﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: قال: هذا ما سطَّره الأوَّلون فكتَبوه، مِن الأحاديثِ والأخبارِ.
وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُكذِّبًا لهم في قيلِهم ذلك: كلا ما ذلك كذلك، ولكنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. يقولُ: غلَب على قلوبِهم وغمَرتها، وأحاطتْ بها الذنوبُ فَغَطَّتْها. يقالُ منه: رانتِ الخمرُ على عقلِه، فهى تَرِينُ عليه رَيْنًا. وذلك إذا سَكِر فغلَبت على عقلِه، ومنه قولُ أبى زُبيدٍ الطائيِّ.
ثُمَّ لما رآه رانَتْ به الخمـ … ـــرُ وأَنْ لا تَرِينَهُ بِاتِّقاءِ
يعنى تَرِينَه بمخافةٍ.
إذا سَكِر فغلَبت على عقلِه، ومنه قولُ أبى زُبيدٍ الطائيِّ.
ثُمَّ لما رآه رانَتْ به الخمـ … ـــرُ وأَنْ لا تَرِينَهُ بِاتِّقاءِ
يعنى تَرِينَه بمخافةٍ. يقولُ: سَكِر فهو لا ينتبِهُ؛ ومنه قولُ الراجزِ:
لمْ نَرْوَ حتى هَجَّرت وَرِينَ بى … وَرِينَ بالسَّاقى الذي أمسى مَعِى
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن ابن عَجْلانَ، عن القَعْقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذا أَذْنَب العبدُ نُكِت في قلبِه نُكتةٌ سوداءٌ، فإن تاب صُقِل منها، فإن عاد عادَتْ حتى تَعْظُمَ في قلبِه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ ".
ُقِل منها، فإن عاد عادَتْ حتى تَعْظُمَ في قلبِه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ ".
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ المؤمنَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَغْفَر، صَقَلَتْ قلبَه، فإنْ زاد زادَتْ حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن القعقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ العبدَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب منها صُقِل قلبُه، فإن زاد زادَتْ، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ ".
ةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب منها صُقِل قلبُه، فإن زاد زادَتْ، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ ".
حدَّثني أبو صالحٍ الضِّراريُّ محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: أخبَرنى طارقُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن ابن عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ العبدَ إذا أخطَأ خطيئةً كانت نكتةٌ في قلبِه، فإن تاب واسْتَغْفَر ونَزَع صقَلت قلبَه، وذلك الرَّانُ الذي ذكر اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ".
قال أبو صالحٍ: كذا قال: صقَلت. وقال غيرُه: سَقَلت.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الوليدُ، عن خُليدٍ، عن الحسنِ، قال وقرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يموتَ قلبُه.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
تى يموتَ قلبُه.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يعمَى القلبُ فيموتَ.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: العبدُ يعملُ بالذنوبِ، فتحيطُ بالقلبِ، ثم ترتفعُ حتى تغشَى القلبَ.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: أرانا مجاهدٌ بيدِه، قال: كانوا يُرَون القلبَ في مثلِ هذا - يعنى الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصبعِه الخنصرِ هكذا - فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، حتى ضمَّ أصابعه كلَّها، ثم يُطْبَعُ
عليه بطابعٍ.
ًا ضُمَّ منه - وقال بإصبعِه الخنصرِ هكذا - فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، حتى ضمَّ أصابعه كلَّها، ثم يُطْبَعُ
عليه بطابعٍ. قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أَنَّ ذلك الرَّيْنُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، فإذا أذنَب الذنبَ قبَض إصبعًا، حتى يقبضَ أصابَعه كلَّها، وإنَّ أصحابَنا يُرَوْن أنه الرَّانُ.
و حدَّثنا أبو كريبٍ مرَّةً أخرى بإسنادِه عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، وإذا أذنَب انقبَض - وقبَض إصبعَه - فإذا أذنَب انقبَض، حتى ينقبِضَ كلُّه، ثم يُطبَعُ عليه، فكانوا يُرَوْن أنَّ ذلك هو الرَّانُ، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾.
يَكْسِبُونَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: الخطايا حتى غمرته.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾: انْبَثت على قلبِه الخطايا حتى غمَرته.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: يُطبعُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: طُبِع على قلوبِهم ما كسَبوا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ، عن عطاءٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وبِهم ما كسَبوا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ، عن عطاءٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: غَشِيت على قلوبِهم فهَوَت بها، فلا يَفْزعون، ولا يتحاشَون.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: هو الذنبُ، حتى يموتَ القلبُ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾.
مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: هو الذنبُ، حتى يموتَ القلبُ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: الرَّانُ الطَّبعُ: يُطْبَعُ القلبُ مثلُ الراحةِ، فيُذْنِبُ الذنبَ، فيصيرُ هكذا - وعقَد سفيانُ الخِنْصَرَ - ثم يذنبُ الذنبَ فيصيرُ هكذا - وقبَض سفيانُ كفَّه - فيُطْبعُ عليه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أعمالُ السَّوءِ، إى واللَّهِ، ذنبٌ على ذنبٍ، وذنبٌ على ذنبٍ حتى مات قلبُه واسودَّ
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: هذا الذنبُ على الذنبِ، حتى يَرِينَ على القلبِ
فيسوَدَّ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾.
لى الذنبِ، حتى يَرِينَ على القلبِ
فيسوَدَّ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾. قال: غلَب على قلوبهم ذُنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خيرٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: الرجلُ يذنبُ الذنبَ، فيحيطُ الذنبُ بقلبِه، حتى تَغْشى الذنوبُ عليه. قال مجاهدٌ: وهى مثلُ الآيةِ التي في سورةِ البقرةِ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: (٨١)].
وسكّير، ونحو ذلك. ولهذا عظم أمره فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ)؟ أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم وعذاب أليم.
ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة. وقد تقدم في حديث البراء بن عازب، في حديثه الطويل: يقول الله ﷿ في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين.
وسجين: هي تحت الأرض السابعة. وقيل: صخرة تحت السابعة خضراء. وقيل: بئر في جهنم.
وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مُشكان الواسطي، حدثنا نَصر بن خُزَيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق: جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح".
والصحيح أن "سجينا" مأخوذ من السَّجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة.
واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥، ٦]. وقال هاهنا: (كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال:
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
وقوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) ليس تفسيرا لقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.
ثم قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السَّجن والعذاب المهين.
نه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.
ثم قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السَّجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله: (وَيْلٌ) بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند والسنن من رواية بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيَدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "ويل للذي يُحَدِّث فيكذب، ليضحِكَ الناس، ويل له، ويل له".
ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره.
يل له".
ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.
وقوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الفرقان: ٥]، قال الله تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه
(كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّيْن الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) والرين يعتري قلوبَ الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين.
وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
داء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال
الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
وقال أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت.
الذي ذكر الله في القرآن: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت. وكذا قال مجاهد ابن جبر وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.
وقوله: (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) أي: لهم يوم القيامة مَنزلٌ ونزل سجين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم.
قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: [في] هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ.
وهذا الذي قاله الإمام الشافعي، ﵀، في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
﵀، في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عَرَصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة.
وقد قال ابن جرير [محمد بن عمار الرازي]: حدثنا أبو معمر المنْقَريّ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: (كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون. كُلّ يوم غدوة وعشية-أو كلاما هذا معناه.
قوله: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.