القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سيوفِّقُ اللهُ تعالى ذكرُه للعملِ بما يرضَى ويحبُّ - هؤلاء الذين قاتَلوا في سبيلِه، ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾: ويُصلِحُ أمرَهم وحالَهم في الدنيا والآخرةِ.
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. يقولُ: ويُدخِلُهم اللهُ جنتَه، ﴿عَرَّفَهَا﴾. يقولُ: عرَّفها لهم وبيَّنها، حتى إن الرجلَ لَيأتى منزلَه منها إذا دخَلها كما كان يأتى منزله في الدنيا، لا يُشكِلُ عليه ذلك.
كما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: إذا نجَّى اللهُ المؤمنين من النارِ حُبِسوا على قنطرةٍ بينَ الجنةِ
والنارِ، فاقتصَّ بعضُهم من بعضٍ مظالمَ كثيرةً كانت بينَهم في الدنيا، ثم يُؤذَنُ لهم بالدخولِ في الجنةِ.
منين من النارِ حُبِسوا على قنطرةٍ بينَ الجنةِ
والنارِ، فاقتصَّ بعضُهم من بعضٍ مظالمَ كثيرةً كانت بينَهم في الدنيا، ثم يُؤذَنُ لهم بالدخولِ في الجنةِ. قال: فما كان المؤمنُ بأدلَّ بمنزلِه في الدنيا منه بمنزلِه في الجنةِ حينَ يدخُلُها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: أي منازلَهم فيها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: يهتدِى أهلُها إلى بيوتِهم ومساكنِهم وحيثُ قسَم اللهُ لهم، لا يُخطِئون، كأنهم سكانُها منذُ خُلِقوا، لا يستدِلُّون عليها أحدًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾.
خُلِقوا، لا يستدِلُّون عليها أحدًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: بلَغنا عن غيرِ واحدٍ، قال: يدخُلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ، ولهم أَعْرَفُ بمنازلِهم فيها من منازلِهم في الدنيا التي يختلِفون إليها في عُمُرِ الدنيا. قال: فتلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾.
وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، إن تنصُروا الله؛ بنصركم رسولَه محمدًا ﷺ على أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، وجهادِكم إياهم معه لتكونَ كلمتُه العُليا - ينصُرْكم عليهم، ويُظفِرْكم بهم، فإنه ناصرٌ دينَه وأولياءَه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾: إنه حقٌّ على اللهِ أن يعطىَ مَن سأَله، وينصُرَ مَن نصَره.
وقولُه: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾: إنه حقٌّ على اللهِ أن يعطىَ مَن سأَله، وينصُرَ مَن نصَره.
وقولُه: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. يقولُ: ويُقوِّكم عليهم ويُجرِّئْكم؛ حتى لا تَوَلَّوْا عنهم، وإن كثُر عددُهم وقلَّ عددُكم.
(٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.
يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا) أي: أهلكتموهم قتلا (فشدوا) [وثاق] الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه.
تم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله، سبحانه، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨].
ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية -المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه-منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ]﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جُرَيْج.
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ]﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جُرَيْج.
وقال الآخرون -وهم الأكثرون-: ليست بمنسوخة.
ثم قال بعضهم: إنما الإمام مُخَيَّر بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.
وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: إن تَقْتَلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعطَ منه ما شئت.
وزاد الشافعي، ﵀، فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضا. وهذه المسألة مُحَرّرة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم
[﵇].
لفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم
[﵇]. وكأنه أخذه من قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال".
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جُبَير بن نُفيَر؛ أن سلمة بن نُفيَل أخبرهم: أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سَيَّبْتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: "لا قتال" فقال له النبي ﷺ: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم: ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
النبي ﷺ: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم: ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ألا إن عُقْرَ دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وهكذا رواه النسائي من طريقين، عن جُبَيْر بن نُفَير، عن سلمة بن نُفَيْل السكوني، به.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رُشَيْد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جبير بن نُفَير، عن النواس بن سمعان قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فَتْح فقالوا: يا رسول الله، سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا: لا قتال، قال: "كذبوا، الآن، جاء القتال، لا يزال الله يُرَفِّع قلوب قوم يقاتلونهم، فيرزقهم منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعُقْر دار المسلمين بالشام".
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رُشَيْد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيْل كما تقدم.
وهم على ذلك، وعُقْر دار المسلمين بالشام".
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رُشَيْد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيْل كما تقدم. وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى ألا يبقى حرب.
وقال قتادة: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ثم قال بعضهم: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي: أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله ﷿. وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله، ﷿.
وقوله: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ) أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال من عنده، (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم.
ه لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال من عنده، (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي "آل عمران" و "براءة" في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وقال في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥].
ثم لما كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها.
ال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول بَرْزَخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال:
حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مُرّة، عن قيس الجذامي -رجل كانت له صحبة-قال: قال رسول الله ﷺ: "يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكَفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإيمان".
ال عند أول قطرة من دمه: يُكَفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإيمان". تفرد به أحمد ﵀.
حديث آخر: قال أحمد أيضا: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بَحِير ابن سعيد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دَفْعَة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حُلَّة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويَأمَن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانا من أقاربه".
وقد أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عَمْرو، وعن أبي قتادة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن". وروي من حديث جماعة من الصحابة، وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته".
الله ﷺ قال: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن". وروي من حديث جماعة من الصحابة، وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته". ورواه أبو داود. والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا.
وقوله: (سيهديهم) أي: إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقوله: (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) أي: أمرهم وحالهم، (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) أي: عرفهم بها وهداهم إليها.
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا.
عرفهم بها وهداهم إليها.
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا. وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا.
وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة.
وقال مقاتل بن حَيَّان: بلغنا أن الملك الذي كان وُكِّل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل [إلى] منزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه ذكرهن ابن أبي حاتم، ﵀.
وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا، رواه البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري [﵁]؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا".
ظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا".
ثم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، كما جاء في الحديث: "من بَلَّغ ذا سلطان حاجة مَنْ لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة".
ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)، عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله ﷺ، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تَعِس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة -[وفي رواية: تعس عبد الخميصة] -تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش"، أي: فلا شفاه الله.
ﷺ أنه قال: "تَعِس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة -[وفي رواية: تعس عبد الخميصة] -تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش"، أي: فلا شفاه الله.
وقوله: (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أحبطها وأبطلها؛ ولهذا قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ) أي: لا يريدونه ولا يحبونه، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على أعداءهم، وثبت أقدامهم، أي عصمهم من الفرار والهزيمة.
وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، وبين في بعضها صفات الذين وعدهم بهذا النصر، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾، ثم بين صفات الموعودين بهذا النصر في قوله تعالى بعده: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ
ا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في بيان صفات من وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة.
فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئًا ثم جاءه يطلب منه الأجرة.
فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين،
ثم يقولون: إن الله سينصرنا، مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى.
الأجرة.
فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين،
ثم يقولون: إن الله سينصرنا، مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى.
ومعنى نصر المؤمنين لله: نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله ﷺ.
•