أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: يومَ القيامةِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧، ٥٨].
وقولُه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾.
وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧، ٥٨].
وقولُه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذ قلوبُ العبادِ من مخافةِ عقابِ اللهِ لَدَى حناجِرِهم، قد شَخَصَتْ مِن صُدورِهم فتَعَلَّقَتْ بحُلوقِهم، كاظِمِيها، يَرومون رَدَّها إلى مَواضِعها مِن صدورِهم فلا تَرْجِعُ، ولا هي تَخْرُجُ مِن أبدانِهم فيموتوا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾. قال: قد وَقَفَتِ القلوبُ في الحناجرِ مِن المخَافةِ، فلا هي تَخْرُجُ، ولا تعودُ إلى أمْكِنَتِها.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ
لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾.
تَخْرُجُ، ولا تعودُ إلى أمْكِنَتِها.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ
لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾. قال: شَخَصَتْ أَفْئِدَتُهم عن أَمْكِنَتِها، فتشَّبثتْ في حُلوقِهم، فلم تَخْرُجْ مِن أجوافِهم فيموتوا، ولم تَرْجِعْ إلى أمكنتها فتَسْتَقِرَّ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿كَاظِمِينَ﴾؛ فقال بعضُ نَحْويِّي البصرةِ: انْتِصابُه على الحالِ. كأنه أراد: إذ القلوبُ لدى الحناجرِ في هذه الحالِ. وكان بعضُ نَحْويِّى الكوفةِ يقولُ: الألفُ واللامُ بَدَلٌ مِن الإضافةِ، كأنه قال: إذ قلوبُهم لدى حناجرِهم في حالِ كَظْمِهم. وقال آخَرُ منهم: هو نصبٌ على القطعِ من المَعْنى الذي يَرْجِعُ مِن ذكرِهم في القلوبِ والحناجرِ، المَعْنى: إذ قلوبُهم لدى حناجِرِهم كاظِمينَ. قال: فإن شئتَ جَعَلتَ قَطْعَه مِن الهاءِ التي في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾. قال: والأَوَّلُ أجْوَدُ في العربيةِ.
نى: إذ قلوبُهم لدى حناجِرِهم كاظِمينَ. قال: فإن شئتَ جَعَلتَ قَطْعَه مِن الهاءِ التي في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾. قال: والأَوَّلُ أجْوَدُ في العربيةِ. وقد تَقَدَّم بيانُ وجهِ ذلك.
وقولُه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ما للكافرين باللهِ يومَئذٍ مِن حميمٍ يُحِمُّ لهم، فيَدْفَعَ عنهم عظيمَ ما نزَل بهم مِن عذابِ، اللهِ، ولا شفيعٍ يَشْفَعُ لهم عندَ ربِّهم، فيُطاعَ فيما شفَع، ويُجابَ فيما سأَل.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾. قال: مَن يَعْنِيه أمرُهم، ولا شفيعَ لهم.
وقولُه: ﴿يُطَاعُ﴾. صلةٌ للشفيعِ، ومعنى الكلامِ: ما للظالمينَ مِن حميمٍ، ولا شفيعٍ إذا شفَع أطِيعَ فيما شفَع، فأُجِيب وقُبِلَتْ شَفاعتُه.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.
عِ، ومعنى الكلامِ: ما للظالمينَ مِن حميمٍ، ولا شفيعٍ إذا شفَع أطِيعَ فيما شفَع، فأُجِيب وقُبِلَتْ شَفاعتُه.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه مُخْبِرًا عن صفةِ نفسِه: يَعْلَمُ ربُّكم ما خانتْ أعيُنُ عبادِه، وما أخْفَتْه صدورُهم. يعنى: وما أَضْمَرَتْه قلوبُهم. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أُمورِهم، حتى ما تُحَدِّثُ به نفسُه، ويُضْمِرُه قلبُه؛ إذا نظر ماذا يُريدُ بنَظَرِه، وما يَنْوِى ذلك بقلبِهِ، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾.
يءٌ مِن أُمورِهم، حتى ما تُحَدِّثُ به نفسُه، ويُضْمِرُه قلبُه؛ إذا نظر ماذا يُريدُ بنَظَرِه، وما يَنْوِى ذلك بقلبِهِ، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: واللهُ تعالى ذكرُه يَقْضِى في الذي خانَتْه الأَعْيُنُ بنظرِها، وأَخْفَتْه الصُّدورُ عند نظرِ العيونِ، بالحقِّ؛ فيَجْزِى الذين أغْمَضوا أبصارَهم وصرَفوها عن محارمِه، حِذَارَ الموقِفِ بينَ يَدَيْهِ، ومَسْأَلَتِه عنه، بالحُسنى، والذين ردُّوا النظرَ، وعَزَمتْ قلوبُهم على مُواقعَةِ الفَواحِشِ إِذا قَدَرَتْ، جزاءَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بن حسينِ بن واقِدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: إذا نَظَرْتَ إليها؛ تُريدُ الخيانةَ أمْ لا؟ ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: إذا قَدَرْتَ عليها؛ أتَزْنى بها أمْ لا؟ قال: ثم سكَت، ثم قال: ألا أُخبِرُكم بالتي تَلِيها؟ قلتُ: نعم.
دُ الخيانةَ أمْ لا؟ ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: إذا قَدَرْتَ عليها؛ أتَزْنى بها أمْ لا؟ قال: ثم سكَت، ثم قال: ألا أُخبِرُكم بالتي تَلِيها؟ قلتُ: نعم. قال: واللهُ يَقْضى بالحقِّ، قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالحسنةِ الحسنةَ، وبالسيئةِ السيئةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال الحسينُ: فقلتُ للأعمشِ: حدَّثني به الكَلْبِيُّ، إلا أنه قال: إن الله قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالسيئةِ السيئةَ، وبالحسنةِ عَشْرًا. فقال الأعمشُ: لو أن الذي عندَ الكلبيِّ عندى، ما خرَج
منى إلا بخفير.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.
أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. قال: نَظَرَ الأعْيُنِ إلى ما نهَى اللهُ عنه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: أي يَعْلَمُ هَمْزَه بعينِه وإغْماضَه، فيما لا يُحِبُّ اللهُ ولا يَرْضاه.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾. يقولُ: والأوثانُ والآلهةُ التي يَعْبُدُها هؤلاء المشركون باللهِ مِن قومِك من دونِه، لا يقْضون بشيءٍ؛ لأنها لا تَعْلَمُ شيئًا، ولا تَقْدِرُ على شيءٍ. يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: فاعْبُدوا الذي يَقْدِرُ على كلِّ شيءٍ، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم، فيَجْزِى مُحْسِنَكم بالإحسانِ، والمسيءَ بالإساءةِ، لا ما لا يَقْدِرُ على شيءٍ، ولا يَعْلَمُ شيئًا، فيَعْرِفَ المحسنَ مِن المسيءِ، فيُثيبَ المحسنَ، ويُعاقِبَ المسيءَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
عْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧].
وقوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) [أي ساكتين]، قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد.
ومعنى (كَاظِمِينَ) أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
وقال ابن جُرَيْج: (كَاظِمِينَ) أي: باكين.
وقوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
وقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حَقّ الحياء، ويَتَّقُوهُ حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر.
قال ابن عباس في قوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) وهو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غَضّ، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض [بصره عنها] وقد اطلع الله من قلبه أنه وَدّ أن لو اطلع على فرجها.
المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غَضّ، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض [بصره عنها] وقد اطلع الله من قلبه أنه وَدّ أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الضحاك: (خَائِنَةَ الأعْيُنِ) هو الغمز، وقول الرجل: رأيت، ولم ير؛ أو: لم أر، وقد رأى.
وقال ابن عباس: يعلم [الله] تعالى من العين في نظرها، هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟.
وقال السدي: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أي: من الوسوسة.
وقوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) أي: يحكم بالعدل.
وقال الأعمش: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [﵄] في قوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
وهذا الذي فسر به ابن عباس في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
ي فسر به ابن عباس في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وقوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: من الأصنام والأوثان والأنداد، (لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) أي: لا يملكون شيئا ولا يحكمون بشيء (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: سميع لأقوال خلقه، بصير بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾.
قد قدمنا الكلام علي ما يماثله من الآيات في أول سورة هود، وفي غيرها، وأحلنا عليه أيضًا مرارًا.
•