Dan demikianlah untuk setiap Nabi Kami menjadikan musuh, yang terdiri dari setan-setan manusia dan jin, sebagian mereka membisikkan kepada sebagian yang lain perkataan yang indah sebagai tipuan. Dan kalau Tuhanmu menghendaki, niscaya mereka tidak akan melakukannya, maka biarkanlah mereka bersama (kebohongan) yang mereka ada-adakan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ مُسَلِّيَه بذلك عما لقِي مِن كفَرةِ قومِه في ذاتِ اللهِ، وحاثًّا له على الصبرِ على ما ناله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾. يقولُ: وكما ابْتَلَيْناك يا محمدُ بأن جعَلْنا لك مِن مُشْرِكي قومِك أعداءً؛ شياطينَ يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولُ؛ ليَصُدُّوهم بمُجادَلَتِهم إيَّاك بذلك عن اتِّباعِك والإيمانِ بك وبما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، كذلك ابْتَلَيْنا مَن قبلَك مِن الأنبياءِ والرسلِ بأن جعَلْنا لهم أعداءً مِن قومِهم يُؤْذُونهم بالجِدالِ والخصوماتِ.
بك وبما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، كذلك ابْتَلَيْنا مَن قبلَك مِن الأنبياءِ والرسلِ بأن جعَلْنا لهم أعداءً مِن قومِهم يُؤْذُونهم بالجِدالِ والخصوماتِ. يقولُ: فهذا الذي امْتَحَنْتُك به، لم تُخْصَصْ به مِن بينِهم وحدَك، بل قد عمَمْتُهم بذلك معك؛ لأَبْتَلِيَهم وأَخْتَبِرَهم، مع قُدْرتي على منعِ مَن آذاهم مِن أَذاهم، فلم أَفْعَلْ ذلك إلا لأَعْرِفَ أولي العَزْمِ منهم مِن غيرِهم. يقولُ: فاصْبِرْ أنت كما صبَر أولو العزمِ مِن الرسلِ.
وأما "شياطينُ الإنسِ والجنِّ" فإنهم مَرَدتُهم. وقد بيَّنا الفعلَ الذي منه بُنِي هذا الاسمُ بما أغْنَى عن إعادتِه.
ونُصِبَ "العدو" و "الشياطين" بقولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾.
وأما قولُه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
مُ بما أغْنَى عن إعادتِه.
ونُصِبَ "العدو" و "الشياطين" بقولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾.
وأما قولُه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فإنه يعني أنه يُلْقِي المُلْقِي منهم القولَ الذي زيَّنه وحسَّنه بالباطلِ إلى صاحبِه؛ ليَغْتَرَّ به مَن سمِعه فيَضِلَّ عن سبيلِ اللهِ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ فقال
بعضُهم: معناه: شياطينُ الإنسِ التي مع الإنسِ، وشياطينُ الجنِّ التي مع الجنِّ، وليس للإنسِ شياطينُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
. فيُعَلِّمُ بعضُهم بعضًا.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، عن شَريكٍ، عن سعيدِ بنِ مَسْروقٍ، عن عكرمةَ: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال: ليس في الإنسِ شياطينُ، ولكنَّ شياطينَ الجنِّ يُوحُون إلى شياطينِ الإنسِ، وشياطينَ الإنسِ يُوحُون إلى شياطينِ الجنِّ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، [عن عكرمةَ] في قولِه: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: للإنسانِ شيطانٌ، وللجنيِّ شيطانٌ، فيَلْقَى شيطانُ الإنسِ شيطانَ الجنِّ، فيُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرفَ القولِ غُرورًا.
هم يُوحِي إلى بعضٍ زُحْرفَ القولِ غُرورًا ولدَ إبليسَ، وأن مع ابنِ آدمَ مِن ولدِ إبليسَ مَن يُوحِي إِلى مَن مع الجنِّ من ولدِه زُخْرفَ القولِ غُرورًا.
وليس لهذا التأويلِ وجهٌ مفهومٌ؛ لأن اللهَ جعَل إبليسَ وولدَه أعداءَ ابنِ آدمَ، فكلُّ ولدِه لكلِّ ولدِه عدوٌّ، وقد خصَّ اللهُ في هذه الآيةِ الخبرَ عن الأنبياءِ أنه جعَل لهم مِن الشياطينِ أعداءً، فلو كان معنيًّا بذلك الشياطينُ الذين ذكَرَهم السديُّ، الذين من هم ولدُ إبليسَ، لم يَكُنْ لخصوصِ الأنبياءِ بالخبرِ عنهم أنه جعَل لهم الشياطينَ أعداءً، وجهٌ، وقد جعَل مِن ذلك لأعْدَى أعْدائِه مثلَ الذي جعَل لهم، ولكنَّ ذلك كالذي قلْنا، مِن أنه معنيٌّ به أنه جعَل مَرَدةَ الإنسِ والجنِّ لكلِّ نبيٍّ عدوًّا يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ مِن القولِ ما يُؤْذِيهم به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
جعَل مَرَدةَ الإنسِ والجنِّ لكلِّ نبيٍّ عدوًّا يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ مِن القولِ ما يُؤْذِيهم به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن مَعْبَدِ بنِ هلالٍ، قال: ثني رجلٌ مِن أهلِ دمشقَ، عن عوفِ بنِ مالكٍ، عن أبي ذرٍّ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يا أبا ذرٍّ، هل تَعَوَّذْتَ باللهِ مِن شَرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؟ " قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل للإنسِ من شياطينَ؟ قال: "نعم".
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبي عبدِ الملكِ محمدِ بنِ أيوبَ وغيرِه مِن المَشْيَخةِ، عن ابنِ عائذٍ، عن أبي ذرٍّ، أنه قال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ في مجلسٍ، قد أطال فيه الجلوسَ، قال: فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل صلَّيْتَ؟ " قال: قلتُ: لا، يا رسولَ اللهِ. قال: "قُمْ فَارْكَعْ ركعتَيْن". قال: ثم جئتُ فجلَسْتُ إليه، فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل تعوَّذْتَ باللهِ مِن شَرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؟
يا رسولَ اللهِ. قال: "قُمْ فَارْكَعْ ركعتَيْن". قال: ثم جئتُ فجلَسْتُ إليه، فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل تعوَّذْتَ باللهِ مِن شَرِّ شياطينِ الإنسِ والجنِّ؟ " قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وهل للإنسِ شياطينُ؟ قال: "نعم، شرٌّ مِن شياطينِ الجنِّ".
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغَني أن أبا ذرٍّ قام يومًا يُصَلِّي، فقال له النبيُّ ﷺ: "تَعَوَّذُ يا أبا ذرٍّ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ". فقال: يا رسولَ اللهِ، أوَ إن مِن الإنسِ شياطينَ؟ قال: "نعم". وقال آخرون في ذلك بنحوِ الذي قلنا مِن أن ذلك إخبارٌ مِن اللهِ أن شياطينَ الإنسِ والجنِّ، يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال: مِن الجنِّ شياطينُ، ومِن الإِنسِ شياطينُ يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ.
قِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. قال: مِن الجنِّ شياطينُ، ومِن الإِنسِ شياطينُ يُوحِي بعضُهم إلى بعضٍ. قال قتادةُ: بلَغَني أن أبا ذرٍّ كان يومًا يُصَلِّي، فقال النبيُّ ﷺ: "تَعَوَّذْ يا أبا ذرٍّ من شياطينِ الإنسِ والجنِّ". فقال:
يا نبيَّ اللهِ، أو إن من الإنسِ شياطينَ؟ فقال النبيُّ ﷺ: "نعم".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية. ذُكِر لنا أن أبا ذرٍّ قام ذاتَ يومٍ يُصَلِّي، فقال له نبيُّ اللهِ: "تَعَوَّذْ باللهِ مِن شياطينِ الجنِّ والإنسِ". فقال: يا نبيَّ اللهِ، أوَ للإنسِ شياطينُ كشياطينِ الجنَّ؟ قال:"نعم، أوَ كذَبْتُ عليه؟! ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. فقال: كفارُ الجنِّ شياطينُ، يُوحُون إلى شياطينِ الإنسِ؛ كفارِ الإِنسِ، زُخْرفَ القولِ غُرورًا.
وأَما قولُه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، فإنه المُزَيَّنُ بالباطلِ كما وصَفْتُ قبلُ، يُقالُ منه: زَخْرَف كلامَه وشهادتَه، إذا حسَّن ذلك بالباطلِ ووشَّاه.
كما حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن شَريكٍ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: تَزْيينُ الباطلِ بالألسنةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما الزخرفُ، فزخْرَفوه: زيَّنوه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
لزخرفُ، فزخْرَفوه: زيَّنوه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: تَزْيينُ الباطلِ بالألسنةِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. يقولُ: حسَّن بعضُهم لبعضٍ القولَ، ليَتَّبِعوهم في فتنتِهم.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: الزخرفُ المُزَيَّنُ، حيث زيَّن لهم هذا الغُرورَ، كما زيَّن إبليسُ لآدمَ ما جاءه به، وقاسَمه إنه لمِن الناصِحين، وقرَأ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥].
هم هذا الغُرورَ، كما زيَّن إبليسُ لآدمَ ما جاءه به، وقاسَمه إنه لمِن الناصِحين، وقرَأ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. قال: ذلك الزخرفُ.
وأما الغرورُ: فإنه ما غرَّ الإنسانَ فخدَعه، فصدَّه عن الصوابِ إلى الخطأِ، ومِن الحقِّ إلى الباطلِ، وهو مصدرٌ مِن قوِل القائلِ: غرَرْتُ فلاناً بكذا وكذا، فأنا أَغُرُّه غُرُورًا وغَرًّا.
كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿غُرُورًا﴾. قال: يَغُرُّون به الناسَ والجنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شئتَ يا محمدُ أن يُؤْمِنَ الذين كانوا لأنبيائي أعداءً مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ فلا يَنالُهم مكروهُهم، ويَأْمَنوا غَوائلَهم وأذاهم - فعلتُ ذلك، ولكني لم أَشَأْ ذلك؛ لأَبْتلِيَ بعضَهم ببعضٍ، فيَسْتَحِقَّ كلُّ فريقٍ منهم ما سبَق له في الكتابِ السابقِ، ﴿فَذَرْهُمْ﴾. يقولُ: فَدَعُهم، يعني الشياطينَ، الذين يُجادِلونك بالباطلِ مِن مشركي قومِك، ويُخاصمونك بما يُوحِي إليهم أولياؤُهم مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. يعني: وما يَخْتَلِقون مِن إفْكٍ وزُورٍ.
يقولُ له ﷺ: اصْبِرْ عليهم؛ فإني مِن وراءِ عقابِهم على افترائِهم على اللهِ، واخْتلاقِهم عليه الكذبَ والزُّورَ.
ام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [وَكَفَى
بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا]﴾ [الفرقان: ٤٣].
وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: [إنه] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي
وقوله: (شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ) بدل من (عَدُوًّا) أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.
قال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله [تعالى] (شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ) قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي ﷺ: "تَعَوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين؟
يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي ﷺ: "تَعَوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم".
وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، ﵁، قال ابن جرير:
حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قال: لا يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلستُ إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن".
وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد:
حدثنا وَكِيع، حدثنا المسعودي، أنبأنى أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل".
دي، أنبأنى أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله.
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به
طريق أخرى عن أبي ذر: قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ ". قال: قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟
مشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ ". قال: قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم"
طريق أخرى للحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَوْف الحِمْصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر تعوذتَ من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: يا رسول الله، وهل للإنس [من] شياطين؟ قال: "نعم، شياطينَ الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا"
فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم.
وقد روي ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو نُعَيم، عن شَرِيك، عن سعيد بن مسروق، عن عِكْرِمة: (شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ) قال: ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن.
، عن عِكْرِمة: (شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ) قال: ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن.
قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السُّدِّي، عن عِكْرِمة في قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) قال: للإنسى شيطان، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
وقال أسباط، عن السُّدِّي، عن عِكْرِمة في قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) في تفسير هذه الآية: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن الذين يضلون الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضْلِل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا.
ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عِكْرِمة والسُّدِّي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم.
بعضا.
ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عِكْرِمة والسُّدِّي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم. ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عِكْرِمة، وأما كلام السُّدِّي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا، عن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس
يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، أضلله بكذا. فهو قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)
وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "الكلب الأسود شيطان" ومعناه -والله أعلم -: شيطان في الكلاب.
وقال ابن جُرَيْج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا.
والله أعلم -: شيطان في الكلاب.
وقال ابن جُرَيْج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا.
وروى ابن أبي حاتم، عن عِكْرِمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدث الناس. قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال [الله] تعالى: (شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم.
َاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني.
وإنما عَرَضَ عِكْرِمة بالمختار -وهو ابن أبي عبيد -قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، [قال] الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله تعالى: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نَبيّ عدوّ من هؤلاء.
(فَذَرْهُمْ) أي: فدعهم، (وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.
لكل نَبيّ عدوّ من هؤلاء.
(فَذَرْهُمْ) أي: فدعهم، (وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.
وقوله تعالى: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) أي: ولتميل إليه -قاله ابن عباس - (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.
وقال السُّدِّي: قلوب الكافرين، (وَلِيَرْضَوْهُ) أي: يحبوه ويريدوه. وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨، ٩].
وقال السُّدِّي، وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي
عدواً، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية. وقد جاء الخبر بذلك مرفوعاً من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره، والعرب تسمي كل متمرد شيطاناً سواء كان من الجن أو الإنس، كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث "الكلب الأسود شيطان". وقوله: شياطين بدل من قوله "عَدُوّاً" ومفعول أول لـ "جَعَلْنَا" والثاني "عَدُوّاً" أي جعلنا شياطين الإنس والجن عدواً.
•