القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أخْبَرْتُكم به أيُّها الناسُ من الخبرِ عن المقرَّبين وأصحابِ اليمينِ، وعن المكذِّبين الضالين، وما إليه صائرةٌ أمورُهم - ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقولُ: لَهو الحقُّ مِن الخبرِ اليقينِ لا شكَّ فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال: الخبرُ اليقينُ.
سى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال: الخبرُ اليقينُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ حتى ختَم، إن اللَّهَ تعالى ليس تاركًا أحدًا مِن خلقِه حتى يُوقِفَه على اليقينِ
مِن هذا القرآنِ؛ فأما المؤمنُ فأيْقَن في الدنيا فنفَعه ذلك يومَ القيامةِ. وأما الكافرُ فأيْقَن يومَ القيامةِ حينَ لا يَنْفَعُه.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إضافةِ الحقِّ إلى اليقينِ، والحقُّ يقينٌ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ، قال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾. فأضاف الحقَّ إلى اليقينِ، كما قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. أي: ذلك دينُ الملةِ القيمةِ، وذلك حقُّ الأمرِ اليقينِ.
قُّ الْيَقِينِ﴾. فأضاف الحقَّ إلى اليقينِ، كما قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. أي: ذلك دينُ الملةِ القيمةِ، وذلك حقُّ الأمرِ اليقينِ. قال: وأما: هذا رجلُ السَّوْءِ، فلا يكونُ فيه: هذا الرجلُ السوءِ، كما يكونُ في الحقِّ اليقينِ؛ لأن السوءَ ليس بالرجلِ، واليقينَ هو الحقُّ. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: اليقينُ نعتٌ للحقِّ، كأنه قال: الحقُّ اليقينُ، والدينُ القيمُ. فقد جاء مثلُه في كثيرٍ من الكلامِ والقرآنِ؛ ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. قال: فإذا أُضِيف تُوُهِّم به غيرُ الأولِ.
وقولُه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسبِّحْ بتسميةِ ربِّك العظيمِ بأسمائِه الحسنى.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الواقعة"
تفسيرُ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "الحديدُ"
﷽
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.
هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين.
َبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.
هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين. وإما أن يكون من المكذبين الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله؛ ولهذا قال تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ) أي: المحتضر، (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: "أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان".
قال علي بن طلحة، عن ابن عباس: (فَرَوْحٌ) يقول: راحة وريحان، يقول: مستراحة.
وكذا قال مجاهد: إن الروح: الاستراحة.
وقال أبو حَزْرَة: الراحة من الدنيا. وقال سعيد بن جُبَيْر، والسدي: الروح: الفرح. وعن مجاهد: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ): جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح ورحمة.
وقال أبو حَزْرَة: الراحة من الدنيا. وقال سعيد بن جُبَيْر، والسدي: الروح: الفرح. وعن مجاهد: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ): جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح ورحمة. وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: (وَرَيْحَانٌ): ورزق.
وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربًا حصل له جميعُ ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، (وَجَنَّتُ نَعِيمٍ).
وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يُؤْتَى بغصن من ريحان الجنة، فيقبض روحه فيه.
وقال محمد بن كعب: لا يموت أحدٌ من الناس حتى يعلم: أمن أهل الجنة هو أم [من] أهل النار؟
وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]﴾ [إبراهيم: ٢٧]،، ولو كتبت هاهنا لكان حسنًا! ومن جملتها حديث تميم الداري، عن النبي ﷺ يقول: "يقول الله لملك الموت: انطلق إلى فلان فأتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنه.
ا حديث تميم الداري، عن النبي ﷺ يقول: "يقول الله لملك الموت: انطلق إلى فلان فأتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنه. قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحَنُوط من الجنة، ومعهم ضَبَائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك".
وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم، وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية: قال الإمام أحمد:
حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون، عن بُدَيل بن ميسرة، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: (فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ) برفع الراء.
وكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث هارون -وهو ابن موسى الأعور-به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه.
وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرؤوا: (فَرَوْحٌ) بفتح الراء.
يث هارون -وهو ابن موسى الأعور-به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه.
وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرؤوا: (فَرَوْحٌ) بفتح الراء.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل: أنه سمع درّة بنت معاذ تحدث عن أم هانئ: أنها سألت رسول الله ﷺ: أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ: "تكون النَسمُ طيرًا يعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها".
هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى "يعلق": يأكل، ويشهد له بالصحة أيضًا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما نَسَمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه".
عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما نَسَمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وهذا إسناد عظيم، ومتن قويم.
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش" الحديث.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى: رأيت شيخًا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة، فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان، سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قال: فأكب القوم يبكون فقال: "ما يُبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت.
الله ﷺ يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قال: فأكب القوم يبكون فقال: "ما يُبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت. قال: "ليس ذاك، ولكنه إذا حُضِر (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ)، فإذا بُشِّر بذلك أحب لقاء الله ﷿، والله، ﷿، للقائه أحب (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ * [وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ]) فإذا بُشِّر بذلك كره لقاء الله، والله للقاءه أكره.
هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة ﵂-شاهد لمعناه.
وقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين، (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) أي: تبشرهم الملائكة بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.
وقال قتادة وابن زيد: سَلِمَ من عذاب الله، وسَلَّمت عليه ملائكة الله.
بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.
وقال قتادة وابن زيد: سَلِمَ من عذاب الله، وسَلَّمت عليه ملائكة الله. كما قال عِكْرِمَة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين.
وهذا معنى حسن ويكون ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال البخاري: (فَسَلامٌ لَكَ) أي: مُسلم لك، أنك من أصحاب اليمين. وألغيت "إن" وهو: معناها، كما تقول: أنت مُصَدق مسافر عن قليل. إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل.
ي: (فَسَلامٌ لَكَ) أي: مُسلم لك، أنك من أصحاب اليمين. وألغيت "إن" وهو: معناها، كما تقول: أنت مُصَدق مسافر عن قليل. إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل. وقد يكون كالدعاء له، كقولك: سقيًا لك من الرجال، إن رفعت "السلام" فهو من الدعاء.
وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية، ومال إليه، والله أعلم.
وقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، (فَنزلٌ) أي: فضيافة (مِنْ حَمِيمٍ) وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود، (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته.
ثم قال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه.
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال أحمد:
َّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه.
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال أحمد:
حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمِّي إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال رسول الله ﷺ: "اجعلوها في سجودكم".
وكذا رواه أبو داود، وابن ماجة من حديث عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب، به.
وقال روح بن عبادة: حدثنا حَجَّاجُ الصَّوافُ، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غُرِسَتْ له نخلة في الجنة".
هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير.
ث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير.
وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث محمد بن فضيل، بإسناده، مثله.
تفسير سورة الحديد
وهي مدنية.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن بن أبي بلال، عن عِرْبَاض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن بقية، به وقال الترمذي: حسن غريب.
ورواه النسائي عن ابن أبي السرح، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ … فذكره مُرْسَلا لم يذكر عبد الله بن أبي بلال، ولا العرباض بن سارية
والآية المشار إليها في الحديث هي-والله أعلم-قوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾.
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، وأكد إخباره بأن هذا القرآن العظيم هو حق اليقين، وأمر نبيه بعد ذلك بأن يسبح باسم ربه العظيم.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية ذكره الله جل علا في آخر سورة الحاقة في قوله في وصفه للقرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾، والحق هو اليقين.
وقد قدمنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين
أسلوب عربي، وذكرنا كثرة وروده في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ والدار هي الآخرة، وقوله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ والمكر هو السيء، بدليل قوله بعده: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر هو رمضان.
ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:
بِأَهْلِهِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر هو رمضان.
ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل
والبكر هي المقاناة.
وقول عنترة:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأن مراده بالمشك هنا الدرع نفسها، بدليل قوله: هتكت فروجها، يعني الدرع، وإن كان أصل المشك لغة السير الذي تشد به الدرع؛ لأن السير لا تمكن إرادته في بيت عنترة هذا، خلافًا لما ظنه صاحب تاج العروس، بل مراد عنترة بالمشك: الدرع، وأضافه إلى السابغة التي هي الدرع كما ذكرنا، وإلى هذا يشير ما ذكروه في باب العَلَم، وعقده في الخلاصة بقوله:
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتبع الذي ردف
لأن الإِضافة المذكورة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد بينا في كتابنا "دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب" أن قوله في الخلاصة:
ولا يضاف اسم لما به اتحد ...
رة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد بينا في كتابنا "دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب" أن قوله في الخلاصة:
ولا يضاف اسم لما به اتحد ... معنى وأول موهمًا إذا ورد
أن الذي يظهر لنا من استقراء القرآن والعربية أن ذلك أسلوب عربي، وأن الاختلاف بين اللفظين كاف في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وأنه لا حاجة إلى التأويل مع كثرة ورود ذلك في القرآن والعربية.
ويدل له تصريحهم بلزوم إضافة الاسم إلى اللقب إن كانا مفردين نحو سعيد كرز؛ لأن ما لا بد له من تأويل لا يمكن أن يكون هو اللازم كما ترى، فكونه أسلوبًا أظهر.
وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ التسبيح: أصله الإِبعاد عن السوء، وتسبيح الله تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك التنزيه واجب له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
عَظِيمِ (٧٤)﴾ التسبيح: أصله الإِبعاد عن السوء، وتسبيح الله تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك التنزيه واجب له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والظاهر أن الباء في قوله ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ داخلة على المفعول، وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أدلة كثيرة من القرآن وغيره على دخول الباء على المفعول الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، والمعنى: وهزي جذع النخلة، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي إلحادًا، إلى آخر ما قدمنا من الآدلة الكثيرة.
وعليه، فالمعنى: سبح اسم ربك العظيم، كما يوضحه قوله في الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
وقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى، أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ...
﴾.
وقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى، أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
ولا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا؛ لإِمكان كون المراد نفس الاسم؛ لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون عن كل ما لا يليق، ووصفها الله بأنها بالغة غاية الحسن، وفي ذلك أكمل تنزيه لها؛ لأنها مشتملة على صفاته الكريمة، وذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى، هل الاسم هو المسمى أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية، والعلم عند الله تعالى.
﷽
سورة الحديد
﷽
•