Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-A'raf › Ayat 155

QS 7:155

Surah Al-A'raf (الأعراف) ayat 155

7:155
وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّـٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ
Dan Musa memilih tujuh puluh orang dari kaumnya untuk (memohon tobat kepada Kami) pada waktu yang telah Kami tentukan. Ketika mereka ditimpa gempa bumi, Musa berkata, "Ya Tuhanku, jika Engkau kehendaki, tentulah Engkau binasakan mereka dan aku sebelum ini. Apakah Engkau akan membinasakan kami karena perbuatan orang-orang yang kurang berakal di antara kami? Itu hanyalah cobaan dari-Mu, Engkau sesatkan dengan cobaan itu siapa yang Engkau kehendaki dan Engkau beri petunjuk kepada siapa yang Engkau kehendaki.343) Engkaulah pemimpin kami, maka ampunilah kami dan berilah kami rahmat. Engkaulah Pemberi ampun yang terbaik
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 154Ayat 156 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

وَٱخْتَارَ
ٱخْتَارَ
خير
مُوسَىٰ
مُوسَىٰ
nama diri
قَوْمَهُۥ
قَوْم
قوم
سَبْعِينَ
سَبْع
سبع
رَجُلًا
رَجُل
رجل
لِّمِيقَٰتِنَا
مِيقَٰت
وقت
فَلَمَّآ
لَمَّا
keterangan waktu
أَخَذَتْهُمُ
أَخَذَ
اخذ
ٱلرَّجْفَةُ
رَّجْفَة
رجف
قَالَ
قَالَ
قول
رَبِّ
رَبّ
ربب
لَوْ
لَو
partikel syarat
شِئْتَ
شَآءَ
شيا
أَهْلَكْتَهُم
أَهْلَكَ
هلك
مِّن
مِن
preposisi
قَبْلُ
قَبْل
قبل
وَإِيَّٰىَ
إِيَّا
pronomina
أَتُهْلِكُنَا
أَهْلَكَ
هلك
بِمَا
مَا
kata sambung penghubung
فَعَلَ
فَعَلَ
فعل
ٱلسُّفَهَآءُ
سَفِيه
سفه
مِنَّآ
مِن
preposisi
إِنْ
إِن
partikel nafi
هِىَ
pronomina
إِلَّا
إِلَّا
partikel hashr
فِتْنَتُكَ
فِتْنَة
فتن
تُضِلُّ
أَضَلَّ
ضلل
بِهَا
pronomina
مَن
مَن
kata sambung penghubung
تَشَآءُ
شَآءَ
شيا
وَتَهْدِى
هَدَى
هدي
مَن
مَن
kata sambung penghubung
تَشَآءُ
شَآءَ
شيا
أَنتَ
pronomina
وَلِيُّنَا
وَلِىّ
ولي
فَٱغْفِرْ
غَفَرَ
غفر
لَنَا
pronomina
وَٱرْحَمْنَا
رَّحِمَ
رحم
وَأَنتَ
pronomina
خَيْرُ
خَيْر
خير
ٱلْغَٰفِرِينَ
غَافِر
غفر

Tafsir dalam korpus (99 potongan)

QS 7:155 (jilid 10 hlm. 467) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 467 · #63111
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واختَار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا للوقتِ والأجلِ الذي كان اللَّهُ وعَده أن يلقاه فيه بهم؛ للتوبةِ إليه مما كان مِن فعلِ سُفَهائِهم في أمرِ العجلِ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن اللَّهَ أمَر موسى أن يأتِيَه في ناسٍ مِن بنى إسرائيلَ يعتذِرون إليه مِن عبادةِ العجلِ، ووعَدهم موعِدًا، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عينِه، ثم ذهَب بهم ليعتذِرُوا، فلما أَتَوا ذلك المكانَ، قالوا: لن نؤمنَ لك يا موسى حتى نرى اللَّهَ جهرةً، فإنك قد كلَّمتَه فأَرِناه. فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يبكى ويدعو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 468) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 468 · #63112
قد كلَّمتَه فأَرِناه. فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يبكى ويدعو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيَّاى. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اختار موسى مِن بنى إسرائيلَ سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انطلِقوا إلى اللَّهِ فتوبوا إليه مما صنَعْتم، وسَلُوه التوبةَ على مَن تَرَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطَهَّروا، وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّتَه له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعِلْمٍ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا معه للقاءِ ربِّه: يا موسى اطلُبْ لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعلُ.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 468) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 468 · #63113
نه وعِلْمٍ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا معه للقاءِ ربِّه: يا موسى اطلُبْ لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ، وقَع عليه عمودُ الغَمامِ حتى تغشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادنوا - وكان موسى إذا كلَّمَه اللَّهُ وقَع على جبهتِه نورٌ ساطعٌ، لا يستطيعُ أحدٌ مِن بنى آدمَ أن ينظُرَ إليه - فضُرِب دونَه بالحجابِ، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في الغمامِ وقعُوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يكلِّمُ موسى؛ يأمُرُه وينهاه: افعلْ، ولا تفعلْ. فلما فرَغ إليه مِن أمرِه، [انكَشَف عن موسى الغمامُ فأقبَل] إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 469) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 469 · #63114
علْ. فلما فرَغ إليه مِن أمرِه، [انكَشَف عن موسى الغمامُ فأقبَل] إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. فأَخَذتْهُم الرَّجْفَةُ، وهى الصاعقةُ، فانفَلَتَتْ أرواحُهم فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه ويَرْغَبُ إليه، ويقولُ: ربِّ لو شئتَ أَهْلَكْتَهم مِن قبلُ وإِيَّاى، قد سفِهُوا، أفتُهلِكُ مَن ورائى مِن بني إسرائيلَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان اللَّهُ أمَره أن يختارَ مِن قومِه سبعين رجلًا، فاختارَ سبعين رجلًا، فبرَّزهم ليدعُوا ربَّهم، فكان فيما دعَوُا اللَّهَ أَن قالوا: اللهمَّ أَعْطنا ما لم [تعطِه أحدًا قبلَنا ولم تعطِه] أحدًا بعدَنا.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 469) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 469 · #63115
فاختارَ سبعين رجلًا، فبرَّزهم ليدعُوا ربَّهم، فكان فيما دعَوُا اللَّهَ أَن قالوا: اللهمَّ أَعْطنا ما لم [تعطِه أحدًا قبلَنا ولم تعطِه] أحدًا بعدَنا. فكرِه اللَّهُ ذلك مِن دعائِهم، فأخَذَتْهم الرجفةُ، قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونَ يعنى ابنَ مهرانَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: لموعدِهم الذي وعَدهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 470) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 470 · #63116
نَا﴾. قال: لموعدِهم الذي وعَدهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: اختارهم لتمامِ الموعدِ. وقال آخرون: إنما أخَذَتْهم الرجفةُ مِن أجلِ دعواهم على موسى قتلَ هارونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أبو إسحاقَ، عن عُمارةَ بن عبدٍ السلوليِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: انطلَق موسى وهارونُ، [وشَبَّرٌ وشَبِيرٌ]، فانطلَقوا إلى سفحِ جبلٍ، فنام هارونُ على سريرٍ، فتوفاه اللَّهُ، فلما رجَع موسى إلى بني إسرائيلَ قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: توفاه اللَّهُ. قالوا: أنتَ قتَلتَه، حسَدتَنا على خُلُقِه ولينِه - أو كلمةً نحوَها - قال: فاختاروا مَن شِئْتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا. قال: فذلك قولُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾. قال: فلما انتَهَوا إليه قالوا: يا هارونُ مَن قتَلك؟ قال: ما قتَلنى أحدٌ، ولكنْ توفَّانى اللَّهُ.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 470) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 470 · #63117
لُه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾. قال: فلما انتَهَوا إليه قالوا: يا هارونُ مَن قتَلك؟ قال: ما قتَلنى أحدٌ، ولكنْ توفَّانى اللَّهُ. قالوا: يا موسى لن نَعْصِىَ بعدَ اليومِ. قال: فأَخَذَتْهم الرجفةُ. قال: فجعَل موسى يرجعُ يمينًا وشَمالًا، وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: فأحْياهم اللَّهُ وجعَلهم أنبياءَ كلَّهم. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من بنى سلولَ، أنه سمِع عليًّا ﵁ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال: كان هارونُ حَسَنَ الخُلُقِ محبَّبًا في بنى إسرائيلَ. قال: فلمَّا مات دفنَه موسى. قال: فلمَّا أتَى بنى إسرائيلَ، قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: مات. قال: فقالوا: قتَلتَه.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 471) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 471 · #63118
الخُلُقِ محبَّبًا في بنى إسرائيلَ. قال: فلمَّا مات دفنَه موسى. قال: فلمَّا أتَى بنى إسرائيلَ، قالوا له: أينَ هارونُ؟ قال: مات. قال: فقالوا: قتَلتَه. قال: فاختار منهم سبعين رجلًا. قال: فلما أتوا القبر قال موسى: أقتِلْتَ أو مِتَ؟ قال: مِتُّ. قال: فأُصْعِقُوا. قال: فقال موسى: يا ربِّ ما أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا رجَعتُ؟ يقولون: أنتَ قتلتَهم. قال: فأُحيُوا وجُعِلوا أنبياءَ. حدَّثني عبيدُ اللَّهِ بنُ الحجاجِ بن المنهالِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الربيعُ بنُ حبيبٍ، قال: سَمعتُ أبا سعيدٍ، يعنى الرَّقاشيَّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 471) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 471 · #63119
قال: ثنا الربيعُ بنُ حبيبٍ، قال: سَمعتُ أبا سعيدٍ، يعنى الرَّقاشيَّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يَتَجاوزوا الأربعين؛ وذلك أن ابنَ عشرين قد ذهَب جهلُه وصباه، وأن مَن لم يتجاوزِ الأربعيَن لم يفقِدْ مِن عقلِه شيئًا. وقال آخرون: إنما أخَذتِ القومَ الرجْفةُ لتركِهم فراقَ عبدةِ العجلِ، لا لأنهم كانوا مِن عبَدتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنما تناولتْهم الرجْفةُ لأنهم لم يزايلوا القومَ حيَن نصبُوا العجلَ، وقد كرِهوا أن يجامِعوهم عليه.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 471) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 471 · #63120
ُفَهَاءُ مِنَّا﴾: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إنما تناولتْهم الرجْفةُ لأنهم لم يزايلوا القومَ حيَن نصبُوا العجلَ، وقد كرِهوا أن يجامِعوهم عليه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريحٍ قولَه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: ممن لم يكنْ قال ذلك القولَ، على أنهم لم يُجامعوهم عليه، فأخذتْهم الرجْفةُ من أجلِ أنهم لم يكونُوا باينوا قومَهم حينَ اتخذُوا العجل. قال: فلما خرجُوا ودعَوا، أماتهم الله ثم أحياهم، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 472) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 472 · #63121
اهم، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: والميقاتُ الموعدُ، فلما أخَذتْهم الرجفةُ بعد أن خرَج موسى بالسبعين مِن قومِه يدعون اللَّهَ ويسألونه أن يكشِفَ عنهم البلاءَ، فلم يَستجبْ لهم، عَلِمَ موسى أنهم قد أصابوا مِن المعصيةِ ما أصاب قومُهم. قال أبو سعدٍ: فحدَّثني محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، قال: لم يُسْتَجَبْ لهم مِن أجلِ أنهم لم ينهَوهم عن المنكرِ، ويأمروهم بالمعروفِ.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 472) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 472 · #63122
عصيةِ ما أصاب قومُهم. قال أبو سعدٍ: فحدَّثني محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، قال: لم يُسْتَجَبْ لهم مِن أجلِ أنهم لم ينهَوهم عن المنكرِ، ويأمروهم بالمعروفِ. قال: فأخذتْهم الرجفةُ فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سعيدِ بن حيانَ، عن ابن عباسٍ: إن السبعين الذين اختارهم موسى مِن قومِه، إنما أخَذتْهم الرجفةُ أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجلِ. حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ حيانَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. واختَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولهِ: ﴿قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: معناه: واختار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 473) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 473 · #63123
لف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولهِ: ﴿قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: معناه: واختار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا. فلما نُزِعَ "مِن" أُعْمِل الفعلُ، كما قال الفرزدقُ. ومنا الذي اخْتِيرَ الرجالَ سماحةً … وجودًا إذا هبَّ الرياحُ الزعازِعُ وكما قال الآخرُ: أمَرْتُك الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به … فقد تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ وقال الراعي: اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذ غَثَّتْ خَلائِقُهم … واعْتَلَّ مَن كان يُرْجَى عنده السُّولُ وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: إنما استُجِيز وقوعُ الفعلِ عليهم إذا طُرِحت "من"؛ لأنه مأخوذٌ مِن قولِك: هؤلاء خيرُ القومِ. وخيرٌ من القومِ. فلما جازتِ الإضافةُ مكانَ "مِن" ولم يتغيَّرِ المعنى، استجازوا أن يقولوا: اخترتُكم رجلًا. و: اخترتُ منكم رجلًا.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 473) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 473 · #63124
ك: هؤلاء خيرُ القومِ. وخيرٌ من القومِ. فلما جازتِ الإضافةُ مكانَ "مِن" ولم يتغيَّرِ المعنى، استجازوا أن يقولوا: اخترتُكم رجلًا. و: اخترتُ منكم رجلًا. وقد قال الشاعرُ * [فقُلْتُ له اخترْها قَلُوصًا سَمِينَةً* وقال الراجز:] تحتَ التي اختارَ له اللَّهُ الشَّجَرُ بمعنى: اختارها اللَّهُ له مِن الشجرِ. وهذا القولُ الثاني أولى عندى في ذلك بالصوابِ؛ لدلالةِ الاختيارِ على طلبِ "من" التي بمعنى التبعيضِ، ومِن شأنِ العربِ أن تحذفَ الشيءَ مِن حشوِ الكلامِ إذا عُرِف موضعُه، وكان فيما أظهَرتْ دلالةٌ على ما حذَفتْ، فهذا مِن ذلك إن شاء اللَّهُ. وقد بيَّنا معنى "الرجفةِ" فيما مضى بشواهدِها، وأنها ما رجَف بالقومِ وزعزَعَهُم وحرَّكهم؛ أهلَكَهم بعدُ فأماتهم، أو أصْعَقهم فسلَب أفهامَهم. وقد ذكرْنا الروايةَ في هذا الموضعِ، وقولَ مَن قال: إنها كانت صاعقةً أماتَتْهم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 474) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 474 · #63125
َتْهم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: اختارَهم موسى لتمامِ الموعدِ، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: ماتوا ثم أحياهم اللَّهُ. حدَّثني عبدُ الكريمِ، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال: رُجِف بهم.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 475) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 475 · #63126
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أفتُهلِكُ هؤلاء الذين أهلكتَهم بما فعل السفهاءُ منا؟ أي: بعبادةِ مَن عبَد العجلَ؟ قالوا: وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما أهلَكهم لأنهم كانوا ممَّن عبَد العجلَ، وقال موسى ما قال ولا عِلْمَ عندَه بما كان منهم في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحى اللَّهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخَذَ العجلَ.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 475) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 475 · #63127
بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحى اللَّهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخَذَ العجلَ. فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. وقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكَك هؤلاء الذين أهلكتَهم هلاكٌ لمَن وراءَهم من بنى إسرائيلَ إذا انصرفتُ إليهم، وليسوا معى، و "السفهاءُ" على هذا القولِ كانوا المُهْلَكين الذين سألوا موسى أن يريَهم اللَّهَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أخذَت الرجفةُ السبعين فماتوا جميعًا، قام موسى يناشدُ ربَّه ويدعُوه، ويرغبُ إليه، يقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قد سفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائى مِن بنى إسرائيلَ بما فعَل السفهاءُ منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ، قد اخترت منهم سبعين رجلًا الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معى رجلٌ واحدٌ؟
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 476) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 476 · #63128
ورائى مِن بنى إسرائيلَ بما فعَل السفهاءُ منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ، قد اخترت منهم سبعين رجلًا الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معى رجلٌ واحدٌ؟ فما الذي يصدِّقونني به، أو يأْمَنونني عليه بعدَ هذا؟ وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: أتواخذُنا وليس مِنّا رجلٌ واحدٌ ترَك عبادتَك؟ ولا استبدَل بك غيرَك؟ وأولى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: إن موسى إنما حزِن على هلاكِ السبعين بقولِه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وأنه إنما عنَى بالسفهاءِ عبدةَ العجلِ، [وأنَّ موسى حين قال ما قال مِن ذلك لم يكنْ عندَه السبعون من عبدةِ العجلِ].
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 476) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 476 · #63129
بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. وأنه إنما عنَى بالسفهاءِ عبدةَ العجلِ، [وأنَّ موسى حين قال ما قال مِن ذلك لم يكنْ عندَه السبعون من عبدةِ العجلِ]. وذلك أنه محالٌ أن يكونَ موسى كان تخيَّر مِن قومِه لمسألةِ ربِّه جلَّ ثناؤُه ما أراد أن يسألَ لهم إلا الأفضلَ فالأفضلَ منه، ومحالٌ أن يكونَ الأفضلُ كان عندَه مَن شَرِك في عبادة العجل واتخذه دونَ اللَّهِ إلهًا. قال: فإن قال قائلٌ: فجائزٌ أن يكونَ موسى كان معتقِدًا أن اللَّهَ يعاقبُ قومًا بذنوبِ غيرِهم، فيقولُ: أتهلكُنا بذنوبِ مَن عبَد العجلَ، ونحن مِن ذلك برآءُ؟ قيل: جائزٌ أن يكونَ معنى [ذلك الهلاكِ] قبضَ الأرواحِ على غيرِ وجهِ العقوبةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: مات، فيقول: أتميتُنا بما فعَل السفهاءُ منا؟ وأما قولُه: هو ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. فإنه يقولُ: ما هذه الفَعْلةُ التي فعَلها قومِى، من عبادتهم ما عبدوا دونَك، إلا فتنةٌ منك أصابتهم. ويعنى بـ "الفتنةِ" الابتلاء والاختبار.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 477) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 477 · #63130
فِتْنَتُكَ﴾. فإنه يقولُ: ما هذه الفَعْلةُ التي فعَلها قومِى، من عبادتهم ما عبدوا دونَك، إلا فتنةٌ منك أصابتهم. ويعنى بـ "الفتنةِ" الابتلاء والاختبار. يقولُ: ابتليتَهم بها ليتبينَ الذي يَضِلُّ عن الحقِّ بعبادتِه إياه، والذي يهتدى بتركِ عبادته. وأضاف إضلالَهم وهدايتَهم إلى اللَّهِ، إذ كان ما كان منهم مِن ذلك عن سببٍ منه جلَّ ثناؤُه. وبنحو ما قلنا في "الفتنةِ"، قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بَلِيَّتُكَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حبُّويَه الرازيُّ، عن يعقوبِ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: إلا بَلِيَّتُكَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾.
QS 7:155 (jilid 10 hlm. 478) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 10 · hlm. 478 · #63131
. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. قال: بليَّتُكَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: إن هو إلا عذابُك تصيبُ به مَن تشاءُ، وتصرِفُه عمن تشاءُ. حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: أنت فتنتَهم. وقولُه: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾. يقولُ: أنت ناصِرُنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: فاستُرْ علينا ذنوبَنا بتركِك عقابَنا عليها، ﴿وَارْحَمْنَا﴾: تعطَّفْ علينا برحمتِك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ يقولُ: وأنت خيرُ مَن صفَح عن جُرْمٍ، وستَر على ذنبٍ.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 479 · #86172
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمرَه أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة، قال موسى: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) الآية. وقال السُّدِّي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 479 · #86173
ن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته، فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) وقال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخيّرَ فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، وسَلُوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهَّروا، وطهِّروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طُور سَيْناء، لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم -فقال له السبعون -فيما ذكر لي -حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه، [فقالوا] لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمودُ الغمام، حتى تَغَشَّى الجبل كله.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 480) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 480 · #86174
به، وخرجوا معه للقاء ربه، [فقالوا] لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمودُ الغمام، حتى تَغَشَّى الجبل كله. ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الطعام وقعوا سُجُودا فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الرجفة -وهي الصاعقة -فافتُلتَت أرواحهم، فماتوا جميعا. فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) قد سفهوا، أفنهلك من ورائي من بني إسرائيل. وقال سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد السَّلُولي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطلقوا إلى سفح جَبَل، فنام هارون على سرير، فتوفاه الله، ﷿.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 480) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 480 · #86175
ق، عن عمارة بن عبد السَّلُولي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطلقوا إلى سفح جَبَل، فنام هارون على سرير، فتوفاه الله، ﷿. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله، ﷿. قالوا [له] أنت قتلته، حَسَدتنا على خُلقه ولينه -أو كلمة نحوها -قال: فاختاروا من شئتم. قال: فاختاروا سبعين رجلا. قال: فذلك قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا) فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله. قالوا: يا موسى، لن تعصى بعد اليوم. قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى، ﵇، يرجع يمينًا وشمالا وقال: يا (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم. هذا أثر غريب جدا، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 480) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 480 · #86176
ِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم. هذا أثر غريب جدا، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه. وقد رواه شعبة، عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي، فذكره وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جُرَيْج: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم، ويتوجه هذا القول بقول موسى: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) وقوله: (إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف.
QS 7:155 (jilid 3 hlm. 481) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 481 · #86177
(إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف. ولا معنى له غير ذلك؛ يقول: إن الأمرُ إلا أمرُك، وإن الحكمُ إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضِل لمن هَدَيت، ولا مُعطِي لما مَنَعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر. وقوله: (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) الغَفْر هو: الستر، وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها ألا يوقعه في مثله في المستقبل، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) أي: لا يغفر الذنوب إلا أنت.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121639
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : الْآيَات ١٥٥ الى ١٥٧] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121640
نْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121641
ّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ. عُطِفَتْ جُمْلَةُ وَاخْتارَ مُوسى عَلَى جُمْلَةِ: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى [الْأَعْرَاف: ١٤٨] عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ: لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ أَيْضًا مِنْ مَوَاقِعِ الْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ بَيْنَ الْعِبَرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ عِبْرَةً بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، وَدُعَاءُ مُوسَى بِمَا فِيهِ جُمَّاعُ الْخَيْرَاتِ والبشارة بِمُحَمد ﷺ وَمِلَاكُ شَرِيعَتِهِ. وَالِاخْتِيَارُ تَمْيِيزُ الْمَرْغُوبِ مِنْ بَيْنِ مَا هُوَ مَخْلُوطٌ مِنْ مَرْغُوبٍ وَضِدِّهِ، وَهُوَ زِنَةُ افْتِعَالٍ مِنَ الْخَيْرِ صِيغَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى مُطَاوَعَةٍ لِفِعْلِ (خَارَ) .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121642
مَخْلُوطٌ مِنْ مَرْغُوبٍ وَضِدِّهِ، وَهُوَ زِنَةُ افْتِعَالٍ مِنَ الْخَيْرِ صِيغَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى مُطَاوَعَةٍ لِفِعْلِ (خَارَ) . وَقَوْلُهُ: سَبْعِينَ رَجُلًا بَدَلٌ مِنْ قَوْمَهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقِيلَ إِنَّمَا نُصِبَ قَوْمَهُ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَالتَّقْدِيرُ: اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا وَحَذْفُ الْجَارِ مِنَ الْمُتَعَلِّقِ الَّذِي هُوَ فِي رُتْبَةِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي شَائِعٌ فِي ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ: اخْتَارَ، وَاسْتَغْفَرَ وَأَمَرَ، وَمِنْهُ أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: سَبْعِينَ مَفْعُولا أول.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121643
ِعٌ فِي ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ: اخْتَارَ، وَاسْتَغْفَرَ وَأَمَرَ، وَمِنْهُ أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: سَبْعِينَ مَفْعُولا أول. وَأَيًّا مَا كَانَ فَبِنَاءُ نَظْمِ الْكَلَامِ عَلَى ذِكْرِ الْقَوْمِ ابْتِدَاءً دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى سَبْعِينَ رَجُلًا اقْتَضَاهُ حَالُ الْإِيجَازِ فِي الْحِكَايَةِ، وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الِاخْتِيَار وَقع عِنْد مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْمَجِيءِ لِلْمُنَاجَاةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً [الْأَعْرَاف: ١٤٢] الْآيَةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَصْعَدَ طُورَ سِينَا هُوَ وَهَارُون وَ (نَادَابُ) وَ (أَبِيهُو) وَ (يَشُوعُ) وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَكُونُ شُيُوخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ من الْجَبَل ويتقد مُوسَى حَتَّى
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 123) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 123 · #121644
و) وَ (يَشُوعُ) وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَكُونُ شُيُوخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ من الْجَبَل ويتقد مُوسَى حَتَّى يَدْخُلَ فِي السَّحَابِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ ارْتَجَفَ الْجَبَلُ وَمَكَثَ مُوسَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَجَاءَ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ وَالَّذِي يعده، بَعْدَ ذِكْرِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ وَكَسْرِ الْأَلْوَاحِ، أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى بِأَنْ يَنْحِتَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ مِثْلَ الْأَوَّلَيْنِ لِيَكْتُبَ عَلَيْهِمَا الْكَلِمَاتِ الْعَشْرَ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ الْمُنْكَسِرَيْنِ وَأَنْ يَصْعَدَ إِلَى طُورِ سِينَا وَذُكِرَتْ صِفَةُ صُعُودٍ تُقَارِبُ الصِّفَةَ الَّتِي فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى مَنْ أَخْطَأَ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي، وَأَنَّ مُوسَى سَجَدَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتَغْفَرَ لِقَوْمِهِ قِلَّةَ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 124) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 124 · #121645
شْرِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى مَنْ أَخْطَأَ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي، وَأَنَّ مُوسَى سَجَدَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتَغْفَرَ لِقَوْمِهِ قِلَّةَ امْتِثَالِهِمْ وَقَالَ فَإِن عفرت خَطِيئَتَهُمْ وَإِلَّا فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ. وَجَاءَ فِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: أَنَّ مُوسَى لَمَّا صَعِدَ الطُّورَ فِي الْمُنَاجَاةِ الثَّانِيَةِ صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْكُلُ طَعَامًا وَلَا يَشْرَبُ مَاءً اسْتِغْفَارًا لِخَطِيئَةِ قَوْمِهِ وَطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 124) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 124 · #121646
رْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْكُلُ طَعَامًا وَلَا يَشْرَبُ مَاءً اسْتِغْفَارًا لِخَطِيئَةِ قَوْمِهِ وَطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ. فَتَبَيَّنَ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِمُوسَى مِيقَاتَيْنِ لِلْمُنَاجَاةِ، وَأَنَّهُ اخْتَارَ سَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمُنَاجَاةِ الْأُولَى وَلَمْ تَذْكُرِ اخْتِيَارَهُمْ لِلْمُنَاجَاةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُنَاجَاةُ الثَّانِيَةُ كَالتَّكْمِلَةِ لِلْأُولَى تَعَيَّنَ أَنَّ مُوسَى اسْتَصْحَبَ مَعَهُ السَبْعِينَ الْمُخْتَارِينَ، وَلِذَلِكَ وَقَعَتْ فِيهَا الرَّجْفَةُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ أَنَّ الرَّجْفَةَ أَخَذَتْهُمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى خَرَّ صَعِقًا، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ السَبْعُونَ قَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ مُوسَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَبَلِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الرَّجْفَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ تَذْكُرْهَا
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 124) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 124 · #121647
ونَ قَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ مُوسَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَبَلِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الرَّجْفَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ تَذْكُرْهَا التَّوْرَاةُ. وَالضَّمِيرُ فِي أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِلسَّبْعِينَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ حِكَايَةُ حَالِ مِيقَاتِ الْمُنَاجَاةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الِاسْتِغْفَارُ لِقَوْمِهِ، وَأَنَّ الرَّجْفَةَ الْمَحْكِيَّةَ هُنَا رَجْفَةٌ أَخَذَتْهُمْ مِثْلُ الرَّجْفَةِ الَّتِي أَخَذَتْهُمْ فِي الْمُنَاجَاةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الرَّجْفَةَ تَكُونُ مِنْ تَجَلِّي أَثَرٍ عَظِيمٍ مِنْ آثَارِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ قَوْلَ مُوسَى أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ يَعْنِى بِهِ عِبَادَتَهُمُ الْعِجْلَ، وَحُضُورَهُمْ ذَلِكَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 124) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 124 · #121648
ّمَ، فَإِنَّ قَوْلَ مُوسَى أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ يَعْنِى بِهِ عِبَادَتَهُمُ الْعِجْلَ، وَحُضُورَهُمْ ذَلِكَ. وسكوتهم، وَهِي الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ وَقَدْ خَشِيَ مُوسَى أَنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ مُقَدِّمَةُ عَذَابٍ كَمَا كَانَ مُحَمَّد ﷺ يَخْشَى الرِّيحَ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأَ عَذَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمُنَاجَاةِ الْأُولَى وَأَنَّ قَوْلَهُ: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا يَعْنِي بِهِ مَا صَدَرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التَّصَلُّبِ قَبْلَ الْمُنَاجَاةِ، كَقَوْلِهِمْ لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [الْبَقَرَة: ٦١] ، وَسُؤَالِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (فَعَلَ) فِي قَوْلِهِ: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 124) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 124 · #121649
لِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (فَعَلَ) فِي قَوْلِهِ: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَوْضِعَ الْعِبْرَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ التَّوَقِّي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَخَوْفُ بَطْشِهِ، وَمَقَامُ الرُّسُلِ مِنَ الْخَشْيَةِ، وَدُعَاءُ مُوسَى، إِلَخْ. وَقَدْ صِيغَ نَظْمُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ عَلَى نَحْوِ مَا صِيغَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً [الْأَعْرَاف: ١٥٠] كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْأَخْذُ مَجَازٌ فِي الْإِصَابَةِ الشَّدِيدَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ تَمَكُّنَ الْآخِذِ مِنَ الْمَأْخُوذِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 125) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 125 · #121650
َ أَسِفاً [الْأَعْرَاف: ١٥٠] كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْأَخْذُ مَجَازٌ فِي الْإِصَابَةِ الشَّدِيدَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ تَمَكُّنَ الْآخِذِ مِنَ الْمَأْخُوذِ. وَ (لَوْ) فِي قَوْلِهِ: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي التَّمَنِّي وَهُوَ معنى مجازي ناشىء مِنْ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى (لَوِ) الْأَصْلِيُّ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمَثَلِ (لَوْ ذَاتُ سِوَارٍ لَطَمَتْنِي) إِذْ تَقْدِيرُ الْجَوَابِ. لَوْ لَطَمَتْنِي لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ، وَقَدْ صُرِّحَ بِالْجَوَابِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ أَيْ لَيْتَكَ أَرَدْتَ إِهْلَاكَهُمْ أَيِ السَبْعِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 125) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 125 · #121651
َلَيَّ، وَقَدْ صُرِّحَ بِالْجَوَابِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ أَيْ لَيْتَكَ أَرَدْتَ إِهْلَاكَهُمْ أَيِ السَبْعِينَ الَّذِينَ مَعَهُ. فَجُمْلَةُ أَهْلَكْتَهُمْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ شِئْتَ مِنْ قِبَلِ خَطِيئَةِ الْقَوْمِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْهَا الرُّجُوعُ إِلَى الْمُنَاجَاةِ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي (لَوْ) لَا يَكُونُ، فِي قَوْلِهِ أَهْلَكْتَهُمْ حَذْفُ اللَّامِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْتَرِنَ بِجَوَابِ (لَوْ) وَإِنَّمَا قَالَ: أَهْلَكْتَهُمْ وَإِيَّايَ وَلَمْ يَقُلْ: أَهْلَكْتَنَا، لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِهْلَاكَيْنِ لِأَنَّ إِهْلَاكَ السَبْعِينَ لِأَجْلِ سُكُوتِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَإِهْلَاكَ مُوسَى، قَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ أَنْ لَا يَشْهَدَ هَلَاكَ الْقَوْمِ، قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نجينا هُوداً [هود: ٥٨] الْآيَةَ وَنَظَائِرُهَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ خَشِيَ مُوسَى أَنَّ اللَّهَ يُهْلِكُ جَمِيعَ الْقَوْمِ بِتِلْكَ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 125) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 125 · #121652
َلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نجينا هُوداً [هود: ٥٨] الْآيَةَ وَنَظَائِرُهَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ خَشِيَ مُوسَى أَنَّ اللَّهَ يُهْلِكُ جَمِيعَ الْقَوْمِ بِتِلْكَ الرَّجْفَةِ لِأَنَّ سَائِرَ الْقَوْمِ أَجْدَرُ بِالْإِهْلَاكِ مِنَ السَّبْعِينَ، وَقَدْ أَشَارَتِ التَّوْرَاةُ إِلَى هَذَا فِي الْإِصْحَاحِ «فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى اللَّهِ وَقَالَ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ أَخْطَأَ خَطِيئَةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً فَإِنْ غَفَرْتَ لَهُمْ خَطِيئَتَهُمْ وَإِلَّا فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 125) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 125 · #121653
ْطَأَ خَطِيئَةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً فَإِنْ غَفَرْتَ لَهُمْ خَطِيئَتَهُمْ وَإِلَّا فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. فَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى مَنْ أَخْطَأْ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي» فَالْمَحْوُ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ مَحْوُ تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ الْحَيَاةَ مَحْوَ غَضَبٍ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وَقَدْ خَشِيَ مُوسَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الرَّجْفَةُ أَمَارَةَ غَضَبٍ وَمُقَدِّمَةَ إِهْلَاكٍ عُقُوبَةً عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، فَلِذَلِكَ قَالَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا فَالسُّفَهَاءُ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ وَسُمِّيَ شِرْكُهُمْ سَفَهًا لِأَنَّهُ شِرْكٌ مَشُوبٌ بِخِسَّةِ عَقْلٍ إِذْ جَعَلُوا صُورَةً صَنَعُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ إِلَهًا لَهُمْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 125) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 125 · #121654
َدُوا الْعِجْلَ وَسُمِّيَ شِرْكُهُمْ سَفَهًا لِأَنَّهُ شِرْكٌ مَشُوبٌ بِخِسَّةِ عَقْلٍ إِذْ جَعَلُوا صُورَةً صَنَعُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ إِلَهًا لَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ (لَوْ) مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ: مِنَ امْتِنَاعِ جَوَابِهِ لِامْتِنَاعِ شَرْطِهِ، فَيُتَّجَهُ أَنْ يُتَسَاءَلَ عَنْ مُوجِبِ حَذْفِ اللَّامِ مِنْ جَوَابِ (لَوْ) وَلَمْ يَقُلْ: لَأَهْلَكْتَهُمْ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي جَوَابِهَا الْمَاضِي الْمُثْبَتِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِاللَّامِ فَحَذْفُ اللَّامِ هُنَا لِنُكْتَةِ أَنَّ التَّلَازُمَ بَيْنَ شَرْطِ لَوْ وَجَوَابِهَا هُنَا قَوِيٌ لِظُهُورِ أَنَّ الْإِهْلَاكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَحْدَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً سُورَةُ الْوَاقِعَةِ [٧٠] وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 126) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 126 · #121655
الْإِهْلَاكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَحْدَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً سُورَةُ الْوَاقِعَةِ [٧٠] وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَيَكُونُ الْمَعْنَى اعْتِرَافًا بِمِنَّةِ الْعَفْوِ عَنْهُمْ فِيمَا سَبَقَ، وَتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ الْعَفْوِ عَنْهُمُ الْآنَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ أَيِ إِنَّكَ لَمْ تَشَأْ إِهْلَاكَهُمْ حِينَ تَلَبَّسُوا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ فَلَا تُهْلِكْهُمُ الْآنَ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: أَتُهْلِكُنا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّفَجُّعِ أَيْ: أَخْشَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَوْمَ اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَيَخْشَى أَنْ يَشْمَلَ عَذَابُ اللَّهِ مَنْ كَانَ مَعَ الْقَوْمِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي سَبَبِ الْعَذَابِ، كَمَا قَالَ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الْأَنْفَال: ٢٥]
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 126) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 126 · #121656
َإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي سَبَبِ الْعَذَابِ، كَمَا قَالَ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الْأَنْفَال: ٢٥] وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ- قَالَ- نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» وَقَدْ خَشِيَ مُوسَى سُوءَ الظِّنَّةِ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ وَلِلْبُرَاءِ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَظُنَّهُمُ الْأُمَمُ الَّتِي يَبْلُغُهَا خَبَرُهُمْ أَنَّهُمْ مُجْرِمُونَ. وَإِنَّمَا جُمِعُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: أَتُهْلِكُنا لِأَنَّ هَذَا الْإِهْلَاكَ هُوَ الْإِهْلَاكُ الْمُتَوَقَّعُ مِنَ اسْتِمْرَارِ الرَّجْفَةِ، وَتَوَقُّعِهِ وَاحِدٌ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْإِهْلَاكِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَسَبَبُهُ مُخْتَلِفٌ فَنَاسَبَ تَوْزِيعَ مَفْعُولِهِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 126) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 126 · #121657
ْفَةِ، وَتَوَقُّعِهِ وَاحِدٌ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْإِهْلَاكِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَسَبَبُهُ مُخْتَلِفٌ فَنَاسَبَ تَوْزِيعَ مَفْعُولِهِ. وَجُمْلَةُ: أَتُهْلِكُنا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ تَقْطِيعِ كَلَامِ الْحَزِينِ الْخَائِفِ السَّائِلِ. وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ وَجُمْلَةُ أَنْتَ وَلِيُّنا. وَضَمِيرُ إِنْ هِيَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ لِأَن مَا صدق مَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ هُوَ الْفِتْنَةُ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَتِ الْفِتْنَةُ الْحَاصِلَةُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ إِلَّا فِتْنَةً مِنْكَ، أَيْ مِنْ تَقْدِيرِكَ وَخَلْقِ أَسْبَابِ حُدُوثِهَا، مِثْلَ سَخَافَةِ عُقُولِ الْقَوْمِ، وَإِعْجَابِهِمْ بأصنام الكنعانيين، وعيبة مُوسَى، وَلنْ هَارُونَ، وَخَشْيَتِهِ مِنَ الْقَوْمِ، وَخَشْيَةِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ مِنْ عَامَّتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَأَيْقَنَ مُوسَى بِهِ إِيقَانًا إِجْمَالِيًّا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 126) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 126 · #121658
لْقَوْمِ، وَخَشْيَةِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ مِنْ عَامَّتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَأَيْقَنَ مُوسَى بِهِ إِيقَانًا إِجْمَالِيًّا. وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ الْآيَةَ: مُسْتَعْمَلٌ فِي إِنْشَاءِ التَّمْجِيدِ بِسِعَةِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَالتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ اسْتِبْقَائِهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ، وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الِاعْتِذَارِ لِقَوْمِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ الَّذِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ فِتْنَتُكَ فَالْإِضْلَالُ بِهَا حَالٌ مِنْ أَحْوَالِهَا. ثُمَّ عَرَّضَ بِطَلَبِ الْهِدَايَةِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ بِها مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ تُضِلُّ وَحْدَهُ وَلَا يَتَنَازَعُهُ مَعَهُ فِعْلُ تَهْدِي لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَكُونُ سَبَبَ هِدَايَةٍ بِقَرِينَةِ تَسْمِيَتِهَا فِتْنَةً، فَمَنْ قَدَّرَ فِي التَّفْسِيرِ: وَتَهْدِي بِهَا أَوْ نَحْوَهُ، فَقَدْ غَفَلَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 127) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 127 · #121659
تْنَةَ لَا تَكُونُ سَبَبَ هِدَايَةٍ بِقَرِينَةِ تَسْمِيَتِهَا فِتْنَةً، فَمَنْ قَدَّرَ فِي التَّفْسِيرِ: وَتَهْدِي بِهَا أَوْ نَحْوَهُ، فَقَدْ غَفَلَ. وَالْبَاءُ: إِمَّا لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ تُضِلُّ مَنْ تَشَاءُ مُلَابِسًا لَهَا، وَإِمَّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ تُضِلُّ بِسَبَبِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ، فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ فِتْنَةٌ، وَمِنْ جِهَةٍ سَبَبُ ضَلَالٍ. وَالْفِتْنَةُ مَا يَقَعُ بِهِ اضْطِرَابُ الْأَحْوالِ، وَمَرَجُهَا، وَتَشَتُّتُ الْبَالِ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 127) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 127 · #121660
قَدْ مَضَى تَفْسِيرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] . وَقَوْلِهِ: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٧١] وَقَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٢٣] . وَالْقَصْدُ مِنْ جُمْلَةِ: أَنْتَ وَلِيُّنا الِاعْتِرَافُ بِالِانْقِطَاعِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، تَمْهِيدًا لِمَطْلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْوَلِيِّ أَنْ يَرْحَمَ مَوْلَاهُ وَيَنْصُرَهُ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 127) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 127 · #121661
طَاعِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، تَمْهِيدًا لِمَطْلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْوَلِيِّ أَنْ يَرْحَمَ مَوْلَاهُ وَيَنْصُرَهُ. وَالْوَلِيُّ: الَّذِي لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَحَدٍ، وَالْوِلَايَةُ حَلْفٌ أَوْ عِتْقٌ يَقْتَضِي النُّصْرَةَ وَالْإِعَانَةَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ فَكِلَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُقَالُ لَهُ مَوْلًى، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ أَقْوَى قِيلَ لِلْقَوِيِّ (وَلِيٌّ) وَلِلضَّعِيفِ (مَوْلًى) وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الْوِلَايَةُ غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلتَّعَدُّدِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَتَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، كَانَ قَوْلُهُ: أَنْتَ وَلِيُّنا مُقْتَضِيًا عَدَمَ الِانْتِصَارِ بِغَيْرِ اللَّهِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 127) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 127 · #121662
ِلتَّعَدُّدِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَتَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، كَانَ قَوْلُهُ: أَنْتَ وَلِيُّنا مُقْتَضِيًا عَدَمَ الِانْتِصَارِ بِغَيْرِ اللَّهِ. وَفِي صَرِيحِهِ صِيغَةُ قَصْرٍ. وَالتَّفْرِيعُ عَنِ الْوِلَايَةِ فِي قَوْلِهِ: فَاغْفِرْ لَنا تَفْرِيعُ كَلَامٍ عَلَى كَلَامٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْغُفْرَانُ. وَقَدَّمَ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الرَّحْمَةِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِرَحَمَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَنْهِيةٌ لِغَضَبِ اللَّهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الذَّنْبِ، فَإِذَا انْتَهَى الْغَضَبُ تَسَنَّى أَنْ يَخْلُفَهُ الرِّضَا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 127) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 127 · #121663
يرَةٍ، فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَنْهِيةٌ لِغَضَبِ اللَّهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الذَّنْبِ، فَإِذَا انْتَهَى الْغَضَبُ تَسَنَّى أَنْ يَخْلُفَهُ الرِّضَا. وَالرِّضَا يَقْتَضِي الْإِحْسَانَ. وَ (خَيْرُ الْغافِرِينَ) الَّذِي يَغْفِرُ كَثِيرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٠] . وَإِنَّمَا عَطَفَ جُمْلَةَ: وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ لِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي مَعْنَى طَلِبِ الْمَغْفِرَةِ الْعَظِيمَةِ، فَعُطِفَ عَلَى الدُّعَاءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَاغْفِرْ لَنَا جَمِيعَ ذُنُوبِنَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَغْفِرَةِ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 128) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 128 · #121664
اءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَاغْفِرْ لَنَا جَمِيعَ ذُنُوبِنَا، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَغْفِرَةِ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ. واكْتُبْ مُسْتَعَارٌ لِمَعْنَى الْعَطَاءِ الْمُحَقِّقِ حُصُولُهُ، الْمُجَدَّدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لِأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ تَحْقِيقَ عَقْدٍ أَوْ عِدَةٍ، أَوْ عَطَاءٍ، وَتَعَلُّقُهُ بِالتَّجَدُّدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَكْتُبُ بِهِ فِي صَحِيفَةٍ، فَلَا يَقْبَلُ النُّكْرَانَ، وَلَا النُّقْصَانَ، وَلَا الرُّجُوعَ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْكِتَابَةُ عَهْدًا، وَمِنْهُ مَا كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةِ الْقَطِيعَةِ، وَمَا كَتَبُوهُ مِنْ حِلْفِ ذِي الْمَجَازِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: حَذَرَ الْجَوْرَ والتطاخي وَهل ينْقض مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءِ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 128) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 128 · #121665
ِ، وَمَا كَتَبُوهُ مِنْ حِلْفِ ذِي الْمَجَازِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: حَذَرَ الْجَوْرَ والتطاخي وَهل ينْقض مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءِ وَلَوْ كَانَ الْعَطَاءُ أَوِ التَّعَاقُدُ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَحْتَجْ لِلْكِتَابَةِ، لِأَنَّ الْحَوْزَ أَوِ التَّمْكِينَ مُغْنٍ عَنِ الْكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها [الْبَقَرَة: ٢٨٢] فَالْمَعْنَى: آتِنَا الْحَسَنَةَ تِلْوَ الْحَسَنَةِ فِي أَزْمَانِ حَيَاتِنَا وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَفْظُ اكْتُبْ وَلَوْلَاهُ لَكَانَ دُعَاءً صَادِقًا بِإِعْطَاءِ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْعُمُومِ بِقَرِينَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ يُرَادُ بِهَا الْعُمُومُ فِي سِيَاقِ الدُّعَاءِ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الْخَامِسَةِ:
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 128) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 128 · #121666
ُومِ بِقَرِينَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ يُرَادُ بِهَا الْعُمُومُ فِي سِيَاقِ الدُّعَاءِ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الْخَامِسَةِ: يَا أَهْلَ ذَا الْمَغْنَى وُقِيتُمْ ضُرًّا (أَيْ كُلَّ ضُرٍّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُقِيتُمْ ضُرًّا مُعَيَّنًا) . وَالْحَسَنَةُ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ، وَهِيَ: فِي الدُّنْيَا الْمُرْضِيَةُ لِلنَّاسِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى، فَتَجْمَعُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَفِي الْآخِرَةِ حَالَةُ الْكَمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٠١] .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 128) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 128 · #121667
َدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٠١] . وَجُمْلَةُ: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ مَسُوقَةٌ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ لِلطَّلَبِ وَالِاسْتِجَابَةِ، وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وَلِأَنَّ مَوْقِعَ حَرْفِ التَّأْكِيدِ فِي أَوَّلِهَا مَوْقِعُ الِاهْتِمَامِ، فَيُفِيدُ التَّعْلِيلَ وَالرَّبْطَ، وَيُغْنِي غِنَاءَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهُدْنا مَعْنَاهُ تُبْنَا، يُقَالُ: هَادَ يَهُودُ إِذَا رَجَعَ وَتَابَ فَهُوَ مَضْمُومُ الْهَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِاتِّفَاقِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمَعْنَى تُبْنَا مِمَّا عَسَى أَنْ نَكُونَ أَلْمَمْنَا بِهِ مِنْ ذَنْبٍ وَتَقْصِيرٍ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْمُخْتَارِينَ مِنْ قَوْمِهِ، بِمَا يَعْلَمُ مِنْ صِدْقِ سَرَائِرِهِمْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 129) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 129 · #121668
مَمْنَا بِهِ مِنْ ذَنْبٍ وَتَقْصِيرٍ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْمُخْتَارِينَ مِنْ قَوْمِهِ، بِمَا يَعْلَمُ مِنْ صِدْقِ سَرَائِرِهِمْ. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ جُمْلَةُ: قالَ إِلَخْ جَوَابٌ لِكَلَامِ مُوسَى ﵇، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 129) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 129 · #121669
هُمُ الْمُفْلِحُونَ جُمْلَةُ: قالَ إِلَخْ جَوَابٌ لِكَلَامِ مُوسَى ﵇، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَلَامُ مُوسَى، وَإِنْ كَانَ طَلَبًا، وَهُوَ لَا يَسْتَدْعِي جَوَابًا، فَإِنَّ جَوَابَ الطَّالِبِ عِنَايَةٌ بِهِ وَفَضْلٌ. وَالْمُرَادُ بِالْعَذَابِ هُنَا عَذَابُ الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْكَلَامَ جَوَابٌ لِقَوْلِ مُوسَى: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وَالْإِهْلَاكُ عَذَابٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَدْ أَجْمَلَ اللَّهُ سَبَبَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَمُوسَى يَعْلَمُهُ إِجْمَالًا، فَالْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ طَمْأَنَةَ مُوسَى مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الْعَذَاب هُوَ والبزآء مِنْ قَوْمِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعَامِلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُجْرِمِينَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 129) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 129 · #121670
ْأَنَةَ مُوسَى مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الْعَذَاب هُوَ والبزآء مِنْ قَوْمِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعَامِلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُجْرِمِينَ. وَالْمَعْنَى إِنِّي قَادِرٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَذَابِ بِمَنْ عَصَوْا وَتَنْجِيَةِ مَنْ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْعِصْيَانِ، وَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقَةٍ مُجْمَلَةٍ شَأْنَ كَلَامِ مَنْ لَا يسْأَل عَمَّا يعقل. وَقَوْلُهُ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مُقَابِلُ قَوْلِ مُوسَى: فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا. وَهُوَ وَعْدُ تَعْرِيضٍ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ الْمَسْئُولَةِ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُخْتَارِينَ، لِأَنَّهَا لَمَّا وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهُمْ أَرْجَى النَّاسِ بِهَا، وَأَنَّ الْعَاصِينَ هُمْ أَيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنْهَا رَحْمَةُ الْإِمْهَالِ وَالرِّزْقِ، وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبَادَهَ ذَاتُ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 130) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 130 · #121671
ْ أَيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنْهَا رَحْمَةُ الْإِمْهَالِ وَالرِّزْقِ، وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبَادَهَ ذَاتُ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ. وَقَوْلُهُ: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ- إِلَى قَوْلِهِ- كُلَّ شَيْءٍ جَوَابٌ إِجْمَالِيٌّ، هُوَ تَمْهِيدٌ لِلْجَوَابِ التَّفْصِيلِيِّ فِي قَوْلِهِ: فَسَأَكْتُبُها. وَالتَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: فَسَأَكْتُبُها تَفْرِيعٌ عَلَى سِعَةِ الرَّحْمَةِ، لِأَنَّهَا لَمَّا وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْهَا مَا يُكْتَبُ أَيْ يُعْطَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفَاتُ وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَعْدًا لِمُوسَى وَلِصُلَحَاءَ قَوْمِهِ لتحَقّق تِلْكَ الصِّفَات فِيهِمْ، وَهُوَ وَعْدُ نَاظِرٍ إِلَى قَوْلِ مُوسَى إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوب فِي فَسَأَكْتُبُها عَائِدٌ إِلَى رَحْمَتِي فَهُوَ ضَمِيرُ جِنْسٍ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ، أَيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِأَصْحَابِ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 130) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 130 · #121672
ا عَائِدٌ إِلَى رَحْمَتِي فَهُوَ ضَمِيرُ جِنْسٍ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ، أَيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَكْتُبُ جَمِيعَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلَاءِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْأَجْنَاسِ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرَّحْمَةِ نَوْعٌ عَظِيمٌ بِقَرِينَةِ الثَّنَاءِ عَلَى متعلقها بِصِفَات توذن بِاسْتِحْقَاقِهَا، وَبِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ لِهَذَا الْمُتَعَلِّقِ رَحْمَةً خَاصَّةً عَظِيمَةً وَأَنَّ غَيْرَهُ دَاخِلٌ فِي بَعْضِ مَرَاتِبِ عُمُومِ الرَّحْمَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْآيَةِ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَتقدم معنى فَسَأَكْتُبُها قَرِيبًا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 130) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 130 · #121673
ْءٍ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْآيَةِ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَتقدم معنى فَسَأَكْتُبُها قَرِيبًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فِي هَذِهِ السُّورَةِ [٨٩] . وَالْمَعْنَى: أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي سَأَلَهَا مُوسَى لَهُ وَلِقَوْمِهِ وَعَدَ اللَّهُ بِإِعْطَائِهَا لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَالْمُؤْتِينَ الزَّكَاةَ، وَلِمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَالْآيَاتُ تَصْدُقُ: بِدَلَائِلِ صِدْقِ الرُّسُلِ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ بِهَا لِلنَّاسِ رَشَادَهُمْ وَهَدْيَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا الْقُرْآنُ لِأَنَّ كُلَّ مِقْدَارِ ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْهُ هُوَ آيَةٌ لِأَنَّهُ مُعْجِزٌ فَدَالٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الْأُمِّيَّ إِذَا جَاءَهُمْ،
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 130) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 130 · #121674
لِأَنَّهُ مُعْجِزٌ فَدَالٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الْأُمِّيَّ إِذَا جَاءَهُمْ، أَيْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ، وَلَمَّا جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِسَبَبِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ عُلِمَ أَنَّ التَّحْصِيلَ عَلَى بَعْضِهَا يُحَصِّلُ بَعْضَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى كَقَوْلِهِ آنِفًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا [الْأَعْرَاف: ١٥٣] فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ مَنِ اتَّقَى وَآمَنَ وَآتَى الزَّكَاةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ بعثة مُحَمَّد ﷺ، فَإِنَّ اتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ مُتَعَذَّرُ الْحُصُولِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَازِمِينَ عَلَى اتِّبَاعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121675
جِبُ أَنْ يَكُونُوا عَازِمِينَ عَلَى اتِّبَاعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمرَان: ٨١، ٨٢] .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121676
الُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمرَان: ٨١، ٨٢] . وَتَشْمَلُ الرَّحْمَةُ أَيْضًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا الْآيَاتُ الَّتِي سَتَجِيءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ آيَاتِ مُوسَى قَدِ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ بِهَا يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا مُوجِبُ إِعَادَةِ اسْمِ الْمَوْصُولِ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّلَةِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهُمْ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﵊، وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ إِلَخْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121677
طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهُمْ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﵊، وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ إِلَخْ. وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكَائِنِينَ فِي زَمَنِ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا لِقَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ وَلِقَوْلِهِ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ شَرِيعَةٍ فِيهَا شِدَّةٌ وَحَرَجٌ، وَالْمُرَادُ بِآيَاتِ اللَّهِ: الْقُرْآنُ، لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُعْجِزَاتٍ لِلْفُصَحَاءِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121678
تِ اللَّهِ: الْقُرْآنُ، لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُعْجِزَاتٍ لِلْفُصَحَاءِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا. وَدَالَّةً عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَارَةٌ ببعثة مُحَمَّد ﷺ وَهِيَ مُشِيرَةٌ إِلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ حَتَّى الرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْإِصْحَاحِ الثَّامَنَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: فَإِنَّ مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمْ بِخَطِيئَةِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَذَكَرَ مُنَاجَاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، كَمَا تَضَمَّنَهُ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121679
ُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمْ بِخَطِيئَةِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَذَكَرَ مُنَاجَاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، كَمَا تَضَمَّنَهُ الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ مِنْ ذَلِكَ السِّفْرِ، وَذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ أَمْرَهُمْ بِالتَّقْوَى بِقَوْلِهِ: «فَالْآنَ يَا إِسْرَائِيلُ مَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلَّا أَنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتُحِبَّهُ» .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 131) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 131 · #121680
بِالتَّقْوَى بِقَوْلِهِ: «فَالْآنَ يَا إِسْرَائِيلُ مَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلَّا أَنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتُحِبَّهُ» . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ وَفِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ وَصَايَا تَفْصِيلًا لِلتَّقْوَى، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ الزَّكَاةَ فَقَالَ «تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ سَنَةً بِسَنَةٍ عَشِّرْ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ وَإِبْكَارَ بَقَرِكَ وَغَنَمِكَ، وَفِي آخِرِ ثَلَاثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَتَضَعُهُ فِي أَبْوَابِكَ فَيَأْتِي اللَّاوِي وَالْغَرِيبُ وَالْيَتِيمُ وَالْأَرْمَلَةُ الَّذِينَ عَلَى أَبْوَابِكَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْبَعُونَ» إِلَخْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 132) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 132 · #121681
ضَعُهُ فِي أَبْوَابِكَ فَيَأْتِي اللَّاوِي وَالْغَرِيبُ وَالْيَتِيمُ وَالْأَرْمَلَةُ الَّذِينَ عَلَى أَبْوَابِكَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْبَعُونَ» إِلَخْ. ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامًا كَثِيرَةً فِي الْإِصْحَاحَاتِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ. ثُمَّ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنَ عَشَرَ قَوْلُهُ: «يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ نَبِيًّا وَمن وسط أخواتك مِثْلِي لَهُ تَسْمَعُونَ حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ فِي حُورِيبَ (أَيْ جَبَلِ الطُّورِ حِينَ الْمُنَاجَاةِ) يَوْمَ الِاجْتِمَاعِ قَالَ لِيَ الرَّبُّ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ» فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا النَّبِيءَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِقَوْلِهِ: «مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ» فَإِنَّ الْخِطَابَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا يَكُونُونَ إِخْوَةً لِأَنْفُسِهِمْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 132) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 132 · #121682
ِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِقَوْلِهِ: «مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ» فَإِنَّ الْخِطَابَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا يَكُونُونَ إِخْوَةً لِأَنْفُسِهِمْ. وَإِخْوَتُهُمْ هُمْ أَبْنَاءُ أَخِي أَبِيهِمْ: إِسْمَاعِيلَ أَخِي إِسْحَاقَ، وَهُمُ الْعَرَبُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ نَبِيئًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلَ (صَمْوِيلَ) كَمَا يُؤَوِّلُهُ الْيَهُودُ لَقَالَ: مِنْ بَيْنِكُمْ أَوْ مِنْ وَسَطِكُمْ، وَعُلِمَ أَنَّ النَّبِيءَ رَسُولٌ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ مِنْ قَوْلِهِ: «مِثْلَكَ» فَإِنَّ مُوسَى كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا، فَقَدَ جَمَعَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ إِلَخْ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 132) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 132 · #121683
ولًا، فَقَدَ جَمَعَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ إِلَخْ. وَمِنْ نُكَتِ الْقُرْآنِ الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ وَصْفَيِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا وَصْفَ الرَّسُولِ، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالنَّبِيءِ، لِيَصْدُقَ على أَنْبيَاء ليصدق عَلَى أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَغَفَلُوا عَنْ مُفَادِ قَوْلِهِ مِثْلَكَ، وَحَذَفُوا وَصْفَ الْأُمِّيِّ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَبَبَ إِسْلَامِ الْحَبْرِ الْعَظِيمِ الْأَنْدَلُسِيِّ السَّمَوْأَلِ بْنِ يَحْيَى الْيَهُودِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ «غَايَةَ الْمَقْصُودِ فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ» .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 132) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 132 · #121684
يَحْيَى الْيَهُودِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ «غَايَةَ الْمَقْصُودِ فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ» . فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الْعَظِيمَةُ تَخْتَصُّ بِالَّذِينَ آمنُوا بالنبيء ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَشْمَلُ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِالْإِيمَان بِمُحَمد ﷺ فَكَانُوا عَالِمِينَ بِبَعْثَتِهِ يَقِينًا فَهُمْ آمَنُوا بِهِ، وَتَنَزَّلُوا مَنْزِلَةَ مَنِ اتَّبَعَ مَا جَاءَ بِهِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِذَلِكَ، وَتَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ غَيْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُمْ سَارُوا مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﵊ مِنَ الْيَهُودِ فِي اتَبَاعِ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الْأُمِّيِّ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 132) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 132 · #121685
ِ وَغَيْرِهِمْ غَيْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُمْ سَارُوا مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﵊ مِنَ الْيَهُودِ فِي اتَبَاعِ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الْأُمِّيِّ. وَتَقْدِيمُ وَصْفِ الرَّسُولِ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْأَخَصُّ الْأَهَمُّ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ زِيَادَةَ تَسْجِيلٍ لِتَحْرِيفِ أَهْلِ الْكِتَابِ، حَيْثُ حَذَفُوا هَذَا الْوَصْفَ لِيَصِيرَ كَلَامُ التَّوْرَاةِ صَادِقًا بِمَنْ أَتَى بَعْدَ مُوسَى مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلِأَن مُحَمَّدًا ﷺ اشْتهر بِوَصْف النَّبِي الْأُمِّيِّ، فَصَارَ هَذَا الْمُرَكَّبُ كَاللَّقَبِ لَهُ، فَلِذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ عَنْ شُهْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ حَيْثُمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 133) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 133 · #121686
ّيِّ، فَصَارَ هَذَا الْمُرَكَّبُ كَاللَّقَبِ لَهُ، فَلِذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ عَنْ شُهْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ حَيْثُمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ. وَالْأُمِّيُّ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ، قِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ أَيْ هُوَ أَشْبَهُ بِأُمِّهِ مِنْهُ بِأَبِيهِ، لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الْعَرَبِ مَا كُنَّ يَعْرِفْنَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَمَا تَعَلَّمْنَهَا إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارَ تَعَلُّمُ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ شِعَارِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ كَمَا قَالَ عُبَيْدٌ الرَّاعِي، وَهُوَ إِسْلَامِيٌّ: هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ ...
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 133) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 133 · #121687
َابَةِ مِنْ شِعَارِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ كَمَا قَالَ عُبَيْدٌ الرَّاعِي، وَهُوَ إِسْلَامِيٌّ: هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ أَمَّا الرِّجَالُ فَفِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ. وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّةِ أَيِ الَّذِي حَالُهُ حَالُ مُعْظَمِ الْأُمَّةِ، أَيِ الْأُمَّةِ الْمَعْهُودَةِ عِنْدَهُمْ وَهِيَ الْعَرَبِيَّةُ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ إِلَّا النَّادِرُ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ يَصِفُهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالْأُمِّيِّينَ، لِمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فِي آلِ عِمْرَانَ [٧٥] .
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 133) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 133 · #121688
ّينَ، لِمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فِي آلِ عِمْرَانَ [٧٥] . وَالْأُمِّيَّةُ وَصْفٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ رسله مُحَمَّدًا ﷺ، إِتْمَامًا لِلْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ الْعَقْلِيِّ الَّذِي أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، فَجَعَلَ الْأُمِّيَّةَ وَصْفًا ذَاتِيًّا لَهُ، لِيُتِمَّ بِهَا وَصْفَهُ الذَّاتِيَّ وَهُوَ الرِّسَالَةُ، لِيُظْهِرَ أَنَّ كَمَالَهُ النَّفْسَانِيَّ كَمَالٌ لَدُنِّيٌّ إِلَهِيٌّ، لَا وَاسِطَةَ فِيهِ لِلْأَسْبَابِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْكِمَالَاتِ، وَبِذَلِكَ كَانَتِ الْأُمِّيَّةُ وَصْفَ كَمَالِ فِيهِ، مَعَ أَنَّهَا فِي غَيْرِهِ وَصْفُ نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَسَدَادِ الْعَقْلِ مَا لَا يَحْتِمَلُ الْخَطَأَ فِي كُلِّ نَوَاحِي مَعْرِفَةِ الْكِمَالَاتِ الْحَقِّ، وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عِلْمِهِ، وَبَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، مَا هُوَ أَعْظُمُ مِمَّا حَصَلَ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 133) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 133 · #121689
فِي كُلِّ نَوَاحِي مَعْرِفَةِ الْكِمَالَاتِ الْحَقِّ، وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عِلْمِهِ، وَبَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، مَا هُوَ أَعْظُمُ مِمَّا حَصَلَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ، صَارَتْ أُمِّيَّتُهُ آيَةً عَلَى كَوْنِ مَا حَصَلَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ فَيُوضَاتٍ إِلَهِيَّةٍ. وَمَعْنَى: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً وِجْدَانُ صِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ، الَّتِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ خَاصَّتُهُ بِمَنْزِلَةِ ذَاتِهِ. وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا ضمير الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّيِّ مَجَازًا بِالِاسْتِخْدَامِ، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ نَعْتُهُ وَوَصْفُهُ، وَالْقَرِينَةُ قَوْلُهُ: مَكْتُوباً فَإِنَّ الذَّاتَ لَا تُكْتَبُ، وَعُدِلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْوَصْفِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِدُونَ وَصْفًا لَا يَقْبَلُ الِالْتِبَاسَ، وَهُوَ: كَوْنُهُ أُمِّيًّا، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ،
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 134 · #121690
ُهُ أُمِّيًّا، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَشَدَّةَ شَرِيعَتِهِمْ. وَذُكِرَ الْإِنْجِيلُ هُنَا لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ مُوسَى بِهَذَا. وَالْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَالْمَكْتُوبُ فِي الْإِنْجِيلِ بِشَارَاتٌ جمة بِمُحَمد ﷺ، وَفِي بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ بِعْثَةً عَامَّةً، فَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ «وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيَضِلُّونَ كَثِيرُونَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى (أَيْ يَدُومُ شَرْعُهُ إِلَى نِهَايَةِ الْعَالَمِ) فَهَذَا يَخْلُصُ وَيَكْرِزُ (١) بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 134 · #121691
ُهُ إِلَى نِهَايَةِ الْعَالَمِ) فَهَذَا يَخْلُصُ وَيَكْرِزُ (١) بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى» (أَيْ مُنْتَهَى الدُّنْيَا) ، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ «وَأَمَّا الْمُعَزَّى الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الْأَبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (وَمَعْنَى بِاسْمِي أَيْ بِمُمَاثَلَتِي وَهُوَ كَوْنُهُ رَسُولًا مُشَرِّعًا لَا نبيّا موكدا) . وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَجُمْلَةُ: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: «هِيَ بَيَانٌ لِلْمَكْتُوبِ عِنْدَهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يَجِدُونَهُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلذِّكْرِ وَالِاسْمِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 134 · #121692
: «هِيَ بَيَانٌ لِلْمَكْتُوبِ عِنْدَهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يَجِدُونَهُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلذِّكْرِ وَالِاسْمِ. وَالذِّكْرُ وَالِاسْمُ لَا يَأْمُرَانِ» أَيْ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الضَّمِيرِ مَجَازًا، وَكَوْنُ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ ذَاتُ الرَّسُولِ لَا وَصْفُهُ وَذِكْرُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَعْرِيفُهُمْ بِهَا لِتَدُلَّهُمْ عَلَى تَعْيِينِ الرَّسُولِ الْأُمِّيِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِشَرِيعَةٍ هَذِهِ صِفَاتُهَا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ، وَالطَّيِّبَاتِ، وَالْخَبَائِثَ، وَالْإِصْرَ وَالْأَغْلَالَ مُتَعَلِّقَاتٍ لِتَشْرِيعِ النَّبِيءِ الْأُمِّيِّ وَعَلَامَاتٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا مَا يَتَبَادَرُ مِنْ مَعَانِي أَلْفَاظِهَا لِلْأَفْهَامِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 134 · #121693
نَّبِيءِ الْأُمِّيِّ وَعَلَامَاتٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا مَا يَتَبَادَرُ مِنْ مَعَانِي أَلْفَاظِهَا لِلْأَفْهَامِ الْمُسْتَقِيمَةِ. فَالْمَعْرُوفُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ السَّلِيمَةُ، وَالْمُنْكَرُ ضِدُّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٠٤] . وَيَجْمَعُهَا مَعْنَى: الْفِطْرَةِ، الَّتِي هِيَ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الرّوم: ٣٠] ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ عَلَامَةٍ لِتَعَرُّفِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 135 · #121694
فاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الرّوم: ٣٠] ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ عَلَامَةٍ لِتَعَرُّفِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَالطَّيِّبَاتُ: جَمْعُ طَيِّبَةٍ، وَقَدْ رُوعِيَ فِي التَّأْنِيثِ مَعْنَى الْأَكِيلَةِ، أَوْ مَعْنَى الطُّعْمَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي نَظَائِرِهَا نَحْوَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً فِي الْبَقَرَة [١٦٨] وَقَوله: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٤] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَفْعَالَ الْحَسَنَةَ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ عُرِّفَتْ بِوَصْفِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 135 · #121695
ّباتُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٤] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَفْعَالَ الْحَسَنَةَ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ عُرِّفَتْ بِوَصْفِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ. وَالْمَأْكُولَاتُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَقْبُولِهَا وَمَرْفُوضِهَا، وَإِنَمَا تَمْتَلِكُ النَّاسَ فِيهَا عَوَائِدُهُمْ، وَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْفِطْرَةِ وَلَا اعْتِدَادَ بِالْعَوَائِدِ فِيهِ، نَاطَ حَالَ الْمَأْكُولَاتِ بِالطَّيِّبِ وَحُرْمَتَهَا بِالْخُبْثِ، فَالطَّيِّبُ مَا لَا ضُرَّ فِيهِ وَلَا وَخَامَةَ وَلَا قَذَارَةَ، وَالْخَبِيثُ مَا أَضَرَّ، أَوْ كَانَ وَخِيمَ الْعَاقِبَةِ، أَوْ كَانَ مُسْتَقْذَرًا لَا يَقْبَلُهُ الْعُقَلَاءُ، كَالنَّجَاسَةِ، وَهَذَا مِلَاكُ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ مِنَ الْمَآكِلِ، فَلَا تَدْخُلُ الْعَادَاتُ إِلَّا فِي اخْتِيَارِ أَهْلِهَا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُبَاحِ، فَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَأْكُلُ الضَّبَّ، وَقَدْ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 135 · #121696
مَآكِلِ، فَلَا تَدْخُلُ الْعَادَاتُ إِلَّا فِي اخْتِيَارِ أَهْلِهَا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُبَاحِ، فَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَأْكُلُ الضَّبَّ، وَقَدْ وُضِعَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُول الله ﷺ فَكَرِهَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «مَا هُوَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» وَلِهَذَا فَالْوَجْهُ: أَنَّ كُلَّ مَا لَا ضُرَّ فِيهِ وَلَا فَسَادَ وَلَا قَذَارَةَ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا اعْتِبَارًا بِمَضَرَّةٍ خَفِيفَةٍ، فَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِيهِ، وَأَيُّ ضُرٍّ فِي أَكْلِ لَحْمِ الْأَسَدِ، وَكَذَلِكَ إِبَاحَةُ أَكْلِ الْخِشَاشِ وَالْحَشَرَاتِ وَالزَّوَاحِفِ الْبَرِّيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ، لِاخْتِلَافِ عَوَائِدِ النَّاسِ فِي أَكْلِهَا وَعَدَمِهِ، فَقَدْ كَانَتْ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 135 · #121697
كْلِ الْخِشَاشِ وَالْحَشَرَاتِ وَالزَّوَاحِفِ الْبَرِّيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ، لِاخْتِلَافِ عَوَائِدِ النَّاسِ فِي أَكْلِهَا وَعَدَمِهِ، فَقَدْ كَانَتْ جَرْمٌ لَا يَأْكُلُونَ الدَّجَاجَ، وَفَقْعَسٌ يَأْكُلُونَ الْكَلْبَ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَى قَوْمٍ لِأَجْلِ كَرَاهِيَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّا كَرِهَهُ ذَوْقُهُ أَوْ عَادَةُ قَوْمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي آيَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَقْصُرَ النَّظَرَ عَلَى طَبَائِعِ الْمَأْكُولَاتِ وَصِفَاتِهَا، وَمَا جُهِلَتْ بَعْضُ صِفَاتِهِ وَحَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِثْلُ تَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ. وَوَضْعُ الْإِصْرِ إِبْطَالُ تَشْرِيعِهِ، أَيْ بِنَسْخِ مَا كَانَ فِيهِ شِدَّةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ السَّابِقَةِ، وَحَقِيقَةُ الْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي إِبْطَالِ التَّكْلِيفِ بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 136 · #121698
ةِ السَّابِقَةِ، وَحَقِيقَةُ الْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي إِبْطَالِ التَّكْلِيفِ بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ. وَحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِحَرْفِ (فِي) الظَّرْفِيَّةِ، فَإِذَا عُدِّيَ إِلَيْهِ بِ (عَنْ) دَلَّ عَلَى نَقْلِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ مِنْ مَدْخُولِ (عَنْ) وَإِذَا عُدِّيَ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِ (عَلَى) كَانَ دَالًّا عَلَى حَطِّ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ فِي مَدْخُولِ (عَلَى) حَطًّا مُتَمَكِّنًا، فَاسْتُعِيرَ يَضَعُ عَنْهُمْ هُنَا إِلَى إِزَالَةِ التَّكْلِيفَاتِ الَّتِي هِيَ كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ فَيَشْمَلُ الْوَضْعُ مَعْنَى النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 136 · #121699
هُمْ هُنَا إِلَى إِزَالَةِ التَّكْلِيفَاتِ الَّتِي هِيَ كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ فَيَشْمَلُ الْوَضْعُ مَعْنَى النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَ «الْإِصْرُ» ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي «الْكَشَّاف» و «الأساس» إِنَّه حَقِيقَة فِي الثِّقَلِ، (بِكَسْرِ الثَّاءِ) الْحِسِّيِّ بِحَيْثُ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّحَرُّكُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ دَوَاوِينِ اللُّغَةِ، وَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ تَحْقِيقَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا التَّكَالِيفُ الشَّاقَّةُ وَالْحَرَجُ فِي الدِّينِ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَكُنْ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حَالِ الْمُزَالِ عَنْهُ مَا يُحْرِجُهُ مِنَ التَّكَالِيفِ بِحَالِ مَنْ كَانَ مُحَمَّلًا بِثِقَلٍ فَأُزِيلَ عَنْ ظَهْرِهِ ثِقَلُهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 136 · #121700
مِنَ التَّكَالِيفِ بِحَالِ مَنْ كَانَ مُحَمَّلًا بِثِقَلٍ فَأُزِيلَ عَنْ ظَهْرِهِ ثِقَلُهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [الْأَنْعَام: ٣١] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ «الْإِصْرُ» اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً وَيَضَعُ تَخْيِيلًا، وَهُوَ أَيْضًا اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْإِزَالَةِ. وَقَدْ كَانَتْ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ شَاقَّةٍ مِثْلِ الْعُقُوبَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى مَعَاصٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا الْعَمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَمِثْلُ تَحْرِيمِ مَأْكُولَاتٍ كَثِيرَةٍ طَيِّبَةٍ وَتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ فِي أُمُورٍ هَيِّنَةٍ، كَالْعَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَأَشَدُّ مَا فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِصْرِ أَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا اسْتِتَابَةُ الْمُجْرِمِ، وَالْإِصْرُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 136 · #121701
ّنُوبِ، وَلَا اسْتِتَابَةُ الْمُجْرِمِ، وَالْإِصْرُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨٦] وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ، (آصَارَهُمْ) بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ وَالْإِفْرَادُ فِي الْأَجْنَاسِ سَوَاءٌ. والْأَغْلالَ جَمْعُ غُلٍّ- بِضَمِّ الْغَيْنِ- وَهُوَ إِطَارٌ مِنْ حَدِيدٍ يُجْعَلُ فِي رَقَبَةِ الْأَسِيرِ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 136 · #121702
عُ وَالْإِفْرَادُ فِي الْأَجْنَاسِ سَوَاءٌ. والْأَغْلالَ جَمْعُ غُلٍّ- بِضَمِّ الْغَيْنِ- وَهُوَ إِطَارٌ مِنْ حَدِيدٍ يُجْعَلُ فِي رَقَبَةِ الْأَسِيرِ وَالْجَانِي وَيُمْسَكُ بِسَيْرٍ مِنْ جِلْدٍ، أَوْ سِلْسِلَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بِيَدِ الْمُوَكَّلِ بِحِرَاسَةِ الْأَسِيرِ، قَالَ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غَافِر: ٧١] وَيُسْتَعَارُ الْغُلُّ لِلتَّكْلِيفِ وَالْعَمَلِ الَّذِي يُؤْلِمُ وَلَا يُطَاقُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ فَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَانَ الْأَغْلالَ تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حَالِ الْمُحَرَّرِ مِنَ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ بِحَالِ مَنْ أُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ وَضْعَ الْأَغْلَالِ اسْتِعَارَةٌ لِمَا يُعَانِيهِ الْيَهُودُ مِنَ الْمَذَلَّةِ بَيْنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلُوا فِي دِيَارِهِمْ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَزَوَالِ مُلْكِ يَهُوذَا، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِتَسْوِيَةِ أَتْبَاعِهِ فِي
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 137 · #121703
ذِينَ نَزَلُوا فِي دِيَارِهِمْ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَزَوَالِ مُلْكِ يَهُوذَا، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِتَسْوِيَةِ أَتْبَاعِهِ فِي حُقُوقِهِمْ فِي الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَيْزٌ بَيْنَ أَصِيلٍ وَدَخِيلٍ، وَصَمِيمٍ وَلَصِيقٍ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُنَاسَبَةُ اسْتِعَارَةِ الْأَغْلَالِ لِلذِّلَّةِ أَوْضَحُ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ مِنْ شِعَارِ الْإِذْلَالِ فِي الْأَسْرِ وَالْقَوَدِ وَنَحْوِهِمَا.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 137 · #121704
وَمُنَاسَبَةُ اسْتِعَارَةِ الْأَغْلَالِ لِلذِّلَّةِ أَوْضَحُ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ مِنْ شِعَارِ الْإِذْلَالِ فِي الْأَسْرِ وَالْقَوَدِ وَنَحْوِهِمَا. وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ لَهُمَا مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِالْيَهُودِ، الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى، وَلَا يَتَحَقَّقَانِ فِي غَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمن بِمُحَمد ﷺ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَدْ كَانَ لَهُمْ شَرْعٌ، وَكَانَ فِيهِ تَكَالِيفُ شَاقَّةٌ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْيَهُودِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ أَضَافَ اللَّهُ الْإِصْرَ إِلَى ضَمِيرِهِمْ، وَوَصَفَ الْأَغْلَالَ بِمَا فِيهِ ضَمِيرُهُمْ، عَلَى أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي حَالِ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا تَجِدُ شَرَائِعَهُمْ وَقَوَانِينَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ خَالِيَةً مِنْ إِصْرٍ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّبَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِثْلِ تَكَالِيفَ شَاقَّةٍ عِنْدَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ لَا تَتَلَاقَى
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 137 · #121705
ْرٍ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّبَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِثْلِ تَكَالِيفَ شَاقَّةٍ عِنْدَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ لَا تَتَلَاقَى مَعَ السَّمَاحَةِ الْفِطْرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَا تَجِدُهَا خَالِيَةً مِنْ رَهَقِ الْجَبَابِرَةِ، وَإِذْلَالِ الرُّؤَسَاءِ، وَشِدَّةِ الْأَقْوِيَاءِ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَمَا كَانَ يَحْدُثُ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّقَاتُلِ وَالْغَارَاتِ، وَالتَّكَايُلِ فِي الدِّمَاءِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، فَأَرْسَلَ الله مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُخَلِّصَ الْبَشَرَ مِنْ تِلْكَ الشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧] وَلِذَلِكَ فَسَّرْنَا الْوَضْعَ بِمَا يَعُمُّ النَّسْخَ وَغَيْرَهُ، وَفَسَّرْنَا الْأَغْلَالَ بِمَا يُخَالِفُ الْمُرَادَ مِنَ الْإِصْرِ، وَلَا يُنَاكِدُ هَذَا مَا فِي أَدْيَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ التَّحَلُّلِ فِي
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 137 · #121706
بِمَا يُخَالِفُ الْمُرَادَ مِنَ الْإِصْرِ، وَلَا يُنَاكِدُ هَذَا مَا فِي أَدْيَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ التَّحَلُّلِ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ فَسَادٌ عَظِيمٌ لَا يُخَفِّفُ وَطْأَةَ مَا فِيهَا مِنَ الْإِصْرِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ، يَعْنِي شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فَاءُ الْفَصِيحَةِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا كَانَ هَذَا النَّبِيءُ كَمَاِِ عَلِمْتُمْ مِنْ شَهَادَةِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بنبوءته، وَمِنَ اتِّصَافِ شَرْعِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ، عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا هَدْيَهُ، هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 138 · #121707
شَرْعِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ، عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا هَدْيَهُ، هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ وَمِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ أَفْلَحُوا أَيْ دُونَ مَنْ كَفَرَ بِهِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، لِأَنَّ مَقَامَ دُعَاءِ مُوسَى يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَكِتَابَةَ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، وَلَا يُرِيدُ مُوسَى شُمُولَ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَتَّبِعُ الْإِسْلَامَ بَعْدَ مَجِيء مُحَمَّد ﷺ، وَلَكِنْ جَرَى الْقَصْرُ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِرَاسِ مِنَ الْإِيهَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْرُ ادِّعَائِيًّا، دَالًّا عَلَى مَعْنَى كَمَالِ صِفَةِ الْفَلَاحِ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيءَ الْأُمِّيَّ، فَفَلَاحُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ كَلَا فَلَاحٍ،
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 138 · #121708
َةِ الْفَلَاحِ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيءَ الْأُمِّيَّ، فَفَلَاحُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ كَلَا فَلَاحٍ، إِذَا نُسِبَ إِلَى فَلَاحِهِمْ، أَيْ أَنَّ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ أَفْضَلُ الْأُمَمِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُمُ الَّذِينَ تَنَالُهُمُ الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي تَسَعُ كُلَّ شَيْء من شؤونهم قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧] . وَمَعْنَى عَزَّرُوهُ أَيَّدُوهُ وَقَوَّوْهُ، وَذَلِكَ بِإِظْهَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمْ مِنَ الْبِشَارَةِ بِصِفَاتِهِ، وَصِفَاتِ شَرِيعَتِهِ، وَإِعْلَانِ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَكَقَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» ، وَهُوَ أَيْضًا مُغَايِرٌ لِلنَّصْرِ، لِأَنَّ النَّصْرَ هُوَ الْإِعَانَةُ فِي الْحَرْبِ
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 138 · #121709
ِ نَوْفَلٍ: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» ، وَهُوَ أَيْضًا مُغَايِرٌ لِلنَّصْرِ، لِأَنَّ النَّصْرَ هُوَ الْإِعَانَةُ فِي الْحَرْبِ بِالسِّلَاحِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ وَنَصَرُوهُ. وَاتِّبَاعُ النُّورِ تَمْثِيلٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ: شُبِّهَ حَالُ الْمُقْتَدِي بِهَدْيِ الْقُرْآنِ، بِحَالِ السَّارِي فِي اللَّيْلِ إِذَا رَأَى نُورًا يَلُوحُ لَهُ اتَّبَعَهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ مَنْجَاةً مِنَ الْمَخَاوِفِ وَأَضْرَارِ السَّيْرِ، وَأَجْزَاءُ هَذَا التَّمْثِيلِ اسْتِعَارَاتٌ، فَالِاتِّبَاعُ يَصْلُحُ مُسْتَعَارًا لِلِاقْتِدَاءِ، وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ فِيهِ، وَالنُّورُ يَصْلُحُ مُسْتَعَارًا لِلْقُرْآنِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْحَقَّ وَالرُّشْدَ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، وَأَحْسَنُ التَّمْثِيلِ مَا كَانَ صَالِحًا لِاعْتِبَارِ التَّشْبِيهَاتِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَجْزَائِهِ.
QS 7:155-157 (jilid 9 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 9 · hlm. 138 · #121710
ِّمُ الْحَقَّ وَالرُّشْدَ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، وَأَحْسَنُ التَّمْثِيلِ مَا كَانَ صَالِحًا لِاعْتِبَارِ التَّشْبِيهَاتِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَجْزَائِهِ. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ صَارُوا أَحْرِيَاءَ بِمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهُمْ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْوِيهٌ بِعَظِيمِ فَضْلِ أَصْحَاب النبيء ﷺ ﵃، وَيُلْحَقُ بِهِمْ مَنْ نَصَرَ دينه بعدهمْ. [١٥٨]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:55

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:102-103QS 7:156