Wahai orang-orang yang beriman! Jadilah kamu sebagai penegak keadilan karena Allah, (ketika) menjadi saksi dengan adil. Dan janganlah kebencianmu terhadap suatu kaum, mendorong kamu untuk berlaku tidak adil. Berlaku adillah. Karena (adil) itu lebih dekat kepada takwa. Dan bertakwalah kepada Allah, sungguh, Allah Mahateliti atas apa yang kamu kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أَيُّها الذين آمَنوا باللهِ وبرسولِه محمدٍ، لِيَكُنْ مِن أخْلاقِكم وصِفاتِكم القيامُ اللهِ شُهداءَ بالعدلِ في أوليائِكم وأعدائِكم، ولا تَجُورُوا في أحْكامِكم وأفعالِكم، فتُجاوزوا ما حدَّدْتُ لكم في أعدائِكم لعَداوتهم لكم، ولا تُقَصِّروا فيما حدَّدْتُ لكم مِن أحكامي وحُدودى في أوليائِكم لولايتِهم لكم، ولكن
انْتَهُوا في جميعِهم إلى حَدِّي، واعْمَلُوا فيه بأمْرِى.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
لايتِهم لكم، ولكن
انْتَهُوا في جميعِهم إلى حَدِّي، واعْمَلُوا فيه بأمْرِى.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. فإنه يقولُ: ولا يَحْمِلَنَّكُم عَداوة قومٍ على ألا تَعْدِلُوا في حُكْمِكم فيهم، وسِيرتِكم بينَهم، فتَجُورُوا عليهم مِن أجلِ ما بينَكم وبينَهم مِن العَداوة.
وقد ذكَرْنا الرواية عن أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وفى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢].
يلِ في معنى قولِه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وفى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]. واختلافَ المختلفين في قراءةِ ذلك، والذي هو أولى بالصوابِ مِن القولِ فيه والقراءةِ بالأدلةِ الدالة على صحتِه بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ حين همَّت اليهودُ بقتلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: نزَلَت في يهودَ حين أرادوا قتلَ النبيِّ ﷺ
وقال ابن جُريج: قال عبد الله بن كثير: ذهَب رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى يهودَ يَسْتَعِينُهم في دية، فهمُّوا أن يَقْتُلوه، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿اعْدِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون على كلِّ أحدٍ مِن الناسِ، وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحْمِلوهم على ما أمَرْتُكم أن تَحْمِلوهم عليه مِن أحْكامي، ولا تَجُورُوا بأحدٍ منهم عنه.
وأما قولُه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإنه يعنى بقولِه: ﴿هُوَ﴾: العدلُ عليهم أقربُ لكم أيُّها المؤمنون إلى التقوى يعنى: إلى أن تكونوا عندَ اللَّهِ باسْتِعمالِكم إياه مِن أهلِ التقوى، وهم أهلُ الخوفِ والحذَرِ مِن اللهِ أن يُخالفوه في شيءٍ مِن أمره، أو يَأتوا شيئًا مِن مَعاصِيه.
وإنما وصَف جلَّ ثناؤه العَدْلَ بما وصَف به مِن أَنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِن الجَوْرِ؛ لأن مَن كان عادلًا، كان للهِ بعدلِه مُطيعًا، ومَن كان للَّهِ مُطيعًا، كان لا شكَّ مِن أهلِ التقوى، ومَن كان جائزًا، كان للهِ عاصيًا، ومَن كان للهِ عاصِيًا كان بعيدًا مِن تَقواه.
ِ بعدلِه مُطيعًا، ومَن كان للَّهِ مُطيعًا، كان لا شكَّ مِن أهلِ التقوى، ومَن كان جائزًا، كان للهِ عاصيًا، ومَن كان للهِ عاصِيًا كان بعيدًا مِن تَقواه.
وإنما كنى بقولِه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾. عن الفعل، والعربُ تَكْنى عن الأفعالِ إذا كَنَتْ عنها بـ "هو" وبـ "ذلك"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النحل: ٥٩]، و ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ولو لم يَكُنْ في الكلامِ ﴿هُوَ﴾، لكان ﴿أَقْرَبُ﴾ نصبًا،
ولقيل: اعْدِلوا أقْربَ للتقوى. كما قيل: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
وأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى: واحْذَروا أيُّها المؤمنون أن تَجُورُوا في عباده، فتُجاوِزوا فيهم حكمه وقضاءه الذي بيَّن لكم، فيُحِلَّ بكم عقوبتَه، وتَسْتَوْجِبوا منه أليمَ نَكَالِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
باده، فتُجاوِزوا فيهم حكمه وقضاءه الذي بيَّن لكم، فيُحِلَّ بكم عقوبتَه، وتَسْتَوْجِبوا منه أليمَ نَكَالِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ وعلمٍ بما تَعْمَلُون أَيُّها المؤمنون فيما أمَرَكم به، وفيما نهاكم عنه مِن عملٍ به أو خلافٍ له، مُخصٍ ذلكم عليكم كلَّه، حتى يُجازيكم به جزاءَكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءته، فاتقوا الله أن تُسِيئوا.
بايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، فقال [تعالى] (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي
وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله ﷺ عليها عند إسلامهم، كما قالوا: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرةً علينا، وألا ننازع الأمر أهله"، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد ﷺ والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد، ومُقَاتِل بن حَيَّان.
على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد، ومُقَاتِل بن حَيَّان. والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس، والسُّدِّي. واختاره ابن جرير.
ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال.
ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ) أي: كونوا قوامين بالحق لله، ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نَحْلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهد رسول الله ﷺ. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جَوْر".
ُشْهد رسول الله ﷺ. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جَوْر". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا) أي: لا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوًا؛ ولهذا قال: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه. ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]
وقوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله [تعالى] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله ﷺ.
الى] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله ﷺ.
ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال بعده: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي: لذنوبهم (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى
الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.