Dan katakanlah kepada para perempuan yang beriman, agar mereka menjaga pandangannya, dan memelihara kemaluannya, dan janganlah menampakkan perhiasannya (auratnya), kecuali yang (biasa) terlihat. Dan hendaklah mereka menutupkan kain kerudung ke dadanya, dan janganlah menampakkan perhiasannya (auratnya), kecuali kepada suami mereka, atau ayah mereka, atau ayah suami mereka, atau putra-putra mereka, atau putra-putra suami mereka, atau saudara-saudara laki-laki mereka, atau putra-putra saudara laki-laki mereka, atau putra-putra saudara perempuan mereka, atau para perempuan (sesama Islam) mereka, atau hamba sahaya yang mereka miliki, atau para pelayan laki-laki (tua) yang tidak mempunyai hasrat (terhadap perempuan), atau anak-anak yang belum mengerti tentang aurat perempuan. Dan janganlah mereka menghentakkan kakinya agar diketahui perhiasan yang mereka sembunyikan. Dan bertobatlah kamu semua kepada Allah, wahai orang-orang yang beriman, agar kamu beruntung
ُوجَهُنَّ﴾. يقولُ: ويَحفَظْنَ فروجَهنَّ عن أن يراها مَن لا يَحلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم.
وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُظْهِرْن للناسِ الذين ليسوا لهنَّ بَمَحْرَمٍ زينتَهنَّ، وهما زينتان؛ إحداهما: ما خَفِى، وذلك كالخَلْخالَين والسِّوارَين والقُرْطَين والقلائدِ. والأُخرى: ما ظهَر منها، وذلك مختلَفٌ في المَعنيِّ منه بهذه الآيةِ؛ فكان بعضُهم يقولُ: زينةُ الثيابِ الظاهرةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحوَصِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الزينةُ زينتانِ؛ فالظاهرةُ منها: الثيابُ، وما خَفِى الخَلْخالان والقُرطان والسِّوَاران.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هي الثيابُ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
قال: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
الثيابُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ. قال أبو إسحاقَ: ألا تَرَى أنه قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضلِ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن ابن
مسعودٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هو الرِّداءُ.
وقال آخَرون: الظاهرُ مِن الزينةِ التي أُبيحَ لها أن تُبدِيَه: الكُحْلُ والخاتَمُ والسِّوارانِ والوجهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
ا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخاتَمُ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه ولم يَذكُرِ ابنَ عباسٍ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الظاهرُ منها: الكُحْلُ والخدَّان.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
و عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والكفُّ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ
ابن هُرمزَ المكيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّان والوجهُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الكُحْلُ والسِّوَاران والخاتَمُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
تَمُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: والزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكحْلُ العينِ، وخِضابُ الكفِّ، والخاتمُ، فهذه تظهرُ في بيتِها لمن دخَل مِن الناسِ عليها.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: المَسَكَتان والخاتَمُ والكُحْلُ. قال قتادةُ: وبلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَها إلَّا إلى هَهُنا". وقبَض نصفَ الذراعِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن
رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبَين، والخاتمَ، والكُحْلَ.
ِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن
رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبَين، والخاتمَ، والكُحْلَ. يعنِى السوارَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الخاتمُ والمَسَكَةُ.
قال ابن جُرَيجٍ: وقالت عائشةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ. قالت عائشةُ: دخَلت عليَّ ابنةُ أخى لأمِّى عبدِ اللَّهِ بن الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فدخَل النبيُّ ﷺ، فأعرَض، فقالت عائشةُ: إنها ابنةُ أخى وجاريةٌ. فقال: "إذا عرَكت المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظْهِرَ إلَّا وجهَها، وإلَّا ما دُون هذا". وقبَض على ذِراعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى. وأشار به أبو عليٍّ.
قال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
راعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى. وأشار به أبو عليٍّ.
قال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن عامرٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والثيابُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. مِن الزينةِ؛ الكُحْلُ والخِضابُ والخاتمُ، هكذا كانوا يقولون، وهذا يَراه الناسُ.
حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبى سلمةَ، قال: سُئِل الأوزاعيُّ عن: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّين والوجهَ.
حدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾.
َا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّين والوجهَ.
حدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. قال: الكفُّ والوجهُ.
وقال آخرون: عنَى به الوجهَ والثيابَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال يونسُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال الحسنُ: الوجهُ والثيابُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والثيابُ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ.
َا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والثيابُ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ. يَدخُلُ في ذلك إذا كان كذلك، الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ [والثِّيابُ].
وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن على كلِّ مصلٍّ أن يستُرَ عَورتَه في صلاتِه، وأن للمرأةِ أن تَكْشِفَ وجَهَها وكفَّيْها في صلاتِها، وأن عليها أن تَستُرَ ما عدا ذلك من بدنِها، إلا ما رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه أباح لها أن تُبديَه مِن ذراعِها إلى قدرِ النصفِ. فإذ كان ذلك مِن جميعِهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تُبدىَ مِن بدنِها ما لم يكنْ عورةً كما ذلك للرجالِ؛ لأنَّ ما لم يكنْ عورةً، فغيرُ حرامٍ إظهارُه. وإذا كان لها إظهارُ ذلك، كان معلومًا أنه مما استَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها.
وقولُه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
َثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها.
وقولُه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولْيُلْقِين خمُرَهن - وهى جمعُ خِمارٍ - على جيوبِهن؛ ليَسْتُرْنَ بذلك شعورَهن وأعناقَهن وقُرْطَهن.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ بن نافعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾.
ال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾. قال: شَقَقْن البُرُدَ مما يَلِى الحَواشِىَ، فاخْتَمَرْنَ به.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، أن قُرَّةَ بنَ عبدِ الرحمنِ أخبَره، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ النساءَ المهاجراتِ الأُوَلَ، لمّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ شَقَقْن
أَكْثَفَ مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به.
وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾.
ضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ شَقَقْن
أَكْثَفَ مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به.
وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُبْدِين زينتَهنَّ التي هي غيرُ ظاهرةٍ، بل الخفيةُ منها؛ وذلك الخَلْخالُ والقُرْطُ والدُّمْلُجُ، وما أُمِرَت بتغطيتِه بخمارِها مِن فوقِ الجَيْبِ، وما وراءَ ما أُبِيح لها كشفُه وإبرازُه في الصلاةِ وللأجْنَبِيّين مِن الناسِ، والذراعين إلى فوقِ ذلك - إلا لبعولتِهن.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾.
بدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾. قال: هذه ما فوقَ الذراعِ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ عن طلحةَ، عن إبراهيمَ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: ما فوقَ الجَيْبِ. قال شعبةُ: كتَب به منصورٌ إليَّ، وقرأْتُه عليه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: تُبْدِى لهؤلاء الرأسَ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
ا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: الزينةُ التي تُبدِيها لهؤلاء؛ قُرْطاها وقِلادتُها وسِوَارَاها، فأما خَلْخالَاها ومِعْضَدُها ونحرُها وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ - [﴿أَو﴾، ﴿أَو﴾] قال: الطَّوْقَ والقُرْطَيْن.
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: قلْ للمؤمناتِ الحَرائرِ: لا يُظْهِرْنَ هذه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿آبَائِهِنَّ﴾، أو لـ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾.
ه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿آبَائِهِنَّ﴾، أو لـ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ: أو لآباءِ أزواجِهن ﴿أَوْ﴾ ﴿أَبْنَائِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿أَو﴾ لـ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾: أو لإخْوتِهنَّ - ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾.
﴿أَوْ نِسَائِهِنّ﴾. قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
هِنّ﴾. قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. قال: بلَغَنى أنهن نساءُ المسلمين، لا يَحِلُّ لمسلمةٍ أن تُرِىَ مُشركةً عِرْيتَها، إلا أن تكونَ أمَةً لها، فذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾
قال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامِ بن الغازِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، أنه كرِه أن تَقْبَلَ النصرانيةُ المسلمةَ، أَو تَرَى عَوْرَتَها، ويَتَأَوَّلُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن عُبادةَ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ ﵄: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه.
الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ ﵄: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه. قال: ثم إن أبا عُبيدةَ قام في ذلك المقامِ مُبْتَهِلًا: اللهم أيُّما امرأةٍ تَدْخُلُ الحمامَ مِن غيرِ علَّةٍ ولا سَقَمٍ، تُرِيدُ البياضَ لوجهِها، فسوِّدْ وجهَها يومَ تَبْيَضُّ الوجوه.
وقولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: أو مَمالِيكِهِن، فإنه لا بأسَ عليها أن تُظْهِرَ لهم مِن زينتِها ما تُظْهِرُه لهؤلاء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبَرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن مَخْلَدٍ التَّميميِّ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين.
في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين. كما قد ذكَرنا عن ابن جريجٍ قبلُ، مِن أنه لما قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ عنَى بهن النساءَ المسلماتِ دونَ المشركاتِ. ثم قال: أو ما ملَكت أيمانُهن مِن الإماءِ المشركاتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَتَّبِعونكم لطعامٍ يَأْكُلونه عندَكم، ممَّن لا إرْبَ له في النساءِ مِن الرجالِ، ولا حاجةَ به إليهن ولا يُرِيدُهن.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
حمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: كان الرجلُ يَتْبَعُ الرجلَ في الزمانِ الأولِ، لا يَغارُ عليه، ولا تَرْهَبُ المرأةُ أَن تَضَعَ خمارَها عندَه، وهو الأحمقُ الذي لا حاجةَ له في النساءِ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. فهذا الرجلُ يَتْبَعُ القومَ وهو مُغَفَّلٌ في عقلِه، لا يَكْتَرِثُ للنساءِ، ولا يَشْتَهِيهنَّ، فالزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاء قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارَاها، وأما خَلْخالاها، ومِعْضَداها، ونَحرُها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾.
ها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾. قال: هو التابعُ يَتْبَعُك يُصِيبُ مِن طعامِك.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: الذي يُرِيدُ الطعامَ ولا يُرِيدُ النساءَ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ِّجَالِ﴾: الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الأَبْلَهُ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يَعْرِفُ شيئًا مِن النساءِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. الذي لا إرْبَ له بالنساءِ مثلَ فلانٍ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: مِن تبعِ الرجلِ وحَشَمِه الذي لم يَبْلُغْ إرْبُه أَن يَطَّلِعَ على عورةِ النساءِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الذي لا إرْبَ له في النساءِ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المعتوهِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ.
وبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾.
ِ﴾. قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ.
وبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. يقولُ: الأحمقِ الذي ليست له هِمَّةٌ في النساءِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الذي لا حاجةَ له في النساءِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الذي يَتْبَعُ القومَ، حتى كأنه كان منهم، ونشَأ فيهم، وليس يَتْبَعُهم لإرْبةِ نسائِهم، وليس له في نسائِهم إرْبةٌ، وإنما يَتْبَعُهم لإرفاقِهم إياه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ ﷺ مُخَنَّتٌ، فكانوا
لحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ ﷺ مُخَنَّتٌ، فكانوا
يَعُدُّونه مِن غيرِ أُولى الإرْبِة، فدخَل عليه النبيُّ ﷺ يومًا وهو عندَ بعضِ نسائِه، وهو يَنْعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقْبَلَت أقْبَلَت بأربعٍ، وإذا أدْبَرت أدْبَرت بثمانٍ. فقال النبيُّ ﷺ: " [ألا أَرَى] هذا يَعْلَمُ ما ههنا، لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم". فحجَبوه.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو المُخَنَّثُ الذي لا يقومُ زُبُّه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الشامِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (غيرَ أُولى الإرْبةِ) بنصبِ "غيرِ".
لى أنها نعتٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وجاز نعتُ ﴿التَّابِعِينَ﴾ بـ ﴿غَيْر﴾، و "التابعون" معرفةٌ، و "غيرُ" نكرةٌ؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقَّتةٍ. فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: أو الذين هذه
صفتُهم.
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنَى، مستفيضةٌ القراءةُ بهما في الأمصارِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أنَّ الخفضَ في ﴿غَيْر﴾ أَقوَى في العربيةِ، فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ
و "الإرْبَةُ" الفِعْلَةُ مِن الأَرَبِ؛ مثلُ الجلِسةِ مِن الجُلُوسِ، والمِشيةُ مِن المَشْي، وهى الحاجةُ، يقال: لا أَرَب لى فيك: لا حاجةَ لى فيك. وكذا: أَرِبْتُ لكذا وكذا. إذا احتَجتَ إليه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا.
فأما "الأُرْبَةُ" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ.
وقولُه: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
يه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا.
فأما "الأُرْبَةُ" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ.
وقولُه: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو الطفلِ الذين لم يَكْشِفوا عن عَوْراتِ النساءِ بجِماعِهن، فيَظْهَروا عليها؛ لصِغَرِهنَّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: لم يَدْرُوا ما ثَمَّ؛ من الصِّغَرِ قبلَ الحُلُمِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
ل: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجْعَلْنَ في أرجلِهن مِن الحُلِيِّ ما إذا مشَيْن أو حرَّكْنَهن، علِم الناسُ الذين مشَيْن بينَهم ما يُخْفِين مِن ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن امرأةً اتَّخَذَت بُرَتَيْنِ مِن فضةٍ، واتَّخَذَت جَزْعًا، فمرَّت على قومٍ، فضرَبَت برجلِها، فوقَع الخَلْخالُ على الجَزْعِ فصوَّت، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
ارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: كان في أرجلِهن خَرَزٌ، فكنَّ إذا مرَرْن بالمجالسِ حرَّكْن أرجلَهن ليُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِن زينتهِن.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾: فهو أن تَقْرَعَ الخَلْخالَ بالآخرِ عندَ الرجالِ، أو يكونَ في رجلَيْها خَلاخِلُ، فتُحَرِّكَهن عندَ الرجالِ، فنهَى اللَّهُ ﷾ عن ذلك؛ لأنه مِن عملِ الشيطانِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: هو الخَلْخالُ، لا تَضْرِبِ امرأةٌ برجلِها ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.
ِها.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: الأجْراسُ مِن حُلِيِّهن يَجْعَلْنها في أرجلِهن، في مكانِ الخَلاخلِ، فنَهاهُن اللَّهُ أَن يَضْرِبْن بأرجلِهن لتُسْمَعَ تلك الأجراسُ.
وقولُه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وارجِعوا أيُّها المؤمنون إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركم ونهاكم؛ من غَضِّ البصَرِ، وحفظِ الفرجِ، وتركِ دخولِ بيوتِ غيرِكم من غيرِ استئذانٍ ولا تسليمٍ، وغيرِ ذلك من أمرِه ونهيهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتفلِحوا وتدرِكوا طَلِباتِكم لديْهِ، إذا أنتم أطعتُموه فيما أمرَكم ونَهاكم.
مْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
هذا أمْرٌ من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغَيْرَة منه لأزواجهنّ، عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيَّان قال: بلغنا -والله أعلم -أن جابر بن عبد الله الأنصاري حَدَّث: أن "أسماء بنت مُرْشدَة" كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مُتَأزّرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا. فأنزل الله: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) الآية.
فقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) أي: عما حَرَّم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذهب [كثير من العلماء] إلى أنه: لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا.
أي: عما حَرَّم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذهب [كثير من العلماء] إلى أنه: لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي، من حديث الزهري، عن نبهان -مولى أم سلمة -أنه حدثه: أن أم سلمة حَدَّثته: أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابنُ أمّ مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أُمِرْنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ: "احتجبا منه" فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟
فقال رسول الله ﷺ: "أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى مَلَّت ورجعت.
وقوله: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قال سعيد بن جُبَيْر:، عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن.
م من ورائه، وهو يسترها منهم حتى مَلَّت ورجعت.
وقوله: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قال سعيد بن جُبَيْر:، عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل:، عن الزنى. وقال أبو العالية: كل آية أنزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى، إلا هذه الآية: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) ألا يراها أحد.
وقال: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: لا يُظهرْنَ شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.
وقال ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني: على ما كان يتعاناه نساء العرب، من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم.
وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: وجهها وكفيها والخاتم.
اهيم النَّخَعي، وغيرهم.
وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: وجهها وكفيها والخاتم. ورُوي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم -نحوُ ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله قال في قوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ): الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة.
، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله قال في قوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ): الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب، وهي] الظاهر من الثياب.
وقال الزهري: [لا يبدو] لهؤلاء الذين سَمَّى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.
وقال مالك، عن الزهري: (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الخاتم والخلخال.
ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه:
حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومُؤَمَّل بن الفضل الحَرَّاني قالا حدثنا الوليد، عن سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، ﵂؛ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم
تادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، ﵂؛ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم
يصلح أن يُرَى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه.
لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل؛ خالد بن دُرَيك لم يسمع من عائشة، فالله أعلم.
وقوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني: المقانع يعمل لها صَنفات ضاربات على صدور النساء، لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها؛ ليخالفن شعارَ نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
وَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وقال في هذه الآية الكريمة: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) والخُمُر: جمع خِمار، وهو ما يُخَمر به، أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.
قال سعيد بن جبير: (وَلْيَضْرِبْن): وليشددن (بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.
وقال البخاري: وقال أحمد بن شَبِيب: حدَّثنا أبي، عن يونس، عن ابن شِهَاب، عن عُرْوَةَ، عن عائشة، ﵂، قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شقَقْنَ مُرُوطهن فاختمرن به.
وقال أيضا: حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صَفيّة بنت شيبة؛ أن عائشة، ﵂، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): أخذن أزرهن فَشَقَقنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها.
يبة؛ أن عائشة، ﵂، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): أخذن أزرهن فَشَقَقنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجيّ بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، ﵂: إن لنساء قريش لفضلا وإني -والله -وما رأيت أفضلَ من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل.
كرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، ﵂: إن لنساء قريش لفضلا وإني -والله -وما رأيت أفضلَ من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها المُرَحَّل فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحْنَ وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.
ورواه أبو داود من غير وجه، عن صفية بنت شيبة، به.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن قُرَّةَ بن عبد الرحمن أخبره، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة؛ أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأوَل، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شَقّقن أكثَف مروطهن فاختمرن به.
عائشة؛ أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأوَل، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شَقّقن أكثَف مروطهن فاختمرن به. ورواه أبو داود من حديث ابن وهب، به.
وقوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ) يعني: أزواجهن، (أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج.
ْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج.
وقال ابن المنذر: حدثنا موسى -يعني: ابن هارون -حدثنا أبو بكر -يعني ابن أبي شيبة -حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعِكْرمَة في هذه الآية: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) -حتى فرغ منها قال: لم يذكر العم ولا الخال؛ لأنهما ينعَتان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره.
وقوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يعني: تُظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك -وإن كان محذورًا في جميع النساء -إلا أنه في نساء أهل الذمة أشدّ، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه.
ن، وذلك -وإن كان محذورًا في جميع النساء -إلا أنه في نساء أهل الذمة أشدّ، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه. وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تباشر المرأةَ المرأةَ، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها". أخرجاه في الصحيحين، عن ابن مسعود.
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغاز،، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانْهَ مَنْ قِبَلَك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.
وقال مجاهد في قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة.
تها إلا أهل ملتها.
وقال مجاهد في قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة.
وروى عَبد في تفسيره عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: (أَوْ نِسَائِهِنَّ)، قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النَّحْر والقُرْط والوٍشَاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم.
وروى سعيد: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) فليست من نسائهن.
وعن مكحول وعبادة بن نُسَيّ: أنهما كرها أن تقبل النصرانيةُ واليهودية والمجوسية المسلمة.
فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضَمْرَة قال: قال ابن عطاء، عن أبيه: ولما قدم أصحاب النبي ﷺ بيت المقدس، كان قَوَابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات فهذا -إن صح -مَحمولٌ على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.
كان قَوَابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات فهذا -إن صح -مَحمولٌ على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.
وقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) قال ابن جُرَيج: يعني: من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [زينتها لها وإن كانت مشركة؛ لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيَّب. وقال الأكثرون: بل يجوز لها أن تظهر] على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود:
حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها.
لنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود:
حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها. قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قَنَّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك".
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه [في] ترجمة حُدَيْج الخَصِيّ -مولى معاوية -أن عبد الله بن مَسْعَدَة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب، ﵁.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزهري، عن نَبْهَان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكن مُكَاتَب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه".
ورواه أبو داود، عن مُسَدَّد، عن سفيان، به.
عن نَبْهَان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكن مُكَاتَب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه".
ورواه أبو داود، عن مُسَدَّد، عن سفيان، به.
وقوله: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَله وخَوَث، ولا همَّ لهم إلى النساء ولا يشتهونهن.
قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له.
وقال مجاهد: هو الأبْلَه.
وقال عكرمة: هو المخَنَّث الذي لا يقوم زُبُّه. وكذلك قال غير واحد من السلف.
وفي الصحيح من حديث الزهري، عن عُرْوَةَ، عن عائشة؛ أن مخنثًا كان يدخل على أهل
رسول الله ﷺ، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيّ ﷺ وهو ينَعت امرأة: يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان.
يدخل على أهل
رسول الله ﷺ، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيّ ﷺ وهو ينَعت امرأة: يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال رسول الله ﷺ: "ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلَنّ عليكُنَ" فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة يستطعم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل عليها [رسول الله ﷺ] وعندها مخنث، وعندها [أخوها] عبد الله بن أبي أمية [والمخنث يقول لعبد الله: يا عبد الله بن أبي أمية] إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان.
بد الله بن أبي أمية [والمخنث يقول لعبد الله: يا عبد الله بن أبي أمية] إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة: "لا يدخلن هذا عليك".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ﵂، قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يَعُدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة. فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ: "ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟ لا يدخلَنَّ عليكم هذا" فحجبوه.
ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي من طريق عبد الرزاق، به.
وقوله: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهنّ من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساء.
: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهنّ من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساء. فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء. وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إياكم والدخول على النساء". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْو؟ قال: "الحَمْو الموت".
وقوله: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته -ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك.
المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته -ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ): ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليَشْتَمَّ الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القَّطَّان، عن ثابت بن عُمَارة الحنفي، عن غُنَيْم بن قيس، عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية.
قال: وفي الباب، عن أبي هريرة، وهذا حسن صحيح.
رواه أبو داود والنسائي، من حديث ثابت بن عمارة، به.
ة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية.
قال: وفي الباب، عن أبي هريرة، وهذا حسن صحيح.
رواه أبو داود والنسائي، من حديث ثابت بن عمارة، به.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهْم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: لقيتْه امرأة وجد منها ريح الطيب، ولذيلها إعصار فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: [وله] تَطَيَّبتِ؟ قالت: نعم. قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة امرأة تَطَيبت لهذا المسجد، حتى ترجع فتغتسل غُسلها من الجنابة".
ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان -هو ابن عيينة - به.
وروى الترمذي أيضًا من حديث موسى بن عُبَيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها".
ومن ذلك أيضا أنهن يُنهَين عن المشي في وسط الطريق؛ لما فيه من التبرج.
الله ﷺ قال: "الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها".
ومن ذلك أيضا أنهن يُنهَين عن المشي في وسط الطريق؛ لما فيه من التبرج. قال أبو داود:
حدثنا القَعْنَبِيّ، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد -عن أبي اليمان، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد -وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق -فقال رسول الله ﷺ للنساء: "استأخرن، فإنه ليس لكن أن تَحْققْن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار، من لصوقها به.
وقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفَلاح كل الفَلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان [وعليه التكلان].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
اعلم أولًا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها.
الثاني: أن الزينة هي ما تتزين به خارجًا عن بدنها.
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن: كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإِزار.
والثاني: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن كما لا يخفي.
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه.
ي تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه. ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها
وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة.
دائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإِسناد قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلَّا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلَّا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلَّا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين. وهذا هو المشهور عند الجمهور.
هري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين. وهذا هو المشهور عند الجمهور. ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه.
حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة ﵂: "أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ ، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا. وأشار إلى وجهه وكفيه" لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂. واللَّه أعلم. اهـ كلام ابن كثير.
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه، والكفان، والثياب.
لف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه، والكفان، والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار، والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا؛ فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليه من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي ﷺ . وذكر آخر عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلَّا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع".
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي ولا تجتهد في الإِخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
قلت: هذا قول حسن إلَّا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما. يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂. ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبًا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة، والإِكليل والوشاح، والقرط فلا تبديه إلَّا لهؤلاء المذكورين.
خاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة، والإِكليل والوشاح، والقرط فلا تبديه إلَّا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون، والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها؛ ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة, شاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها.
ل في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة, شاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. إلى آخر كلامه.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال: الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الثياب والجلباب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلَّا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم.
سعود ﵁ قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلَّا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفي فالخلخالان والقرطان والسواران.
وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: هو خضاب الكف، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: وجهها، وكفاها، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وجهها، وكفاها، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عائشة ﵂: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الوجه وثغرة النحر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكف.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الكفان والوجه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: المسكتان والخاتم والكحل.
قال قتادة: وبلغني أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إلَّا إلى هاهنا ويقبض نصف الذراع".
َ مِنْهَا﴾ قال: المسكتان والخاتم والكحل.
قال قتادة: وبلغني أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إلَّا إلى هاهنا ويقبض نصف الذراع".
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل.
وأخرج سعيد، وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الخاتم والمسكة. قال ابن جريج: وقالت عائشة ﵂: القلب، والفتخة. قالت عائشة: دخلت عليَّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزيَّنة، فدخلت على النبي ﷺ ، وأعرض، فقالت عائشة ﵁: إنها ابنة أخي وجارية، فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلَّا وجهها وإلَّا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى.
ابنة أخي وجارية، فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلَّا وجهها وإلَّا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. اهـ محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور.
وقد رأيت في هذا النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا.
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا، وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضًا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفي.
نظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفي.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
ك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا،
توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
ال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَي قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية.
(٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَي قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء، وهو ليسي من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي
غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب، كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ...
ن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي
غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب، كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة, كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود ﵁: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا: إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء.
يها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا: إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء. ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها، ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك وغيرها من المواضع بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية الحجاب.
وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا.
المبارك وغيرها من المواضع بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية الحجاب.
وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا.
وأعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث عائشة في دخول أسماء على النبي ﷺ في ثياب رقاق، وأنه قال لها: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال.
يف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال. وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة إن شاء الله بيانًا شافيًا مع مناقشة أدلة الجميع في سورة الأحزاب، ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا.
تنبيه
قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثير من أنواع الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة فأردنا أن نبينها ها هنا تكميلًا للفائدة.
أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنواع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوي القرط طيبة النشر
والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع.
جمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوي القرط طيبة النشر
والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة بفتحات، وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم، وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم،
والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج:
واللَّه لا تخدعني بضم ... ولا بتقبيل ولا بشم
إلَّا بزعزاع يسلي همي ... تسقط منه فتخي في كمي
والخلخال، ويقال له: الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومنه قول امرئ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
والدملج: ويقال له: الدملوج هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:
ما مركب وركوب الخيل يعجبني ...
لج: ويقال له: الدملوج هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:
ما مركب وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال
والسوار حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القلب بضم القاف.
وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام ﵁:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالًا يجول ولا قلبا
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذبل، والعاج سن الفيل،
والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة:
ترى العبس الحولي جونا بكوعها ... لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل
قاله الجوهري في صحاحه. والمسك بفتحتين: جمع مسكة.
وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل.
جونا بكوعها ... لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل
قاله الجوهري في صحاحه. والمسك بفتحتين: جمع مسكة.
وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل. ومقتضي كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة. وقد قدمنا في سورة التوبة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه، عن جده، عند أبي داود والنسائي أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنتها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب. . . الحديث. وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافًا لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة. واللَّه تعالى أعلم.
•
قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.
لما أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علَّم خلقه ما يتداركون به ما وقع منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي الرجوع عن الذنب والإِنابة إلى الله بالاستغفار منه، وهي ثلاثة أركان:
الأول: الإِقلاع عن الذنب إن كان متلبسًا به.
والثاني: الندم على ما وقع منه من المعصية.
والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدًا.
والأمر في قوله في هذه الآية: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظاهر أنه للوجوب، وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضًا.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ قد قدمنا مرارًا أن أشهر معاني لعل في القرآن اثنان:
الأول: أنها على بابها من الترجي، أي.
فتجب منه التوبة أيضًا.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ قد قدمنا مرارًا أن أشهر معاني لعل في القرآن اثنان:
الأول: أنها على بابها من الترجي، أي. توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أمَّا الله جلَّ وعلا فهو عالم بكل شيء، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء. وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ وهو جلَّ وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنه لا يتذكر ولا يخشى. معناه: فقولا قولًا لينًا رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.
والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل لعل في القرآن للتعليل إلَّا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قالوا: فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:
فقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ...
لَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قالوا: فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:
فقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق
أي: كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم.
وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون، لأجل أن تفلحوا، أي: تنالوا الفلاح.
والفلاح في اللغة العربية يطلق على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ... وقد أفلح من كان عقل
أي: فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.
المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع، وقيل: كعب بن زهير:
لكل هم من الهموم سعه ... والمسا والصبح لا فلاح معه
يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه، وقول لبيد بن ربيعة أيضًا:
لو أن حيًا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح
يعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة.
حيًا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح
يعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
وبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإِقامة: حيّ على الفلاح كما هو معروف.
ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضي الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جلَّ وعلا لجميع
فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضي الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جلَّ وعلا لجميع
المسلمين بالتوبة مشيرًا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ أوضحه في غير هذا الموضع، وبين أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات أنها التوبة النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيما عند من يقول من أهل العلم: إن عسى من الله واجبة، وله وجه من النظر؛ لأنه ﷿ جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجوده وكرمه تعالي، وسعة رحمته يجعل ذلك الإِنسان الذي أطمعه ربه في ذلك الفضل يثق بأنه ما أطمعه فيه إلَّا ليتفضل به عليه.
فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجوده وكرمه تعالي، وسعة رحمته يجعل ذلك الإِنسان الذي أطمعه ربه في ذلك الفضل يثق بأنه ما أطمعه فيه إلَّا ليتفضل به عليه.
ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فقوله في آية التحريم هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله في آية النور: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقوله في آية التحريم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كقوله في آية النور: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾؛ لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كقوله في آية النور: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾؛ لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه. وقوله في آية التحريم: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ موضح لقوله في النور: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ونداؤه لهم بوصف الإِيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث على امتثال الأمر؛ لأن الاتصاف بصفة الإِيمان بمعناه الصحيح يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. والرجاء المفهوم من لفظة عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى.
تنبيهات
الأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة.
وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسًا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جلَّ وعلا، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدًا.
لى الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسًا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جلَّ وعلا، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدًا.
وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحًا وكفر الله عنه سيئاته بتلك التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد، خلافًا لمن قال: إن عوده للذنب نقض لتوبته الأولى.
الثاني: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلَّا بالندم على فعل الذنب، والإِقلاع عنه إن كان متلبسًا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف.
في أنه لا تصح توبة من ذنب إلَّا بالندم على فعل الذنب، والإِقلاع عنه إن كان متلبسًا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف.
وإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلًا، وإنما هو انفعال، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الله لا يكلف أحدًا إلَّا بفعل يقع باختيار المكلف، ولا يكلف أحدًا بشيء إلَّا شيئًا هو في طاقته كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلًا تحت قدرة العبد، فليس بفعل أصلًا، وليس في وسع المكلف فعله،
والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا بما لا يطلق كما بينا. قال في مراقي السعود:
ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل
وقال أيضًا:
والعلم والوسع على المعروف ...
ع بغير الفعل، ولا بما لا يطلق كما بينا. قال في مراقي السعود:
ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل
وقال أيضًا:
والعلم والوسع على المعروف ... شرط يعم كل ذي تكليف
واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه.
أما وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث النبوية وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلًا أو لا؟ أما وقوع التكليف بالمحال عقلًا، أو عادة، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلًا. ومثال المستحيل عقلًا أن يكلف بالجمع بين الضدين كالبياض، والسواد، أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإِنسان بالطيران ونحو ذلك.
عقلًا أن يكلف بالجمع بين الضدين كالبياض، والسواد، أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإِنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعًا.
وأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلًا، ولا خلاف في التكليف به، فإيمان أبي لهب مثلًا كان الله عالمًا في الأزل بأنه لا يقع كما قال الله تعالى عنه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ فوقوعه محال عقلًا؛ لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد؛ لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلًا، وذلك مستحيل في حقه تعالى.
يَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ فوقوعه محال عقلًا؛ لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد؛ لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلًا، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلًا، إذ لا يمنع العقل
إيمان أبي لهب، ولو كان مستحيلًا لما كلفه الله بالإِيمان على لسان نبيه ﷺ ، فالإِمكان عام، والدعوة عامة، والتوفيق خاص.
وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام:
الأول: الواجب عقلًا.
الثاني: المستحيل عقلًا.
الثالث: الجائز عقلًا.
وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة أن الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال، وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال، وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معًا.
احدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال، وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال، وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معًا. فإن كان العقل يقبل وجوده، دون عدمه فهو الواجب عقلًا، وذلك كوجود الله تعالى متصفًا بصفات الكمال والجلال، فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله، ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلًا. وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلًا، كشريك للَّه ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك للَّه في ملكه، وعبادته، لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ فهو مستحيل عقلًا.
سَدَتَا﴾ وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ فهو مستحيل عقلًا. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معًا، فهو الجائز العقلي، ويقال له: الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله،
ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضًا، كما لا يخفى، فهو جائز عقلًا جوازًا ذاتيًا، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي.
وقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب عقلًا، والمستحيل عقلًا. قالوا: والجائز عقلًا لا وجود له أصلًا. وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر إما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه سيوجد فهو واجب الوجود؛ لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده، كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلًا، لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلًا ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وذلك محال.
مع سبق العلم الأزلي بوجوده، كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلًا، لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلًا ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وذلك محال. وإما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه لا يوجد، كإيمان أبي لهب، فهو مستحيل عقلًا، إذ لو وجد لانقلب العلمُ جهلًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلَّا أن الله تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده.
والحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده؛ لأنه مستحيل استحالة ذاتية، كالجمع بين النقيضين، لا يقع التكليف به إجماعًا، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى.
أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعًا، كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلًا، وإن استحال من جهة علم الله بعد وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلًا عرضيًا، ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول: إن الاستحالة بسببها عرضية.
قلًا، وإن استحال من جهة علم الله بعد وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلًا عرضيًا، ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول: إن الاستحالة بسببها عرضية.
فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلًا؛ لعلم الله بأنه لا يقع.
أما المستحيل عقلًا لذاته كالجمع بين النقيضين، والمستحيل عادة كمشي المقعد، وطيران الإِنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وإما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلًا، وبالمستحيل عادة.
"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وإما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلًا، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلًا مع إجماعهم على أنه لا يصح وقوعه بالفعل.
وحجة من يمنعه عقلًا أنه عبث لا فائدة فيه؛ لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزًا محققًا عبث لا فائدة فيه، قالوا: فهو مستحيل؛ لأن الله حكيم خبير.
وحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف، هل يتأسف على عدم القدرة، ويظهر أنه لو كان قادرًا لامتثل، والامتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي: اختباره، هل يمتثل؟
امتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي: اختباره، هل يمتثل؟، فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم، كما قال تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.
وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلًا، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله:
وجوز التكليف بالمحال ... في الكل من ثلاثة الأحوال
وقيل بالمنع لما قد امتنع ... لغير علم الله أن ليس يقع
وليس واقعًا إذا استحالا ... لغير علم ربنا تعالى
وقوله: وجوز التكليف يعني الجواز العقلي.
وقوله: وقيل بالمنع، أي: عقلًا.
ع ... لغير علم الله أن ليس يقع
وليس واقعًا إذا استحالا ... لغير علم ربنا تعالى
وقوله: وجوز التكليف يعني الجواز العقلي.
وقوله: وقيل بالمنع، أي: عقلًا. ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلًا وعادة، كالجمع بين النقيضين، وما استحال عادة، كمشي المقعد، وطيران الإِنسان، وإبصار الأعمى، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه.
وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة، فاعلم أن التوبة تجب كتابًا وسنَّة وإجماعًا من كل ذنب اقترفه الإِنسان فورًا، وأن الندم ركن من أركانها، وركن الواجب واجب، والندم ليس بفعل، وليس في استطاعة المكلف؛ لأنه انفعال، لا فعل، والانفعالات ليست بالاختيار، فما وجه التكليف بالندم، وهو غير فعل للمكلف، ولا مقدور عليه؟
والجواب عن هذا الإِشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل،
بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل،
والشراب الذي فيه السم القاتل لا يستلذه عاقل؛ لما يتبع لذته من عظيم الضرر، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشد من السم القاتل، وهو ما تستلزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي، وتعذيبه له أشد العذاب، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه، وينغص عليه لذة الحياة. ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم، أنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها.
فالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم، وأنه إن استعملها حصل له الندم، وبهذا الاعتبار كان مكلفًا بالندم، مع أنه انفعال لا فعل.
ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير:
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ...
بالندم، مع أنه انفعال لا فعل.
ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير:
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها
ونقل عن سفيان الثوري ﵀ أنه كان كثيرًا ما يتمثل بقود الشاعر:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإِثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار
وأما الإِشكال الذي في الإِقلاع عن الذنب، فحاصله: أن من تاب من الذنب الذي هو متلبس به، مع بقاء فساد ذلك الذنب، أي: أثره السيِّئ هل تكون توبته صحيحة، نظرًا إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه وإن كان الإِقلاع عن الذنب لم يتحقق؛ للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أو لا تكون توبته صحيحة، لأن الإِقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق؟
طيعه وإن كان الإِقلاع عن الذنب لم يتحقق؛ للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أو لا تكون توبته صحيحة، لأن الإِقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق؟
ومن أمثلة هذا: من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع المستوجبة للعذاب، إذا بث بدعته، وانتشرت في أقطار الدنيا، ثم تاب من ارتكاب تلك البدعة، فندم على ذلك، ونوى ألا يعود إليه أبدًا، مع أن إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه، لانتشارها في أقطار الدنيا، ولأن من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ففساد بدعته باق.
ومن أمثلته: من غصب أرضًا، ثم سكن في وسطها، ثم تاب من ذلك الغصب نادمًا عليه، ناويًا ألا يعود إليه، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة، وسلك أقرب طريق للخروج منها، فهل تكون توبته صحيحة في وقت سيره في الأرض المغصوبة قبل خروجه منها؛ لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أو لا تكون توبته صحيحة؛ لأن إقلاعه عن الغصب لم يتم ما دام موجودًا في الأرض المغصوبة، ولو كان يسير فيها، ليخرج منها؟
لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أو لا تكون توبته صحيحة؛ لأن إقلاعه عن الغصب لم يتم ما دام موجودًا في الأرض المغصوبة، ولو كان يسير فيها، ليخرج منها؟
ومن أمثلته: من رمى مسلمًا بسهم، ثم تاب فندم على ذلك، ونوى ألا يعود قبل إصابة السهم للإِنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في طريقه إلى المرمى، هل تكون توبته صحيحة، لأنه فعل ما يقدر عليه، أو لا تكون صحيحة، لأن إقلاعه عن الذنب، لم يتحقق وقت التوبة، لأن سهمه في طريقه إلى إصابة مسلم؟
فجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة صحيحة؛ لأن التوبة واجبة عليه، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه، وما لا قدرة له عليه معذور فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبًا.
واجب كل ما يقدر عليه، وما لا قدرة له عليه معذور فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبًا.
وقال أبو هاشم - وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي على الجبائي -: إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام؛ لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه، إذ لا إقلاع إلَّا حينئذٍ، والإِقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مناف للإِقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضًا؛ لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة. وهذا بناه على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخل بأصل له آخر، وهو منع التكليف بالمحال، فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين كليهما. اهـ قاله في نشر البنود.
وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرًا على مذهب الجمهور بقوله:
من تاب بعد أن تعاطى السببا ... فقد أتى بما عليه وجبا
وإن بقي فساده كمن رجع ...
وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرًا على مذهب الجمهور بقوله:
من تاب بعد أن تعاطى السببا ... فقد أتى بما عليه وجبا
وإن بقي فساده كمن رجع ... عن بث بدعة عليها يتبع
أو تاب خارجًا مكان الغصب ... أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
•