(Sesungguhnya orang-orang yang dicabut nyawanya oleh malaikat dalam keadaan menzalimi sendiri,217) mereka (para malaikat) bertanya, "Bagaimana kamu ini?" Mereka menjawab, "Kami orang-orang yang tertindas di bumi (Mekkah)." Mereka (para malaikat) bertanya, "Bukankah bumi Allah itu luas, sehingga kamu dapat berhijrah (berpindah-pindah) di bumi itu?" Maka orang-orang itu tempatnya di neraka Jahanam, dan (Jahanam) itu seburuk-buruk tempat kembali
اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [يعنى قالت لهم الملائكةُ الذين يتوفَّوْنهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾]. يقولُ: فتَخْرُجوا من أرضِكم ودُورِكم، وتُفارِقوا من يَمْنَعُكم بها مِن الإيمان بالله، واتباعِ
رسوله ﷺ إلى الأرض التي يَمْنَعُكم أهلُها من سلطانِ أهلِ الشركِ بالله، فتُوَحِّدوا الله فيها فتَعْبُدُوه، وتَتَّبِعُوا نبيَّه ﷺ، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي فهؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم، الذين تَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: مصيرُهم في الآخرة جهنمُ، وهى مسكنُهم، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فتُ لكم صفتَهم، الذين تَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: مصيرُهم في الآخرة جهنمُ، وهى مسكنُهم، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يعنى: وساءت جهنمُ لأهلِها الذين صاروا إليها مصيرًا ومسكنًا ومأوًى.
ثم اسْتَثْنى جل ثناؤُه المستضعَفين الذين اسْتَضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان؛ وهم العَجَزةُ عن الهجرة بالعُسْرَةِ وقلَّة الحيلة وسوءِ البصرِ والمعرفةِ بالطريق من أرضِهم، أرض الشركِ إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخْبَر جل ثناؤُه أن مأواهم جهنمُ، أن تكونَ جهنمُ مأواهم، للعذرِ الذي هم فيه، على ما بيَّنه تعالى ذكرُه.
ونصَب (المستضعَفِينَ) على الاستثناءِ مِن الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾.
ثناءِ مِن الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. يعني: هؤلاء المستضعَفينَ، يقولُ: لعلَّ الله أن يَعْفُو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فَيَتَفَضَّلَ عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة؛ إذ لم يَتْرُكوها اختيارًا، ولا إيثارًا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا]﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ ﴿عَفُوًّا﴾.
هم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا]﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ ﴿عَفُوًّا﴾. يعني: ذا صفحٍ بفضلِه عن ذنوبِ عباده، بتركه العقوبةَ عليها، ﴿غَفُورًا﴾: ساترًا عليهم ذنوبَهم بعفوِه لهم عنها.
وذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ والتي بعدَهما نزَلت في أقوامٍ من أهلِ مكة كانوا قد أسْلَموا وآمنوا بالله وبرسولِه، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرِض بعضُهم على الفتنة فافْتَتن، وشهِد معَ المشركين حربَ المسلمين، فأبى الله قبولَ معذرتهم التي اعْتَذروا بها، التي بيَّنها في قوله خبرًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
ذكرُ الأخبار الواردة بصحةِ ما ذكَرْنا مِن نزولِ الآيةِ في الذين ذكَرْنا أنها نزَلت فيهم
حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
َّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهل مكة أسْلَموا، فمَن مات منهم بها هلك، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾. إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال ابن عباسٍ: فأنا منهم وأُمِّى منهم. قال عكرمةُ: وكان العباسُ منهم.
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شَريكٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهل مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُونَ بالإسلام، فأَخْرَجهم المشركون يوم بدر معهم، فأُصيب بعضُهم، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا.
هل مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُونَ بالإسلام، فأَخْرَجهم المشركون يوم بدر معهم، فأُصيب بعضُهم، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآية، قال: فكُتب إلى مَن بقى بمكة من المسلمين بهذه الآيةِ، لا عذرَ لهم. قال: فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾. [العنكبوت: ١٠] إلى آخر الآية، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيِسوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرَجوا، فأدْرَكهم المشركون، فقاتَلوهم حتى نجا مَن نجا، وقُتِل مَن قُتِل.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ أو ابن لهيعةَ - الشكُّ مِن يونسَ - عن أبي الأسود، أنه سمِع مولى ابن عباسٍ يقولُ عن ابن عباسٍ: إن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على النبيِّ ﷺ، فيأتى السهمُ يُرْمَى، فيُصِيبُ أحدهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فيُقْتَلُ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
همُ يُرْمَى، فيُصِيبُ أحدهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فيُقْتَلُ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. حتى بلغ: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ [ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّاز]، قالا: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن نوفلٍ الأسديُّ، قال: قُطع على أهل المدينة بعثٌ، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقِيتُ عكرمة مولى ابن عباسٍ، فنهانى عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباسٍ، أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين.
المدينة بعثٌ، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقِيتُ عكرمة مولى ابن عباسٍ، فنهانى عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباسٍ، أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين. ثم ذكر مثل حديثِ يونس، عن ابن وهبٍ.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فهم قومٌ تخلَّفوا بعد النبيِّ ﵇ وتركوا أن يَخْرُجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يَلْحَقَ بالنبيِّ ﵇ ضرَبت الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: نزلت في قيس بن الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارث بن
زَمْعَةً بن الأسود بن أسدٍ، وقيس بن الوليد بن المغيرة، [وأبي العاص] بن منبِّهِ بن الحجَّاج، وعليِّ بن أمية بن خلفٍ.
ن الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارث بن
زَمْعَةً بن الأسود بن أسدٍ، وقيس بن الوليد بن المغيرة، [وأبي العاص] بن منبِّهِ بن الحجَّاج، وعليِّ بن أمية بن خلفٍ. قال: لمَّا خرج المشركون من قريش وأتباعِهم لمنع أبي سفيان بن حربٍ، وعيرِ قريشٍ من رسول اللهِ ﷺ وأصحابه، [وأن يطلبوا] ما نِيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبابٍ كارهين، كانوا قد أسلَموا واجتمعوا ببدرٍ على غير موعدٍ، فقُتلوا ببدرٍ كفَّارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سمَّيناهم.
قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: نزلت هذه الآيةُ فيمَن قُتِل يوم بدرٍ من الضعفاءِ من كفار قريشٍ.
قال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: لمَّا نزل القرآنُ في هؤلاء النفر، إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
ل عكرمة: لمَّا نزل القرآنُ في هؤلاء النفر، إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال: يعنى الشيخَ الكبيرَ، والعجوزَ والجوارىَ والصغارَ والغلمانَ.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: لمَّا أُسِر العباسُ وعَقِيلٌ ونوفلٌ؛ قال النبيُّ ﷺ للعباس: "افْدِ
نفسك وابنَ أخيك". قال: يا رسول اللهِ، ألم نُصَلِّ قبلتَك، وَنَشْهَدْ شهادتَك؟! قال: "يا عبّاسُ، إنكم خاصَمْتُم فَخُصِمْتُم". ثم تلا عليه هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
صِمْتُم". ثم تلا عليه هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فيوم نزلت هذه الآيةُ كان من أسْلَم ولم يُهَاجِرْ فهو كافرٌ، حتى يُهاجِرَ، إلا المستضعفين الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حيلةً في المالِ، والسبيلُ: الطريق [إلى المدينة]، قال ابن عباسٍ: كنتُ أنا منهم من الولدانِ.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاق، قال]: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: كان ناسٌ بمكة قد شهِدوا أن لا إلهَ إلا الله، فلمَّا خرج المشركون إلى بدرٍ خرجوا معهم، فقُتلوا، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
لا إلهَ إلا الله، فلمَّا خرج المشركون إلى بدرٍ خرجوا معهم، فقُتلوا، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، قال: فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ طلَبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعْطَى الفتنة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. فكتَب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكةَ، وأنْزَل الله في أولئك الذين أعْطَوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾. إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
قال ابن عُيَيْنَةَ: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
َ جَاهَدُوا﴾. إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
قال ابن عُيَيْنَةَ: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: هم خمسةُ فتية من قريشٍ: عليُّ بنُ أُمَيَّةَ، وأبو قيسِ بن الفاكه، وزَمْعَةُ بنُ الأسود، و [أبو العاص] بن مُنَبِّهٍ، ونسيتُ الخامسَ.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. حُدِّثنا أن هذه الآية نزلت في أناسٍ تكلَّموا بالإسلام من أهل مكةَ، فخرجوا مع عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ، فقُتِلوا يوم بدرٍ، فاعتذروا بغير عذرٍ، فأتى الله أن يَقْبَلَ ذلك منهم.
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أناسٌ مِن أهلِ مكة عذَرهم اللهُ، فاستَثناهم فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
ونَ سَبِيلًا﴾ أناسٌ مِن أهلِ مكة عذَرهم اللهُ، فاستَثناهم فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى من الذين لا يَسْتَطِيعون حيلةٌ ولا يهتدون سبيلًا.
حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال: هم أناسٌ من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فلم
يَخْرُجوا معه إلى المدينةِ، وخرجوا مع مشركي قريشٍ إلى بدرٍ، فأصيبوا يومئذٍ فيمن أُصِيب، فأنزَل اللهِ ﷿ فيهم هذه الآية.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألتُه، يعني ابن زيدٍ، عن قولِ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. فقال: لما بُعث النبيُّ ﷺ وظهر، ونبع الإيمانُ نبع النفاقُ معه، فأتى إلى رسول اللهِ ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنَّا نخافُ هؤلاء القومَ يُعَذِّبوننا ويفعَلون بنا ويفعلون لأَسْلَمْنا، لكنَّنا نَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ. فكانوا يقولون ذلك له، فلمَّا كان يومُ بدرٍ قام المشركون، فقالوا: لا يَتَخَلَّفُ عنَّا أحدٌ إلا هدَمْنا دارَه، واسْتَبحنا مالَه. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القولَ للنبيِّ ﷺ معهم، فقُتلت طائفةٌ منهم وأسرت طائفةٌ، قال: فأمَّا الذين قتلوا فهم الذين قال اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية كلّها ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. وتَتْرُكوا هؤلاء الذين يَسْتَضْعِفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. وتَتْرُكوا هؤلاء الذين يَسْتَضْعِفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: ثم عذَر الله أهل الصدقِ، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. يتوجَّهون له ولو خرجوا لهلَكوا، أولئك عسى الله أن يَعفُوَ عنهم وإقامتِهم بين ظَهْرَانى المشركين، وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنك تَعْلَمُ أنَّا كُنَّا نَأْتِيك فنَشْهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وأن
هؤلاء القوم أخرجونا معهم خوفًا، فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [الأنفال: ٧٠] صنيعَكم الذي صنعتم؛ خروجكم مع المشركين على النبيِّ ﷺ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. خرجوا معَ المشركين ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١].
حدَّثني محمد بن خالد بن خداشٍ، قال: ثنى أبي، عن حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قال: كنتُ أنا وأمى ممَّن عذَر اللهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شَرِيكٍ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
آدم، عن شَرِيكٍ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباسٍ: أنا من المستضعَفين.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. قال: مَن [قُتِل من] ضعفاء كفار قريشٍ يوم بدرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن [عبد الله بن أبي يزيدَ]، قال: سمعتُ ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى من المستضعفين من النساء والولدان.
خبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن [عبد الله بن أبي يزيدَ]، قال: سمعتُ ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى من المستضعفين من النساء والولدان.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن عُبيدِ اللهِ أو إبراهيم بن عبد الله القرشيِّ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يَدْعُو في دُبُرِ صلاة الظهر: "اللهم خلِّصِ الوليد وسلمة بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعةَ وضَعَفَةَ المسلمينَ مِن أيْدِى المشركين، الذين لا يستطيعونَ حِيلةً ولا يَهْتَدُونَ سبيلًا".
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مُؤمِنون مستضعَفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمدٍ ﷺ: هم بمنزلة هؤلاء الذين قُتلوا
ببدرٍ ضعفاء مع كفَّارِ قريشٍ، فأَنْزَل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ الآية.
محمدٍ ﷺ: هم بمنزلة هؤلاء الذين قُتلوا
ببدرٍ ضعفاء مع كفَّارِ قريشٍ، فأَنْزَل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ الآية.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
وأمَّا قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾. فإن معناه كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: مخرجًا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: الحيلةُ: المالُ، والسبيلُ: الطريقُ إلى المدينةِ.
ن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: الحيلةُ: المالُ، والسبيلُ: الطريقُ إلى المدينةِ.
[حدَّثني سعيد بن الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن عكرمة: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. طريقًا إليها. يعنى إلى المدينة].
وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون "توفَّاهم" في موضع نصبٍ بمعنى المضِيِّ؛ لأن "فَعَّلَ" منصوبةٌ في كلِّ حالٍ. والآخرُ: أن يكون في موضع رفعٍ بمعنى الاستقبالِ، يُراد به: إن الذين تتوَفَّاهم الملائكةُ، فتكونَ إحدى التاءين من "تتوفَّاهم" محذوفةً، وهي [مرادةٌ في] الكلمة؛ لأن العربَ تَفْعَلُ ذلك إذا اجتمعت تاءانِ في أَوَّلِ الكلمة ربما حذَفت إحداهما وأثبتت الأخرى، وربما أثبتتهما جميعًا.
بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قطع على أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ يأتي السهم فَيُرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله [﷿] (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) رواه الليث عن أبي الأسود.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) رواه الليث عن أبي الأسود.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا
محمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) إلى آخر] الآية، قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم.
نَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) إلى آخر] الآية، قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨].
وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم: علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة.
وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا]).
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ".
وقال السدي: لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله ﷺ للعباس: " افد نفسك وابن أخيك " قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: " يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم".
َعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله ﷺ للعباس: " افد نفسك وابن أخيك " قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: " يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم". ثم تلا عليه هذه الآية: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا]) رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ [مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا])
هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) قال مجاهد وعكرمة، والسدي: يعني طريقا.
وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا).
.
وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا).
قال البخاري: حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَان، عن يَحْيَى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: " سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري حدثنا عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رفع يده بعدما سلم، وهو مستقبل القبلة فقال: " اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار".
لقبلة فقال: " اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار".
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن عبد الله -أو إبراهيم بن عبد الله القرشي-عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دُبُرِ صلاة الظهر: " اللهم خَلِّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان
وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ) قال: كانت أمي ممن عَذَر الله ﷿.
البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ) قال: كانت أمي ممن عَذَر الله ﷿.
وقوله: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) هذا تحريض على
الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، و "المراغم" مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال نابغة بني جعدة.
كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه … عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ
وقال ابن عباس: "المراغَم": التحول من أرض إلى أرض. وكذا رُوي عن الضحاك والربيع بن أنس، الثوري، وقال مجاهد: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) يعني: متزحزحا عما يكره. وقال سفيان بن عيينة: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) يعني: بروجا.
والظاهر -والله أعلم-أنه التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء.
قوله: (وَسَعَةً) يعني: الرزق.
فيان بن عيينة: (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) يعني: بروجا.
والظاهر -والله أعلم-أنه التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء.
قوله: (وَسَعَةً) يعني: الرزق. قاله غير واحد، منهم: قتادة، حيث قال في قوله: (يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) إي، والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وَقّاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
إنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نَفْسًا. ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال: ومن يَحُول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا. وقال هؤلاء: إنه لم يَصِلْ بَعْدُ. فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب كان منها، فأمر الله هذه أن يُقرب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بِشِبْر، فقبضته ملائكة الرحمة.
أرضين فإلى أيتهما كان أقرب كان منها، فأمر الله هذه أن يُقرب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بِشِبْر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية: أنه لما جاءه
الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عَتِيك، عن أبيه عبد الله بن عَتِيك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله-ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث: الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن وقال: وأين المجاهدون-؟ فخرَّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حَتْف أنفه، فقد وقع أجره على الله -والله!
أين المجاهدون-؟ فخرَّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حَتْف أنفه، فقد وقع أجره على الله -والله! إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ-ومن قتل قَعْصًا فقد استوجب المآب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه؛ أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حِزَام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قَلّ أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.
أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قَلّ أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.
وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن الأشعث -هو ابن سَوَّار-عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج ضَمْرَةُ بن جُنْدُب إلى رسول الله ﷺ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ فنزلت: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]).
نْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]).
وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقِي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة فلما نزلت: (إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، [قال] فتجهز يريد النبي ﷺ فأدركه الموت بالتَّنْعِيم، فنزلت هذه الآية: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا])
ِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا])
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلانُ، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.