القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.
اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين: (وحُورٍ عِينٍ). بالخفضِ، إتباعًا لإعرابِها إعرابَ ما قبلَها من الفاكهةِ واللحمِ، وإن كان ذلك مما لا يُطافُ به، ولكن لمَّا كان معروفًا معناه المرادُ أُتبِع الآخرُ الأولَ في الإعرابِ، كما قال بعضُ الشعراءِ:
إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا … وزَجَّجنَ الحواجبَ والعُيُونَا
فالعيونُ تُكَحَّلُ ولا تُزَجَّجُ، فرَدَّها في الإعرابِ على الحواجبِ؛ لمعرفةِ السامعِ لمعنى ذلك، وكما قال الآخرُ:
تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنه لَغَطًا … ولليدَيْنِ جُسْأَةً وبَدَدَا
والجُسْأَةُ: غِلَظٌ في اليدِ، وهي لا تُسْمَعُ.
فةِ السامعِ لمعنى ذلك، وكما قال الآخرُ:
تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنه لَغَطًا … ولليدَيْنِ جُسْأَةً وبَدَدَا
والجُسْأَةُ: غِلَظٌ في اليدِ، وهي لا تُسْمَعُ.
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ بالرفعِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. على الابتداءِ، وقالوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بهن فيجوزَ العطفُ بهن في الإعرابِ على إعرابِ فاكهةٍ ولحمٍ، ولكنه مرفوعٌ، بمعنى: وعندَهم حورٌ عينٌ، أو: لهم حورٌ عينٌ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَعْروفتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرَأةِ، مع تقاربِ معنَيَيْهما، فبأيِّ القراءتَيْنِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.
والحورُ جماعةُ "حوراءَ"، وهي النقيةُ العينِ، الشديدةُ سوادِها. والعِينُ جماعةُ "عيناءَ"، وهي النجلاءُ العينِ في حُسْنٍ.
وقولُه: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. يقولُ: هنَّ في صفاءِ بياضِهن وحُسْنِهن كاللؤلؤِ المكنونِ الذي قد صِينَ في كِنٍّ.
وقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. يقولُ: هنَّ في صفاءِ بياضِهن وحُسْنِهن كاللؤلؤِ المكنونِ الذي قد صِينَ في كِنٍّ.
وقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثوابًا لهم من اللَّهِ بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا، وعِوضًا من طاعتِهم إياه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابنِ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن
الحسنِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قال: شديدةُ السوادِ؛ سوادِ العينِ، شديدةُ البياضِ؛ بياضِ العينِ.
قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُورٌ﴾. قال: بيضٌ، ﴿عِينٌ﴾.
قال: شديدةُ السوادِ؛ سوادِ العينِ، شديدةُ البياضِ؛ بياضِ العينِ.
قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُورٌ﴾. قال: بيضٌ، ﴿عِينٌ﴾. قال: عِظامُ الأَعْيُنِ.
حدَّثنا ابنُ عباسٍ الدُّوريُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحورُ: سُودُ الحَدَقِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الأسلميُّ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ الناجيِّ، أنه سمِع الحسنَ البصريَّ يقولُ: الحُورُ: صوالحُ نساءِ بني آدمَ.
حدَّثنا ابنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، قال: بلغني أن الحورَ العينَ خُلِقن من الزعفرانِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: حدَّثتنا عائشةُ امرأةُ ليثٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: خُلِق الحُورُ العينُ من الزعفرانِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا [عثمانُ بنُ سعيدٍ]، قال: سمِعتُ ليثًا، ثنى، عن مجاهدٍ، قال: حورُ العينِ خُلِقن من الزعفرانِ.
ن الزعفرانِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا [عثمانُ بنُ سعيدٍ]، قال: سمِعتُ ليثًا، ثنى، عن مجاهدٍ، قال: حورُ العينِ خُلِقن من الزعفرانِ.
وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿حُورٌ﴾: أنهن يَحارُ فيهن الطرفُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قال: يَحارُ فيهن الطرفُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْني عن قولِ اللَّهِ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. قال: "صفاؤُهنَّ كصفاءِ الدُّرِّ الذي في الأصدافِ، الذي لا تَمَسُّه الأيدي".
وقولُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾.
الْمَكْنُونِ﴾. قال: "صفاؤُهنَّ كصفاءِ الدُّرِّ الذي في الأصدافِ، الذي لا تَمَسُّه الأيدي".
وقولُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾. يقولُ: لا يَسْمَعون فيها باطلًا من القولِ ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾. يقولُ: ليس فيها ما يُؤْثِمُهم.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾. والتأثيمُ لا يُسْمَعُ، وإنما يُسْمَعُ اللغوُ، كما قيل: أكلتُ خُبزًا ولبنًا. واللبنُ لا يُؤْكَلُ، فجازت إذ كان معه شيءٌ يُؤْكَلُ.
وقولُه: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. يقولُ: لا يَسْمَعون فيها من القولِ إلا: سلامًا سلامًا. أي: اسلَمْ مما تَكْرَهُ.
وفي نصبِ قولِه: ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾. وجهان؛ إن شِئْتَ جعَلته تابعًا للقِيلِ، ويكونُ السلامُ حينَئذٍ هو القيلَ، فكأنه قيل: لا يَسْمَعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلَّا: سلامًا سلامًا.
ون ولا يتغيرون، (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ)، أما الأكواب فهي: الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان. والأباريق: التي جمعت الوصفين. والكؤوس: الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية مَعِين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ، بل من عيون سارحة.
وقوله: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ) أي: لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة.
وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول.
ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة.
وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال.
وقال مجاهد، وعِكْرِمَة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطية، وقتادة، والسُّدِّيّ: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) يقول: ليس لهم فيها صداع رأس.
وقالوا في قوله: (وَلا يُنزفُونَ) أي: لا تذهب بعقولهم.
وقوله: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي: ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار.
نزفُونَ) أي: لا تذهب بعقولهم.
وقوله: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي: ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار.
وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث "عِكْراش بن ذؤيب" الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي، ﵀، في مسنده: حدثنا العباس بن الوليد النَّرْسِي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، حدثنا عبيد الله بن عِكْراش، عن أبيه عِكْراش بن ذؤيب، قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى، قال: "من الرجل؟ "
قلت: عِكْراش بن ذؤيب. قال: "ارفع في النسب"، فانتسبت له إلى "مرة بن عبيد"، وهذه صدقة "مرة بن عبيد". فتبسم رسول الله ﷺ. قال: هذه إبل قومي، هذه صدقات قومي. ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها. ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة، فقال: "هل من طعام؟
الله ﷺ. قال: هذه إبل قومي، هذه صدقات قومي. ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها. ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة، فقال: "هل من طعام؟ " فأتينا بحفنة كثيرة الثريد والوذر، فجعل يأكل منها، فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها، فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى، فقال: "يا عِكْراش، كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد". ثم أتينا بطبق فيه تمر، أو رطب -شك عبيد الله رطبا كان أو تمرا-فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: "يا عِكْراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد". ثم أتينا بماء، فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح بِبَلَلِ كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثا، ثم قال: "يا عِكْراش، هذا الوضوء مما غيرت النار".
وهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجه جميعًا، عن محمد بن بشار، عن أبي الهزيل العلاء بن الفضل، به.
لاثا، ثم قال: "يا عِكْراش، هذا الوضوء مما غيرت النار".
وهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجه جميعًا، عن محمد بن بشار، عن أبي الهزيل العلاء بن الفضل، به. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان -وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان -قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، قال: قال أنس: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثني عليه معروف، كان أعجب لرؤياه إليه.
حدثنا ثابت، قال: قال أنس: كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثني عليه معروف، كان أعجب لرؤياه إليه. فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله، رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة، فأدخلت الجنة فسمعت وَجبَة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان، فسَمَّتْ اثني عشر رجلا كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ -أو: البيذخ-قال: فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بُسر، فأكلوا من بُسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم. فجاء البشير من تلك السرية، فقال: كان من أمرنا كذا وكذا، وأصيب فلان وفلان.
ه ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم. فجاء البشير من تلك السرية، فقال: كان من أمرنا كذا وكذا، وأصيب فلان وفلان. حتى عد اثني عشر رجلا فدعا رسول الله ﷺ المرأة فقال: "قصي رؤياك" فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال.
هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال
رسول الله ﷺ: "إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة، عادت مكانها أخرى".
وقوله: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ)، قال الإمام أحمد:
حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن طير الجنة كأمثال البخت، يرعى في شجر الجنة". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هذه لطير ناعمة فقال: "أكلتها أنعم منها -قالها ثلاثا-وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها".
مثال البخت، يرعى في شجر الجنة". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هذه لطير ناعمة فقال: "أكلتها أنعم منها -قالها ثلاثا-وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها". تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من حديث إسماعيل بن علي الخُطَبِيّ، عن أحمد بن علي الخُيُوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زُرْعَة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، هل بلغك ما طوبى؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "طوبى شجرة في الجنة، ما يعلم طولها إلا الله، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا، ورقها الحلل، يقع عليها الطير كأمثال البخت". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هناك لطيرا ناعما؟ قال: "أنعم منه من يأكله، وأنت منهم إن شاء الله".
وقال قتادة في قوله: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ): ذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله، إني أرى طيرها ناعمة كما أهلها ناعمون.
م إن شاء الله".
وقال قتادة في قوله: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ): ذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله، إني أرى طيرها ناعمة كما أهلها ناعمون. قال: "من يأكلها -والله يا أبا بكر -أنعم منها، وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا مَعْنُ بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: "نهر أعطانيه ربي، ﷿، في الجنة، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر". فقال عمر: إنها لناعمة.
ﷺ سئل عن الكوثر فقال: "نهر أعطانيه ربي، ﷿، في الجنة، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر". فقال عمر: إنها لناعمة. قال رسول الله ﷺ: "آكلها أنعم منها".
وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن القَعْنَبِي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس، وقال: حسن.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوَصَّافي، عن عطية العَوْفِيّ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة -يعني: لونا-أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير".
هذا حديث غريب جدا، والوَصَّافي وشيخه ضعيفان.
من كل ريشة -يعني: لونا-أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير".
هذا حديث غريب جدا، والوَصَّافي وشيخه ضعيفان. ثم قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث-حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم عن عطاء، عن كعب، قال: إن طائر الجنة أمثال البخت، يأكل مما خلق من ثمرات الجنة، ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئا أتاه حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء. صحيح إلى كعب.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا".
وقوله: (وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين.
)، كَمَا قَالَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. والاحتمال الثاني: أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور، لا بين بعضهم بعضا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم.
وقوله: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه، كما تقدم في "سورة الصافات ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وقد تقدم في سورة "الرحمن" وصفهن أيضا؛ ولهذا قال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: هذا الذي اتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.
ثم قال: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا) أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيا، أي: غثا خاليا عن المعنى، أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف، كما قال: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]
ا) أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيا، أي: غثا خاليا عن المعنى، أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف، كما قال: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]
أي: كلمة لاغية (وَلا تَأْثِيمًا) أي: ولا كلامًا فيه قبح، (إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا) أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضًا سالم من اللغو والإثم.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.
قد قدمنا الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾، وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع، وذكرنا شواهده من القرآن وكلام العرب، وبينا كلام أهل العلم في حكمه شرعًا.
•