القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فسبِّحوا الله أيها الناسُ: أي صَلُّوا له حين تُمْسون؛ وذلك صلاة المغرب، وحين تُصبحون؛ وذلك صلاة الصبح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وله الحمدُ من جميع خلْقِه، دونَ غيره، في السماوات؛ من سكَّانها من الملائكة، والأرض؛ من أهلها من جميع أصناف خلقه فيها، ﴿وَعَشِيًّا﴾. يقولُ: وسَبْحوه أيضًا عشيًّا، وذلك صلاة العصرٍ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. يقول: وحين تَدْخُلون في وقتِ الظهْرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزين، قال: سأل نافعُ بنُ الأَزرَقِ ابن عباسٍ: [هل تجِدُ] ميقاتَ الصلواتِ الخمس في كتابِ اللَّهِ؟
بن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزين، قال: سأل نافعُ بنُ الأَزرَقِ ابن عباسٍ: [هل تجِدُ] ميقاتَ الصلواتِ الخمس في كتابِ اللَّهِ؟ قال: نعم؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهر. قال: ﴿وَمِن بَعدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزينٍ، قال: سأل نافع بنُ الأَزرَقِ ابن عباس عن الصلوات الخمس في القرآن، قال: نعَم. فقرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. قال: صلاة الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾. قال: صلاة العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهر.
للَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. قال: صلاة الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾. قال: صلاة العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهر. ثم قرأ: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن الحكمِ عن أبي عياضٍ، عن ابن عباس، قال: جمَعتْ هاتان الآيتان مواقيت الصلاةِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ،
﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن الحكمٍ، عن أبى عياض، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليث، عن الحكمِ، عن أبى عياضٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾.
َّةَ، عن ليث، عن الحكمِ، عن أبى عياضٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. قال: جمعت الصلواتِ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: صلاة الظهر.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وحين تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ، وكلُّ سجَدة في القرآن فهي صلاةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: الصلاةِ المغربِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: لصلاةِ العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهرِ، أربعُ صلواتٍ.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.
هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه: عند المساء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح، وهو إسفار النهار عن ضيائه.
ثم اعترض بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.
ثم قال: (وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء.
وَاتِ وَالأرْضِ) أي: هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.
ثم قال: (وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا، كما قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٣، ٤]، وقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢]، وقال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢]، والآيات في هذا كثيرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجُهَني، عن أبيه عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟
ا ابن لَهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجُهَني، عن أبيه عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون".
وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شُعَيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يصبح: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)
الآية بكمالها، أدرك ما فاته في يومه، ومَنْ قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته". إسناد جيد ورواه أبو داود في سننه.
وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة.
اه أبو داود في سننه.
وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة. وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
وقوله: (وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس: ٣٣، ٣٤]، وقال: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى
قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾
قد قدمنا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ أن قوله هنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيتين من الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس، وأوضحنا وجه ذلك مع إيضاح جميع الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس.
•