بن عُبَيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلي، ﵁، قال: سألت النبي ﷺ، عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري.
وكذا رواه الإمام أحمد، عن هُشَيْم، عن يونس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي
والنسائي، من حديثه أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم: فقال: "أطرقْ بصرك"، يعني: انظر إلى الأرض.
نس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي
والنسائي، من حديثه أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم: فقال: "أطرقْ بصرك"، يعني: انظر إلى الأرض. والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفَزَاري، حدثنا شَريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرةَ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة"
ورواه الترمذي من حديث شريك، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ: "إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه". قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟
طرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ: "إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه". قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل بن جبير: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اكفلوا لي بِستّ أكفل لكم بالجنة: إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يَخُن، وإذا وَعَد فلا يخلف. وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم".
وفي صحيح البخاري: "من يكفل لي ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه، أكفل له الجنة".
وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عُصي الله به، فهو كبيرة.
ي ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه، أكفل له الجنة".
وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عُصي الله به، فهو كبيرة. وقد ذكر الطَّرْفين فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: "النظر سهام سم إلى القلب"؛ ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ). وحفظُ الفَرج تارةً يكون بمنعه من الزنى، كما قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠] وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن:
احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
(ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: "مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته".
ظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
(ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: "مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته". ويروى: "في قلبه".
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [أوّل مَرّة] ثم يَغُضّ بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها".
ورُوي هذا مرفوعًا عن ابن عمر، وحذيفة، وعائشة، ﵃ ولكن في إسنادها ضعف، إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه.
وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زَحْر،، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: "لَتغضُنَّ أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمُنّ وجوهكم -أو: لتكسفن وجوهكم".
من طريق عبيد الله بن زَحْر،، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: "لَتغضُنَّ أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمُنّ وجوهكم -أو: لتكسفن وجوهكم".
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التُّسْتُري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، حدثنا هُرَيْم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه".
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كُتِبَ على ابن آدم حَظّه من الزنى، أدرَكَ ذلك لا محالة. فَزنى العينين: النظر. وزنى اللسان: النطقُ. وزنى الأذنين: الاستماع. وزنى اليدين: البطش. وزنى الرجلين: الخطى.
آدم حَظّه من الزنى، أدرَكَ ذلك لا محالة. فَزنى العينين: النظر. وزنى اللسان: النطقُ. وزنى الأذنين: الاستماع. وزنى اليدين: البطش. وزنى الرجلين: الخطى. والنفس تمَنّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يُكذبه".
رواه البخاري تعليقًا، ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم.
وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهَون أن يحدَّ الرجل بَصَره إلى الأمرد. وقد شَدَّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحَرَّمه طائفة من أهل العلم، لما فيه من الافتتان، وشَدّد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن صُهْبَان، حدثني صفوان بن سليم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل عين باكية يوم القيامة، إلا عينًا غَضّت عن محارم الله، وعينًا سهِرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب، من خشية الله، ﷿".
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
أمر الله جلَّ وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج: حفظه من الزنى، واللواط،
والمساحقة، وحفظه من الإِبداء للناس والانكشاف لهم. وقد دلت آيات أخري على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلَّا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون، وسأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.
فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والموطوءة بالملك.
َيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.
فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والموطوءة بالملك.
وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجبا عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا
ونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وقوله تعالى:
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة هود، وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة.
واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلَّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك.
ِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلَّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. اهـ منه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآيتين.
قال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن، وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها، وقدميها في إحدي الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلَّا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلَّا ما استثنى منه، ويجوز أن يراد مع حفظها من الإِفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإِبداء.
وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلَّا هذا فإنه أراد به الاستتار.
أن يراد مع حفظها من الإِفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإِبداء.
وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلَّا هذا فإنه أراد به الاستتار. اهـ كلام الزمخشري.
وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر. بل يدخل فيه دخولًا أوليًا حفظه من الزنى واللواط. ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
وقول الزمخشري: إن "من" في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها، وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرًا عمدًا إلى ما لا يحل.
هِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها، وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرًا عمدًا إلى ما لا يحل. وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه.
وقال القرطبي: وقيل: الغض: النقصان. يقال: غض فلان من فلان، أي: وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فَمِنْ صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اهـ منه.
والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدي إليه أيضًا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. ومن أمثلة تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
وقول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
وقول الآخر:
وما كان غض الطرف منا سجية ...
ف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
وقول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
وقول الآخر:
وما كان غض الطرف منا سجية ... ولكننا في مذحج غربان
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخري تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.
وقد قال البخاري ﵀: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن. بقول الله ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه.
َهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة.
منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلَّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق
يا رسول الله ﷺ ؟
بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلَّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق
يا رسول الله ﷺ ؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه.
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: "أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي ﷺ يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها" الحديث.
ومحل الشاهد منه: أنه ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز.
فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها" الحديث.
ومحل الشاهد منه: أنه ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز. واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه". اهـ. هذا لفظ البخاري. والحديث متفق عليه، وفي بعض رواياته زيادة على ما ذكرنا هنا.
ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : فزنى العين النظر، فإطلاق اسم
الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه.
ته زيادة على ما ذكرنا هنا.
ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : فزنى العين النظر، فإطلاق اسم
الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه. والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.
ومعلوم أن النظر سبب الزنى فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلًا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ باللَّه، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
كسبت لقلبي نظرة لتسره ... عيني فكانت شقوة ووبالا
ما مر بي شيء أشد من الهوى ... سبحان من خلق الهوى وتعالى
وقال آخر:
ألم تر أن العين للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب آلف
وقال آخر.
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ...
رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ في كتابه ذم الهوى فصولًا جيدة نافعة أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيرًا من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم. والعلم عند الله تعالى.
•