﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾
ثم قال تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) قُرئ بكسر القاف، أي: ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها، أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له.
وقوله: (والمؤتفكات) وهم المكذبون بالرسل. (بالخاطئة) أي بالفعلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل الله.
قال الربيع: (بالخاطئة) أي: بالمعصية وقال مجاهد: بالخطايا.
ولهذا قال: تعالى (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) وهذا جنس، أي: كُلّ كذّبَ رسول الله إليهم. كما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤]. ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع، كما قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣].
ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع، كما قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) أي: عظيمة شديدة أليمة.
قال مجاهد: (رابية) شديدة. وقال السدي: مهلكة.
ثم قال الله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود.
ة أليمة.
قال مجاهد: (رابية) شديدة. وقال السدي: مهلكة.
ثم قال الله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود. وقال ابن عباس وغيره: (طَغَى الْمَاءُ) كثر -وذلك بسبب دعوة نوح، ﵇، على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعَمّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مِهْرَان، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن غير واحد، عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان فخرج، فذلك قول الله: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك، إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) عتت على الخزان.
ِيَةِ) ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك، إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) عتت على الخزان.
ولهذا قال تعالى ممتنًا على الناس: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) وهي السفينة الجارية على وجه الماء، (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه، أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢].
وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة.
ِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢].
وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. والأول أظهر؛ ولهذا قال: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) أي: وتفهم هذه النعمة، وتذكرها أذن واعية.
قال ابن عباس: حافظة سامعة وقال قتادة: (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) سمعتها أذن ووعت. أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح. وهذا عام فيمن فهم، ووعى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب، سمعت مكحولا يقول: لما نزل على رسول الله ﷺ: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) قال رسول الله ﷺ "سألت ربي أن يجعلها أذُنَ عَلِيّ". [قال مكحول] فكان عَلِيّ يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط فنسيته.
وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن سهل، عن الوليد بن مسلم، عن علي بن حوشب، عن مكحول به.
ل مكحول] فكان عَلِيّ يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط فنسيته.
وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن سهل، عن الوليد بن مسلم، عن علي بن حوشب، عن مكحول به. وهو حديث مرسل.
وقد قال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد -يعني والد أبي أحمد الزبيري-حدثني صالح بن الهيثم، سمعت بريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي: "إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك وأن تعي، وحُقّ لك أن تعي". قال: فنزلت هذه الآية (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)
ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف، عن بشر بن آدم، به ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن داود الأعمى، عن بُرَيدة، به. ولا يصح أيضا.