Segala puji bagi Allah yang telah menciptakan langit dan bumi, dan menjadikan gelap dan terang, namun demikian orang-orang kafir masih mempersekutukan Tuhan mereka dengan sesuatu
القولُ في تأويل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمدُ الكامل للهِ وحده لا شَريكَ له، دونَ جميع الأندادِ والآلهة، ودونَ ما سواه، مما تَعْبُدُه كفَرَةُ خلقِه مِن الأوثانِ والأصنام.
وهذا كلامٌ مَخْرَجُه مَخْرِجُ الخبرِ، يُنْحَى به نحو الأمرِ، يقولُ: أخلصوا الحمدَ والشكر للذي خلقكم أيُّها الناسُ، وخلق السماوات والأرض، ولا تُشركوا معه في ذلك أحدًا شيئًا، فإنه المُسْتَوْجِبُ عليكم الحمد بأياديه عندكم، ونعمه عليكم، لا مَن تَعْبُدونه مِن دونِه، وتجعلونه له شريكًا مِن خَلْقِه.
وقد بيَّنا الفصل بين معنى "الحمد" و "الشكر" بشواهِده فيما مضَى قبلُ.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خلق السماوات والأرضَ، وأَظْلَم الليلَ وأثار النهار.
كما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا
أسْباط، عن السديِّ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. قال: الظلماتُ ظلمة الليل، والنور نور النهار.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. فإنه خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار.
فإن قال قائلٌ: فما معنى قوله إذن: ﴿جَعَلَ﴾؟
قيل: إن العربَ تَجْعَلُها ظرفًا للخبرِ والفِعْل، فتقولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ كذا، وجَعَلْتُ أَقومُ وأَقْعُدُ. تَدلُّ بقولِها: جَعَلْتُ على اتصال الفعل، كما تقولُ: علِقْتُ أَفْعَلُ كذا. لا أنها في نفسها فِعْلٌ، يَدُلُّ على ذلك قول القائل: جعَلْتُ أقومُ.
ْعُدُ. تَدلُّ بقولِها: جَعَلْتُ على اتصال الفعل، كما تقولُ: علِقْتُ أَفْعَلُ كذا. لا أنها في نفسها فِعْلٌ، يَدُلُّ على ذلك قول القائل: جعَلْتُ أقومُ. وأنه لا جَعْل هناك سوى القيام، وإنما دلَّ بقولِه: جَعَلْتُ. على اتصالِ الفعلِ ودوامِه، ومن ذلك قولُ الشاعر:
وزعَمْتَ أنك سوف تَسْلُكُ فاردا … والموتُ مُكْتَنِعٌ طَريقَى قادِرِ
فاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِن يمينِك إنما … حِنْثُ اليَمين على الأثِيمِ الفاجِرِ
يقولُ: فاجْعَل تَحَلَّلْ. بمعنى: تحلَّل شيئًا بعد شيءٍ. لا أن هناك جَعْلًا مِن غيرِ التَّحْليلِ، فكذلك كلُّ جَعْل في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصالٌ، لا أن له حظًّا في معنى الفعْلِ.
فقولُه: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. إنما هو: أظْلَم ليلَهما وأنار نهارَهما.
القولُ في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا خلقه المؤمنين مِن كفَرةِ عبادِه، ومُحْتَجًّا على الكافرين: إن الإله الذي يَجِبُ عليكم أيُّها الناسُ حمدُه، هو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ، الذي جعَل منهما مَعايشَكم وأقْواتَكم وأقواتَ أنعامِكم التي بها حياتُكم، فمِن السماواتِ يَنزِلُ عليكم الغيثُ، وفيها تَجْرِى الشمسُ والقمرُ باعتقابٍ واختلافٍ لمَصالِحكم، ومن الأرضِ يَنْبُتُ الحبُّ الذي به غذاؤُكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم، مع غيرِ ذلك من الأمور التي فيها مَصالحُكم ومَنافعُكم بها، والذين يَجْحَدون نعمة الله عليهم، بما أَنْعَم به عليهم من خلقِ ذلك لهم ولكم أيُّها الناسُ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ الذي فعَل ذلك وأحْدَثه ﴿يَعْدِلُونَ﴾: يَجْعَلون له شريكًا في عبادتِهم إياه، فيَعْبُدون معه الآلهة والأندادَ والأصنامَ والأوثانَ، وليس منها شيءٌ شركه في خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامِه عليهم بما أنْعَم به عليهم، بل هو المنفردُ بذلك كلِّه، وهم
لآلهة والأندادَ والأصنامَ والأوثانَ، وليس منها شيءٌ شركه في خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامِه عليهم بما أنْعَم به عليهم، بل هو المنفردُ بذلك كلِّه، وهم يُشْرِكون في
عبادتِهم إياه غيرَه. فسبحانَ اللهِ ما أَبْلَغَها مِن حجةٍ، وأَوْجَزَها مِن عِظَةٍ، لمن فكَّر فيها بعقلٍ، وتدَبَّرها بفهمٍ!
ولقد قيل: إنها فاتحةُ التوراةِ.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الصمدِ العَمِّيُّ (١)، عن أبي عِمرْانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بن رَباحٍ، عن كعبٍ، قال: فاتحةُ التوراة: فاتحةُ "الأنعام": ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ الله بن رَباحٍ، عن كعبٍ مثلَه، وزاد فيه: وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ "هودٍ".
يقالُ مِن مُساواة الشيء بالشيءِ: عدَلْتُ هذا بهذا. إذا ساوَيْتَه به، عَدْلًا.
لله بن رَباحٍ، عن كعبٍ مثلَه، وزاد فيه: وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ "هودٍ".
يقالُ مِن مُساواة الشيء بالشيءِ: عدَلْتُ هذا بهذا. إذا ساوَيْتَه به، عَدْلًا. وأما في الحكم إذا أنْصَفْتَ فيه، فإنك تقولُ: عَدَلْتُ فيه أَعْدِلُ عَدْلًا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾. قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عن مُجاهدٍ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ قال: يُشْرِكون.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في مَن عُنى بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرةِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاءه رجلٌ مِن الخوارج يَقْرَأُ عليه هذه الآيةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال له: أليس الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون؟ قال: بلى.
وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال له: أليس الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون؟ قال: بلى. قال: وانْصَرَف عنه الرجلُ، فقال له رجلٌ مِن القوم: يابن أبْزَى، إن هذا قد أراد تفسير هذه غيرَ هذا، إنه رجلٌ مِن الخَوارج. فقال: ردُّوه عليَّ. فلما جاءه قال: هل تَدْرِى في مَن نزَلَت هذه الآيةُ؟ قال: لا. قال: إنها نزَلَت في أهلِ الكتابِ، اذْهَبْ لا تَضَعْها على غير حَدِّها.
وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون مِن عَبَدة الأوثان.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قال: هؤلاء أهلُ صُراحِيَةٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
ُراحِيَةٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. قال: هم المشركون.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. قال: الآلهةُ التي عبَدوها عدَلوها بالله. قال: وليس للهِ عِدْلٌ ولا نِدٌّ، وليس معه آلهةٌ، ولا اتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر أن الذين كفَروا بربِّهم يَعْدِلون. فعمَّ بذلك جميعَ الكفار، ولم يَخْصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، فجميعُهم داخِلون في ذلك؛ يهودُهم، ونَصاراهم، ومَجوسُهم، وعَبَدةُ الأوثانِ منهم ومِن غيرِهم من سائرِ أصنافِ الكفرِ.
قال في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعدلا واتخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.
وقوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: الموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: الآخرة.
وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.
يعني: الآخرة.
وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.
وقول الحسن -في رواية عنه: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] والمصير إلى الدار الآخرة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: مدة الدنيا (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ]﴾ الآية [الأنعام: ٦٠].
ره: يعني تشكون في أمر الساعة.
وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) اختلف
مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجَهْمِيَّة الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) خبرًا أو حالا.
والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر.
ى هذا فيكون قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) خبرًا أو حالا.
والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: (يَعْلَمُ) متعلقًا بقوله: (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ) تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.
والقول الثالث أن قوله (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: (وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) وهذا اختيار ابن جرير.
وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ (١)﴾ وجهان للعلماء:
أحدهما: أنه من العدل عن الشيء، بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ وعليه فالمعنى: إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال، وقيل على هذا الوجه: إن "الباء" بمعنى "عن" أي يعدلون عن ربهم، فلا يتوجهون إليه بطاعة، ولا إيمان.
والثاني: أن "الباء" متعلقة بيعدلون، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيراً في العبادة، من قول العرب: عدلت فلاناً بفلان إذا جعلته له نظيراً وعديلاً، ومنه قول جرير:
أثعلبة الفوارس أم رياحا ...
ون، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيراً في العبادة، من قول العرب: عدلت فلاناً بفلان إذا جعلته له نظيراً وعديلاً، ومنه قول جرير:
أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالاً لبني ثعلبة، وبني رياح، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار
٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار
ساووا بين المخلوق والخالق -قبحهم الله تعالى- كقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات، وعدل الشيء في اللغة مثله ونظيره، قال بعض علماء العربية: إذا كان من جنسه فهو عدل -بكسر العين- وإذا كان من غير جنسه فهو عدل -بفتح العين- ومن الأول قول مهلهل:
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا اضطرب العضاه من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب ...
ول قول مهلهل:
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا اضطرب العضاه من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب ... غداة بلابل الأمر الكبير
يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة البكري لا يكافئونه، ولا يعادلونه في الشرف.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾؛ لأن المراد نظير الإطعام من الصيام، وليس من جنسه، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفداء؛ لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدي تؤخذ بدله.
•