القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: عَظِّم ربَّك الأَعْلَى، لا ربَّ أعلَى منه وأعْظَمُ. وكان بعضُهم إذا قرَأ ذلك قال: سبحانَ ربيَ الأعلَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عمر أنه كان يقرأُ: (سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلَى الذي خَلَق فَسَوَّى).
هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عمر أنه كان يقرأُ: (سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلَى الذي خَلَق فَسَوَّى). قال: وهي في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ كذلك.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن عبدِ خيرٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال: سبحانَ ربيَ الأعلى.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، أَنَّ ابنَ عباسٍ كان إذا قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: سبحانَ ربيَ الأعلى. وإذا قرَأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. فأتَى على آخرِها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
قرَأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. فأتَى على آخرِها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. يقولُ: سبحانَك اللَّهمَّ، وبلى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرَأها قال: "سبحان ربي الأعلى".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن داودَ، عن زيادِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ في صلاة المغربِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلى).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزِّه يا محمدُ اسمَ ربِّك الأعلى أن تُسمِّىَ به شيئًا سواه.
لاة المغربِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلى).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزِّه يا محمدُ اسمَ ربِّك الأعلى أن تُسمِّىَ به شيئًا سواه. يَنْهاه بذلك أنْ يفعَلَ ما فعَل مِن ذلك المشركون، مِن تَسْمِيَتِهم آلهتَهم؛ بعضَها اللَّاتَ، وبعضَها العُزَّى.
وقال غيرُهم: بل معنى ذلك: نزِّهِ اللَّهَ عمَّا يقولُ فيه المشركون، كما قال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وقالوا: معنى ذلك: سبِّح ربَّك الأعلى. قالوا: وليس الاسمُ مَعْنًى.
وقال آخرون: نزِّه تسميتَك يا محمدُ ربَّك الأعلى، وذِكرَك إِيَّاه، أنْ تذكُرَه
إلا وأنت له خاشِعٌ مُتَذَلِّلٌ. قالوا: وإنما عُنِى بالاسمِ التسميةُ، ولكن وُضِع الاسمُ مكانَ المصدرِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: صَلِّ بذكرِ ربِّكَ يا محمدُ.
نما عُنِى بالاسمِ التسميةُ، ولكن وُضِع الاسمُ مكانَ المصدرِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: صَلِّ بذكرِ ربِّكَ يا محمدُ. يعنى بذلك: صلِّ وأنت له ذاكرٌ، ومنه وَجِلٌ خائفٌ.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: نزِّه اسمَ رَبِّكَ أَنْ تَدْعوَ به الآلهةَ والأوثانَ؛ لِمَا ذكرتُ من الأخبار، عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن الصحابةِ، أنهم كانوا إذا قرَءوا ذلك قالوا: سبحانَ ربيَ الأعلى. فبَيِّنٌ بذلك أَنَّ معناه كان عندَهم: عظِّمْ اسمَ رَبِّكَ ونَزِّهْه.
وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. يقولُ: الذي خلَق الأشياءَ فسوَّى خَلْقَها وعَدَلها. والتسويةُ: التعديلُ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
هْه.
وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. يقولُ: الذي خلَق الأشياءَ فسوَّى خَلْقَها وعَدَلها. والتسويةُ: التعديلُ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي قدَّر خَلْقَه فهَدى.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عُنِى بقولِه: ﴿فَهَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: هَدَى الإنسانَ لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، والبهائمَ للمَرَاتِع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾. قال: هَدَى الإنسانَ للشِّقْوةِ والسعادةِ، وهَدَى الأنعامِ
لمَرَاتعِها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ.
له: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾. قال: هَدَى الإنسانَ للشِّقْوةِ والسعادةِ، وهَدَى الأنعامِ
لمَرَاتعِها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أَنَّ اللَّهَ عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبرَ عن هدايتِه خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، وهَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ، فالخبرُ على عمومِه، حتى يأتىَ خبرٌ تقومُ به الحُجَّةُ، دالٌّ على خُصوصِه.
وأجْمَعَت قرأةُ الأمصارِ على تشديدِ الدالِ من ﴿قَدَّرَ﴾، غيرَ الكسائيِّ فإنه خَفَّفها.
والصوابُ في ذلك التشديدُ؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾.
على تشديدِ الدالِ من ﴿قَدَّرَ﴾، غيرَ الكسائيِّ فإنه خَفَّفها.
والصوابُ في ذلك التشديدُ؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. يقولُ: والذي أَخْرَجَ مِن الأَرضِ مَرْعَى الأنعامِ؛ مِن صُنُوفِ النباتِ وأنواع الحَشيشِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ مُكَرَّمٍ، قال: ثنا الحَفَرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. قال: النباتَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ الآية: [شَتِيتَ النباتِ] كما رأيْتم؛ بينَ أصفرَ وأحمرَ وأبيضَ.
وقولُه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل ذلك المَرْعَى غُثاءً. وهو ما جَفَّ مِن النَّبْتِ ويَبِس، فطارَت به الريحُ.
مرَ وأبيضَ.
وقولُه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل ذلك المَرْعَى غُثاءً. وهو ما جَفَّ مِن النَّبْتِ ويَبِس، فطارَت به الريحُ. وإنما عُنى به ههنا أنه جعَله هَشيمًا يابسًا متغيِّرًا إلى الحُوَّةِ؛ وهى السَّوَادُ من بعدِ البياضِ أو الخُضْرةِ؛ من شدَّةِ اليُبْسِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ في قولِه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ: هَشِيمًا متغيِّرًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: غُثاءَ السَّيْلِ، ﴿أَحْوَى﴾. قال: أسودَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:
﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾.
﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: غُثاءَ السَّيْلِ، ﴿أَحْوَى﴾. قال: أسودَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:
﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: يعودُ يُبْسًا بعدَ خُضْرةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: كان بَقْلًا ونباتًا، أخضرَ، ثم هاج فيَبِس، فصار غُثاءً أَحْوَى، تَذهَبُ به الرياحُ والسُّيولُ.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يَرى أنَّ ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأنَّ معنى الكلامِ: والذي أَخْرَج المَرْعَى أحْوى. أي: أخضرَ إلى السوادِ، فجعَله غثاءً بعدَ ذلك.
ِ يَرى أنَّ ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأنَّ معنى الكلامِ: والذي أَخْرَج المَرْعَى أحْوى. أي: أخضرَ إلى السوادِ، فجعَله غثاءً بعدَ ذلك. ويَعْتَلُّ لقوله ذلك بقول ذى الرُّمَّة:
حَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْراطِيَّةٌ وَكَفَتْ … فيها الذِّهابُ وحَفَّتْها البَرَاعِيمُ.
وهذا القولُ - وإن كان غيرَ مدفوعٍ أنْ يكونَ ما اشتدَّتْ خضرتُه مِن النباتِ، قد تُسمِّيه العربُ أسْوَدَ - غيرُ صوابٍ عندى؛ لخلافِه تأويلَ أهلِ التأويلِ في أنَّ الحرفَ إنما يُحتالُ لمعناه المُخْرَجِ بالتقديمِ والتأخيرِ، إذا لم يَكُنْ له وجهٌ مفهومٌ إلا بتقديمهِ عن موضعِه أو تأخيرِه، فأمَّا وله في موضعِه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْهَ لطلبِ الاحتيالِ لمعناه بالتقديمِ والتأخيرِ.
وقولُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.
ا وله في موضعِه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْهَ لطلبِ الاحتيالِ لمعناه بالتقديمِ والتأخيرِ.
وقولُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
سنُقْرِئُك يا محمدُ هذا القرآنَ فلا تَنْساه، إلا ما شاء اللهُ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيَّه ﵊ أنه يُعَلَّمُه هذا القرآنَ، ويحفَظُه عليه، ونَهْىٌ منه أن يَعْجَلَ بقراءتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾.
بو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. قال: كان يَتَذَكَّرُ القرآنَ في نفسِه مَخَافَةَ أَن يَنْسَى.
فقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الاستثناءِ في هذا الموضعِ على النسيانِ، ومعنى الكلامِ: فلا تَنْسَى، إلا ما شاء اللهُ أن تَنْساه ولا تَذْكُرَه. قالوا: وذلك هو ما نَسَخه اللهُ من القرآنِ، فرفَع حُكْمَه وتلاوتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَنْسَى شيئًا إِلَّا ما شاء اللهُ.
وقال آخرون: معنى النسيانِ في هذا الموضعِ: التَّرْكُ.
عن قتادةَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَنْسَى شيئًا إِلَّا ما شاء اللهُ.
وقال آخرون: معنى النسيانِ في هذا الموضعِ: التَّرْكُ. وقالوا: معنى الكلامِ: سنُقْرِئُك يا محمدُ فلا تَتْرُكُ العملَ بشيءٍ منه، إلا ما شاءَ اللهُ أن تَتْرُكَ العملَ به، مما نَنْسَخُه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في ذلك: لم يشَأ اللهُ أن يَنْسَى شيئًا، وهو كقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، ولا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا.
ا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مَجارى الأيمانِ، يُسْتَثْنى فيها، ونيةُ الحالفِ التَّمامُ.
والقولُ الذي هو أَوْلَى بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا تَنْسَى إلا أن نشاء نحنُ أَنْ نُنْسِيَكَه بنسخِه ورفعِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك أظهرُ مَعانِيه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الله يعلمُ الجهرَ يا محمدُ من عملِك، ما أظهَرْتَه وأعلَنْته، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ: وما تُخْفِى منه فلم تُظْهِرْه مما كَتَمْتَه. يقولُ: هو يعلمُ جميعَ أعمالِك، سرَّها وعلانِيَتَها. يقولُ: فاحْذَرُه أَن يَطَّلِعَ عليك وأنت عاملٌ في حالٍ مِن أحوالِك بغيرِ الذي أَذِن لك به.
ي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦] قال لنا رسول الله ﷺ: "اجعلوها في ركوعكم". فلما نزلت: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) قال: "اجعلوها في سجودكم".
ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث ابن المبارك، عن موسى بن أيوب، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) قال: "سبحان ربي الأعلى".
وهكذا رواه أبو داود عن زُهَير بن حرب، عن وكيع، به وقال: "خولف فيه وكيع،
رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفا".
وقال الثوري، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) فقال: سبحان ربي الأعلى.
بي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفا".
وقال الثوري، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) فقال: سبحان ربي الأعلى.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا حَكَّام عن عَنْبَسة، عن أبي إسحاق الهَمْداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] فأتى على آخرها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: سبحانك وبلى.
وقال قتادة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) ذُكِرَ لنا أن نَبِيّ الله ﷺ كان إذا قرأها، قال: "سبحان ربي الأعلى".
وقوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) أي: خلق الخليقة وسَوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
وقوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
ى) أي: خلق الخليقة وسَوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
وقوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عَمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وقوله: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى) أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) قال ابن عباس: هشيما متغيرا. وعن مجاهد، وقتادة، وابن زيد، نحوه.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك.
بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك. ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل.
وقوله: (سَنُقْرِئُكَ) أي: يا محمد (فَلا تَنْسَى) وهذا إخبار من الله، ﷿، ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، (إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) وهذا اختيار ابن جرير.
وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله.
وقيل: المراد بقوله: (فَلا تَنْسَى) طلب، وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من
النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك إلا ما شاء الله رفعه؛ فلا عليك أن تتركه.
وقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وقوله تعالى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
ك شيء.
وقوله تعالى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
وقوله: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) أي: ذكِّر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي، ﵁: ما أنت بمحدِّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ !
وقوله: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) أي: سيتعظ بما تبلغه-يا محمد-من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، (وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا) أي: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب، وأنواع النكال.
َ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا) أي: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب، وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان-يعني التيمي-عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم-أو قال: ينبتون-في نهر الحياء-أو قال: الحياة-أو قال: الحيوان-أو قال: نهر الجنة فينبتون-نبات الحبَّة في حميل السيل". قال: وقال النبي ﷺ: "أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ ".
ال: نهر الجنة فينبتون-نبات الحبَّة في حميل السيل". قال: وقال النبي ﷺ: "أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ ". قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية.
وقال أحمد أيضا: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس-أو كما قال-تصيبهم النار بذنوبهم-أو قال: بخطاياهم-فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، اقبضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل".
ا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، اقبضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية.
ورواه مسلم في حديث بشر بن المفضل وشعبة، كلاهما عن أبي مَسْلَمة سعيد بن زيد، به
مثله ورواه أحمد أيضا عن يزيد، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة، حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، أو: يرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبَّة في حميل السيل".
وقد قال الله إخبارا عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.