Dan mereka mengikuti apa yang dibaca oleh setan-setan pada masa kerajaan Sulaiman. Sulaiman itu tidak kafir tetapi setan-setan itulah yang kafir, mereka mengajarkan sihir kepada manusia dan apa yang diturunkan kepada dua malaikat di negeri Babilonia yaitu Harut dan Marut. Padahal keduanya tidak mengajarkan sesuatu kepada seseorang sebelum mengatakan, "Sesungguhnya kami hanyalah cobaan (bagimu), sebab itu janganlah kafir!" Maka mereka mempelajari dari keduanya (malaikat itu) apa yang (dapat) memisahkan antara seorang (suami) dengan isterinya. Mereka tidak akan dapat mencelakakan seseorang dengan sihirnya kecuali dengan izin Allah. Mereka mempelajari sesuatu yang mencelakakan, dan tidak memberi manfaat kepada mereka. Dan sungguh, mereka sudah tahu, barang siapa membeli (menggunakan sihir) itu, niscaya tidak akan mendapat keuntungan di akhirat. Dan sungguh, sangatlah buruk perbuatan mereka yang menjual dirinya dengan sihir, sekiranya mereka tahu
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه]، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ ﵎ بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ ﷺ بالتوراةِ، فوجَدوا التوراةَ للقرآنِ موافقةً، تأمُرُ مِن اتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه بمثلِ الذي يأمُرُ به القرآنُ، فخاصَموه بالكتبِ التى كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ
فتقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ، فيستمِعون مِن كلامِ الملائكةِ فيما يكونُ في الأرضِ مِن موتٍ أو غيثٍ أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ كلمةٍ سبعينَ كلمةً، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتبِ، وفَشا في بنى إسرائيلَ أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ، فبعَث سليمانُ في الناسِ فجمَع تلك الكتبَ، فجعَلها في صندوقٍ، ثم دفَنها تحتَ كرسيِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه.
ِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه. فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ، وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ، تمثَّل شيطانٌ في صورةِ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بنى إسرائيلَ فقال لهم: هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ، وقام ناحيةً، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكنِّى هاهنا في أيديكم، فإن لم تجِدوه فاقتُلونى. فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ.
فإن لم تجِدوه فاقتُلونى. فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ. ثم طار فذهَب، وفَشا في الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا، واتَّخَذتْ بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: إن اليهودَ سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمورٍ مِن التوراةِ، لا يسألونه عن شيءٍ مِن ذلك إلا أنزَل اللهُ عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا.
مورٍ مِن التوراةِ، لا يسألونه عن شيءٍ مِن ذلك إلا أنزَل اللهُ عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا. وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَموه به، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطينَ عَمَدوا إلى كتابٍ فكتَبوا فيه السحرَ والكهانةَ وما شاء اللهُ مِن ذلك، فدفَنوه تحتَ مجلسِ سليمانَ -وكان سليمانُ لا يعلَمُ الغيبَ- فلما فارَق سليمانُ الدنيا استخرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به الناسَ وقالوا: هذا علمٌ كان سليمانُ يكتُمُه ويحسُدُ الناسَ عليه. فأخبرَهم النبىُّ ﷺ بهذا الحديثِ، فرجَعوا مِن عندِه وقد خَزُوا وأدحَض اللهُ حجتَهم.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
اللهُ حجتَهم.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: لمَّا جاءهم رسولُ اللهِ مُصَدِّقًا لِما معهم ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية. قال: اتَّبَعوا السحرَ، وهم أهلُ الكتابِ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقال آخرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: تَلَتِ الشياطينُ السحْرَ على اليهودِ على ملكِ سليمانَ، فاتَّبَعتْه اليهودُ على ملكِه. يعنى: اتَّبَعت السحْرَ على ملكِ سليمانَ.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: عمَدتِ الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ ﵇، فكتَبوا أصنافَ السحرِ: مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ كذا وكذا.
نى ابنُ إسحاقَ، قال: عمَدتِ الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ ﵇، فكتَبوا أصنافَ السحرِ: مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ كذا وكذا. حتى إذا صنَّفوا أصنافَ السحْرِ، جعَلوه في كتابٍ ثم ختَموا عليه بخاتَمٍ على نقشِ خاتَمِ سليمانَ، وكتَبوا في عُنوانِه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا الصديقُ للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنوه تحتَ كرسيِّه. فاستَخرَجتْه بعدَ ذلك بقايا بنى إسرائيلَ حين أحدَثوا ما أحدَثوا، فلما عثَرُوا عليه قالوا: [واللهِ] ما كان سليمانُ بنُ داودَ إلا بهذا. فأفشَوُا السحرَ في الناسِ، وتعلَّموه وعلَّموه، فليس في أحدٍ أكثرُ منه في يهودَ، فلما ذكَر رسولُ اللهِ ﷺ -فيما نزَل عليه مِن اللهِ- سليمانَ بنَ داودَ، وعدَّه في مَن عدَّه مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: ألَا تَعجَبون لمحمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا.
، وعدَّه في مَن عدَّه مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: ألَا تَعجَبون لمحمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم على محمدٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [الآية.
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ] (٣) عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
يلَه، وهجْرِهم العملَ به، وهو في أيديهم يعلَمونه ويعرِفون أنه كتابُ اللهِ، واتباعِهم واتباعِ أوائلِهم وأسلافِهم ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ. وقد بيَّنا وجهَ جوازِ إضافةِ أفعالِ أسلافِهم إليهم فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا
الموضِعِ.
وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ وبعدَه، إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، [من السحرةِ لم تَزَلْ] في اليهودِ، ولا دلالةَ في الآيةِ أن اللهَ أراد بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾. بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا في كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِّباعِ أسلافِ المُخبَرِ عنهم بقولِه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ). إلى أخلافِهم بعدَهم، ولم يكنْ بخصوصِ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أثرٌ منقولٌ، ولا حجةٌ تدلُّ عليه، فكان الواجبُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: كلُّ مُتَّبِعٍ ما تَلَتْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ في معنى الآيةِ. على النحوِ الذى قلنا.
قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتَبوا مِن ذلك، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: مِن الكهانةِ والسحرِ. قال: وذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: قولُه: ﴿مَا تَتْلُو﴾.
ٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: قولُه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. قال: نُراه ما تُحدِّثُ.
وحدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلَقت الشياطينُ في الأيامِ التى ابتُلى فيها سليمانُ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ
سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: ما [تتَّبِعُ وتأتمُّه] وتعمَلُ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ]، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَتْلُو﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ]، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَتْلُو﴾. قال: تتَّبِعُ.
وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ الثورىِّ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبَر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدِ سليمانَ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ. ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّباعُ، كما يقالُ: تَلوتُ فلانًا. إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: ٣٠]. يعنى بذلك: تتَّبِعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ.
قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: ٣٠]. يعنى بذلك: تتَّبِعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ. بمعنى أنه يقرَؤه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ:
نَبىٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه … ويَتْلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ
ولم يخبرْنا اللهُ تعالى ذكرُه بأىِّ مَعْنَيَىِ التلاوةِ كانت تلاوةُ الشياطينِ الذين تَلَوْا ما تَلَوْه مِن السحرِ على عهدِ سليمانَ، بخبرٍ يقطَعُ العذرَ، وقد يجوزُ أن تكونَ الشياطينُ تَلَت ذلك دراسةً وروايةً وعملًا به، فتكونَ كانت له متَّبِعةً بالعملِ، ودِراسةً بالروايةِ، فاتَّبعتِ اليهودُ منهاجَها في ذلك فعمِلتْ به ورَوَته.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: في ملكِ سليمانَ. وذلك أن العربَ تضَعُ "فى" موضعَ "على"، و "على" موضعَ "فى". مِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. يعنى به: على جذوعِ النخلِ، وكما يقالُ: فعلتُ كذا في عهدِ كذا، وعلى عهدِ كذا. بمعنًى واحدٍ.
وبما قلنا فى ذلك كان ابنُ جريجٍ وابنُ إسحاقَ يقولان في تأويلِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يقولُ: في ملكِ سليمانَ.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: فى ملكِ سليمانَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
إن قال لنا قائلٌ: وما هذا الكلامُ مِن قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. ولا خبرَ مضَى قبلُ عن أحدٍ أنه أضاف الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنما ذكَر اتباعَ مَن اتبعَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟
عَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟
قيل: وجهُ ذلك أن الذين أضاف اللهُ جلّ ثناؤُه إليهم اتباعَ ما تلَته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ من السحرِ والكفرِ من اليهودِ، نسَبوا ما أضافه الله تعالى ذكرُه إلى الشياطينِ من ذلك إلى سليمانَ بنِ داودَ، وزعَموا أن ذلك كان مِن عملِه وروايتِه، وأنه إنما كان يستعبِدُ من كان يستَعبِدُ من الإنسِ والجنِّ والشياطينِ وسائرِ خلقِ اللهِ بالسحرِ، فحسَّنوا بذلك -من ركوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن السحرِ- لأنفسِهم عندَ من كان جاهلًا بأمرِ اللهِ ونهيِه، وعندَ من كان لا علمَ له بما أنزَل اللهُ فى ذلك مِن التوراةِ. وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا.
ةِ. وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا. فبرَّأ اللهُ جلَّ ثناؤُه سليمانَ بنَ داودَ من السحرِ والكفرِ عندَ من كان منهم يَنْسِبُه إلى السحرِ والكفرِ، لأسبابٍ ادَّعَوْها عليه قد ذكَرنا بعضَها قبلُ، وسنذكُرُ
باقىَ ما حضَرَنا ذكرُه منها، وأكذَبَ الآخرين الذين كانوا يعمَلون بالسحرِ، مُتَزيِّنِين عندَ أهلِ الجهلِ في علمِهم ذلك بأن سليمانَ كان يعمَلُه، فنفَى اللهُ عن سليمانَ ﵇ أن يكونَ كان ساحرًا أو كافرًا، وأعلَمهم أنهم إنما اتَّبَعوا في عملِهم بالسحرِ ما تَلته الشياطينُ في عهدِ سليمانَ، دونَ ما كان سليمانُ يأمُرُهم به مِن طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ ما أمَرهم به في كتابِه الذى أنزَله على موسى صلى اللهُ عليه.
ذكرُ الدّلالةِ على صحةِ ما قلنا من الأخبارِ والآثارِ
أمُرُهم به مِن طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ ما أمَرهم به في كتابِه الذى أنزَله على موسى صلى اللهُ عليه.
ذكرُ الدّلالةِ على صحةِ ما قلنا من الأخبارِ والآثارِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان سليمانُ يتَتبَّعُ ما في أيدى الشياطينِ من السحرِ، فيأخُذُه فيدفِنُه تحتَ كرسيِّه في بيتِ خَزائنِه، فلم تقدِرِ الشياطينُ أن يصِلوا إليه، فدنَت إلى الإنسِ فقالوا لهم: أتريدون العلمَ الذى كان سليمانُ يسخِّرُ به الشياطينَ والرياحَ وغيرَ ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه فى بيتِ خَزائنِه (٤) وتحتَ كرسيِّه. فاستَثارته الإنسُ فاستَخرَجوه فعمِلوا به، فقال أهلُ الحِجا: كان سليمانُ يعمَلُ بهذا، وهذا سحرٌ. فأنزَل اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ براءةَ سليمانَ فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية.
بهذا، وهذا سحرٌ. فأنزَل اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ براءةَ سليمانَ فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. [فأبرَأ اللهُ] سليمانَ على لسانِ نبيِّه ﷺ.
حدَّثنى أبو السائبِ السُّوائىُّ، قال: حدّثناه أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذى أصاب سليمانَ بنَ داودَ فى سببِ أناسٍ من أهلِ امرأةٍ يقال لها: جَرادَةُ. وكانت مِن أكرمِ نسائِه عليه، قال: فكان هَوَى سليمانَ أن يكونَ الحقُّ لأهلِ الجَرادَةِ فيَقْضِىَ لهم، فعوقِب حينَ لم يكنْ هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمانُ إذا أراد أن يدخُلَ الخلاءَ، أو يأتىَ شيئًا مِن نسائِه، أعطَى الجَرادَةَ خاتَمَه، فلما أراد اللهُ أن يَبْتَلِىَ سليمانَ بالذى ابتَلاه به، أعطَى الجَرادَةَ ذاتَ يومٍ خاتَمَه، فجاء الشيطانُ فى صورةِ سليمانَ فقال لها: هاتى خاتمى. فأخَذه فلبِسه، فلما أُلبسه دانتْ له الشياطينُ والجنُّ والإنسُ. قال: فجاء سليمانُ فقال: هاتى خاتمى.
اء الشيطانُ فى صورةِ سليمانَ فقال لها: هاتى خاتمى. فأخَذه فلبِسه، فلما أُلبسه دانتْ له الشياطينُ والجنُّ والإنسُ. قال: فجاء سليمانُ فقال: هاتى خاتمى. فقالت: كذَبتَ لسْتَ سليمانَ. قال: فعرَف سليمانُ أنه بلاءٌ ابتُلِى به. قال: فانطلَقت الشياطينُ فى تلك الأيامِ فكتَبتْ كُتُبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرءوها على الناسِ، وقالوا: إنما كان سليمانُ يغلِبُ الناسَ بهذه الكتبِ. قال: فبرِئ الناسُ مِن سليمانَ وأكفَروه حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يعنى: الذى كتَب الشياطينُ مِن السحرِ والكفرِ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
و الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يعنى: الذى كتَب الشياطينُ مِن السحرِ والكفرِ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فأنزَل اللهُ عذرَه.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانىُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيرٍ، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: أخَذ سليمانُ من كلِّ دابةٍ عهدًا،
فإذا أصِيب رَجلٌ فسُئل بذلك العهدِ، خُلِّى عنه، فزاد الناسُ السَّجعَ والسحرَ وقالوا: هذا كان يعمَلُ به سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عمرانَ، [وهو عمرانُ] بنُ الحارثِ، قال: بينا نحن عندَ ابنِ عباسٍ، إذ جاءه رجلٌ فقال له ابنُ عباسٍ: مِن أين جئتَ؟ قال: مِن العراقِ. قال: مِن أيِّه؟ قال: مِن الكوفةِ. قال: فما الخبرُ؟ قال: ترَكتُهم يتحدَّثون أن عليًّا خارجٌ إليهم. ففزِع [ثم قال]: ما تقولُ لا أبا لك!
ل: مِن العراقِ. قال: مِن أيِّه؟ قال: مِن الكوفةِ. قال: فما الخبرُ؟ قال: ترَكتُهم يتحدَّثون أن عليًّا خارجٌ إليهم. ففزِع [ثم قال]: ما تقولُ لا أبا لك! لو شعَرنا ما نكَحنا نساءَه، ولا قسَّمنا ميراثَه، أمَا [إنى سأُحدِّثُكم عن] ذلك، إنَّه كانت الشياطينُ يَستَرِقون السمع مِن السماءِ، فيجِئُ أحدُهم بكلمةِ حقٍّ قد سمِعها، فإذا جُرِّبَ منه صِدْقٌ، كذَب معها سبعين كِذْبةً. قال: فيُشرِبُها قلوبَ الناسِ، فأطلَع اللهُ عليها سليمانَ فدفَنها تحتَ كرسيِّه، فلمّا توفِّى سليمانُ قام شيطانٌ بالطريقِ فقال: ألَا أدلُّكم على كَنزِه المُمَنَّعِ الذى لا كنزَ له مثلُه؟
تحتَ الكرسىِّ. فأخرَجوه فقالوا: هذا سحرٌ.
، فلمّا توفِّى سليمانُ قام شيطانٌ بالطريقِ فقال: ألَا أدلُّكم على كَنزِه المُمَنَّعِ الذى لا كنزَ له مثلُه؟
تحتَ الكرسىِّ. فأخرَجوه فقالوا: هذا سحرٌ. فتَناسَخها الأممُ -حتى بَقاياها ما يتحدَّثُ به أهلُ العراقِ- فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعَت كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه فى الناسِ وعلَّموهم إياه، فلما سمِع بذلك سليمانُ نبىُّ اللهِ، تتَبَّع تلك الكتبَ، فأتَى بها فدفَنها تحتَ كرسيِّه، كراهيةَ أن يَتَعَلَّمَها الناسُ، فلمَّا قبَض اللهُ نبيَّه سليمانَ، عمَدت الشياطينُ فاستَخرَجوها مِن مكانِها التى كانت فيه فعلَّموها الناسَ، فأخبَروهم أن هذا علمٌ كان يكتُمُه سليمانُ ويستأثِرُ به، فَعَذَرَ اللهُ
يمانَ، عمَدت الشياطينُ فاستَخرَجوها مِن مكانِها التى كانت فيه فعلَّموها الناسَ، فأخبَروهم أن هذا علمٌ كان يكتُمُه سليمانُ ويستأثِرُ به، فَعَذَرَ اللهُ سليمانَ وبرَّأه مِن ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كتَبت الشياطينُ كتُبًا فيها سحرٌ وشركٌ، ثم دفَنتْ تلك الكتبَ تحتَ كرسىِّ سليمانَ، فلما مات استَخرجَ الناسُ تلك الكتبَ فقالوا: هذا علمٌ كتَمَناه سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسينُ، قال: حدَّثنى] حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية.
قال: حدَّثنا [الحسينُ، قال: حدَّثنى] حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ من السماءِ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مثلَها، وإن سليمانَ أخَذ ما كتَبوا مِن ذلك فدفَنه تحت كرسيِّه، فلما توفِّى وجَدَته الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: لمَّا سُلِب سليمانُ مُلكَه، كانتِ الشياطينُ تكتُبُ السحرَ فى غَيْبةِ سليمانَ، فكتَبَت: مَن أراد أن يأتىَ كذا وكذا، فليستَقبِلِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا، ومن أراد أن يفعَلَ كذا وكذا، فليستَدبِرِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا. فكتَبَتْه وجعلَتْ عُنوانَه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ.
ا، فليستَدبِرِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا. فكتَبَتْه وجعلَتْ عُنوانَه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنَته تحتَ كرسيِّه، فلما مات سليمانُ قام إبليسُ خطيبًا فقال: يا أيُّها الناسُ، إن سليمانَ لم يكنْ نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتَمِسوا سحرَه فى متاعِه وبيوتِه. ثم دلَّهم على المكانِ الذى دُفِن فيه، فقالوا: واللهِ لقد كان سليمانُ ساحرًا، هذا سحرُه، بهذا تعبَّدَنا، وبهذا قهَرَنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعَث اللهُ النبىَّ ﷺ، جعَل يذكُرُ الأنبياءَ حتى ذكَر داودَ وسليمانَ، فقالتِ اليهودُ: انظُروا إلى محمدٍ، يخلِطُ الحقَّ بالباطلِ، يذكُرُ سليمانَ مع الأنبياءِ، وإنما كان ساحرًا يركَبُ الريحَ.
عُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِهم: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. أى: باتباعِهم السحرَ، [وعملِهم] به، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
فإذ كان الأمرُ فى ذلك ما وصَفنا، وتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. ما ذكَرنا، فبيِّنٌ أن فى الكلامِ متروكًا، ترِك ذكرُه اكتفاءً بما ذكِر منه، وأن معنى الكلامِ: واتَّبَعوا ما تَتْلو الشياطينُ مِن السحرِ على مُلْكِ سليمانَ، فتُضِيفُه إلى سليمانَ، وما كفَر سليمانُ فيعمَلَ بالسحرِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا يعلِّمون الناسَ السحرَ.
وقد كان قتادةُ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
بالسحرِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا يعلِّمون الناسَ السحرَ.
وقد كان قتادةُ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. على [نحوِ ما ذكرْنا].
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن
قتادةَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ما كان عن مشورتِه، ولا عن رضًا منه، ولكنه شيءٌ افتَعَلَته الشياطينُ دونَه.
وقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على اختلافِ المختلِفين فى معنى: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ مَن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى "تلَت"، إذ كان الذى قبلَه خبرًا ماضيًا، وهو قولُه: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ الذين وجَّهوا ذلك إلى خلافِ ذلك، وبيَّنا فيه وفى نظيرِه الصوابَ مِن القولِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضِعِ.
وأمَّا معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. فإنه: بمعنى: الذى تتلو، وهو السحرُ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
نى: الذى تتلو، وهو السحرُ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: السحرَ.
ولعلَّ قائلًا أن يقولَ: أوَ ما كان السحرُ إلا أيامَ سليمانَ؟
قيل له: بل قد كان ذلك قبلَ ذلك، وقد أخبرَ اللهُ عن سَحَرةِ فرعونَ بما أخبرَ عنهم، وقد كانوا قبلَ سليمانَ، وأخبرَ عن قومِ نوحٍ أنهم قالوا لنوحٍ إنه ساحرٌ.
فإن قال: فكيف أخبرَ عن اليهودِ أنهم اتبَعوا ما تَلَته الشياطينُ فى عهدِ
سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟
أخبرَ عن اليهودِ أنهم اتبَعوا ما تَلَته الشياطينُ فى عهدِ
سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟
قيل: إنما أخبَر اللهُ بذلك، تعالى ذكرُه، عن اتِّباعِهم ما تَلَتْهُ الشياطينُ على عهدِ سليمانَ]؛ لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمانَ -على ما قد قدَّمنا البيانَ عنه- فأراد اللهُ تعالى ذكرُه تَبرئةَ سليمانَ مما نَحَلُوه وأضافوا إليه مما كانوا وجَدوه، إما فى خزائنِه وإما تحتَ كرسيِّه، على ما جاءت به الآثارُ التى قد ذكَرناها من ذلك، فخصّ الخبرَ عما كانت اليهودُ اتبَعتْه مما تَلَته الشياطينُ أيَّامئذٍ دونَ غيرِه لذلك من السببِ، وإن كانت الشياطينُ قد كانت تاليةَ السحرِ والكفرِ قبلَ ذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ "ما" التى فى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناها الجحدُ، وهى بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك
اختَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ "ما" التى فى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناها الجحدُ، وهى بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فإنه يقولُ: لَمْ يُنزِلِ اللهُ السِّحرَ.
وحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: ما أنزَل اللهُ عليهما السحرَ.
فتأويلُ الآيةِ على هذا المعنى الذى ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ والربيعِ -مِن توجيهِهما معنى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. أى: ولم ينزِلْ على الملَكين: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ على مُلكِ سليمانَ مِن السحرِ، وما كفَر سليمانُ، ولا أنزَل اللهُ السحرَ على المَلَكَينِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
َتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ، [وما كفَر سليمانُ]، وما أنزِل على المَلَكَين، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ معنيًّا بـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ جبريلُ وميكائيلُ؛
لأَنَّ سحَرةَ اليهودِ، فيما ذكِر، كانت تزعُمُ أن اللهَ أنزَل السحرَ على لسانِ جبريلَ وميكائيلَ إلى سليمانَ بنِ داودَ، فأكذَبها اللهُ بذلك، وأخبرَ نبيَّه محمدًا ﷺ أن جبريلَ وميكائيلَ لَمْ ينزِلا بسحرٍ قطُّ، وبرَّأ سليمانَ مما نحَلوه من السحرِ، وأخبرَهم أن السحرَ مِن عملِ الشياطينِ، وأنها تعلِّمُ الناسَ ذلك ببابلَ، وأن الذين يعلِّمونهم ذلك رجُلان؛ اسمُ أحدِهما هاروتُ، واسمُ الآخرِ ماروتُ، فيكونُ هاروتُ وماروتُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن الناسِ وردًّا عليهم.
وقال آخرون: تأويلُ "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: الذى.
ذكرُ مَن قال ذلك
تُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن الناسِ وردًّا عليهم.
وقال آخرون: تأويلُ "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: الذى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ والزهرىُّ، عن عُبيدِ اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. كانا ملَكَينِ مِن الملائكةِ، فأُهبِطا ليحكُما بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سخِروا مِن حكّامِ بنى آدمَ. قال: فحاكَمتْ إليهما امرأةٌ، فَحافَا لها، ثم ذهَبا يصعَدان فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ
الدنيا. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: فكانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
لشياطينُ في مُلكِ سليمانَ والذى أنزِل على الملكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
[وقال قائلو هذه المقالةِ: إن اللهَ أنزَل السحرَ على هاروتَ وماروتَ ببابلَ]. وهما ملَكان مِن ملائكةِ اللهِ، سنذكُرُ ما روِى مِن الأخبارِ في شأنِهما بعدُ إن شاء اللهُ.
وقالوا: إن قال لنا قائلٌ: وهل يجوزُ أن يُنزِلَ اللهُ السحرَ، أم هل يجوزُ لملائكتِه أن تعلِّمَه الناسَ؟
قلنا له: إنَّ اللهَ ﵎ قد أنزَل الخيرَ والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميعَ ذلك لعبادِه، فأوحاه إلى رسلِه، وأمَرهم بتعليمِ خلقِه وتعريفِهم ما يحِلُّ لهم مما يحرُمُ عليهم، وذلك كالزِّنَا والسَّرَقِ وسائرِ المعاصى التى عرَّفَهُموها ونهَاهم عن ركوبِها، فالسحرُ أحدُ تلك المعانى التى أخبرَهم بها ونَهاهم عن العملِ بها.
وقالوا: ليس في العلمِ بالسحرِ إثمٌ، كما لا إثمَ في العلمِ بصنعةِ الخمرِ ونحتِ الأصنامِ والطَّنابيرِ والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.
قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به.
والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.
قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به.
قالوا: فليس في إنزالِ اللهِ إياه على الملَكَين، ولا في تعليمِ الملَكَين مَن علَّماه مِن الناسِ إثمٌ؛ إذ كان تعليمُهما مَن علَّما ذلك بإذنِ اللهِ لهما بتعليمِه، بعدَ أن يُخبِراه أنَّهما فتنةٌ، وينهياه عن السحرِ والعملِ به والكفرِ، وإنما الإثمُ على مَن يتعلَّمُه منهما ويعمَلُ به؛ إذ كان اللهُ تعالى ذكرُه قد نَهى عن تعلُّمِه والعملِ به.
قالوا: ولو كان اللهُ أباح لبنى آدمَ أن يتعلَّموا ذلك، لَمْ يكنْ مَن تعلَّمَه حَرِجًا، كما لَمْ يكونا حَرِجَين لعلمِهما به؛ إذ كان علمُهما بذلك عن تنزيلِ اللهِ إليهما.
وقال آخرون: معنى "مَا"، معنى "الذى"، وهى عطفٌ على "مَا"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه.
وقال آخرون: معنى "مَا"، معنى "الذى"، وهى عطفٌ على "مَا"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه.
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: واتَّبَعوا السحرَ الذى تَتلو الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ، والتفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه الذى أُنزِل على المَلَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
ذكر من قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: وهما يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ - [وقالوا: كفَر سليمانُ] -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ - [وقالوا: كفَر سليمانُ] -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فكان يقولُ: أمَّا السحرُ فإنما تُعلِّمُه الشياطينُ، وأما الذى يعلِّمه الملَكان فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه، كما قال اللهُ تعالى.
وقال آخرون: جائزٌ أن تكونَ "مَا" بمعنى "الذى"، وجائزٌ أن تكونَ بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟
أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟ قال القاسمُ: ما أبالى أيَّتهما كانت.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنِي أنسُ بنُ عياضٍ، عن بعضِ أصحابِه، أن
القاسمَ بنَ محمدٍ سُئل عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. فقيل له: أُنزِل أو لَمْ يُنزَلْ؟ فقال: لا أبالى أىَّ ذلك كان، إلَّا أنى آمنتُ به.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ من وجَّه "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إلى معنى "الذى" دونَ معنى "ما" التى هى بمعنى الجحدِ. وإنما اختَرتُ ذلك من أجلِ أن "مَا" إن وجِّهت إلى معنى الجَحدِ فنَفَى عن الملَكَين أن يكونا مُنْزلًا إليهما، لَمْ يَخلُ الاسمان اللذان بعدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "الناسِ" في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وترجمةً عنهم.
عدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "الناسِ" في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وترجمةً عنهم. فإن جُعِلا بدلًا من "المَلَكَين" وترجمةً عنهما، بطَل معنى قولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. لأنهما إذا لَمْ يكونا عالِمَين بما يُفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، فما الذى يُتعلَّمُ منهما مما يفرِّقُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
وبعدُ، فإن "مَا" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إن كانت بمعنى الجَحْدِ عطفًا على قولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾.
لَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إن كانت بمعنى الجَحْدِ عطفًا على قولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. عن سليمانَ أن يكونَ السحرُ من عملِه أو من علمِه أو تعليمِه، فإن كان الذى نفَى عن الملَكَين من ذلك نظيرَ الذى نفَى عن سليمانَ
منه -وهاروتُ وماروتُ هما الملَكان- فمَن المتعلَّمُ منه إذن ما يفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه؟ وعمَّن الخبرُ الذي أخبرَ عنه بقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ إنَّ خطأَ هذا القولِ لواضحٌ بيِّنٌ.
وإن كان قولُه: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. ترجمةً عن "الناسِ" الذين في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فقد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هى التى تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما.
قد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هى التى تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما. فإن يكنْ ذلك كذلك، فلنْ يخلوَ هاروتُ وماروتُ عندَ قائلى هذه المقالةِ من أحدِ أمرين؛ إما أن يكونا ملَكَين، فإن كانا عندَهم ملَكَين، فقد أوجَبوا لهما مِن الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له - بنسبتِهم إياهما إلى أنهما يتعلَّمان مِن الشياطينِ السحرَ [والكفرَ] ويعلِّمانه الناسَ، وإصرارِهما على ذلك ومُقامِهما عليه- أعظمَ مما ذكِر عنهما أنهما أتَياه مِن المعصيةِ التى استَحقَّا عليها العقَابَ. وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
عليها العقَابَ. وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ما يُغنى عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على خطأِ هذا القولِ، أو أن يكونا كانا رجلين من بنى آدمَ، فإن يكن ذلك كذلك فقد كانا يجبُ أن يكونَ بهلاكِهما قد
ارتفَع السحرُ والعلمُ به والعملُ من بنى آدمَ؛ لأَنه إذا كان علمُ ذلك مِن قِبَلِهما يُؤخذُ، ومنهما يُتعلَّمُ، فالواجبُ أن يكونَ بهلاكِهما وعدمِ وجودِهما عدمُ السبيلِ إلى الوصولِ إلى المعنى الذي كان لا يوصَلُ إليه إلا بهما. وفي وجودِ السحرِ في كلِّ زمانٍ ووقتٍ، أبيَنُ الدَّلالةِ على فسادِ هذا القولِ. أو يزعُمُ قائلُو ذلك أنهما رجلان مِن بنى آدمَ لم يُعْدَما مِن الأرضِ منذُ خُلِقت الأرضُ، ولا يُعدَمان ما وجِد السحرُ في الناسِ، فيدَّعى ما لا يَخفى بُطُولُه.
فإذ فسَدتْ هذه الوجوهُ التى دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
َّعى ما لا يَخفى بُطُولُه.
فإذ فسَدتْ هذه الوجوهُ التى دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. بمعنى "الذي" وأن هاروتَ وماروتَ مُترجَمٌ بهما عن "الملَكَين"، ولذلك فُتِحت أواخرُ أسمائِهما؛ لأنهما في موضعِ خَفضٍ بالرَّدِّ على "الملَكَين"، ولكنهما لمّا كانا لا يُجْريان فُتِحت أواخرُ أسمائِهما.
فإن التَبَس على ذى غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟
لا يُجْريان فُتِحت أواخرُ أسمائِهما.
فإن التَبَس على ذى غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟ أم كيف يجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ إنزالُ ذلك على الملائكةِ؟
قيل له: إن اللهَ جلّ ثناؤُه عرَّف عبادَه جميعَ ما أمَرهم به، وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمَرهم ونهاهم بعدَ العلمِ منهم بما يؤمَرون به ويُنهَون عنه، ولو كان الأمرُ
على غيرِ ذلك، لَما كان للأمرِ والنهْىِ معنًى مفهومٌ، فالسحرُ مما قد نهَى عبادَه من بنى آدمَ عنه، فغيرُ منكَرٍ أن يكونَ جلّ ثناؤُه علَّمه الملَكَين اللذين سمَّاهما في تنزيلِه، وجعَلهما فتنةً لعبادِه من بنى آدمَ، كما أخبرَ عنهما أنهما يقولان لمَن يَتعلَّمُ ذلك منهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
هما في تنزيلِه، وجعَلهما فتنةً لعبادِه من بنى آدمَ، كما أخبرَ عنهما أنهما يقولان لمَن يَتعلَّمُ ذلك منهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ليَختَبِرَ بهما عبادَه الذين نهاهم عن التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، وعن السحرِ، فيمحِّصَ المؤمنَ بترْكِه التعلُّمَ منهما، ويُخزِىَ الكافرَ بتعلُّمِه السحرَ والكفرَ منهما، ويكونُ المَلَكان في تعليمِهما مَن علَّما ذلك، للهِ مُطِيعَين، إذ كانا عن إذنِ اللهِ لهما بتعليمِ ذلك من علَّماه يُعلِّمان، وقد عُبِد من دونِ اللهِ جماعةٌ من أولياءِ اللهِ، فلم يكنْ ذلك لهم ضائرًا، إذ لم يكنْ ذلك بأمرِهم إياهم به، بل عُبِد بعضُهم والمعبودُ عنه نَاهٍ، فكذلك المَلَكان غيرُ ضائرِهما سحرُ مَن سحَر ممن تعلَّم ذلك منهما بعدَ نهْيِهما إياه عنه، وعظَتِهما له بقولِهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
المَلَكان غيرُ ضائرِهما سحرُ مَن سحَر ممن تعلَّم ذلك منهما بعدَ نهْيِهما إياه عنه، وعظَتِهما له بقولِهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. إذ كانا قد أدَّيَا ما أمِرا به بقيلِهما ذلك.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. [قال: قولُه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾]: أُخِذ عليهما ذلك.
ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى [جاءت في شأْنِ] الملَكين [وأمرِهما] (١)، ومَن قال: إن هاروتَ وماروتَ هما الملَكان اللذان ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿[وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (١) بِبَابِلَ﴾.
ِ] الملَكين [وأمرِهما] (١)، ومَن قال: إن هاروتَ وماروتَ هما الملَكان اللذان ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿[وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (١) بِبَابِلَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثنى أبي، عن قتادةَ، قال: حدثنا أبو شعبةَ العدوىُّ في جنازةِ يونسَ بنِ جبيرٍ أبى غَلَّابٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ ﵎ أفرَج السماءَ لملائكتِه ينظُرون إلى أعمالِ بنى آدمَ، فلما أبصَروهم يعمَلون بالخطايَا، قالوا: ياربِّ، هؤلاء بنو آدمَ الذي خلَقتَ بيدِك، وأسجَدتَ له ملائكتَك، وعلَّمتَه أسماءَ كلِّ شيءٍ، يعمَلون بالخطايا. قال: أمَا إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلتُم مثلَ أعمالِهم. قالوا: سبحانَك ما كان ينبغى لنا. قال: فأمِروا أن يَختاروا [ملَكين ليهبِطَا] إلى الأرضِ. قال: فاخْتاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وأحِلَّ لهما ما فيها مِن شيءٍ، غيرَ ألا يُشْرِكَا باللهِ شيئًا، ولا يسرِقا، ولا يزنِيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التى حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ.
َّ لهما ما فيها مِن شيءٍ، غيرَ ألا يُشْرِكَا باللهِ شيئًا، ولا يسرِقا، ولا يزنِيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التى حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ. قال: فما أشْهرا حتى عرِّض لهما بامرأةٍ قد قُسِم لها نصفُ الحسنِ، يقالُ لها: بِيذُخْتْ. فلما أبصَراها كشَرا بها إِرْبًا، فقالت: لا، إلَّا أن تُشرِكا باللهِ، وتشرَبا الخمرَ، وتقتُلا النفسَ، وتسجُدا لهذا الصنمِ. فقالا: ما كنا لنشرِكَ باللهِ شيئًا. فقال أحدُهما للآخرِ: ارجِعْ إليها. فقالت: لا، إلَّا أن تشرَبا الخمرَ. فشرِبا حتى ثَمِلا، ودخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلما وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الشرِّ، أفرَج اللهُ
السماءَ لملائكتِه، فقالوا: سبحانَك كنتَ أنتَ أعلمَ.
َّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فلما وقَعا بالخطيئةِ استغفَروا لمَن في الأرضِ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]. فخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا
عذابَ الدنيا
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عميرِ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: كانت الزُّهَرةُ امرأةً جميلةً من أهلِ فارسَ، وإنها خاصَمت إلى الملَكَين هاروتَ وماروتَ، فراوَداها عن نفسِها، فأبَت عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذي إذا تُكُلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلَّماها، فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فمُسِخَت كوكبًا.
نفسِها، فأبَت عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذي إذا تُكُلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلَّماها، فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فمُسِخَت كوكبًا.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن الثورىِّ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن كعبٍ، قال: ذكَرت الملائكةُ أعمالَ بنى آدمَ وما يأتُون من الذنوبِ، فقيل لهم: اخْتاروا منكم اثنين -وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: اختاروا ملَكَين- فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فقيل لهما: إنى أرسِلُ إلى بنى آدمَ رُسُلًا، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا، لا تُشرِكا بى شيئًا، ولا تزنِيا، ولا تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن يومِهما الذي أُهبِطا فيه إلى الأرضِ
حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه.
ُشرِكا بى شيئًا، ولا تزنِيا، ولا تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن يومِهما الذي أُهبِطا فيه إلى الأرضِ
حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: فما استَكمَلا يومَهما الذي أنزِلا فيه حتى عَمِلا ما حرَّم اللهُ عليهما.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا معلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: حدَّثنى سالمٌ، أنه سمِع عبدَ اللهِ يحدِّثُ عن كعبِ الأحبارِ، أنه حدَّث أن الملائكةَ أنكَروا أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُون في الأرضِ مِن المعاصى، فقال اللهُ لهم: إنكم لو كنتم مكانَهم أتيتم ما يأتون مِن الذنوبِ، فاختاروا منكم ملَكَين. فاختاروا هاروتَ وماروتَ اخْتيارًا، فقال اللهُ لهما: إنى أرسِلُ رُسلى إلى الناسِ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرِكا بى شيئًا ولا تزنِيَا.
اروتَ وماروتَ اخْتيارًا، فقال اللهُ لهما: إنى أرسِلُ رُسلى إلى الناسِ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرِكا بى شيئًا ولا تزنِيَا. فقال كعبٌ: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، ما استكمَلا يومَهما الذي نزَلا فيه حتى أتَيا كلَّ ما حُرِّم عليهما.
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: إنه كان مِن أمرِ هاروتَ وماروتَ أنهما طعَنا على أهلِ الأرضِ في أحكامِهم، فقيل لهما: إنى أعطَيتُ بنى آدمَ عشرًا مِن الشهواتِ فبها يعصوننى. قال هاروتُ وماروتُ: ربَّنا لو أعطَيتنا تلك الشهواتِ ثم نزَلنا، لحكمْنا بالعدلِ. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطَيتُكما تلك الشهواتِ العشرَ، فاحكُما بينَ الناسِ. فنزَلا ببابلِ دُنْباوَنْدَ،
فكانا يحكُمان، حتى إذا أمسَيا عَرَجا، فإذا أصبَحا هبَطا، فلم يزالا بذلك حتى أتَتْهما امرأةٌ تخاصِمُ زوجَها، فأعجَبهما حسنُها -واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ، واسمُها بالنَّبطيةِ بِيذُخْتْ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ- فقال أحدُهما لصاحبِه: إنها لتُعجِبُنى.
ها، فأعجَبهما حسنُها -واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ، واسمُها بالنَّبطيةِ بِيذُخْتْ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ- فقال أحدُهما لصاحبِه: إنها لتُعجِبُنى. قال الآخرُ: قد أردتُ أن أذكرَ لك ذلك فاستحييتُ منك. فقال الآخرُ: هل لك أن أذكرَها لنفسِها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذابِ اللهِ؟ قال الآخرُ: إنا نرجُو رحمةَ اللهِ. فلما جاءت تخاصِمُ زوجَها ذكَرا لها نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضِيا لى على زوجى. فقضَيا لها على زوجِها، ثم واعَدتْهما خَرِبةً من الخَرِبِ يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذى يواقعُها، قالت: ما أنَا بالذى أفْعَلُ حتى تخبرانى بأىِّ كلامٍ تصعَدان إلى السماءِ، وبأىِّ كلامٍ تنزِلان منها.
انها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذى يواقعُها، قالت: ما أنَا بالذى أفْعَلُ حتى تخبرانى بأىِّ كلامٍ تصعَدان إلى السماءِ، وبأىِّ كلامٍ تنزِلان منها. فأخبَراها فتكلَّمت فصعِدت، فأنساها اللهُ ما تَنْزِلُ به، فبقِيت مكانَها، وجعَلها اللهُ كوكبًا -فكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ كلما رآها لعَنها وقال: هذه التى فتَنت هاروتَ وماروتَ- فلما كان الليلُ أرادا أن يصعَدا فلم يُطِيقا، فعرَفا الهَلكةَ، فخُيِّرا [عذابَ الدنيا من عذابِ] الآخرةِ، فاختارا عذابَ الدنيا، فعُلِّقا ببابلَ، وجعَلا يكلِّمان الناسَ كلامَهما، وهو السحرُ.
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لما وقَع الناسُ مِن بعدِ آدمَ فيما وقَعوا فيه مِن المعاصِى والكفرِ باللهِ، قالت
الملائكةُ فى السماءِ: أىْ ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك، وقد ركِبوا الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ، وأكلَ المالِ الحرامِ، والسرقةَ، والزنا، وشرْبَ الخمرِ.
أىْ ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك، وقد ركِبوا الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ، وأكلَ المالِ الحرامِ، والسرقةَ، والزنا، وشرْبَ الخمرِ. فجعَلوا يدعون عليهم ولا يَعْذِرونهم، فقيل لهم: إنهم فى غَيْبٍ. فلم يعذِروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملَكَين آمرُهما بأمرى، وأنْهاهما عن معصيتى. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وجعِل لهما شهواتُ بنى آدمَ، وأمِرا أن يعبُدا اللهَ، وألا يشرِكا به شيئًا، ونُهِيا عن قتلِ النفسِ الحرامِ، وأكلِ المالِ الحرامِ، والسرقةِ، والزنا، وشربِ الخمرِ، فلبِثا فى الأرضِ على ذلك زمانًا يحكُمان بينَ الناسِ بالحقِّ -وذلك فى زمانِ إدريسَ- وفى ذلك الزمانِ امرأةٌ حسنُها فى سائرِ النساءِ كحسنِ الزُّهَرةِ فى سائرِ الكواكبِ، وأنها أتَت عليهما، فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، وأنها أبَت إلا أن يكونا على أمرِها ودينِها، وأنهما سأَلاها عن دينِها الذى هى عليه، فأخرَجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبُدُ. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا.
بَت إلا أن يكونا على أمرِها ودينِها، وأنهما سأَلاها عن دينِها الذى هى عليه، فأخرَجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبُدُ. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فذهَبا فصبَرا ما شاء اللهُ، ثم أتَيا عليها فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، فقالت: لا، إلَّا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فلما رأتْ أنهما قد أبَيا أن يعبُدا الصنمَ، قالت لهما: اختارا إحدَى الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه الخمرَ. فقالا: كلُّ هذا لا ينبغى، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ.
اختارا إحدَى الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه الخمرَ. فقالا: كلُّ هذا لا ينبغى، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ. فسقَتْهما الخمرَ حتى إذا أخَذتِ الخمرُ فيهما، وقَعا بها، فمرَّ بهما إنسانٌ وهما فى ذلك، فخشِيا أن يُفشِىَ عليهما
فقتَلاه، فلما أن ذهَب عنهما السكرُ، عرَفا ما قد وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، وأرادا أن يصعَدا إلى السماءِ فلم يستطِيعا، فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وكُشِف الغطاءُ فيما بينهما وبينَ أهلِ السماءِ، فنظَرتِ الملائكةُ إلى ما قد (١) وقَعا فيه مِن الذنبِ، فعجِبوا كلَّ العَجَبِ، و [عرَفوا أنه] مَن كان فى غَيْبٍ فهو أقلُّ خشيةً، فجعَلوا بعدَ ذلك يستغفِرون لمَن فى الأرضِ. وإنهما لمّا وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ [ويذهَبُ]، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له.
مِن الخطيئةِ، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ [ويذهَبُ]، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له. فاختارا عذابَ الدنيا، فجُعِلا ببابلَ، فهما يعذَّبان.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا فرجُ بنُ فَضالةَ، عن معاويةَ ابنِ صالحٍ، عن نافعٍ، قال: سافَرتُ مع ابنِ عمرَ، فلما كان مِن آخرِ الليلِ، قال: يا نافعُ، انظُرْ، طلعتِ الحمراءُ؟ [قلتُ: لا]. مرَّتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحانَ اللهِ، نجمٌ مسخَّرٌ سامعٌ مطيعٌ! قال: ما قلتُ لك إلا ما سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ أو قال: قال لى رسولُ اللهِ ﷺ:
"إنَّ الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ فى الخطايا والذنوبِ؟ قال: إنى ابتَليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين منكم".
يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ فى الخطايا والذنوبِ؟ قال: إنى ابتَليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين منكم". قال: "فلم يألُوا أن يختارُوا، فاختارُوا هاروتَ وماروتَ" (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمّا شأنُ هاروتَ وماروتَ، فإن الملائكةَ عجِبت من ظلمِ بنى آدمَ، وقد جاءتْهم الرسلُ والكتبُ والبيناتُ، فقال لهم ربُّهم: اختاروا منكم ملَكَين أُنزِلْهما يحكُمان فى الأرضِ بين بنى آدمَ. فاختاروا - [فلم يألُوا] - هاروتَ وماروتَ. فقال لهما حينَ أنزَلهما: أَعجِبتما مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتِهم، وإنما تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ، فافعَلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا.
ا مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتِهم، وإنما تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ، فافعَلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمَرهما بأمرٍ ونهاهما، ثم نزَلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ للهِ منهما، فحكَما فعدَلا، فكانا يحكُمان النهارَ بين بنى آدمَ، فإذا أمسَيا عَرَجا وكانا مع الملائكةِ، وينزِلان حين يصبِحان فيحكُمان فيعدِلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهَرةُ فى أحسنِ صورةِ امرأةٍ تخاصِمُ، فقضَيا عليها، فلما قامت وجَد كلُّ واحدٍ منهما فى نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: وجَدتَ مثلَ ما وجَدتُ؟ قال: نعم. فبعَثا إليها: أنِ ائتِينا نَقْضِ لكِ. فلما رجَعت، قالا لها -وقضيا لها-: ائتِينا.
هما فى نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: وجَدتَ مثلَ ما وجَدتُ؟ قال: نعم. فبعَثا إليها: أنِ ائتِينا نَقْضِ لكِ. فلما رجَعت، قالا لها -وقضيا لها-: ائتِينا. فأتتهما، فتكشَّفا لها عن عورتِهما، وإنما كانت شهوتُهما فى أنفسِهما، ولم يكونا كبنى آدمَ فى شهوةِ النساءِ ولذَّتِها، فلما بلَغا ذلك واستحلَّاه وافتُتِنا، طارتِ الزُّهَرةُ فرجَعت حيث كانت، فلما
أمسَيا عَرَجا فزُجِرا فلم يؤذنْ لهما، ولم تحمِلْهما أجنِحَتُهما، فاستغاثا برجلٍ من بنى آدمَ، فأتَياه فقالا: ادعُ لنا ربَّك. فقال: كيف يشفَعُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ؟ قالا: سمِعنا ربَّك يذكُرُك بخيرٍ فى السماءِ. فوعَدهما يومًا وعْدًا؛ يدعو لهما، فدَعا لهما فاستُجيب له، فخيِّرا بين عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه [فقال: ألا تعلمُ] أن أفواجَ عذابِ اللهِ فى الآخرةِ كذا وكذا فى الخلدِ، ومع الدنيا سبعَ مراتٍ مثلَها.
الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه [فقال: ألا تعلمُ] أن أفواجَ عذابِ اللهِ فى الآخرةِ كذا وكذا فى الخلدِ، ومع الدنيا سبعَ مراتٍ مثلَها. فأُمِرا أن ينزِلا ببابلَ، فثَمَّ عذابُهما، وزُعِم أنهما معلَّقان فى الحديدِ مَطويَّان؛ يصطَفِقان بأجنِحَتِهما.
قال أبو جعفرٍ: وحُكِى عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما أُنزِل على المَلِكينِ). يعنى به: رجلين مِن بنى آدمَ.
وقد دلَّلْنا على خطأِ القراءةِ بذلك مِن جهةِ الاستدلالِ، فأما مِن جِهَةِ النقلِ، فإجماعُ الحجةِ على خطأِ القراءةِ بها من الصحابةِ والتابعين وقرأةِ الأمصارِ. وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها.
وأما قولُه: ﴿بِبَابِلَ﴾.
ِن جِهَةِ النقلِ، فإجماعُ الحجةِ على خطأِ القراءةِ بها من الصحابةِ والتابعين وقرأةِ الأمصارِ. وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها.
وأما قولُه: ﴿بِبَابِلَ﴾. فإنه اسمُ قريةٍ أو موضعٍ مِن مواضعِ الأرضِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: إنها ببابلِ دُنْباوَنْدَ.
حَدَّثنى بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ.
وقال بعضُهم: بل ذلك ببابلِ العراقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ أبى الزنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قصةٍ ذكَرتها عن امرأةٍ قدِمت المدينةَ، فذكَرت أنها صارت بالعراقِ ببابلَ، فأتَت بها هاروتَ وماروتَ، فتعلَّمت منهما السحرَ.
عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قصةٍ ذكَرتها عن امرأةٍ قدِمت المدينةَ، فذكَرت أنها صارت بالعراقِ ببابلَ، فأتَت بها هاروتَ وماروتَ، فتعلَّمت منهما السحرَ.
واختُلف فى معنى السحرِ؛ فقال بعضُهم: هو خُدَعٌ ومَخاريقُ ومعانٍ يفعَلُه الساحرُ، حتى يُخَيَّلَ إلى المسحورِ الشئُ أنه بخلافِ ما هو به، نظيرَ الذى يرى السَّرابَ مِن بعيدٍ، فيُخَيَّلُ إليه أنه ماءٌ، ويرَى الشئَ مِن بعيدٍ [فيه، فيتبيَّنُه] بخلافِ ما هو به على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاين مِن
الأشجارِ والجبالِ سائرٌ معه.
عيدٍ [فيه، فيتبيَّنُه] بخلافِ ما هو به على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاين مِن
الأشجارِ والجبالِ سائرٌ معه. قالوا: فكذلك المسحورُ، ذلك صفتُه، يحسَبُ بعدَ الذى وصَل إليه مِن سحرِ الساحرِ أن الذى يراه أو يفعلُه بخلافِ الذى هو به على حقيقتِه.
كالذى حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبىَّ ﷺ لمّا سُحِر، كان يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ ولم يَفْعَلْه.
وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سحَر رسولَ اللهِ ﷺ يهودىٌّ مِن يهودِ بنى زُرَيقٍ، يقالُ له: لبيدُ ابنُ الأعصمِ.
ٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سحَر رسولَ اللهِ ﷺ يهودىٌّ مِن يهودِ بنى زُرَيقٍ، يقالُ له: لبيدُ ابنُ الأعصمِ. حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ وما يَفْعَلُه.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان عروةُ بنُ الزبيرِ وسعيدُ بنُ المسيّبِ يحدِّثان أن يهودَ بنى زُرَيقٍ عقَدوا عُقَدَ سِحْرٍ لرسولِ اللهِ ﷺ، فجعَلوها فى بئرِ حَرْمٍ، حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُنكِرُ بصرَه، ودلَّه اللهُ على ما صنَعوا، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى بئرِ حرْمٍ التى فيها العُقَدُ فانْتزَعها، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "سحرَتْنى يهودُ بنى زريقٍ".
وأنكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ الساحرُ يَقدِرُ بسحْرِه على قلبِ شيءٍ عن حقيقتِه، أو استسخارِ شيءٍ مِن خلقِ الله إلا نظيرَ الذى يقدِرُ عليه مِن ذلك سائرُ بنى آدمَ، أو إنشاءِ شيءٍ مِن الأجسامِ سوى المخاريقِ والخُدَعِ المتخيَّلةِ لأبصارِ الناظرين، بخلافِ حقائقِها التى وصَفنا.
وفى وصفِ الله جلَّ وعزَّ سحرَ سحَرةِ فرعونَ بقولِه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وفى خبرِ عائشةَ عن رسولِ الله ﷺ أنه كان إذ سُحِر يخيَّلُ إليه أنه يفعَلُ الشئَ وهو لا يفعلُه -أوضحُ الدَّلالةِ على بُطُولِ دعْوَى المدَّعِين- أن الساحرَ يُنشئُ أعيانَ الأشياءِ بسحرِه، ويستسْخِرُ ما يتعذَّرُ استسخارُه على غيرِه مِن بنى آدمَ، كالمواتِ والجمادِ والحيوانِ- وصحةِ ما قلنا.
وقال آخرون: قد يقدِرُ الساحرُ بسحرِه أن يحوِّلَ الإنسانَ حمارًا، وأن يَسحَرَ
[الحيوانَ والجمادَ]، وينشِئَ أعيانًا وأجسامًا.
واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى ابنُ أبى الزنادِ، قال: حدَّثنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: قدِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ، جاءت تَبتغى رسولَ الله ﷺ بعدَ موتِه حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به.
دِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ، جاءت تَبتغى رسولَ الله ﷺ بعدَ موتِه حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به. قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تجِدْ رسولَ الله ﷺ فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأرحَمُها، وتقولُ: إنى لأخافُ أن أكونَ قد هلَكْتُ، كان لى زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت عليَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إليها، فقالت: إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشيءٍ حتى وقَفنا ببابلَ، فإذا برجلَين، معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ. فقالا: إنما نحن فتنةٌ، فلا تكفُرى وارجِعى. فأبَيْتُ، وقلتُ: لا. قالا: فاذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبُولى فيه. فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى.
عتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. [فأرْبَبْتُ وأبيتُ]، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنورِ فبولى فيه. فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ: قد فعلتُ.
فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكِ. فأرْبَبْتُ وأبيتُ، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبولى فيه. فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه حتى ذهَب في السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه. فجئتُهما فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه (٢)، فذهَب في السماءِ حتى ما أراه. فقالا: صدَقتِ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى. فقلتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى.
هِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى. فأحْقَلت، ثم قلت: [أفْرِكى. فأفْرَكَتْ]، ثم قلت: أيْبِسى. فأيْبَست، ثم قلت: أطْحِنى. فأطْحَنَتْ، ثم قلتُ: أخبزِى. فأخبَزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط في يدِى وندِمتُ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا.
فقال أهلُ هذه المقالةِ بما وصَفنا، واعتلُّوا بما ذكَرنا، وقالوا: لولا أن الساحرَ يقدِرُ على فعلِ ما ادّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرِّقَ بينَ المرءِ وزوجِه. قالوا: وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرِّقون به بينَ المرءِ
وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ.
وقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ.
ُرْ﴾ الآية.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك.
إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ.
وأما "الفتنةُ" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ:
[وقد فُتن] الناسُ في دينِهم … وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا
ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها فتنةً وفتونًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. أى: بلاءٌ.
أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ. فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ.
والذى قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ.
والهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: ﴿مِنْهُمَا﴾. من ذكرِ الملَكَين. ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
و ﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى. وقيل: إن معنى ذلك: السحرُ الذى يفرِّقون به. وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ.
ذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
و ﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى. وقيل: إن معنى ذلك: السحرُ الذى يفرِّقون به. وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ. وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى قبلُ.
وأما "المرءُ"؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءِ بنى آدمَ، والأُنثى منه المرأةُ. يوحَّدُ ويثنَّى، ولا يجمعُ ثلاثتُه على صورتِه، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن صالحان. ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ. ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ، وقومُ صِدقٍ. وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ، وهاتان امرأتان. ولا يقالُ: هؤلاء امرآتٌ. ولكن: هؤلاء نسوةٌ.
وأما "الزوجُ"، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجُه. بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
إن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجُه. بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هى زوجتُه.
قال الشاعرُ:
فإن [الذى يمشِى يُحَرِّشُ] زَوْجَتى … كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتبِيلُها
فإن قال قائلٌ: وكيف يفرِّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
قيل: قد دلَّلنا فيما مضَى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشئِ إلى المرءِ بخلافِ ما هو به في عَينِه وحقيقتِه، بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّق لفهمِه. فإذ كان ذلك صحيحًا بالذى عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرْءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ منهما شخصَ الآخرِ على خلافِ ما هو به في حقيقتِه مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى يقبِّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا. فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه فُرْقَةُ ما بينَهما.
، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا. فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه فُرْقَةُ ما بينَهما. وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشئَ إلى مُسبِّبِه من أجلِ تَسْبِيبِه، وإن لم يكنْ باشرَ فعل ما حدَث عن السببِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ. فكذلك تفريقُ الساحرِ بسحْرِه بينَ الزوجَين.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وتفريقُهما أن يؤَخَّذَ
كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُبغَّضَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه.
وأما الذين نفَوا أن يكونَ الملَكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ يينَ المرء وزوجِه، فإنهم وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين بالذى تعلَّموه منهما مِن المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، من أحدٍ من الناسِ، إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُّه، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ضُرَّه وحفِظه مِن مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرُّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أذَاه.
وللإذْنِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه قولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه.
د حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه. ومنها العلمُ بالشئِ، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا. ومنه قولُ الحطيئةِ:
ألا يا هِنْدُ إن جَدَّدْتِ وَصْلًا … وإلَّا فائْذنِينى بانْصِرامِ
يعنى: فأعلِمينى.
ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وهذا هو معنى الآيةِ، كأنه قال جلّ ثناؤُه: وما هم بضارين بالذى تعلَّموا مِن الملَكَين مِن أحدٍ إلا بعلمِ اللهِ. يعنى: بالذى سبَق له في علمِ اللهِ أنه يضرُّه.
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.
يعنى [جلَّ ثناؤُه بقولِه]: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾. أى: الناسُ الذين يتعلَّمون من الملَكَين، ما أنزِل إليهما من المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، يتعلَّمون منهما السحرَ الذى يضرُّهم في دينِهم، ولا ينفعُهم في مَعادِهم؛ فأما في العاجلِ في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسِبون به ويُصيبون به معاشًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. الفريقَ الذين [أخبرَ عنهم أنهم] لمَّا جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم، نبَذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ. فقال جلَّ ثناؤُه: لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بنى إسرائيلَ،
كتابي وراءَ ظهورِهم تجاهلًا منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ واتباعِ ما جئتَ به، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم بالإقرارِ بما معهم وما في أيديهم، المؤثِرون عليه اتباعَ السحرِ الذى تَلته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ، والذى أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذى أنزَلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
هدِ سليمانَ، والذى أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذى أنزَلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. [أى: لمَن استحبَّه]، ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ في عهدِ اللهِ إليهم؛ أن الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد علِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و اختاره ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه.
، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قد علِمت يهودُ أن في كتابِ اللهِ في التوراةِ، أن من اشتَرى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، [ومن لم يكنْ له خَلاقٌ]، فالنارُ مثْواه ومأْواه.
وأما قولُه: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. فإن "مَن" في موضعِ رفعٍ، وليس قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، فلذلك كانت "مَن" في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ بمعنى: واللهِ لَمن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. ويكونُ قولُه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ بلامِ اليمينِ، فقيل: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك.
بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ بلامِ اليمينِ، فقيل: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك. وأما "مَن" فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل: اشتَراه. ولم يقلْ: يشترِه؛ لدخولِ لامِ القسمِ على "مَن"، ومِن شأنِ العربِ إذا أحدَثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسمِ، ألا ينطِقوا في الفعلِ معه إلا بـ "فَعَل" دونَ " يفْعَل" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢].
َل" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]. وقد يجوزُ إظهارُ فعلِه بعدَه على "يفعلُ" مجزومًا، كما قال الشاعرُ:
لَئن تكُ قد ضاقَتْ عليكم بُيوتُكمْ … لَيَعْلَمُ ربِّى أنَّ بَيتىَ واسِعُ
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الخلاقُ في هذا الموضعِ النصيبُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يقولُ: من نصيبٍ.
وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: من نصيبٍ.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
َاقٍ﴾. قال: من نصيبٍ.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أنه: ما له في الآخرةِ من نصيبٍ.
وقال آخرون: الخَلاقُ هاهنا: الجِهةُ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ليس له في الآخرةِ جهةٌ.
وقال آخرون: الخَلاقُ الدينُ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ليس له دينٌ.
وقال آخرون: الخلاقُ هاهنا القِوامُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قِوامٌ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ. وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ.
ْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قِوامٌ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ. وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "لَيُؤيِّدنَّ اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم". يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ في الإسلامِ والدينِ. ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ:
يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم … إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ وأغلالُ
يعنى بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ [والأغلالُ].
فكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ما له في الدارِ الآخرةِ حظٌّ من الجَنةِ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فوصَفه بأنه لا نصيبَ له في الآخرةِ، وهو يعنى به: لا نصيبَ له من جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ، دونَ نصيبِه من النارِ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه جلَّ ثناؤه أفعالَهم التى نفَى من أجلِها أن يكونَ لهم في الآخرةِ نصيبٌ، على مرادِه من الخيرِ، وأنه إنما يعنى بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ، فأما من الشرورِ فإن لهم منها فيها [أنصباءَ وأنصباءَ].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾.
قد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن معني: ﴿شَرَوْا﴾: باعُوا. فمعنى الكلامِ إذن: ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم.
فإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
سَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فكيف يكونون عالِمين بأن من تعلَّم السحرَ فلا خلاقَ له، وهم يجهَلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟
قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمتَه من أنهم مرصوفون [بجهلِ ما] هم موصوفون بالعلمِ به، ولكنَّ ذلك من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإنما معنى الكلامِ: وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ، ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. فقولُه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
َهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. فقولُه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ذمٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعْلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه، وخبرٌ منه جلَّ ثناؤه عنهم أنهم بئس ما باعوا أنفسَهم، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من دينِهم الذى به نجاةُ أنفسِهم من الهلكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه.
لكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه. ثم عاد إلى الفريقِ الذى أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلَمون، واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن من اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من
خلاقٍ، ووصَفهم بأنهم يركَبون معاصىَ اللهِ على علمٍ منهم بها، ويكفُرون باللهِ ورسلِه، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ، على العملِ بكتابِه ووحيِه وتنزيلِه، عنادًا منهم له، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ. فذلك تأويلُ ذلك.
وقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
ِ من العقابِ والعذابِ. فذلك تأويلُ ذلك.
وقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. معنىٌّ به الشياطينُ، وأن قولَه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ معنيٌّ به الناسُ.
وذلك قولٌ [لقولِ جميعِ] أهلِ التأويلِ مخالفٌ. وذلك أنهم مُجْمِعون على أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. معنىٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وبعدَ قولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جاءت من اللهِ بذَمِّ اليهودِ، وتوبيخِهم على ضلالِهم [ذَهابِهم عن] وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
م [ذَهابِهم عن] وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أحدُ تلك الأخبارِ عنهم.
وقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ
أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فنفَى عنهم العلمَ، هم الذين وصَفهم اللهُ بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وإنما نفَى عنهم جلّ ثناؤُه العلمَ بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. من أجلِ أنهم لم يعمَلوا بما علِموا، وإنما العالِمُ، العاملُ بعلمِه، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ. قالوا: وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ.
إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ. قالوا: وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ. كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ المزنيُّ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من طعامِه وزادِه:
إذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه … ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُرْمِلُ
فأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه. فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم تعلَما. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. و: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجهٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسِ الخطابِ، أعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وقولِه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وإنما هو استخراجٌ. وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفيِّ الباطنِ منه -حتى تأتىَ دَلالةٌ من الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له، بمعنًى خلافِ دليلِه الظاهرِ المتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَل القرآنُ- أَولى.
َنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) وكان حين ذهب مُلْكُ سليمان ارتد فِئَامٌ من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع اللهُ إلى سليمان ملكَه، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان، ﵇، حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينًا.
ه، وتوفي سليمان، ﵇، حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينًا. فأنزل الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ واتبعوا الشهوات، [أي]: التي كانت [تتلو الشياطين] وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم "الأعظم"، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.
كان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: فأكفره جُهَّالُ الناس وسبّوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه، حتى أنزل الله على محمد ﷺ: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا).
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان، ﵇، إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة -وهي امرأة-خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان، ﵇، بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال: هاتي خاتمي فقالت: كذبت، لست سليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به.
خذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال: هاتي خاتمي فقالت: كذبت، لست سليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر. ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرؤوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال: فبرئ الناس من سليمان، ﵇، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران،
وهو ابن الحارث قال: بينا نحن عند ابن عباس ﵄ -إذ جاء رجل فقال له: مِنْ أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيِّه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم. ففزع ثم قال: ما تقول؟ لا أبا لك!
مِنْ أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيِّه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم. ففزع ثم قال: ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك: إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّبَ منه صدق كذب معها سبعين كذْبة، قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس. فأطلع الله عليها سليمان. ﵇، فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان، ﵇، قام شيطانُ الطريق، فقال: أفلا أدلكم على كنزه الممنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي.
ع الله عليها سليمان. ﵇، فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان، ﵇، قام شيطانُ الطريق، فقال: أفلا أدلكم على كنزه الممنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا هذا سحره فتناسخها الأمم-حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق-وأنزل الله ﷿ (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
ورواه الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به.
وقال السدي في قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي: على عهد سليمان. قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة مما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحدِّث الكهنة الناسَ فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم.
م الملائكة مما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحدِّث الكهنة الناسَ فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم. وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبُعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق. ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خَلْف تمثل شيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم وأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فَادْنُ. قال لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب.
ا تحت الكرسي. وذهب معهم وأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فَادْنُ. قال لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان
ساحرًا. واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها؛ فذلك حين يقول الله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا.
ا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله ﷿: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) وإن الشياطين عَمَدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان [سليمان] ﵇، لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وأدحض الله حجتهم.
وقال مجاهد في قوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) قال: كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة [إلا] زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسِل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك.
ِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) قال: كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة [إلا] زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسِل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس [به] وهو السحر.
وقال سعيد بن جبير: كان سليمان، ﵇، يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدبَّت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثار به الإنسُ واستخرجوه فعملوا بها. فقال أهل الحجا: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر.
اح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثار به الإنسُ واستخرجوه فعملوا بها. فقال أهل الحجا: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على [لسان] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇، فقال: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود، ﵇ فكتبوا أصناف السحر: "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليقل كذا وكذا". حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب. ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في
عُنْوانه: "هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود، ﵉ من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا. فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس [وتعلموه وعلموه]. وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله.
ا. فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس [وتعلموه وعلموه]. وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله. فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله، سليمان بن داود، وعده فيمن عَدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون من محمد! يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله [في] ذلك من قولهم: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) الآية.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا الحجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوشب، قال: لما سلب سليمان، ﵇، ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان [بن داود] من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه.
كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان [بن داود] من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان، ﵇، قام إبليس، لعنه الله، خطيبًا، [ثم] قال: يا أيها الناس، إن سليمان لم يكن نَبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا! هذا سحره، بهذا تَعَبدنا، وبهذا قهرنا. وقال المؤمنون: بل كان نبيًا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي ﷺ جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان. فقالت اليهود [لعنهم الله] انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء.
. فلما بعث الله النبي ﷺ جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان. فقالت اليهود [لعنهم الله] انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) الآية.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حُدَير، عن أبي مِجْلَز، قال: أخذ سليمان، ﵇، من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلى عنه. فزاد الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به
سليمان.
ر، عن أبي مِجْلَز، قال: أخذ سليمان، ﵇، من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلى عنه. فزاد الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به
سليمان. فقال الله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رَوّاد، حدثنا آدم، حدثنا المسعودي، عن زياد مولى ابن مصعب، عن الحسن: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.
وقال: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدثني سُرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) واتبعته اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم، والله الهادي.
ان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم، والله الهادي. وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي: واتبعت اليهود -الذين أوتوا الكتاب بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم الرسول محمدا ﷺ ما تتلوه الشياطين، أي: ما ترويه وتخبر به وتُحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعداه بعلى؛ لأنه تضمن تتلو: تكذب. وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"، أي: تتلو في ملك سليمان.
: ما ترويه وتخبر به وتُحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعداه بعلى؛ لأنه تضمن تتلو: تكذب. وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"، أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق.
قلت: والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم.
وقول الحسن البصري، ﵀: "قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود" صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى، ﵇، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل، ﵇، لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: [من] المسحورين على المشهور.
وقوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن "ما" نافية، أعني التي في قوله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال القرطبي: "ما" نافية ومعطوفة على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) ثم قال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ) أي: السحر (عَلَى الْمَلَكَيْنِ) وذلك أن اليهود -لعنهم الله-كانوا يزعمون أنه نزل
َ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ) أي: السحر (عَلَى الْمَلَكَيْنِ) وذلك أن اليهود -لعنهم الله-كانوا يزعمون أنه نزل
به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله في ذلك وجعل قوله: (هَارُوتَ وَمَارُوتَ) بدلا من: (الشياطين) قال: وصح ذلك، إما لأن الجمع قد يطلق على الاثنين كما في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أو يكون لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما، فتقدير الكلام عنده: تعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه.
وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) يقول: لم ينزل الله السحر.
روى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده، عن الربيع بن أنس، في قوله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون قوله: (بِبَابِلَ هَارُوتَ [وَمَارُوت]) من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟
الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون قوله: (بِبَابِلَ هَارُوتَ [وَمَارُوت]) من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) -"من السحر"- (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) وما أنزل الله "السحر" على الملكين، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل، ﵉؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان، ﵇، مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان، اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًا عليهم.
هذا لفظه بحروفه.
بل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان، اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًا عليهم.
هذا لفظه بحروفه.
وقد قال ابن أبي حاتم: حُدّثت عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر.
حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يعلى -يعني ابن أسد-حدثنا بكر -يعني ابن مصعب-حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: (وما أنزل على الملكين داود وسليمان).
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي.
: (وما أنزل على الملكين داود وسليمان).
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم.
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن "ما" بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم]!
وروى ابن أبي حاتم بإسناده.
أنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم]!
وروى ابن أبي حاتم بإسناده. عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) ويقول: هما علجان من أهل بابل.
وَوَجَّه أصحابُ هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]. وفي الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء". وكما يقال: أنزل الله الخير والشر.
[وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري: أنهم قرؤوا: "وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام. قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان.
وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري: أنهم قرؤوا: "وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام. قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون "ما" نافية أيضًا].
وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [و "ما" نافية] قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله تعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) قال الرجل: يعلمان الناس السحر، ما أنزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.
ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أيّ ذلك كان، إني آمنت به.
وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى.
انا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى. وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس
ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه: ١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
لائكة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه: ١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر-أخف مما وقع من إبليس لعنه الله.
[وقد حكاه القرطبي عن على، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي].
ذكر الحديث الوارد في ذلك -إن صح سنده ورفعه-وبيان الكلام عليه:
قال الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، في مسنده: حدثنا يحيى بن [أبي] بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇-لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، قالوا: ربنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هَلُموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟
مُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، قالوا: ربنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هَلُموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا: برَبِّنا، هاروتَ وماروتَ. فأهبطا إلى الأرض ومثُلت لهما الزُّهَرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا لا والله لا نقتله أبدًا. ثم ذهبت فرجعت بقَدَح خَمْر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما.
لله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخيرَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا".
وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، عن الحسن عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن بكير، به.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، رَوَى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا
من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي ﷺ.
وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا
من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي ﷺ. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مَرْدُويه: حدثنا دَعْلَجُ بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سَرْجِس، عن نافع، عن ابن عمر: سمع النبي ﷺ يقول. فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير-حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر، طلعت الحمراء؟ قلت: لا -مرتين أو ثلاثًا-ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلا؟ قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ -أو قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إن الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك.
ل: قال لي رسول الله ﷺ: "إن الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت".
وهذان -أيضاً-غريبان جدًّا. وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قال ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر.
روا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.
ورواه ابن جرير من طريقين، عن عبد الرزاق، به.
ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مُؤَمَّل، عن سفيان الثوري، به.
ورواه ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد-حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث، عن كعب الأحبار، فذكره.
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه
نافع.
حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث، عن كعب الأحبار، فذكره.
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه
نافع. فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.
ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين:
قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًا، ﵁، يقول: كانت الزُّهَرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكَلَّم [المتكلم] به يُعْرج به إلى السماء. فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء. فمسخت كوكبًا!
وهذا الإسناد [جيد و] رجاله ثقات، وهو غريب جداً.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن [ابن أبي] خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي قال: هما ملكان من ملائكة السماء.
ضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن [ابن أبي] خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي قال: هما ملكان من ملائكة السماء. يعني: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ).
ورواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي -مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الزّهَرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضًا لا يصح وهو منكر جدًا. والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.
بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزُّهَرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت. قال: فوقعا بالخطيَّة. فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]
فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم.
رون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]
فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب الدنيا.
وقال: ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن زيد بن أبي أنيسة، عن المِنْهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد، قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر، هل طلعت الحمراء، لا مرحبًا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين. قالت الملائكة: يا رب، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض! قال: إني قد ابتليتهم، فعلَّ إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا.
فعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشَّبَق، وأهبطت لهما الزُّهَرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها. فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا الشرك! هذا شيء لا نقر به. فمكثت عنهما ما شاء الله. ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها. فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء. فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة فأتياه، فقال: رحمكما الله كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء!
يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة فأتياه، فقال: رحمكما الله كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء! قالا إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما، إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك؟ إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن، إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى. وإننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال: لا إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قَلِيب مملوءة من نار، عَاليهُمَا
سافلَهما.
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا.
َاليهُمَا
سافلَهما.
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو -والله أعلم-من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله: إن الزُّهَرة نزلت في صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن روّاد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس، ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم، ﵇، فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يا رب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، قد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام، والزنا والسرقة وشرب الخمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غَيْب. فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم ملكين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت.
. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غَيْب. فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم ملكين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس ﵇. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا فقالت: هذا أعبده. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فغَبَرا ما شاء الله. ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر.
فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعَرَفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع
ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له.
لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع
ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان.
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقة، عن أبي جعفر الرازي، به. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزُّهَرة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني حدثنا يزيد -يعني الفارسي-عن ابن عباس [قال] أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي فقالوا: يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي! فقال الله: أنتم معي، وهم غُيَّب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا ألا يشربوا خمرًا ولا يقتلوا نفسا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن.
ة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا ألا يشربوا خمرًا ولا يقتلوا نفسا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد، فأقيل. فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية. فَهَويَاها جميعًا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما. فأخبراها فطارت فمسخت جمرة. وهي هذه الزهَرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا.
ها طرتما. فأخبراها فطارت فمسخت جمرة. وهي هذه الزهَرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض.
وهذا السياق فيه زيادات كثيرة وإغراب ونكارة، والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق: قال مَعْمَر: قال قتادة والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: (وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال مَعْمَر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ).
وقال أسباط عن السدي أنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في
أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني.
قال أسباط عن السدي أنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في
أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دَنْباوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها -واسمها بالعربية "الزّهَرة"، وبالنبطية "بيذخت" وبالفارسية "أناهيد"-فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَربة من الخَرِب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك.
ما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَربة من الخَرِب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تنزل به، فبقيت مكانها، وجعلها الله كوكبًا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، فقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
ه بن عمر كلما رآها لعنها، فقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.
وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بنى آدم فاختاروا فلم يألوا [إلا] هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [والبينات] من وَرَاء وَرَاء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تُخَاصم، فقضيا عليها.
بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تُخَاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل الذي وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عَرَجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما. فاستغاثا برجل من بني آدم
فأتياه، فقالا ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثَمَّ عذابهما.
نظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثَمَّ عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.
وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدي والحسن [البصري] وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.
ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه، قال: الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ [﵂ وعن أبيها] أنها قالت: قدمت امرأة عليَّ من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حَدَاثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به. قالت عائشة، ﵂، لعُرْوَة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت. كان لي زوج فغاب عني، فدخلت عليَّ عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك؟
له يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك؟ فقلتُ: أتعلم السحر. فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي. فأبيت وقلت: لا. قالا فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعتُ ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا. فقالا لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [فإنك على رأس أمري]. فأرْبَبْت وأبيت. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت فاقشعررت [وخفت] ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ فقلت: لم
أر شيئًا. فقالا كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك. فأرببتُ وأبيتُ. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خَرَج مني، فذهب في السماء وغاب [عني] حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء، حتى ما أراه.
خَرَج مني، فذهب في السماء وغاب [عني] حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء، حتى ما أراه. فقالا صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، وقلت: أطلعي فأطلعت وقلت: أحقلي فأحقلت ثم قلت: أفْركي فأفرَكَتْ. ثم قلت: أيبسي فأيبست. ثم قلت: أطحني فأطحنت. ثم قلت: أخبزي فأخبزت. فلما رأيتُ أني لا أريد شيئًا إلا كان، سقط في يدي وندمت -والله-يا، أم ا، لمؤمنين والله ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا.
ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، به مطولا كما تقدم.
إلا كان، سقط في يدي وندمت -والله-يا، أم ا، لمؤمنين والله ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا.
ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، به مطولا كما تقدم. وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده-: لو كان أبواك حيين أو أحدهما [لكان يكفيانك].
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [قال]: قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا أهل الورع والخشية من الله.
حيين أو أحدهما [لكان يكفيانك].
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [قال]: قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا أهل الورع والخشية من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة، ﵂.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.
وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل، كما قال [الله] تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]
واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنْباوَنْد كما قاله السدي وغيره.
ِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]
واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنْباوَنْد كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب، ﵁ [مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يُؤْذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] ببابل فإنها ملعونة.
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليا مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.
ذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.
حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود، قال: فلما "خرج، " مكان "برز".
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه وسكت عنه؛ ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.
قال أصحاب الهيئة: وبُعْدُ ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، ويقال له: أوْقيانُوس سبعون درجة، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم.
نُوس سبعون درجة، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم.
وقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس، قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. [قال] فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فَعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء، فيقول: يا حسرتاه!
يا ويله! ماذا أصنع؟
أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فَعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء، فيقول: يا حسرتاه!
يا ويله! ماذا أصنع؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) -أي: بلاء ابتلينا به- (فَلا تَكْفُرْ)
وقال [قتادة و] السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء [منه]. وذلك غضب الله.
لْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء [منه]. وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) الآية.
وقال سُنَيد، عن حجاج، عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترئ على السحر إلا كافر.
وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:
وقد فُتن النَّاسُ في دينهم … وخَلَّى ابنُ عفان شرًا طويلا
وكذلك قولُه تعالى إخبارًا عن موسى، ﵇، حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
رًا عن موسى، ﵇، حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ.
وهذا إسناد جيد وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.
ن هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، رضي الله
عنه عن النبي ﷺ، قال: "إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا.
راياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا. ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نِعْم أنت".
وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر: ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عَقد أو بَغْضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.
وقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد.
َمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال: نَعَم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب.
قٍ) أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله وقال: وقال الحسن: ليس له دين.
وقال سعد عن قتادة: (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى: (ولبئس) البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل لو كان لهم علم بما وعظوا به (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ) أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ
اللَّهِ خَيْرٌ) أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].
وقد يستدل بقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حَده ضَرْبُ عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عَبَدَةَ يقول: كتب [أمير المؤمنين] عمر بن الخطاب، ﵁، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا. وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت.
، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا. وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت. قال أحمد بن حنبل: صح من أصحاب النبي ﷺ [أذنوا] في قتل الساحر.
وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "حد الساحر ضَرْبُه بالسيف".
ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يُضعَّف في الحديث، والصحيح: عن الحسن عن جُنْدُب موقوفًا.
قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعًا. والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه.
ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا
على سيفه فقتله، فقال: أراه كان ساحرًا، وحمل الشافعي، ﵀، قصة عمر، وحفصة على سِحْر يكون شركا. والله أعلم.
فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده.
مر، وحفصة على سِحْر يكون شركا. والله أعلم.
فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال: وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [تلك] الكلمات المُعَيَّنة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) ومن الأخبار بأن رسول الله ﷺ سُحِر، وأن السحر عَمِل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:
فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟!
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها: قولُهُ: "العلم بالسحر ليس بقبيح". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد".
لة يمنعون هذا وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد". وفي السنن: "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر". وقوله: "ولا محظور اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله [علم] السحر في عموم قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم
قلتَ إن هذا منه؟ ثم تَرَقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم معجزات رسولنا، ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم معجزات رسولنا، ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقُون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:
الأول: سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بَعث إليهم إبراهيم الخليل ﷺ مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم وقد استقصى في "كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره ويقال: إنه تاب منه. وقيل إنه صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد.
في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره ويقال: إنه تاب منه. وقيل إنه صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.
قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه.
ية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة للأوهام.
قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ، قال: "العين حَقّ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين".
قال: فإذا عرفت هذا، فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا، فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم.
أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء.
قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ﷺ، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ﷺ ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال -لعنه الله-له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله.
الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال -لعنه الله-له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا، وليس هذا موضعه.
قال: النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطينُ. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل والتجريد.
بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير.
النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [على] أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه.
ين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال: وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد، كان العمل
أحسنَ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها بكلالها والحالة هذه.
قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر.
جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل.
الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها.
قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام [منهم] وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم.
ال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام [منهم] وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه للجهلة الأغبياء من متعبدي الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ فيهم: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من
النار ". وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار".
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون، ليتبلغ به، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من
كان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات. قال: واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.
قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يَدّعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
دخل في هذا القبيل كثير ممن يَدّعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال: النوع السابع من السحر: تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحرُ أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قلت: هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المُتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له مِنَ الناس مِنْ غيره.
قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
قلت: النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه.
ريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
قلت: النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا كانت على وجه الإصلاح [بين الناس] وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من يَنمّ خيرًا" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة" فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة". وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.
ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.
قلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فَنّ السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطُف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا.
ثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فَنّ السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطُف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا. وسمي السحور لكونه يقع خفيًا آخر الليل والسَّحْر: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحرك أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة، ﵂: توفي رسول ﷺ بين سَحْري ونَحْري. وقال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم.
[فصل] وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هَبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه: "الإشراف على مذاهب الأشراف" بابًا في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَر.
، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي، ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يُقْتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا
يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حَقّ شخص معين. وإذا قُتل فإنه يُقْتَل حدًا عندهم إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل -والحالة هذه-قصاصًا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.
لة هذه-قصاصًا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم.
واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قَرَأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-عُمَرُ بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
أحمد بن حنبل-عُمَرُ بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
وقد نقل القرطبي عن مالك، ﵀، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ". لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبًا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
مسألة: وهل يسأل الساحر حل سحره؟
عليه وجاءنا تائبًا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
مسألة: وهل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت، فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا". وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله ﷺ في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما" وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.
خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل.
عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.
خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخيل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس: هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال: وقوله، ﵇: "إن من البيان لسحرا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة. قال: وهذا الأصح. قال: لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض" فأقتضي له، الحديث.