Dan sungguh, Kami telah menurunkan kepada kamu ayat-ayat yang memberi penjelasan, dan contoh-contoh dari orang-orang yang terdahulu sebelum kamu dan sebagai pelajaran bagi orang-orang yang bertakwa
ٌ مُبَيَّنَاتٌ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بكسرِ الياءِ، بمعنى أن الآياتِ هن تُبَيِّنُ الحقَّ والصوابَ للناسِ وتَهْدِيهم إلى الحقِّ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَقارِبنا المعنى، وذلك أن الله إذ فصَّلها وبيَّنها، صارت مُبَيِّنَةٌ بنفسِها الحقَّ لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، وإذا بيَّنَت ذلك لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، فبتبيينِ اللهِ ذلك فيها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءِته الصوابَ.
وقولُه: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. [يقولُ: ومثلًا من الذين مضَوا قبلَكم] مِن الأممِ، وموعظةً لمن اتَّقَى الله، فخاف عقابَه وخشِى عذابَه.
ورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾
اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ): هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قَدَر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﷺ: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". أخرجاه من حديث ابن مسعود.
وجاء في السنن -من غير وجه -أن رسول الله ﷺ قال: "تَزَوَّجوا، توالدوا، تناسلوا، فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة" وفي رواية: "حتى بالسقط".
الأيامى: جمع أيِّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له.
، تناسلوا، فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة" وفي رواية: "حتى بالسقط".
الأيامى: جمع أيِّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له. وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم أيضا.
وقوله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد -يعني: ابن عبد العزيز -قال: بلغني أن أبا بكر الصديق، ﵁، قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز [لكم] ما وعدكم من الغنى، قال: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).
ر الصديق، ﵁، قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز [لكم] ما وعدكم من الغنى، قال: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).
وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر بنحوه.
وعن الليث، عن محمد بن عَجْلان، عن سعيد المقْبُرِي، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة حَقٌّ على الله عَوْنهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه
وقد زوَّج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه [وإياها] ما فيه كفاية له ولها.
، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه [وإياها] ما فيه كفاية له ولها. فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: "تزوجوا فقراء يغنكم الله"، فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذا الحديث الذي أوردناه. ولله الحمد.
وقوله: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله). هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا [بالتعفف] عن الحرام، كما قال ﵊ -: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغَضُّ للبصر، وأحْصَنُ للفرج.
من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا [بالتعفف] عن الحرام، كما قال ﵊ -: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغَضُّ للبصر، وأحْصَنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء".
وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي صبركم عن تزويج الإماء خير؛ لأن الولد يجيء رقيقا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال عكرمة في قوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا) قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات [والأرض] حتى يغنيه الله.
هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات [والأرض] حتى يغنيه الله.
وقوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوا، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيِّده المال الذي شارطه على أدائه. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمرُ إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير، إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه.
وقال الثوري، عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه.
وقال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رَبَاح: إن يشأ يكاتبه وإن لم يشأ لم يكاتبه، وكذا قال مُقاتل بن حَيَّان، والحسن البصري.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبدُه ذلك، أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذًا بظاهر هذا الأمر:
يكاتبه، وكذا قال مُقاتل بن حَيَّان، والحسن البصري.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبدُه ذلك، أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذًا بظاهر هذا الأمر:
قال البخاري: وقال روح، عن ابن جُرَيْج قلت لعطاء: [أواجب عليّ إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء]، أتأثُرُه عن أحد؟ قال: لا. ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره، أن سيرين سأل أنسًا المكاتبةَ -وكان كثير المال، فأبى.
فانطلق إلى عمر بن الخطاب فقال: كاتبه. فأبى، فضربه بالدّرة، ويتلو عمر، ﵁: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فكاتبه
هكذا ذكره البخاري تعليقا. ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتِبَنَّه.
جرير: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتِبَنَّه. إسناد صحيح.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشَيْم بن جُوَيْبِر، عن الضحاك قال: هي عَزْمة.
وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي، ﵀، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب؛ لقوله ﵊: "لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه".
وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أنْ ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأئمة أكره أحدًا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله، وإذن منه للناس، وليس بواجب.
وكذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.
وقوله: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، قال بعضهم: أمانة. وقال بعضهم: صدقا.
الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.
وقوله: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، قال بعضهم: أمانة. وقال بعضهم: صدقا. [وقال بعضهم: مالا] وقال بعضهم: حيلة وكسبا.
وروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) قال: "إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كَلا على الناس".
وقوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم) اختلف المفسرون فيه، فقال قائلون: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: جزء من الكتابة من غير واحد.
وقال آخرون: بل المراد من قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. وهذا قول الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبيه، ومقاتل بن حيان.
مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. وهذا قول الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبيه، ومقاتل بن حيان. واختاره ابن جرير.
وقال إبراهيم النَّخَعِيّ في قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) قال: حَثَّ الناس عليه مولاه وغيره. وكذلك قال بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلمي، وقتادة.
وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقد تقدَّمَ في الحديث، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة حق على الله عونهم": فذكر منهم المكاتَب يريد الأداء، والقول الأول أشهر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وَكِيع، عن ابن شَبِيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر؛ أنه كاتب عبدًا له، يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حل، فقال: يا أبا أمية، اذهب فاستعن به في مكاتبتك. قال: يا أمير المؤمنين، لو تركتَه حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف ألا أدرك ذلك.
أمية، فجاء بنجمه حين حل، فقال: يا أبا أمية، اذهب فاستعن به في مكاتبتك. قال: يا أمير المؤمنين، لو تركتَه حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف ألا أدرك ذلك. ثم قرأ: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) قال عكرمة: كان أول نجم أدّي في الإسلام.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسَةَ، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتَبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه، مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته. ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته، وضع عنه ما أحب.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) قال: يعني: ضعوا عنهم من مكاتبتهم.
في آخر مكاتبته، وضع عنه ما أحب.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) قال: يعني: ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وكذلك قال مجاهد، وعطاء، والقاسم بن أبي بَزَّة، وعبد الكريم بن مالك الجَزَريّ، والسدي.
وقال محمد بن سيرين في قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ): كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتَبه طائفة من مكاتبته.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقرئ، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عطاء بن السائب: أن عبد الله بن جندب أخبره، عن علي، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ربع الكتابة".
وهذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على عليّ، ﵁، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي، ﵀.
وقوله: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كلّ وقت.
تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كلّ وقت. فلما جاء الإسلام، نهى الله المسلمين عن ذلك.
وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين، من السلف والخلف -في شأن عبد الله بن أبي بن سلول [المنافق] فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البِغاء طلبا لخَراجهن، ورغبة في أولادهن، ورئاسة منه فيما يزعم [قبحه الله ولعنه]
[ذكر الآثار الواردة في ذلك]
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزَّار، ﵀، في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي -يعني: محمد بن الحجاج -حدثنا محمد ابن إسحاق، عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها: معاذة، يكرهها على الزنى، فلما جاء الإسلام نزلت: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
الزنى، فلما جاء الإسلام نزلت: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها: مُسَيْكَة، كان يكرهها على الفجور -وكانت لا بأس بها -فتأبى. فأنزل الله، ﷿، هذه الآية إلى قوله (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وروى النسائي، من حديث ابن جُرَيْج، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا الأعمش، حدثني أبو سفيان، عن جابر قال: كان لعبد الله بن أُبَيٍّ ابنِ سلولَ جارية يقال لها: مسيكة، وكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)، إلى قوله: (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
زل الله: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)، إلى قوله: (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: "لم يسمع منه، إنما هو صحيفة" حكاه البزار.
قال أبو داود الطيالسي، عن سليمان بن معاذ، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس؛ أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية، فولدت أولادًا من الزنى، فقال لها: ما لك لا تزنين؟ قالت لا والله لا أزني. فضربها، فأنزل الله ﷿: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري: أن رجلا من قريش أُسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أُبَيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أُبيّ جارية يقال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة.
ش أُسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أُبَيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أُبيّ جارية يقال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة. وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها، رجاء أن تحمل للقرشي، فيطلب فداء ولده، فقال ﵎: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)
وقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها، إرادة الثواب منه والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، ﵁ فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فأمره بقبضها. فصاح عبد الله بن أبي: من يَعْذُرني من محمد، يغلبنا على مملوكتنا؟
ه. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، ﵁ فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فأمره بقبضها. فصاح عبد الله بن أبي: من يَعْذُرني من محمد، يغلبنا على مملوكتنا؟ فأنزل الله فيهم هذا.
وقال مُقَاتِل بن حَيَّان: بلغنا -والله أعلم -أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما، إحداهما اسمها مُسَيْكَة، وكانت للأنصاريّ، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي ﷺ، فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) يعني: الزنى.
وقوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وقوله: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ [الْحَيَاةِ] الدُّنْيَا) أي: من خَرَاجهن ومهورهن وأولادهن.
(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وقوله: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ [الْحَيَاةِ] الدُّنْيَا) أي: من خَرَاجهن ومهورهن وأولادهن. وقد نهى رسول الله ﷺ، عن كسب الحجَّام، ومهر البَغيّ وحُلْوان الكاهن -وفي رواية: "مهر البغي خبيث، وكسب الحجَّام خبيث، وثمن الكلب خبيث"
وقوله: (وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [أي: لهن، كما تقدم في الحديث عن جابر.
وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم] وإثمهن على من أكرههن: وكذا قال مجاهد، وعطاء الخراساني، والأعمش، وقتادة.
وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عَوْف، عن الحسن في هذه الآية: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال: لهن والله.
ادة.
وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عَوْف، عن الحسن في هذه الآية: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال: لهن والله. لهن والله.
وعن الزهري قال: غفور لهن ما أُكْرهْن عليه.
وعن زيد بن أسلم قال: غفور رحيم للمكرهات.
حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لَهِيعَة، حدثني عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: "فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" وإثمهن على من أكرههن.
وفي الحديث المرفوع، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رُفِع عن أمَّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه".
هِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" وإثمهن على من أكرههن.
وفي الحديث المرفوع، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رُفِع عن أمَّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه".
ولما فصل تعالى هذه الأحكام وبَيَّنها قال: (وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) يعني: القرآن فيه آيات واضحات مفسرات، (وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: خبرا عن الأمم الماضية، وما حلَّ بهم في مخالفتهم أوامرَ الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]
(وَمَوْعِظَةً) أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم (لِلْمُتَّقِينَ) أي: لمن اتقى الله وخافه.
قال علي بن أبي طالب، ﵁، في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفَصْل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه من جَبَّار قَصَمَه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.
ذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيه ﷺ آيات مبينات، ويدخل فيها دخولًا أوليًا الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود. ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة داخلة في قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ الآية.
وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون، أي: تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ.
الى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون، أي: تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها. ويدل لذلك عموم قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على آيات، أي: أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم.
ى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على آيات، أي: أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم.
قال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلًا معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم، أي: قصة غريبة من قصصهم، كقصة يوسف، ومريم في براءتهما.
وقال الزمخشري: ومثلًا من أمثال من قبلكم، أي: قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم يعني قصة عائشة ﵂. وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما.
وإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلًا، أي: قصة عجيبة غريبة في هذه السور الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم، أي من جنس قصصهم العجيبة. وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبر عنها بقوله: ومثلًا هي براءة عائشة ﵂ مما رماها به أهل الإِفك، وذلك مذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية.
، وذلك مذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل الإِفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به.
وعلى هذا: فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف بأنه أراد بها سوءًا تعني الفاحشة قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ لأنهم سجنوه بضع سنين بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه، بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)
لعزيز في كلامها مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ الآية.
فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا؛ لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف؛ لأنه هو وعائشة كلاهما رُمِيا بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدم قريبًا، وبشهادة الشاهد من أهلها ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية.
ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى
لى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية.
ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى
عن قوم مريم من أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج، كقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ يعني فاحشة الزنى، وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون الفاحشة، ثم بين الله تعالى براءتها مما رموها به في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ فكلام عيسى وهو رضيع ببراءتها يدل على أنها بريئة.
لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ إلى آخر الآيات.
ومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ وقوله تعالى في التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.
فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف
وبراءته وقذف مريم وبراءتها من أمثال من قبلنا، فهي مما يبين بعض ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
دلت على قذف يوسف
وبراءته وقذف مريم وبراءتها من أمثال من قبلنا، فهي مما يبين بعض ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
والآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا، وكونه من نوع أمثال من قبلنا واضح؛ لأن كلًا من عائشة، ومريم، ويوسف رمي بما لا يليق، وكل منهم برأه الله، وقصة كل منهم عجيبة، ولذا أطلق عليها اسم المثل في قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.
قال الزمخشري: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ ما وعظ به الآيات، والمثل من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾. اهـ كلام الزمخشري.
دِينِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾. اهـ كلام الزمخشري. والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها.
ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ فخص الإِنذار بمن ذكر في الآيات؛ لأنهم هم المنتفعون به مع أنه ﷺ في الحقيقة منذر لجميع الناس، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ ونظيره أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ ونحوها من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: مبينات بفتح الياء المثناة التحتية المشددة بصيغة اسم المفعول.
ْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: مبينات بفتح الياء المثناة التحتية المشددة بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن عامر،
وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: مبينات بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل. فعلى قراءة من قرأ بفتح الياء فلا إشكال في الآية، لأن الله بينها، وأوضحها، وعلى قراءة من قرأ مبينات بكسر الياء بصيغة اسم الفاعل، ففي معنى الآية وجهان معروفان:
أحدهما: أن قوله: (مبينات) اسم فاعل بَيَّن المتعدية، وعليه فالمفعول محذوف، أي: مبينات الأحكام والحدود.
والثاني: أن قوله: (مبينات) وصف من بَيَّن اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه فالمعنى: آيات مبينات، أي: بينات واضحات.
عول محذوف، أي: مبينات الأحكام والحدود.
والثاني: أن قوله: (مبينات) وصف من بَيَّن اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه فالمعنى: آيات مبينات، أي: بينات واضحات. ويدل لهذا الوجه الأخير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ مُبِينَاتٍ﴾.
وذكر الوجهين المذكورين الزمخشري، وأبو حيان وغيرهما، ومثلوا لبيَّن اللازمة بالمثل المعروف، وهو قول العرب: قد بين الصبح لذي عينين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من المعروف في العربية أن بيَّن مضعفًا، وأبان، كلتاهما تأتي متعدية للمفعول ولازمة، فتعدي بين للمفعول مشهور واضح كقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ وتعدي أبان للمفعول مشهور واضح أيضًا كقولهم: أبان له الطريق، أي: بينها له، وأوضحها. وأما ورود بين لازمة بمعنى تبين ووضح فمنه المثل المذكور: قد بين الصبح لذي عينين، أي: تبين وظهر. ومنه قول جرير:
وجوه مجاشع طليت بلؤم ... يبين في المقلد والعذار
فقوله: يبين بكسر الياء بمعنى: يظهر ويتضح، وقول جرير أيضًا:
رأى الناس البصيرة فاستقاموا ...
قول جرير:
وجوه مجاشع طليت بلؤم ... يبين في المقلد والعذار
فقوله: يبين بكسر الياء بمعنى: يظهر ويتضح، وقول جرير أيضًا:
رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح
ومنه أيضًا قول قيس بن ذريح:
وللحب آيات تبين بالفتى ... شحوب وتعري من يديه الأشاجع
على الرواية المشهورة برفع شحوب.
والمعنى: للحب علامات تبين بالكسر، أي: تظهر وتتضح بالفتى، وهي شحوب إلخ. وأنشد ثعلب هذا البيت فقال: شحوبًا بالنصب، وعليه فلا شاهد في البيت؛ لأن شحوبًا على هذا مفعول تبين، فهو على هذا من بين المتعدية.
وأما ورود أبان لازمة بمعنى بان وظهر، فهو كثير في كلام العرب أيضًا. ومنه قول جرير:
إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب
أي: ظهرت المقرفات وتبينت.
وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور
أي: لظهر وبان من آثارهن حدور، أي: ورم. وقول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها للبصير بها ...
عة المخزومي:
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور
أي: لظهر وبان من آثارهن حدور، أي: ورم. وقول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله: مبين وصف من أبان اللازمة، أي: عتق بين واضح، أي: كرم ظاهر.
•
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية.
قرأ هذا الحرف جميع السبعة غير ابن عامر، وشعبة، عن
عاصم: يسبح للَّه فيها بكسر الباء الموحدة المشددة، مبنيًا للفاعل، وفاعله رجال. والمعنى واضح على هذه القراءة. وقرأه ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح له فيها بفتح الباء الموحدة المشددة، مبنيًا للمفعول. وعلى هذه القراءة فالفاعل المحذوف قد دلت القراءة الأولى على أن تقديره: رجال، فكأنه لما قال: يسبح له فيها، قيل: ومن يسبح له فيها؟ قال رجال، أي: يسبح له فيها رجال.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ما لفظه: وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلَّا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها. . . إلى آخره.
تاب المبارك ما لفظه: وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلَّا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها. . . إلى آخره. وإنما ذكرنا أن الآية يبين بعض القراءات فيها معنى بعض؛ لأن المقرر عند العلماء أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة الجمهور: يسبح بكسر الباء وفاعله رجال، مبينة أن الفاعل المحذوف في قراءة ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح بفتح الباء مبنيًا للمفعول؛ لحذف الفاعل هو رجال كما لا يخفى. والآية على هذه القراءة حذف فيها الفاعل ليسبح، وحذف أيضًا الفعل الرافع للفاعل الذي هو رجال على حد قوله في الخلاصة:
ويرفع الفاعل فعل أضمرا ... كمثل زيد في جواب من قرا
ونظير ذلك من كلام العرب قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره:
لِيُبكَ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
فقوله: ليبك يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنيًا
للمفعول، فكأنه قيل: ومن يبكيه؟
ره:
لِيُبكَ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
فقوله: ليبك يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنيًا
للمفعول، فكأنه قيل: ومن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع لخصومة إلخ.
وقراءة ابن عامر، وشعبة هنا كقراءة ابن كثير: كذلك يوحى إليك بفتح الحاء مبنيًا للمفعول، فقوله: (الله) فاعل يوحى المحذوفة.
ووصفه تعالى لهؤلاء الرجال الذين يسبحون له بالغدو والآصال بكونهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم، والثناء عليهم يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال، لأن ثناء الله على المتصف بها يدل على أن من أخل بها يستحق الذم الذي هو ضد الثناء، ويوضح ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهيًا جازمًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ
ِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أنه على قراءة ابن عامر، وشعبة: يسبح بفتح الباء يحسن الوقف على قوله: بالآصال. وأما على قراءة الجمهور يسبح بالكسر، فلا ينبغي الوقف على قوله: بالآصال، لأن فاعل يسبح رجال، والوقف دون الفاعل لا ينبغي كما لا يخفى.
المسألة الثانية: اعلم أن الضمير المؤنث في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ راجع إلى المساجد المعبر عنها بالبيوت في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ والتحقيق: أن البيوت المذكورة هي المساجد.
إلى المساجد المعبر عنها بالبيوت في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ والتحقيق: أن البيوت المذكورة هي المساجد.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ يدل بمفهومه على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد. وقد يظهر للناظر أن مفهوم قوله: رجال مفهوم لقب. والتحقيق عند الأصوليين أنه لا يحتج به.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن مفهوم الرجال مفهوم لقب بالنظر إلى مجرد لفظه، وأن مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق، كما أوضحناه في غير هذا الموضع.
قيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن مفهوم الرجال مفهوم لقب بالنظر إلى مجرد لفظه، وأن مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولكن مفهوم الرجال هنا معتبر، وليس مفهوم لقب على التحقيق، وذلك لأن لفظ الرجال، وإن كان بالنظر إلى مجرده اسم جنس جامد وهو لقب بلا نزاع، فإنه يستلزم من صفات الذكورة ما هو مناسب لإِناطة الحكم به، والفرق بينه وبين النساء؛ لأن الرجال لا تخشى منهم الفتنة، وليسوا بعورة بخلاف النساء، ومعلوم أن وصف الذكورة وصف صالح لإِناطة الحكم به الذي هو التسبيح في المساجد، والخروج إليها دون وصف الأنوثة.
والحاصل: أن لفظ الرجال في الآية، وإن كان في الاصطلاح لقبًا فإنما يشتمل عليه من أوصاف الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإِناث، يقتضي اعتبار مفهوم المخالفة في لفظ رجال، فهو في الحقيقة مفهوم صفة، لا مفهوم لقب؛ لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإِناطة الحكم به، والفرقِ في ذلك بين الرجال والنساء، كما لا يخفى.
لفظ رجال، فهو في الحقيقة مفهوم صفة، لا مفهوم لقب؛ لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإِناطة الحكم به، والفرقِ في ذلك بين الرجال والنساء، كما لا يخفى.
المسألة الثالثة: إذا علمت أن التحقيق أن مفهوم قوله: (رجال) مفهوم صفة باعتبار ما يستلزمه من صفات الذكورة المناسبة
للفرق بين الذكور والإِناث في حكم الخروج إلى المساجد، لا مفهوم لقب، وأن مفهوم الصفة معتبر عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. فاعلم أن مفهوم قوله هنا: (رجال) فيه إجمال، لأن غاية ما يفهم منه أن النساء لسن كالرجال في الخروح للمساجد.
م الصفة معتبر عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. فاعلم أن مفهوم قوله هنا: (رجال) فيه إجمال، لأن غاية ما يفهم منه أن النساء لسن كالرجال في الخروح للمساجد. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان القراني إذا كان غير واف بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من الستة من حيث إنها تفسير للمبيِّن - باسم الفاعل - ، وتقدمت أمثلة لذلك.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن السنَّة النبوية بينت مفهوم المخالفة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: رجال، فبينت أن المفهوم المذكور معتبر، وأن النساء لسن كالرجال في حكم الخروج إلى المساجد، وأوضحت أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لهن من الخروج إلى المساجد والصلاة فيها في الجماعة، بخلاف الرجال، وبينت أيضًا أنهن يجوز لهن الخروج إلى المساجد بشروط سيأتي إيضاحها إن شاء الله تعالى، وأنهن إذا استأذن أزواجهن في الخروج إلى المساجد فهم مأمورون شرعًا بالإِذن لهن في ذلك مع التزام الشروط المذكورة.
أما أمر أزواجهن بالإِذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك فقد صح عن النبي ﷺ .
اجد فهم مأمورون شرعًا بالإِذن لهن في ذلك مع التزام الشروط المذكورة.
أما أمر أزواجهن بالإِذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك فقد صح عن النبي ﷺ .
قال البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب النكاح: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها".
وقال البخاري أيضًا في صحيحه في كتاب الصلاة: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد: حدثنا مسدد، حدثنا
يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها".
وقال البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" تابعه شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة.
وا لهن" تابعه شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة. قال زهير: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري سمع سالمًا يحدث عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" وفي لفظ عند مسلم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها" وفي لفظ عند مسلم أيضًا، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وفي لفظ له عنه أيضًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن" وفي لفظ له عنه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" وفي رواية له عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" وفي لفظ له عنه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم" وفي رواية: "إذا استأذنوكم".
للنساء بالليل إلى المساجد" وفي لفظ له عنه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم" وفي رواية: "إذا استأذنوكم". قال النووي في شرح مسلم: وهو صحيح، وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور. وحديث ابن عمر ﵄ هذا الذي ذكرناه عن
الشيخين بروايات متعددة أخرجه أيضًا غيرهما، وهو صريح في أن أزواج النساء مأمورون على لسانه ﷺ بالإِذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك، ومنهيون عن منعهن من الخروج إليها.
وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإِذن لهن في الروايات المذكورة ليس للإِيجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه ﷺ عن منعهن قالوا: هو لكراهة التنزيه، لا للتحريم.
قال ابن حجر في فتح الباري: وفيه إشارة إلى أن الإِذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيرًا في الإِجابة أو الرد.
وقال النووي في شرح المهذب: فإن منعها لم يحرم عليه هذا مذهبنا. قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء.
ا يتحقق إذا كان المستأذن مخيرًا في الإِجابة أو الرد.
وقال النووي في شرح المهذب: فإن منعها لم يحرم عليه هذا مذهبنا. قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء. ويجاب عن حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" بأنه نهي تنزيه؛ لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الزوج إذا استأذنته امرأته في الخروج إلى المسجد، وكانت غير متطيبة، ولا متلبسة بشيء يستوجب الفتنة مما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، أنه يجب عليها الإِذن لها، ويحرم عليه منعها للنهي الصريح منه ﷺ عن منعها من ذلك، وللأمر الصريح بالإِذن لها، وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك. وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم.
، وللأمر الصريح بالإِذن لها، وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك. وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم. وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء
فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" إلى غير ذلك من الأدلة، كما قدمنا.
وقول ابن حجر: إن الإِذن لا يتحقق إلَّا إذا كان المستأذن مخيرًا في الإِجابة والرد، غير مسلم، إذ لا مانع عقلًا، ولا شرعًا، ولا عادة من أن يوجب الله عليه الإِذن لامرأته في الخروج إلى المسجد من غير تخيير، فإيجاب الإِذن لا مانع منه، وكذلك تحريم المنع. وقد دل النص الصحيح على إيجابه فلا وجه لرده بأمر محتمل كما ترى.
وقول النووي.
وج إلى المسجد من غير تخيير، فإيجاب الإِذن لا مانع منه، وكذلك تحريم المنع. وقد دل النص الصحيح على إيجابه فلا وجه لرده بأمر محتمل كما ترى.
وقول النووي. لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه للفضيلة، لا يصلح لأن يرد به النص الصريح منه ﷺ ، فأمره ﷺ الزوج بالإِذن لها يلزمه ذلك، ويوجبه عليه، فلا يعارض بما ذكره النووي كما ترى.
وما ذكره النووي عن البيهقي: من أن عدم الوجوب قال به عامة العلماء غير مسلم أيضًا، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه لما حدث عن النبي ﷺ بالحديث الذي ذكرنا عنه في أمر الأزواج بالإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد، وقال ابنه: لا ندعهن يخرجن، غضب وشتمه ودفع في صدره منكرًا عليه مخالفته لأمر النبي ﷺ .
ي ذكرنا عنه في أمر الأزواج بالإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد، وقال ابنه: لا ندعهن يخرجن، غضب وشتمه ودفع في صدره منكرًا عليه مخالفته لأمر النبي ﷺ . وذلك دليل واضح على اعتقاده وجوب امتثال ذلك الأمر بالإِذن لهن.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها"
فقال بلال بن عبد الله: واللَّه لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ، وتقول: واللَّه لنمنعهن، وفي لفظ عند مسلم: فزبره ابن عمر وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقول: لا ندعهن. وفي لفظ لمسلم أيضًا: فضرب في صدره.
واعلم أن ابن عبد الله بن عمر الذي زعم أنه لم يمتثل أمر النبي ﷺ بالإِذن للنساء إلى المساجد جاء في صحيح مسلم أنه بلال بن عبد الله بن عمر. وفي رواية عند مسلم: أنه واقد بن عبد الله بن عمر.
عم أنه لم يمتثل أمر النبي ﷺ بالإِذن للنساء إلى المساجد جاء في صحيح مسلم أنه بلال بن عبد الله بن عمر. وفي رواية عند مسلم: أنه واقد بن عبد الله بن عمر. والحق تعدد ذلك فقد قاله كل من بلال، وواقد ابني عبد الله بن عمر، وقد أنكر ابن عمر على كل منهما. كما جاءت به الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره.
فكون ابن عمر ﵄ أقبل على ابنه بلال وسبه سبًا سيئًا وقال - منكرًا عليه -: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: لنمنعهن، فيه دليل واضح أن ابن عمر يرى لزوم الإِذن لهن، وأن منعهن لا يجوز، ولو كان يراه جائزًا ما شدد النكير على ابنيه كما لا يخفى.
وقال النووي في شرح مسلم: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا، وفي رواية: فزبره. وفي رواية: فضرب في صدره.
جائزًا ما شدد النكير على ابنيه كما لا يخفى.
وقال النووي في شرح مسلم: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا، وفي رواية: فزبره. وفي رواية: فضرب في صدره. فيه تعزير المعترض على السنَّة والمعارض لها برأيه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وكلام النووي هذا الذي رأيت اعتراف منه بأن مذهبه وهو مذهب الشافعي ومن قال بقوله - كما نقل عن البيهقي أنه قول عامة العلماء - أن جميع القائلين بذلك مستحقون للتعزير، معترضون على السنَّة، معارضون لها برأيهم. والعجب منه
كيف يقر بأن بلال بن عبد الله بن عمر مستحق للتعزير لاعتراضه على السنَّة، ومعارضته لها برأيه، مع أن مذهبه الذي ينصره وينقل أنه قول عامة العلماء عن البيهقي هو بعينه قول بلال بن عبد الله بن عمر الذي صرح هو بأنه يستحق به التعزير، وأنه اعتراض على السنَّة ومعارضة لها بالرأي.
وقال النووي: قوله: فزبره، أي: نهره.
وقال ابن حجر في فتح الباري: ففي رواية بلال عند مسلم، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا شديدًا ما سمعته سبه مثله قط.
.
وقال النووي: قوله: فزبره، أي: نهره.
وقال ابن حجر في فتح الباري: ففي رواية بلال عند مسلم، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا شديدًا ما سمعته سبه مثله قط. وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات، وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال: أف لك، وله عن ابن نمير عن الأعمش: فعل الله بك وفعل، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من رواية أبي معاوية: فزبره، ولأبي داود من رواية جرير: فسبه وغضب عليه. إلى أن قال: وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه. وهو اعتراف منه أيضًا بأن من خالف الحديث المذكور معترض على السنن برأيه، وبه تعلم أن ما قدمنا عنه من كون الأمر بالإِذن لهن إلى المساجد ليس للوجوب اعتراض على السنن بالرأي كما ترى.
وبما ذكرنا تعلم أن الدليل قد دل من السنَّة الصحيحة على وجوب الإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد كما ذكرنا، ويؤيده أن ابن عمر لم ينكر عليه أحد من الصحابة تشنيعه على ولديه كما أوضحناه آنفًا.
َّة الصحيحة على وجوب الإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد كما ذكرنا، ويؤيده أن ابن عمر لم ينكر عليه أحد من الصحابة تشنيعه على ولديه كما أوضحناه آنفًا. والعلم عند الله تعالى.
وإذا علمت أن ما ذكرنا من النصوص الصريحة في الأمر بالإِذن لهن يقتضي جواز خروجهن إلى المساجد، فاعلم أنه ثبت في
الصحيح أنهن كن يخرجن إلى المسجد، فيصلين مع النبي ﷺ .
قال البخاري ﵀ ﷺ صحيحه: حدثنا يحيى بن بكير قال: أخبرنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ أخبرته قالت. كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وغيره.
هدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وغيره. وقد جاءت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما دالة على ما دلَّ عليه حديث عائشة هذا المتفق عليه من كون النساء كن يشهدن الصلاة في المسجد معه ﷺ .
تنبيه
قد علمت مما ذكرنا في روايات حديث ابن عمر المتفق عليه: أن في بعض رواياته المتفق عليها تقييد أمر الرجال بالإِذن للنساء في الخروج إلى المسجد بالليل، وفي بعضها الإِطلاق وعدم التقييد بالليل، وهو أكثر الروايات كما أشار له ابن حجر في الفتح.
وقد يتبادر للناظر أن الأزواج ليسوا مأمورين بالإِذن للنساء إلَّا في خصوص الليل، لأنه أستر، ويترجح عنده هذا بما هو مقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد، فتحمل روايات الإِطلاق على التقييد بالليل، فيختص الإِذن المذكور بالليل.
ليل، لأنه أستر، ويترجح عنده هذا بما هو مقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد، فتحمل روايات الإِطلاق على التقييد بالليل، فيختص الإِذن المذكور بالليل.
قال مقيده عفا الله وغفر له: الأظهر عندي تقديم روايات الإِطلاق وعدم التقييد بالليل، لكثرة الأحاديث الصحيحة الدالة على حضور النساء الصلاة معه ﷺ في غير الليل، كحديث عائشة المتفق
عليه المذكور آنفًا الدال على حضورهن معه ﷺ صلاة الصبح، وهي صلاة نهار لا ليل، ولايكون لها حكم صلاة الليل بسبب كونهن يرجعن لبيوتهن، لا يعوفن من الغلس؛ لأن ذلك الوقت من النهار قطعًا، لا من الليل، وكونه من النهار مانع من التقييد بالليل. والعلم عند الله تعالى.
وأما ما يشترط في جواز خروج النساء إلى المساجد فهو المسألة الرابعة.
قطعًا، لا من الليل، وكونه من النهار مانع من التقييد بالليل. والعلم عند الله تعالى.
وأما ما يشترط في جواز خروج النساء إلى المساجد فهو المسألة الرابعة. اعلم أن خروج المرأة إلى المسجد يشترط فيه عند أهل العلم شروط يرجع جميعها إلى شيء واحد، وهو كون المرأة وقت خروجها للمسجد ليست متلبسة بما يدعو إلى الفتنة مع الأمن من الفساد.
قال النووي في شرح مسلم في الكلام على قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ما نصه: هذا وما أشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ونحوها.
لا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ونحوها. انتهى محل الغرض من كلام النووي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الشروط التي ذكرها النووي وغيره منها ما هو ثابت عن النبي ﷺ ، ومنها ما لا نص فيه، ولكنه ملحق بالمنصوص لمشاركته له في علته، وإلحاق بعضها لا يخلو من مناقشة كما سترى إيضاح ذلك كله إن شاء الله تعالى.
أما ما هو ثابت عنه ﷺ من تلك الشروط، فهو عدم التطيب، فشرط جواز خروج المرأة إلى المسجد ألا تكون متطيبة.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن بسر بن سعيد أن زينب الثقفية كانت تحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تطيب تلك الليلة".
حدثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن بسر بن سعيد أن زينب الثقفية كانت تحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تطيب تلك الليلة".
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا".
حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم. قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة". اهـ.
فهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن صحابيين، وهما: أبو هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، صريح في أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد.
لذي أخرجه مسلم في صحيحه عن صحابيين، وهما: أبو هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، صريح في أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد. ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات". اهـ.
وقوله: وهن تفلات، أي: غير متطيبات.
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وتفلات بفتح التاء المثناة فوق وكسر الفاء، أي: تاركات الطيب. اهـ. ومنه قول امرئ القيس:
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير متفالِ
وهذا الحديث أخرجه أيضًا الإِمام أحمد وابن خزيمة، عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه ابن حبان من حديث زيد بن خالد.
ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير متفالِ
وهذا الحديث أخرجه أيضًا الإِمام أحمد وابن خزيمة، عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه ابن حبان من حديث زيد بن خالد. قاله الشوكانى وغيره.
وإذا علمت أن هذه الأحاديث دلت على أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد، لأنها تحرك شهوة الرجال بريح طيبها.
فاعلم أن أهل العلم ألحقوا بالطيب ما في معناه كالزينة الظاهرة، وصوت الخلخال، والثياب الفاخرة، والاختلاط بالرجال، ونحو ذلك بجامع أن الجميع سبب الفتنة بتحريك شهوة الرجال، ووجهه ظاهر كما ترى. وألحق الشافعية بذلك الشابة مطلقًا؛ لأن الشباب مظنة الفتنة، وخصصوا الخروج إلى المساجد بالعجائز. والأظهر أن الشابة إذا خرجت مستترة غير متطيبة، ولا متلبسة بشيء آخر من أسباب الفتنة أن لها الخروج إلى المسجد لعموم النصوص المتقدمة. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من الصلاة في المساجد، ولو كان المسجد مسجد النبي ﷺ .
م النصوص المتقدمة. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من الصلاة في المساجد، ولو كان المسجد مسجد النبي ﷺ . وبه تعلم أن قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما
سواه إلَّا المسجد الحرام" خاص بالرجال. أما النساء فصلاتهن في بيوتهن خير لهن من الصلاة في الجماعة في المسجد.
قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن".
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وحديث ابن عمر صحيح، رواه أبو داود بلفظه هذا، بإسناد صحيح على شرط البخاري.
ا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن".
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وحديث ابن عمر صحيح، رواه أبو داود بلفظه هذا، بإسناد صحيح على شرط البخاري. اهـ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا الإِمام أحمد.
وقال ابن حجر في فتح الباري: وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر بلفظ: "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" وإسناد أحمد حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود.
ووجه كون صلاتها في الإِخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة.
مك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" وإسناد أحمد حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود.
ووجه كون صلاتها في الإِخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر.
وحديث ابن مسعود الذي أشار له هو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن المثنى، أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: ثنا همام عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها". اهـ.
وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقد روى أحمد عن أم سلمة عنه ﷺ : "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".
وبما ذكرنا من النصوص تعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من صلاتهن في الجماعة في مسجد النبي ﷺ ، وغيره من المساجد لثبوت ذلك عن النبي ﷺ .
ومما يؤكد صلاتهن في بيوتهن ما أحدثنه من دخول المسجد في ثياب قصيرة هي مظنة الفتنة، ومزاحمتهن للرجال في أبواب المسجد عند الدخول والخروج.
ك عن النبي ﷺ .
ومما يؤكد صلاتهن في بيوتهن ما أحدثنه من دخول المسجد في ثياب قصيرة هي مظنة الفتنة، ومزاحمتهن للرجال في أبواب المسجد عند الدخول والخروج. وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى من النساء ما رأينا، لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها.
وقد علمت مما ذكرنا من الأحاديث أن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ الآية. معتبر، وأنه ليس مفهوم لقب. وقد أوضحنا المفهوم المذكور بالسنَّة كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.
•