القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: الوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهلِ جهنمَ في أسفلها، للذين يُطَفِّفون. يعنى: للذين ينقُصون الناسَ، ويَبْخَسونهم حقوقَهم في مكاييلِهم إذا كالُوهم، أو موازينهم إذا وزَنوا لهم عن الواجبِ لهم من الوفاءِ. وأصلُ ذلك من الشيءِ الطفيفِ، وهو القليل النَّزْرُ، والمطفِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع.
فِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع. يعنى بذلك: كقُرْبِ الممتلئَ منه ناقصٍ عن المِلءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن ضِرارٍ، [عن عبيد المكتب]، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، إن أهل المدينةِ لَيُوفُون الكيلَ. قال: وما يمنعُهُم من أن يُوفُوا الكيلَ وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. حتى بلَغ:
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فأحسنوا الكيل.
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قتيبةَ، عن بسّامٍ الصيرفيِّ، عن عكرِمةَ، قال: أشهدُ أن كلَّ كيَّالٍ ووزَّانٍ في النارِ. فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس منهم أحدٌ يَرْنُ كما يتَّزِنُ، ولا يكيلُ كما يكتالُ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين إذا اكتالوا من الناسِ ما لهم قِبَلَهم من حقٍّ، يستوفون لأنفسِهم فيكتالونه منهم وافيًا. و "علي" و "من" في هذا الموضعِ يتعاقَبان، غيرَ أنه إذا قيل: اكتلتُ منك. يرادُ: استوفَيْتُ منك.
وقولُه: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك.
وَزَنُوهُمْ﴾. يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك. ومن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل الوقفَ على
"هم"، وجعل (هم) في موضعِ نصب. وكان عيسى بنُ عمرَ فيما ذُكِر عنه يجعَلُهما حرفين، ويقفُ على "كالُوا"، وعلى "وزَنوا"، ثم يبتدئُ: هم يُخسِرون. فمن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل "هم" في موضعِ رفعٍ، وجعَل "كالوا" و "وزَنوا" مكتفِيَين بأنفسِهما
والصوابُ في ذلك عندى الوقفُ على "هم"؛ لأن "كالُوا" و "وزَنوا" لو [كانا مكتفِيَين]، وكانت "هم" كلامًا مستأنَفًا، كانت كتابةُ "كالُوا" و "وزَنوا" بألفٍ فاصلةٍ بينَها وبينَ (هم) مع كلِّ واحدٍ منهما، إذ كان بذلك جرَى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه: "هُمْ". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم.
ن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه: "هُمْ". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا، على ما بيَّنَّا.
وقولُه: ﴿يُخْسِرُونَ﴾. يقولُ: ينقُصونهم.
وقولُه: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألا يظنُّ هؤلاء المطفِّفون الناسَ في مكاييلِهم وموازينِهم، أنهم مبعوثون من قبورِهم بعدَ مماتِهم، ليومٍ عظيمٍ شأنُه، هائلٍ أمرُه، فظيعٍ هَوْلُه؟!
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فـ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ تفسيرٌ عن اليوم
الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ.
مُ﴾ تفسيرٌ عن اليوم
الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ. وقد يجوزُ نصبُه وهو بمعنى الخفضِ؛ لأنها إضافةٌ غير محضةِ، ولو خُفض ردًّا على اليومِ الأولِ لم يكنْ لحنًا، ولو رُفِع جاز، كما قال الشاعرُ:
وكنتُ كذى رِجْلين رِجْلٌ صحيحةٌ … ورجُلٌ رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ
وذُكِر أنَّ الناسَ يقومون لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى يُلْجِمَهم العرقُ، فبعضٌ يقولُ: مقدارَ ثلاثِمائةِ عامٍ. وبعضٌ يقول: مقدارَ أربعيَن عامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يقومُ أحدُكم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه".
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ه".
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يغيبُ أحدهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه".
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حتى يقوم أحدُهم في رَشْحِه
إلى أنصافِ أُذنَيه.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال النبيُّ ﷺ: "إِنَّ الناسَ يُوقَفُون يومَ القيامةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ، حتى إِنَّ العرق ليُلْجِمُهم إلى أنصافِ آذانِهم".
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يومَ القيامةِ لِعَظَمة الرحمن".
مدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يومَ القيامةِ لِعَظَمة الرحمن". ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". قال: "يقومون حتى يبلُغَ الرَّشْحُ إلى أنصافِ آذانهم".
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن حبيبٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبى، عن صالحٍ، قال: ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ حتى يَغِيبَ أحدُهم إلى أنصافِ أُذنيه في رَشْحِه".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ بن سعيد، عن محارب بن
دِثارٍ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
ِه".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ بن سعيد، عن محارب بن
دِثارٍ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: يقومون مائةَ سنةٍ.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى إنَّ العرَقَ لَيُلْجِمُ الرجلَ إلى أنصافِ أُذنَيه".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أَذُنَيه".
: ثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أَذُنَيه".
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السَّلِيميُّ المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا يعقوبُ ابنُ إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ عَجْلانَ، قال: ثنا أبو يزيدَ المدنيُّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال البشيرٍ الغِفَاريِّ: "كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين مِقْدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ مِن السماءِ، ولا يُؤْمَرُ
فيهم بأمرٍ؟ ". قال بشيرٌ: المستعانُ اللَّهُ يا رسولَ اللَّهِ.
مين مِقْدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ مِن السماءِ، ولا يُؤْمَرُ
فيهم بأمرٍ؟ ". قال بشيرٌ: المستعانُ اللَّهُ يا رسولَ اللَّهِ. قال: "إذا أنت أوَيْتَ إلى فِراشِك فتعوَّذُ باللَّهِ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ وسُوءِ الحسابِ".
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال: يمكثون أربعينَ عامًا رافعى رءوسِهم إلى السماءِ، لا يكلِّمُهم أحدٌ، قد أَلْجم العرقُ كلَّ بَرٍّ وفاجرٍ. قال: فينادِى منادٍ: أليس عدْلًا مِن ربِّكم أنْ خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتم غيرَه - أن يُولِّىَ كلَّ عبدٍ منكم ما تولَّى في الدنيا؟ قالوا: بلى. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيسِ بن سَكَنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللَّهِ وهو عندَ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
بو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيسِ بن سَكَنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللَّهِ وهو عندَ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: إذا كان يومُ القيامةِ يقومُ الناسُ بينَ يدَىْ ربِّ العالمين أربعيَن عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، حفاةً عراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يكلِّمُهم بشرٌ أربعينَ عامًا. ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: يقومون ثلاثَمائةِ سنةٍ.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
عبًا كان يقولُ: يقومون ثلاثَمائةِ سنةٍ.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان كعبٌ يقولُ: يقومون مقدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ].
قال قتادةُ: وحدَّثنا العلاءُ بنُ زيادٍ العدويُّ، قال: بلَغنى أن يومَ القيامةِ يَقْصُرُ على المؤمنِ، حتى يكونَ كإحدى صلاتِه المكتوبةِ.
قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا العُمَريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يقومُ الرجلُ في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه".
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: يقومُ الناسُ لربِّ العالمين حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه.
قال يعقوبُ: قال إسماعيلُ: قلتُ لابنِ عونٍ: ذكَر النبيَّ ﷺ في هذا الحديثِ؟
قومُ الناسُ لربِّ العالمين حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه.
قال يعقوبُ: قال إسماعيلُ: قلتُ لابنِ عونٍ: ذكَر النبيَّ ﷺ في هذا الحديثِ؟ قال: نعم، إن شاء اللَّهُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى، قال: أخبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمين، حتى إنَّ أحدَهم لَيَغِيبُ في رَشْحِه إلى نِصْفِ أذُنَيه".
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾
قال النسائي وابن ماجة: أخبرنا محمد بن عقيل -زاد ابن ماجة: وعبد الرحمن بن بشر-قالا حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد-هو ابن أبي سعيد النحوي، مولى قريش-عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فحسنَّوا الكيلَ بعد ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئةً وأوفاه كيلا؟ أهل مكة أو المدينة؟
عمش، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئةً وأوفاه كيلا؟ أهل مكة أو المدينة؟ قال: حق لهم، أما سمعت الله يقول: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)
وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله ﷿: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) حتى بلغ: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
فالمراد بالتطفيف هاهنا: البَخْس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قَضَاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخَسَار والهَلاك وهو الويل، بقوله: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) أي: من الناس (يَسْتَوْفُونَ) أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد، (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي: ينقصون.
كْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) أي: من الناس (يَسْتَوْفُونَ) أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد، (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي: ينقصون. والأحسن أن يجعل "كالوا" و "وزنوا" متعديا، ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله: "كالوا" و "وزنوا"، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.
وقد أمر الله-تعالى-بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩]. وأهلك الله قوم شعيب ودَمَّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.
ثم قال تعالى متوعدا لهم: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)؟
ودَمَّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.
ثم قال تعالى متوعدا لهم: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)؟ أي: أما يخافُ أولئك من البعث والقيام بين يَدَي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟
وقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: يقومون حفاة عراة غُرلا في موقف صعب حَرج ضيق ضنَك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله-ما تَعْجزُ القوى والحواس عنه.
قال الإمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه".
رواه البخاري، من حديث مالك وعبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، به. ورواه مسلم من الطريقين أيضا.
الْعَالَمِينَ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه".
رواه البخاري، من حديث مالك وعبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، به. ورواه مسلم من الطريقين أيضا. وكذلك رواه صالح [وثابت بن كيسان] وأيوب بن يحيى، وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر، ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول:: " (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لعظَمة الرحمن ﷿ يوم القيامة، حتى إن العرقَ ليُلجِمُ الرجالَ إلى أنصاف آذانهم".
عت رسول الله ﷺ يقول:: " (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لعظَمة الرحمن ﷿ يوم القيامة، حتى إن العرقَ ليُلجِمُ الرجالَ إلى أنصاف آذانهم".
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد-يعني ابن الأسود الكندي-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يومُ القيامة أدنِيَت الشمس من العباد، حتى تكون قيدَ ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العَرق كقَدْر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عَقِبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْوَيه، ومنهم من يلجمه إلجاما".
رواه مسلم، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة-والترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك-كلاهما عن ابن جابر، به.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سَوَّار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية
حيى بن حمزة-والترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك-كلاهما عن ابن جابر، به.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سَوَّار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية
ابن صالح: أن أبا عبد الرحمن حدثه، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يُعرَقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق". انفرد به أحمد.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا أبو عُشَّانة حَي بن يُؤمِنُ، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعتُ رسول ﷺ يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عَقِبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العَجُز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه-وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا-ومنهم من يغطيه عرقه". وضرب بيده إشارة.
ن يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه-وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا-ومنهم من يغطيه عرقه". وضرب بيده إشارة. انفرد به أحمد.
وفي حديث: أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون. وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة. وقيل: يقومون أربعين ألف سنة. ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، كما في صحيح مسلم عن أبي هُرَيرة مرفوعا: "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة".
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عَجْلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين، من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر؟ ". قال بشير: المستعان الله.
أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين، من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر؟ ". قال بشير: المستعان الله. قال: "فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كَرْب يوم القيامة، وسوء الحساب".
ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام، به.
وفي سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة.
وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رءوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق بَرّهم وفاجرهم.
وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة. رواهما ابن جرير.
وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة، من حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح،
عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرا، ويحمد عشرا، ويسبح عشرا، ويستغفر عشرا، ويقول: "اللهم اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني". ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة.