القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾.
اختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة غير عاصمٍ: (فجعلناهم سُلُفا) بضم السين واللام؛ توجيهًا ذلك منهم إلى جمع سليفٍ من
الناس، وهو المتقدم أمام القوم، وحكى الفراء أنه سمع القاسم بنَ مَعْنٍ يَذكُرُ أنه سمع العرب تقولُ: مضَى سَلِيفٌ مِن الناسِ.
وقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وعاصم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام. وإذا قُرِئ ذلك كذلك احتمل أن يكونَ مُرادًا به الجماعةُ والواحد، والذكر والأنثى؛ لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سَلَفٌ.
نَاهُمْ سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام. وإذا قُرِئ ذلك كذلك احتمل أن يكونَ مُرادًا به الجماعةُ والواحد، والذكر والأنثى؛ لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سَلَفٌ. وقد يُجمعُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يذهب الصالحون أسلافًا".
وكان حميدٌ الأعرج يقرأُ ذلك: (فَجَعَلْناهُمْ سُلَفا) بضم السين، وفتح اللام؛ توجيهًا منه ذلك إلى سلفةٍ من الناس، مثل أمةٍ منهم، وقطعةٍ.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام؛ لأنها اللغة الجودى، والكلام المعروف عند العرب. وأحقُّ اللغاتِ أن يُقرأ بها كتابُ اللهِ من لغاتِ العرب أفصحُها وأشهرُها فيهم.
قرأه بفتح السين واللام؛ لأنها اللغة الجودى، والكلام المعروف عند العرب. وأحقُّ اللغاتِ أن يُقرأ بها كتابُ اللهِ من لغاتِ العرب أفصحُها وأشهرُها فيهم. فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعونَ في البحرِ، مُقَدَّمَةً يَتَقَدَّمون إلى النارِ كفار قومك يا محمد من قريش، وكفارُ قومك لهم بالأَثَرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال: قوم فرعون كفارهم سلفٌ لكفار أمة محمد ﷺ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: في النار.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمَرٍ، [عن قتادة]: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾. قال: سَلَفًا إلى النار.
وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمَرٍ، [عن قتادة]: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾. قال: سَلَفًا إلى النار.
وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وعِبْرةً وعِظَةً يتعظ بهم من بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:
﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال: عبرةً لَمَن بعدهم.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً للآخرين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً لَمَن بعدهم.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾. قال: عبرةً.
وقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
ا أسباط، عن السدى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾. قال: عبرةً.
وقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولما شَبَّه الله عيسى - في إحداثه وإنشائه إياه من غيرِ فَحْلٍ - بآدم، فمثَّله به بأنه خلقه من تراب من غيرِ فَحْلٍ، إذا قومك يا محمد من ذلك يَضِجُّون ويقولون: ما يريدُ محمدٌ مِنَّا إلا أن نتخِذَه إلها نعبده، كما عبدت النصارى المسيح.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون. قال: قالت قريش: إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريشٌ من ذلك، وقالوا: يا محمد ما ذكرك عيسى ابن مريم؟
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريشٌ من ذلك، وقالوا: يا محمد ما ذكرك عيسى ابن مريم؟ وقالوا: ما يريدُ محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم. فقال الله ﷿: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مُشركو قريش: يا محمد ما أردتَ إلى ذكر عيسى؟ قال: وقالوا: إنما يريد أن نُحبّه كما أحَبَّت النصارى عيسى.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. [وقيل المشركين] عند نزولها: قد رَضِينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة؛ لأن كلَّ هؤلاء مما يُعبدُ مِن دونِ اللهِ.
ُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. [وقيل المشركين] عند نزولها: قد رَضِينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة؛ لأن كلَّ هؤلاء مما يُعبدُ مِن دونِ اللهِ. فقال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾. قال: يعنى قريشًا لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. فقالت له قريشٌ: فما ابن مريم؟ قال: ذاك عبد الله ورسوله. فقالوا: والله ما يريدُ هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتَّخَذَت النصارى عيسى ابن مريمَ رَبًّا.
. فقالت له قريشٌ: فما ابن مريم؟ قال: ذاك عبد الله ورسوله. فقالوا: والله ما يريدُ هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتَّخَذَت النصارى عيسى ابن مريمَ رَبًّا. فقال الله ﷿: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة، وجماعةٌ مِن قرأةِ الكوفة: (يَصِدُّونَ) بضمِّ الصادِ.
وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة ﴿يَصِدُّونَ﴾ الله بكسر الصادِ.
واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرقِ ما بين ذلك، إذا قُرِئَ بضم الصادِ، وإذا قُرِئ بكسرها؛ فقال بعض نحويى البصرة، ووافقه عليه بعضُ الكوفيين: هما لغتان بمعنى واحدٍ، مثلَ يَشِدُّ ويَشُدُّ، ويَنمُ ويَنُمُ مِن النميمة.
وقال آخرُ منهم: مَن كسر الصادَ فمجازها: يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فَمَجازُها: يَعْدِلون.
معنى واحدٍ، مثلَ يَشِدُّ ويَشُدُّ، ويَنمُ ويَنُمُ مِن النميمة.
وقال آخرُ منهم: مَن كسر الصادَ فمجازها: يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فَمَجازُها: يَعْدِلون. وقال بعضُهم: مَن كسرها فإنه أرادَ يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فإنه أراد الصدودَ عن الحقِّ.
وحدثت عن الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بن عياشٍ، أن عاصمًا ترك (يَصُدُّون) من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. قال: وقال أبو بكر: حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يَضِجُّون.
قال: وفي حديث آخر أن ابن عباس لَقِى ابن أخي عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، فقال: إن عمَّك لعربيٌّ، فماله يَلحَنُ في قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّون) إنما هي ﴿يَصِدُّونَ﴾؟
ر أن ابن عباس لَقِى ابن أخي عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، فقال: إن عمَّك لعربيٌّ، فماله يَلحَنُ في قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّون) إنما هي ﴿يَصِدُّونَ﴾؟
والصوابُ مِن القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحدٍ، ولم نجد أهل التأويل فرَّقوا بين معنى ذلك إذا قُرئ بالضمِّ والكسر، ولو كان مختلفًا معناه، لقد كان الاختلافُ في تأويله بين أهله موجودًا وجودَ اختلافِ القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يَضِجُّون ويجزعون، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.
ذكر [من قال] ما قلنا في تأويل ذلك
حدثني على، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
ْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة الضبي، عن الصعب بن عثمان قال: كان ابن عباس يقرأُ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. وكان يفسرها، يقولُ: يَضِجُّون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبى رزين، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ الله ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
الله ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يجزعون ويضجُّون.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عاصم بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يضجُّون. وقرأ على ﵁: ﴿يَصِدُّونَ﴾.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
لا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قال غير واحد، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي: يضحكون، أي: أعجبوا بذلك.
وقال قتادة: يجزعون ويضحكون. وقال إبراهيم النخعي: يعرضون.
وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ -فيما بلغني-يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾) الآيات [الأنبياء: ٩٨].
ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾) الآيات [الأنبياء: ٩٨]. ثم قام رسول الله ﷺ، وأقبل عبد الله بن الزّبعَرى التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لَخَصَمْتُه، سلوا محمدا: أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح [عيسى] ابن مريم؟
ه لَخَصَمْتُه، سلوا محمدا: أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح [عيسى] ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كل من أحب أن يعبد من دون الله، فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته" فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] أي: عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، ﷿، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٢٦]، ونزل
فيما يذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله.
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٢٦]، ونزل
فيما يذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله. وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى فقال: (إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: (فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
ى يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: (فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وذكر ابن جرير من رواية العَوفي، عن ابن عباس قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قال: يعني قريشا، لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إلى آخر الآيات، فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال: "ذاك عبد الله ورسوله".
ِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إلى آخر الآيات، فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال: "ذاك عبد الله ورسوله". فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا، فقال الله تعالى (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي رَزِين، عن أبي يحيى -مولى ابن عقيل الأنصاري-قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها. قال: ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا ألا نكون سألناه عنها. فقلت: أنا لها إذا راح غدا. فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها.
غد قلت: يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، إن رسول الله ﷺ قال لقريش: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فإن كنت صادقا كان آلهتهم كما تقولون؟ قال: فأنزل الله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ). قلت: ما يَصِدون؟ قال: يضحكون، (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) قال: هو خروج عيسى ابن مريم قبل القيامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي أحمد مولى الأنصار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير".
نا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي أحمد مولى الأنصار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير". فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فقد كان يُعبد من دون الله؟ فأنزل الله ﷿: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ).
وقال مجاهد في قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ): قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى. ونحو هذا قال قتادة.
وقوله: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ): قال قتادة: يقولون: آلهتنا خير منه. وقال قتادة: قرأ ابن مسعود: "وقالوا أآلهتنا خير أم هذا"، يعنون محمدا ﷺ.
وقوله: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا) أي: مراء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية؛ لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
ء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية؛ لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلا منهم، ليسوا يعتقدون صحتها.
وقد قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أورثوا الجدل"، ثم تلا هذه الآية: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).
وقد رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، من حديث حجاج بن دينار، به. ثم قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه كذا قال.
وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة بزيادة فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمَّل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة -قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟
: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمَّل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة -قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟ -قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، ثم قرأ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عباد بن عباد، عن جعفر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال: "لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) يعني: عيسى، ﵇، ما هو إلا عبد [من عباد الله] أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء.
هو إلا عبد [من عباد الله] أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء.
وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ) أي: بدلكم (مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ)، قال السدي: يخلفونك فيها. وقال ابن عباس، وقتادة: يخلف بعضهم بعضا، كما يخلف بعضكم بعضا. وهذا القول يستلزم الأول. وقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم.
قوله تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾.
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصُدون) بضم الصاد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصِدون) بكسر الصاد.
فعلى قراءة الكسر فمعنى (يصِدون) يضجون ويصيحون، وقيل: يضحكون، وقيل: معنى القراءتين واحد، كيعرُشون ويعرِشون، ويعكُفون ويعكِفون.
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود، والفاعل المحذوف في قوله: ﴿ضُرِبَ﴾ قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعرى
السهمي قبل إسلامه.
شون، ويعكُفون ويعكِفون.
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود، والفاعل المحذوف في قوله: ﴿ضُرِبَ﴾ قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعرى
السهمي قبل إسلامه. أي ولما ضرب ابن الزبعرى المذكور عيسى ابن مريم مثلًا فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك، فرحًا منهم وزعمًا منهم أن ابن الزبعري خَصَمك، أو فاجأك صدودهم عن الإِيمان بسبب ذلك المثل.
والظاهر أن لفظة (مِن) هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية يذكرون أن من معاني (من) السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا.
علوم أن أهل العربية يذكرون أن من معاني (من) السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا. ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لَمِن ضربه مات.
وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، أن الله لما أنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾، قال ابن الزبعرى: إن محمدًا - ﷺ - يقول: إن كل معبود من دون الله في النار، وأننا وأصنامنا جميعًا في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله، فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه.
وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيرًا عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب.
ع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه.
وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيرًا عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب.
فاتضح أن ضربه عيسى مثلًا، يعني أنه على ما يزعم أن محمدًا - ﷺ - قاله من أن كل معبود وعابده في النار يقتضي أن يكون عيسى مثلًا لأصنامهم في كون الجميع في النار، مع أن النبي - ﷺ - يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه
عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
فزعم ابن الزبعرى أن كلام النبي - ﷺ - لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه - ﷺ - يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده.
كلام النبي - ﷺ - لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه - ﷺ - يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده.
وعند ذلك أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية، وأنزل الله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية.
وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلًا)، أي ما ضربوا عيسى مثلًا إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل.
وقيل: إن (جدلًا) حال، وإتيان المصدر المنكر حالًا كثير، وقد أوضحنا توجيهه مرارًا.
والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق.
صومة بالباطل.
وقيل: إن (جدلًا) حال، وإتيان المصدر المنكر حالًا كثير، وقد أوضحنا توجيهه مرارًا.
والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق.
قال جماعة من العلماء: والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة على ما زعموه، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات.
والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة (ما) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء، لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: (وَمَن تعبدون) وذلك صريح في أن المراد الأصنام، وأنه
لا يتناول عيسى ولا عزيرًا ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية.
وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلًا إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل.
مون من لغتهم أن الآية الكريمة لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلًا إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل.
ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعرى يرجع إلى أمرين:
أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس، مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي، وأن ورقاء بن زهير ضرب بسيف بني عبس رأس خالد بن جعفر الكلابي الذي قتل أباه، ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه؛ فإن معنى "نبا السيف" ارتفع عن الضريبة ولم يقطع.
والشاعر يهجو بني عبس بذلك.
والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله.
ارتفع عن الضريبة ولم يقطع.
والشاعر يهجو بني عبس بذلك.
والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله.
والأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه.
وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وبين صيغة الإِفراد في قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾.
وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ هو عامة قريش الذين قالوا - أي كفار قريش - لما سمعوا النبي - ﷺ - يذكر عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قالوا للنبي - ﷺ - : ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى.
لى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قالوا للنبي - ﷺ - : ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى.
وعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلًا للنبي - ﷺ - ، في عبادة الناس لكل منهما، زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى.
وعلى هذا القول فمعنى قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة، فمعناه يكرره عليهم النبي - ﷺ - كثيرًا قبل الهجرة كما هو معلوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ
ا هو معلوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
ولا شك أن كفار قريش متيقنون في جميع المدة التي أقامها - ﷺ -
في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون في ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ﴾.
التحقيق أن الضمير في قوله: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.
قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى.
وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عُبِدَ من دون الله، ولم يكن ذلك سببًا لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار.
وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم.
عُبِدَ من دون الله، ولم يكن ذلك سببًا لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار.
وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم.
والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك، وأنت تزعم أنه في النار بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله من أنَّا وآلهتنا في النار ليس بحق أيضًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ أي لُدٌّ، مبالغون في الخصومة بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ أي شديدي الخصومة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾؛ لأن الفعل بفتح فكسر كخَصِم، من صيغ المبالغة، كما هو معلوم في محله.
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية، إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه.
، كما هو معلوم في محله.
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية، إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه.
ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها.
فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لأصنامهم في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنها لما نزلت قالوا: إن عيسى عُبِدَ من دون الله كآلهتهم، فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء.
وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفًا.
وعلى القول الثاني، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لمحمد - ﷺ - ، في أن عيسى قد عبد، وأنه - ﷺ - يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعُهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، وسماعُهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى، يوضح المراد بالمثل.
وأما الآيات التي بينت قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ فبيانها له واضح على كلا القولين.
للآيات المكية النازلة في شأن عيسى، يوضح المراد بالمثل.
وأما الآيات التي بينت قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى.
•