القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ على السُرُرِ في الحِجالِ من اللؤلؤ والياقوتِ، ينظُرون إلى ما أعطاهم اللَّهُ من الكرامةِ والنعيمِ والحَبْرةِ في الجنانِ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. قال: من اللؤلؤ والياقوتِ.
قال: ثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْأَرَائِكِ﴾: السُّرُرِ في الحجالِ.
وقولُه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تعرفُ في الأبرارِ الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم، ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾.
حجالِ.
وقولُه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تعرفُ في الأبرارِ الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم، ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. يعنى: حُسنَه وبريقَه وتلألؤَه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَعْرِفُ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئ: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ بفتحِ التاءِ من ﴿تَعْرِفُ﴾، على وجهِ الخطابِ، ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بنصبِ و ﴿نَضْرَةَ﴾. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (تُعْرَفُ). بضمِّ التاءِ، على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، (في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ) برفعِ (نَضْرَةُ).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك فتحُ التاءِ
من ﴿تَعْرِفُ﴾، ونصبُ ﴿نَضْرَةَ﴾.
وقولُه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾.
وابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك فتحُ التاءِ
من ﴿تَعْرِفُ﴾، ونصبُ ﴿نَضْرَةَ﴾.
وقولُه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يقولُ: يُسقَى هؤلاء الأبرارُ من خمرٍ صِرفٍ لا غشَّ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾. قال: من الخمرِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يعنى بالرحيقِ الخمرَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾.
نا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾. قال: خمرٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرحيقُ الخمرُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَحِيقٍ﴾.
قال: هو الخمرُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. يقولُ: الخمرِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: الرحيقُ المختومُ: الخمرُ، قال حسانُ:
يَسْقُون مَن ورَد البَرِيصَ عليهم … بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾.
… بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. قال: هو الخمرُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرحيقُ: الخمرُ.
وأما قولُه: ﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ممزوجٌ مخلوطٌ، مِزاجُه وخِلطُه مِسكٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ بن معاويةَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: ليس بخاتمٍ، ولكن خِلطٌ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أشعثَ بن سُليمٍ، عن زيدِ (١) بن معاوية، علقمة، عن عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾.
ا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أشعثَ بن سُليمٍ، عن زيدِ (١) بن معاوية، علقمة، عن عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: أما إنه ليس بالخاتمِ الذي يختِمُ، أما سمِعتم المرأةَ من نسائِكم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلطُ مسكٍ؟
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عمن ذكَره، عن علقمةَ في قولِه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: خِلطُه مسكٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾. قال: ممزوجٍ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طعمُه وريحُه.
قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ بن معاويةَ، علقمةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طعمُه وريحُه مسكٌ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن آخرَ شرابِهم يُختمُ بمسكٍ يُجعلُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾.
ُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. يقولُ: الخمرُ خُتِم بالمسكِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فكان آخرَ شيءٍ جُعِل فيها حتى تُختمَ، المسكُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: عاقبتُه مسكٌ، قومٌ يُمزجُ لهم بالكافورِ، ويُختمُ بالمسكِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: عاقبتُه مِسكٌ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾.
ُهُ مِسْكٌ﴾. قال: عاقبتُه مِسكٌ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فوجَدوا فيها في آخرِ شيءٍ منها ريحَ المسكِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا حاتمُ بنُ وردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ والحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قالا: عاقبتُه مسكٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ، عن أبي الدرداءِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: فالشرابُ أبيضُ مثلُ الفضةِ، يَختِمون به شرابَهم، ولو أن رجلًا من أهلِ الدنيا أدخَل إصبعَه فيه ثم أخرَجها، لم يبقَ ذو روحٍ إلا وجَد طِيبَها.
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿مَخْتُومٍ﴾: مُطَيَّنٍ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: طينُه مسكٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
بقولِه: ﴿مَخْتُومٍ﴾: مُطَيَّنٍ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: طينُه مسكٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال: طينُه مسكٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَخْتُومٍ﴾: الخمرُ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: ختامُه عندَ اللَّهِ مسكٌ، وختامُها اليومَ في الدنيا طينٌ.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: آخرُه وعاقبتُه مسكٌ. أي: هي طيبةُ الريحِ، إن ريحَها في آخرِ شربِهم يختمُ لهم بريحِ المسكِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنه لا وجهَ للختمِ في كلامِ العربِ إلا الطبعُ والفراغُ، كقولِهم: ختَم فلانٌ القرآنَ.
لهم بريحِ المسكِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنه لا وجهَ للختمِ في كلامِ العربِ إلا الطبعُ والفراغُ، كقولِهم: ختَم فلانٌ القرآنَ. إذا أتَى على آخرِه، فإذا كان لا وجهَ للطبعِ على شرابِ أهلِ الجنةِ يُفهمُ؛ إذ كان شرابُهم جاريًا جَرْىَ الماءِ في الأنهارِ، ولم يكنْ مُعَتَّقًا في الدنانِ فيُطَيَّنَ عليها ويُختمَ - عُلِم أن الصحيحَ من ذلك هو الوجهُ الآخرُ، وهو العاقبةُ والمشروبُ آخِرًا، وهو الذي خُتِم به الشرابُ.
وأما الختمُ بمعنى المزجِ، فلا نعلمُه مسموعًا من كلامِ العربِ.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿خِتَامُهُ
مِسْكٌ﴾ سوى الكسائيِّ، فإنه كان يقرؤُه (خاتَمُه مِسْكٌ).
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿خِتَامُهُ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
سائيِّ، فإنه كان يقرؤُه (خاتَمُه مِسْكٌ).
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿خِتَامُهُ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. والختِامُ والخاتَمُ وإن اختلَفا في اللفظِ، فإنهما متقارِبان في المعنى، غيرَ أن الخاتمَ اسمٌ والختامَ مصدرٌ، ومنه قولُ الفرزدقِ:
فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
ونظيرُ ذلك قولُهم: هو كريمُ الطابَعِ والطباعِ.
وقولُه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي هذا النعيم الذي وصف جلَّ ثناؤُه أنه أعطى هؤلاء الأبرارَ في القيامةِ، فليتنافَسِ المتنافِسون. والتنافسُ أن يَنْفَسَ الرجلُ على الرجلِ بالشيءِ يكونُ له، ويتمنَّى أن يكونَ له دونَه، وهو مأخوذٌ من الشيءِ النفيسِ، وهو الذي تحرصُ عليه نفوسُ الناسِ وتطلبُه وتشتهِيه، وكأنَّ معناه في ذلك: فليجدَّ الناسُ فيه، وإليه فليستبِقوا في طلبِه، ولتحرصْ عليه نفوسُهم.
﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾
يقول تعالى: حقا (إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ) وهم بخلاف الفجار، (لَفِي عِلِّيِّينَ) أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين.
قال الأعمش، عن شَمر بن عطية، عن هلال بن يَسَاف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين، قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار. وسأله عن عِلّيين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين.
قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين، قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار. وسأله عن عِلّيين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) يعني: الجنة.
وفي رواية العَوفي، عنه: أعمالهم في السماء عند الله. وكذا قال الضحاك.
وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى. وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى.
والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع؛ ولهذا قال معظما أمره ومفخما شأنه: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون) ثم قال مؤكدا لما كتب لهم: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) وهم الملائكة، قاله قتادة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها.
قال مؤكدا لما كتب لهم: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) وهم الملائكة، قاله قتادة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها.
ثم قال تعالى: (إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم، (عَلَى الأرَائِكِ) وهي: السرر تحت الحِجَال، (يَنْظُرُونَ) قيل: معناه: ينظرون في مُلكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه (عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ) إلى الله ﷿.
ْظُرُونَ) قيل: معناه: ينظرون في مُلكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه (عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ) إلى الله ﷿. وهذا مقابله لما وُصف به أولئك الفجار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفى سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين".
وقوله: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدِّعة والرياسة؛ مما هم فيه من النعيم العظيم.
وقوله: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) أي: يسقون من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر.
السرور والدِّعة والرياسة؛ مما هم فيه من النعيم العظيم.
وقوله: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) أي: يسقون من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري-أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ-قال: "أيما مؤمن سقى
مؤمنا شربة على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم. وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عُري، كساه الله من خُضر الجنة".
وقال ابن مسعود في قوله: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) أي: خلطه مسك.
وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، خُتِم بمسك.
الجنة".
وقال ابن مسعود في قوله: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) أي: خلطه مسك.
وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، خُتِم بمسك. وكذا قال قتادة والضحاك.
وقال إبراهيم والحسن: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) أي: عاقبته مسك.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) قال: شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به شرابهم. ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) قال: طيبه مسك.
وقوله: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون. كقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
وقوله: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه.
[الصافات: ٦١].
وقوله: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح والضحاك؛ ولهذا قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) أي: يشربها المقربون صِرْفًا، وتُمزَجُ لأصحاب اليمين مَزجًا. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم.