Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Fajr › Ayat 11

QS 89:11

Surah Al-Fajr (الفجر) ayat 11

89:11
ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ
yang berbuat sewenang-wenang dalam negeri
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 10Ayat 12 →

Tafsir dalam korpus (74 potongan)

QS 89:11 (jilid 24 hlm. 360) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 360 · #79668
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تنظرْ يا محمدُ بعين قلبِك، فترى كيف فعل ربُّك بعادٍ؟ واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿إِرَمَ﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمُ بلدة. ثم اختلف الذين قالوا ذلك في البلدةِ التي عُنِيت بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنيت به الإسكندريةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبي صخرٍ عن القُرَظيِّ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: الإسكندريةُ. قال أبو جعفر: وقال آخرون: هي دِمَشْقُ. ذكرُ مَن قال ذلك
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 361) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 361 · #79669
الزهريُّ، عن أبي صخرٍ عن القُرَظيِّ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: الإسكندريةُ. قال أبو جعفر: وقال آخرون: هي دِمَشْقُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ من أهلِ البصرةِ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ عن المَقْبُرِيِّ: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد﴾. قال: هي دمشقُ وقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿إِرَمَ﴾ أمَّةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِرَمَ﴾. قال: أمةٌ. وقال آخرون: معنى ذلك: القديمةُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِرَمَ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 362) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 362 · #79670
ن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِرَمَ﴾. قال: القديمةُ. وقال آخرون: تلك قبيلةٌ من عادٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كنا نُحدَّثُ أَنَّ إرمَ قبيلةٌ من عادٍ؛ بيت مملكةِ عادٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. قال: قَبيلٌ من عادٍ، كان يقالُ لهم: إرمُ. [وقال آخرون: إِنَّ إرمَ هو] جَدُّ عادٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾. يقولُ اللهُ: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 363) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 363 · #79671
. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾. يقولُ اللهُ: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. أي: إنَّ عادَ، ابنُ إرَمَ بن عَوْصٍ بن سامِ بن نوحٍ. وقال آخرون: ﴿إِرَمَ﴾: الهالكِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. يعنى بالإرمِ الهالكَ، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو فلان. [حدَّثني المروزيُّ]، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾: [الإرمُ: الهالكُ]، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو فلانٍ.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 364) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 364 · #79672
عتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾: [الإرمُ: الهالكُ]، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو فلانٍ. أي هلَكوا. والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن يقالَ: إن إرمَ إما اسمُ بلدةٍ كانت عادُ تسكنُها، فلذلك رُدَّت على عادَ على الإتباعِ لها، ولم تُجْرَ من أجلِ ذلك، وإما اسمُ قبيلةٍ فلم تُجْرَ أيضًا، كما لا تُجْرَى أسماءُ القبائلِ؛ كتميمَ وبكرَ، وما أشبةَ ذلك إذا أرادوا به قبيلةً. وأما اسمُ عادَ فلم يُجرَ، إذ كان اسمًا أعجميًّا. فأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ، أنه قال: عُنِى بذلك القديمةُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا بالتنوينِ، وفى تركِ الإجراءِ الدليلُ على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ. وأشبهُ الأقوالِ فيه بالصوابِ عندى أنها اسمُ قبيلةٍ من عادَ؛ ولذلك جاءت القراءةُ بتركِ إضافةِ عادَ إليها وتركِ إجرائِها، كما يقالُ: ألم ترَ ما فعَل ربُّك بتميم نهشلَ.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 364) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 364 · #79673
فيه بالصوابِ عندى أنها اسمُ قبيلةٍ من عادَ؛ ولذلك جاءت القراءةُ بتركِ إضافةِ عادَ إليها وتركِ إجرائِها، كما يقالُ: ألم ترَ ما فعَل ربُّك بتميم نهشلَ. فتُرِك نهشلُ، وهى قبيلةٌ فتُرِك إجراؤُها لذلك، وهي في موضعِ خفضٍ بالردِّ على تميمَ، ولو كانت ﴿إِرَمَ﴾ اسمَ بلدةٍ أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءةُ بإضافِة عادَ إليها، كما يقالُ: هذا عمرُو زبيدٍ وحاتمُ طيئ وأعشى هَمْدَانَ، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادةُ واللهُ أعلمُ؛ فلذلك أجمَعت القرأةُ فيها على تركِ الإضافةِ وتركِ الإجراءِ. وقولُه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ذاتِ الطُّولِ. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ للرجلِ الطويلِ: رجلٌ مُعَمَّدٌ. وقالوا: كانوا طِوالَ الأجسامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 365) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 365 · #79674
: كانوا طِوالَ الأجسامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يعني: طولُهم مثلُ العمادِ. حدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كان لهم جسمٌ في السماءِ. وقال بعضُهم: بل قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ لأنهم كانوا أهلَ عَمَدٍ، ينتجعون الغيوثَ وينتقِلون إلى الكلأِ حيثُ كان، ثم يرجِعون إلى منازلِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْعِمَادِ﴾. قال: أهلُ عمودٍ لا يقيمون. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 365) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 365 · #79675
عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْعِمَادِ﴾. قال: أهلُ عمودٍ لا يقيمون. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا أهلَ عمودٍ لا يقيمون؛ سيارةً. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: كانوا أهلَ عمودٍ. وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم؛ لبناءٍ بناه بعضُهم، فشَيَّد عَمَدَه ورفَع بناءَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. قال: عادُ قومُ هودٍ، بنَوها وعمِلوها حينَ كانوا في الأحقاف. قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: مثلُ تلك الأعمادِ، ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. قال: وذلك في الأحقافِ في حضرَ موتَ، ثَمَّ كانت عادٌ.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 366) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 366 · #79676
لوها حينَ كانوا في الأحقاف. قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: مثلُ تلك الأعمادِ، ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. قال: وذلك في الأحقافِ في حضرَ موتَ، ثَمَّ كانت عادٌ. قال: وثَمَّ أحقافُ الرملِ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه، الأحقافُ؛ من الرملِ: رمالٌ أمثالُ الجبالِ، تكونُ مُظِلَّةٌ مجوَّفةً. وقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لشدِة أبدانِهم وقُوتِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المروزيُّ، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 366) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 366 · #79677
ُوتِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المروزيُّ، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. يعنى: الشِّدةِ والقوةِ. وأشبهُ الأقوالِ في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك أنهم كانوا أهلَ عمودٍ سيارةً؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من العمادِ، ما عُمِد به الخيامُ من الخشبِ، أو السوارى التي يُحمَلُ عليها البناءُ، ولا يُعلمُ بناءٌ كان لهم بالعمادِ بخبرٍ صحيحٍ، بل وجَّه بعضُ أهل التأويلِ قولَه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى أنه عُنِى به طولُ أجسامِهم، وبعضُهم إلى أنه عُنِى به عمادُ خيامِهم، فأما عِمادُ البنيانِ، فلا نعلَمُ كبيرَ أحدٍ من أهلِ التأويلِ وجَّهَه إليه، وتأويلُ القرآنِ إنما يوجَّهُ إلى الأعرفِ الأغلبِ الأشهرِ من معانيه - ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ - دونِ الأنكرِ. وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 367) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 367 · #79678
ِ إنما يوجَّهُ إلى الأعرفِ الأغلبِ الأشهرِ من معانيه - ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ - دونِ الأنكرِ. وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعَل ربُّك بعادَ، إرمَ التي لم يُخلقْ مثلُها؛ يعنى: مثلُ عادَ، والهاءُ عائدةٌ على عادَ. وجائزٌ أن تكون عائدةً على إرمَ؛ لما قد بيَّنا قبلُ أنها قبيلةٌ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: [لم يخلق مثلها] في العِظَمِ والبطشِ والأَيْدِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: ذُكر لنا أنهم كانوا اثنى عشرَ ذراعًا طولًا في السماء. وقال آخرون: بل معنى ذلك ذاتِ العماد التي لم يخلقْ مثلُ الأعمدةِ في البلادِ.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 367) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 367 · #79679
َا فِي الْبِلَادِ﴾: ذُكر لنا أنهم كانوا اثنى عشرَ ذراعًا طولًا في السماء. وقال آخرون: بل معنى ذلك ذاتِ العماد التي لم يخلقْ مثلُ الأعمدةِ في البلادِ. وقالوا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ من صفة هو ﴿ذَاتِ الْعِمَاد﴾، والهاءُ التي في ﴿مِثْلُهَا﴾ إنما هي من ذكرِ ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَه. وهذا قولٌ لا وجهَ له؛ لأن ﴿الْعِمَادِ﴾ واحدٌ مذكرٌ، و ﴿الَّتِي﴾ للأنثى، ولا يوصفُ المذكرُ بالتي، ولو كان ذلك من صفة ﴿الْعِمَادِ﴾ لقيل: الذي لم يُخْلقْ مثلُه في البلادِ. وإن جُعِلت ﴿الَّتِي﴾ لإرمَ، وجُعِلت الهاءُ عائدةً في قولِه: ﴿مِثْلُهَا﴾ عليها، وقيل: هي دمشقُ أو الإسكندريةُ. فإنَّ بلادَ عادٍ هي التي وصَفها الله في كتابِه فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. والأحقافُ هي جمعُ حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرمل وانحنى.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 368) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 368 · #79680
في كتابِه فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. والأحقافُ هي جمعُ حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرمل وانحنى. وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلادِ الرمال، بل ذلك الشِّحْرُ من بلادِ حضرَموتَ وما والاها. وقولُه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: وثمودَ الذي خرَقوا الصخرَ ودخَلوه، فاتَّخذوه بيوتًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعربُ تقولُ: جابَ فلانٌ الفلاةَ يَجُوبُها جَوْبًا. إذا دخَلها وقطَعها، ومنه قولُ نابغةِ بني جعدةَ: أَتَاكَ أبو لَيْلَى يجوبُ بهِ الدُّجَى … دُجَى الليلِ جَوَّابُ الفلاةِ عَثَمْثَمُ يعنى بقولِه: يجوبُ: يدخلُ ويقطعُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 369) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 369 · #79681
مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: فخرَقوها حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يعنى ثمودَ قومَ صالحٍ؛ كانوا ينحِتون من الجبالِ بيوتًا. حدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسَدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 369) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 369 · #79682
ن عمارةَ الأسَدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. قال: جابوا الجبالَ، فجعَلوها بيوتًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: جابوها ونَحتوها بيوتًا. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةِ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾: نَقَبوا الصخرَ. [حدّثنى المروزيُّ]، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 370) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 370 · #79683
دّثنى المروزيُّ]، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: قَدُّوا الحجارةَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: ضرَبوا البيوتَ والمساكنَ في الصخرِ في الجبالِ، حتى جعَلوا فيها مساكنَ، ﴿جَابُوا﴾: جرَّبوها؛ تجرَّبوا البيوتَ في الجبالِ. وقال قائلٌ: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله بائدٌ … كما بادَ حيٌّ من شَنِيفٍ وَمَارِدِ همُ ضرَبوا في كلِّ صَلَّاءَ صَعْدَةٍ … بأيدٍ شِدَادٍ أَيِّدَاتِ السَّواعِدِ وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعل ربُّك أيضًا بفرعونَ صاحب الأوتادِ؟ واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. ولِم قيل له كذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ذى الجنودِ الذين يقوُّون له أمرَه.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 370) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 370 · #79684
نَ صاحب الأوتادِ؟ واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. ولِم قيل له كذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ذى الجنودِ الذين يقوُّون له أمرَه. وقالوا: الأوتادُ في هذا الموضعِ: الجنودُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: الأوتادُ: الجنودُ الذين يشُدُّون له أمره، ويقالُ: كان فرعونُ يُوتِدُ في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديدٍ، يُعَلِّقُهم بها. وقال آخرون: بل قيل له ذلك؛ لأنه كان يُوتِدُ الناس بالأوتادِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 371) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 371 · #79685
، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ. وقال آخرون: كانت مظالَّ وملاعب يُلعَبُ له تحتَها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾: ذكر لنا أنها كانت مظالَّ وملاعبَ يُلعبُ له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 371) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 371 · #79686
لنا أنها كانت مظالَّ وملاعبَ يُلعبُ له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: ذى البناءِ؛ كانت مظالُّ يُلْعَبُ له تحتَها، وأوتادٌ تُضربُ له. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أبي رافعٍ، قال: أوتَد فرعونُ لامرأتِه أربعةَ أوتادٍ، ثم جعَل على ظهرِها رحًا عظيمةً حتى ماتت. وقال آخرون: بل قيل ذلك له؛ لأنه كان يعذِّبُ الناسَ بالأوتادِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يجعلُ رِجلًا ههنا ورجلًا ههنا، ويدًا ههنا ويدًا ههنا، بالأوتادِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 372) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 372 · #79687
قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ. وقال آخرون: إنما قيل ذلك له لأنه كان له بنيانٌ يعذِّبُ الناسَ عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان له مَناراتٌ يعذِّبُهم عليها. وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك الأوتادُ التي تُوتَدُ، من خشبٍ كانت أو حديدٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معاني الأوتادِ، ووَصِف بذلك؛ لأنه إما أن يكونَ كان يعذبُ الناسَ بها، كما قال أبو رافعٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وإما أن يكون كان يُلعَبُ له بها. وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾.
QS 89:11 (jilid 24 hlm. 373) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 24 · hlm. 373 · #79688
ه إما أن يكونَ كان يعذبُ الناسَ بها، كما قال أبو رافعٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وإما أن يكون كان يُلعَبُ له بها. وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ﴾: عادًا وثمودَ وفرعونَ وجندَه، ويعنى بقولِه: ﴿طَغَوْا﴾: تجاوَزوا ما أباحه الله لهم، وعتَوا على ربِّهم إلى ما حظَره عليهم من الكفرِ به، وقولُه: ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. يعني: في البلادِ التي كانوا فيها.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 390) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 390 · #95349
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ أما الفجر فمعروف، وهو: الصبح. قاله علي، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر. وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده، كما قاله عكرمة. وقيل: المراد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس. والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 390) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 390 · #95350
اد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس. والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعا: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام" -يعني عشر ذي الحجة -قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر ابن جرير ولم يعزه إلى أحد وقد روى أبو كُدَيْنة، عن قابوس بن أبي ظِبْيان، عن أبيه، عن ابن عباس: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) قال: هو العشر الأول من رمضان. والصحيح القول الأول؛ قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عَيَّاش بن عقبة، حدثني خَير بن نُعَيم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر".
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 391) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 391 · #95351
الحباب، حدثنا عَيَّاش بن عقبة، حدثني خَير بن نُعَيم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر". ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، كل منهما عن زيد بن الحباب، به ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث زيد بن الحباب، به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم. وقوله: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضا. قول ثان: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل ابن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قلتُ: صلاتنا وترنا هذا؟
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 391) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 391 · #95352
ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل ابن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قلتُ: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى. قول ثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان -يعني ابن عبد السلام-عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعتُ عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الشفع والوتر. فقال: الشفع قول الله، ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ والوتر قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 391) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 391 · #95353
خر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر". قول رابع: قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول. وقال العَوفي، عن ابن عباس: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع. ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب. قول خامس: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قال: الشفع الزوج، والوتر: الله ﷿. وقال أبو عبد الله، عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع، الذكر والأنثى. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قوله: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 392) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 392 · #95354
ال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قوله: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا. ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. قول سادس: قال قتادة، عن الحسن: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) هو العدد، منه شفع ومنه وتر. قول سابع: في الآية الكريمة رواه ابنُ أبي حاتم وابنُ جَرير من طريق ابن جريج، ثم قال ابن جرير: وَرُوي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير: حدثني عَبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نُعَيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث". هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضا، والله أعلم.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 392) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 392 · #95355
، والوتر اليوم الثالث". هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضا، والله أعلم. قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر. وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 392) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 392 · #95356
ن مَعْمَر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر. وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه عام، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود -هو الطيالسي-حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام: أن شيخا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ سُئِل عن الشفع والوتر، فقال: "هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر". هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير عن بُنْدَار، عن عفان وعن أبي كُرَيْب، عن عبيد الله بن موسى، كلاهما عن همام -وهو ابن يحيى-عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين وكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن عمرو بن علي، عن ابن مَهْدِيّ وأبي داود، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 393) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 393 · #95357
أبو عيسى الترمذي، عن عمرو بن علي، عن ابن مَهْدِيّ وأبي داود، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به. ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضا عن قتادة. وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه، والله أعلم. قلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي -شيخ من أهل البصرة-عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام [الضبعي]. وهكذا رواه ابن جرير: حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: "هي الصلاة منها شفع، ومنها وتر". فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضُبَيعة وهو والد أبي جَمْرَة نصر بن عمران الضبعي.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 393) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 393 · #95358
، ومنها وتر". فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضُبَيعة وهو والد أبي جَمْرَة نصر بن عمران الضبعي. روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة والمثنى بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبَّان في كتاب الثقات وذكره خليفة بن خَيَاط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفا نبيلا حظيا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد. وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم. ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب. وقال عبد الله بن الزبير: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) حتى يذهب بعضه بعضا. وقال مجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) إذا سار. وهذا يمكن حمله على ما قاله ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 393) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 393 · #95359
، عن زيد بن أسلم وابن زيد: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) إذا سار. وهذا يمكن حمله على ما قاله ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يقال: إن هذا أنسب؛ لأنه في مقابلة قوله: (وَالْفَجْرِ) فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) على إقباله كان قَسَمًا بإقبال الليل وإدبار النهار، وبالعكس، كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧، ١٨]. وكذا قال الضحاك: ([وَاللَّيْلِ] إِذَا يَسْرِ) أي: يجري. وقال عكرمة: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) يعني: ليلة جَمْع.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 394) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 394 · #95360
إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧، ١٨]. وكذا قال الضحاك: ([وَاللَّيْلِ] إِذَا يَسْرِ) أي: يجري. وقال عكرمة: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) يعني: ليلة جَمْع. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) قال: اسر يا سار ولا تبين إلا بجَمْع. وقوله: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) أي: لذي عقل ولب وحجا [ودين] وإنما سمي العقل حجْرًا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجْرُ البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 394) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 394 · #95361
ودين] وإنما سمي العقل حجْرًا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجْرُ البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي. ومنه حجر اليمامة، وحَجَرَ الحاكم على فلان: إذا منعه التصرف، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها [إليه عباده] المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون لديه، الخاشعون لوجهه الكريم. ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 394) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 394 · #95362
وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه. فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعبَرا، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عَوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودًا، ﵇، فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧، ٨] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون. فقوله تعالى: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) عطف بيان؛ زيادة تعريف بهم.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 394) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 394 · #95363
[الحاقة: ٧، ٨] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون. فقوله تعالى: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) عطف بيان؛ زيادة تعريف بهم. وقوله: (ذَاتِ الْعِمَادِ) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشِّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكَّرهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]﴾ [الأعراف: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقال هاهنا: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم: أمة قديمة.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 395) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 395 · #95364
اهنا: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم: أمة قديمة. يعني: عادا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة، والسُّدِّيُّ: إن إرم بيت مملكة عاد. وهذا قول حسن جيد قوي. وقال مجاهد، وقتادة، والكلبي في قوله: (ذَاتِ الْعِمَادِ) كانوا أهل عمود لا يقيمون. وقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم: (ذَاتِ الْعِمَادِ) لطولهم. واختار الأول ابنُ جرير، ورد الثاني فأصاب. وقوله: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) أعاد ابن زيد الضميرَ على العماد؛ لارتفاعها، وقال: بنوا عُمُدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 395) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 395 · #95365
: بنوا عُمُدا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه ضعيف؛ لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا معاوية بن صالح، عمن حدثه، عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: "كان الرجل منهم يأتي على صخرة فيحملها على الحي فيهلكهم". ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 395) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 395 · #95366
جل منهم يأتي على صخرة فيحملها على الحي فيهلكهم". ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي. قال: قرأت كتابا -قد سمى حيث قرأه-: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ. قلت: فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم -فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) مدينة إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة، أو اسكندرية كما رُوي عن القُرَظي أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 395) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 395 · #95367
ف يلتئم الكلام على هذا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يُرَد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يُغْتَرَّ بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وإن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 396) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 396 · #95368
ساتينها، وإن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب. وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد -فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره أن رجلا من الأعراب -وهو عبد الله بن قِلابة-في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ طلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئا. وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) هاهنا مطولة جدا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهَوَس والخبال فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 396) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 396 · #95369
الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهَوَس والخبال فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك. وهذا مما يقطع بعدم صحته. وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين، من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويَطْنزون بهم.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 396) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 396 · #95370
إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويَطْنزون بهم. والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله ﷾ الهادي للصواب. وقولُ ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: (إِرَمَ) قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تُصرَف فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) يعني: يقطعون الصخر بالوادي. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. ومنه يقال: "مجتابي النمار". إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا فتحه. ومنه الجيب أيضا. وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 396) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 396 · #95371
بي النمار". إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا فتحه. ومنه الجيب أيضا. وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]. وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر: ألا كُلّ شيء -ما خَلا الله-بائدٌ … كَما بَاد حَيٌّ من شنيف ومارد هُم ضَرَبُوا في كُلِّ صَمَّاء صَعدة … بأيد شِدَاد أيّدات السَّواعد وقال ابن إسحاق: كانوا عربا، وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا قصة "عاد" مستقصاة في سورة "الأعراف" بما أغنى عن إعادته. وقوله: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ) قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حَديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبير، والحسن، والسدي.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 397) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 397 · #95372
. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حَديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبير، والحسن، والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل، كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه. وقال قتادة: بلغنا أنه كانت له مَطَالٌّ وملاعب، يلعب له تحتها، من أوتاد وحبال. وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون (ذِي الأوْتَادِ)؛ لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وقوله: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) أي: أنزل عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين. وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) قال ابن عباس: يسمع ويرى. يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والآخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 397) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 397 · #95373
عباس: يسمع ويرى. يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والآخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبًا جدًا -وفي إسناده نظر وفي صحته-فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلَّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله، ﷿، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه، ﷿، من وراء ذلك كله بالمرصاد". قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 397) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 397 · #95374
ه بالمرصاد". قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي: أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، قال: فيحاسبون على الصلاة ويُسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حُوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا. فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرحم كيف وَصَلُوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا. قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه.
QS 89:1-14 (jilid 8 hlm. 398) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 398 · #95375
ف وَصَلُوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا. قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه. قال: وهي التي يقول الله ﷿: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). هكذا أورد هذا الأثر، ولم يذكر تمامه.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 317 · #149895
[سُورَة الْفجْر (٨٩) : الْآيَات ٦ إِلَى ١٤] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) لَا يَصْلُحُ هَذَا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْقَسَمِ وَلَكِنَّهُ: إِمَّا دَلِيلُ الْجَوَابِ إِذْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا فُعِلَ بِهَذِهِ الْأُمَمِ الثَّلَاثِ وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ الدَّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، فَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ لَيَصُبَّنَّ رَبُّكَ عَلَى مُكَذِّبِيكَ سَوْطَ عَذَابٍ كَمَا صَبَّ عَلَى عَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 317 · #149896
ْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، فَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ لَيَصُبَّنَّ رَبُّكَ عَلَى مُكَذِّبِيكَ سَوْطَ عَذَابٍ كَمَا صَبَّ عَلَى عَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ. وَإِمَّا تَمْهِيدٌ لِلْجَوَابِ وَمُقَدِّمَةٌ لَهُ إِنْ جَعَلْتَ الْجَوَابَ قَوْلَهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ اعْتِرَاضٌ جُعِلَ كَمُقَدِّمَةٍ لِجَوَابِ الْقَسَمِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ لِلْمُكَذِّبِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إِبْرَاهِيم: ٤٢] .
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 317 · #149897
عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إِبْرَاهِيم: ٤٢] . فَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ تَقْرِيرِيٌّ، وَالْمُخَاطَبُ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ تَثْبِيتًا لَهُ وَوَعْدًا بِالنَّصْرِ، وَتَعْرِيضًا لِلْمُعَانِدِينَ بِالْإِنْذَارِ بِمِثْلِهِ فَإِنَّ مَا فُعِلَ بِهَذِهِ الْأُمَمِ الثَّلَاثِ مَوْعِظَةٌ وَإِنْذَارٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنْ تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ قُصِدَ مِنْهُ تَقْرِيبُ وُقُوعِ ذَلِكَ وَتَوَقُّعُ حُلُولِهِ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 317 · #149898
إِنْذَارٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنْ تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ قُصِدَ مِنْهُ تَقْرِيبُ وُقُوعِ ذَلِكَ وَتَوَقُّعُ حُلُولِهِ. لِأَنَّ التَّذْكِيرَ بِالنَّظَائِرِ وَاسْتِحْضَارَ الْأَمْثَالِ يُقَرِّبُ إِلَى الْأَذْهَانِ الْأَمْرَ الْغَرِيبَ الْوُقُوعِ، لِأَنَّ بُعْدَ الْعَهْدِ بِحُدُوثِ أَمْثَالِهِ يُنْسِيهِ النَّاسَ، وَإِذَا نُسِيَ اسْتَبْعَدَ النَّاسُ وُقُوعَهُ، فَالتَّذْكِيرُ يُزِيلُ الِاسْتِبْعَادَ. فَهَذِهِ الْعِبَرُ جُزْئِيَّاتٌ مِنْ مَضْمُونِ جَوَابِ الْقَسَمِ، فَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا فَذِكْرُهَا دَلِيلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كَانَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْجَوَابِ زِيَادَةً فِي التَّشْوِيقِ إِلَى تَلَقِّيهِ، وَإِيذَانًا بِجِنْسِ الْجَوَابِ مِنْ قَبْلِ ذِكْرِهِ لِيَحْصُلَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَزِيدُ تَقَرُّرِهِ فِي الْأَذْهَانِ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 318 · #149899
ي التَّشْوِيقِ إِلَى تَلَقِّيهِ، وَإِيذَانًا بِجِنْسِ الْجَوَابِ مِنْ قَبْلِ ذِكْرِهِ لِيَحْصُلَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَزِيدُ تَقَرُّرِهِ فِي الْأَذْهَانِ. وَالرُّؤْيَةُ فِي أَلَمْ تَرَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةً عِلْمِيَّةً تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْوُضُوحِ وَالِانْكِشَافِ لِأَنَّ أَخْبَارَ هَذِهِ الْأُمَمِ شَائِعَةٌ مَضْرُوبَةٌ بِهَا الْمُثُلُ فَكَأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ. فَتَكُونُ كَيْفَ اسْتِفْهَامًا مُعَلِّقًا فِعْلَ الرُّؤْيَةِ عَنِ الْعَمَلِ فِي مَفْعُولَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وَالْمَعْنَى: أَلَمْ تَرَ آثَارَ مَا فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، وَتَكُونُ كَيْفَ اسْمًا مُجَرَّدًا عَنِ الِاسْتِفْهَامِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ. وَعُدِلَ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى التَّعْرِيفِ بِإِضَافَةِ رَبٍّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ فِي قَوْلِهِ:
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 318 · #149900
ةِ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ. وَعُدِلَ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى التَّعْرِيفِ بِإِضَافَةِ رَبٍّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ فِي قَوْلِهِ: فَعَلَ رَبُّكَ لِمَا فِي وَصْفِ رَبٍّ مِنَ الْإِشْعَارِ بِالْوَلَايَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَلِمَا تُؤْذِنُ بِهِ إِضَافَتُهُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ مِنْ إِعْزَازِهِ وَتَشْرِيفِهِ. وَقَدِ ابْتُدِئَتِ الْمَوْعِظَةُ بِذِكْرِ عَادٍ وَثَمُودَ لِشُهْرَتِهِمَا بَيْنَ الْمُخَاطَبِينَ وَذُكِرَ بَعْدَهُمَا قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ رِسَالَةِ مُوسَى ﵇ إِلَى فِرْعَوْنَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبِلَادِ الْعَرَبِ وَهُمْ يُحَدِّثُونَ الْعَرَبَ عَنْهَا. وَأُرِيدَ بِ «عَادٍ» الْأُمَّةُ لَا مَحَالَةَ قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ [هود:
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 318 · #149901
بِ وَهُمْ يُحَدِّثُونَ الْعَرَبَ عَنْهَا. وَأُرِيدَ بِ «عَادٍ» الْأُمَّةُ لَا مَحَالَةَ قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ [هود: ٥٩] فَوَجْهُ صَرْفِهِ أَنَّهُ اسْمٌ ثُلَاثِيٌّ سَاكِنُ الْوَسَطِ مِثْلَ هِنْدٍ وَنُوحٍ وَإِرَمَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ اسْمُ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ وَهُوَ جَدُّ عَادٍ لِأَنَّ عَادًا هُوَ ابْنُ عُوصِ بْنِ إِرَمَ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ الْبَائِدَةَ يُعْتَبَرُونَ خَارِجِينَ عَنْ أَسْمَاءِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ، فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِ «عَادٍ» لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِ «عَادٍ» الْقَبِيلَةُ الَّتِي جَدُّهَا الْأَدْنَى هُوَ عَادُ بْنُ عُوصِ بن إرم، وهم عَادٌ الْمَوْصُوفَةُ بِ الْأُولى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى [النَّجْم: ٥٠] لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُمْ قَبِيلَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَادًا أَيْضًا.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 318 · #149902
َالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى [النَّجْم: ٥٠] لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُمْ قَبِيلَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَادًا أَيْضًا. كَانَتْ تَنْزِلُ مَكَّةَ مَعَ الْعَمَالِيقِ يُقَالُ: إِنَّهُمْ بَقِيَّةٌ مِنْ عَاد الأولى فَعَاد وَإِرَمَ اسْمَانِ لِقَبِيلَةِ عَادٍ الْأُولَى. وَوُصِفَتْ عَادٌ بِ ذاتِ الْعِمادِ، وذاتِ وَصْفٌ مُؤَنَّثٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَادٍ الْقَبِيلَةُ. وَالْعِمَادُ: عُودٌ غَلِيظٌ طَوِيلٌ يُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ يُرْكَزُ فِي الْأَرْضِ تُقَامُ عَلَيْهِ أَثْوَابُ الْخَيْمَةِ أَوِ الْقُبَّةِ وَيُسَمَّى دِعَامَةً، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْقُوَّةِ تَشْبِيهًا لِلْقَبِيلَةِ الْقَوِيَّةِ بِالْبَيْتِ ذَاتِ الْعِمَادِ. وَإِطْلَاقُ الْعِمَادِ عَلَى الْقُوَّةِ جَاءَ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الْحَيِّ خَرَّتْ ...
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 319 · #149903
بَيْتِ ذَاتِ الْعِمَادِ. وَإِطْلَاقُ الْعِمَادِ عَلَى الْقُوَّةِ جَاءَ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الْحَيِّ خَرَّتْ ... عَلَى الْأَحْفَاضِ نَمْنَعُ مَنْ يَلِينَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ الْعِمادِ الْأَعْلَام الَّتِي بنؤها فِي طُرُقِهِمْ لِيَهْتَدِيَ بِهَا الْمُسَافِرُونَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشُّعَرَاء: ١٢٨] . وَوُصِفَتْ عَادٌ بِ ذاتِ الْعِمادِ لِقُوَّتِهَا وَشِدَّتِهَا، أَيْ قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمًا هُمْ أَشَدُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ قَالَ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ [مُحَمَّد: ١٣] وَقَالَ: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [غَافِر: ٢١] .
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 319 · #149904
َوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [غَافِر: ٢١] . والَّتِي: صَادِقٌ عَلَى «عَادٍ» بِتَأْوِيلِ الْقَبِيلَةِ كَمَا وُصِفَتْ بِ ذاتِ الْعِمادِ وَالْعَرَبُ يَقُولُونَ: تَغْلِبُ ابْنَةُ وَائِلٍ، بِتَأْوِيلِ تَغْلِبَ بِالْقَبِيلَةِ. والْبِلادِ: جَمْعُ بَلَدٍ وَبَلْدَةٍ وَهِيَ مِسَاحَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ مُعَيَّنَةٌ بِحُدُودٍ أَوْ سُكَّانٍ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْبِلادِ لِلْجِنْسِ وَالْمَعْنَى: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الْأُمَّةِ فِي الْأَرْضِ. وَأُرِيدَ بِالْخَلْقِ خَلْقُ أَجْسَادِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا طِوَالًا شِدَادًا أَقْوِيَاءَ، وَكَانُوا أَهْلَ عَقْلٍ وَتَدْبِيرٍ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ الْمَثَلَ بِأَحْلَامِ عَادٍ، ثُمَّ فَسَدَتْ طِبَاعُهُمْ بِالتَّرَفِ فَبَطِرُوا النِّعْمَةَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 319 · #149905
وَكَانُوا أَهْلَ عَقْلٍ وَتَدْبِيرٍ، وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ الْمَثَلَ بِأَحْلَامِ عَادٍ، ثُمَّ فَسَدَتْ طِبَاعُهُمْ بِالتَّرَفِ فَبَطِرُوا النِّعْمَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ هُنَا لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ، أَيْ فِي بُلْدَانِ الْعَرَبِ وَقَبَائِلِهِمْ. وَقَدْ وَضَعَ الْقَصَّاصُونَ حَوْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ قِصَّةً مَكْذُوبَةً فَزَعَمُوا أَنَّ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مُرَكَّبٌ جُعِلَ اسْمًا لِمَدِينَةٍ بِالْيَمَنِ أَوْ بِالشَّامِ أَوْ بِمِصْرَ، وَوَصَفُوا قُصُورَهَا وَبَسَاتِينَهَا بِأَوْصَافٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَتَقَوَّلُوا أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ كَانَ فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ تَاهَ فِي ابْتِغَاءِ إِبِلٍ
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 319 · #149906
ّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ كَانَ فِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ تَاهَ فِي ابْتِغَاءِ إِبِلٍ لَهُ فَاطَّلَعَ عَلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَ النَّاسَ فَذَهَبُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا. وَهَذِهِ أَكَاذِيبُ مَخْلُوطَةٌ بِجَهَالَةٍ إِذْ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا إِرَمَ وَيُتْبَعُ بِذَاتِ الْعِمَادِ بِفَتْحِ إِرَمَ وَكَسْرِ ذاتِ فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ مُرَكَّبًا مَزْجِيًّا لَكَانَ بِنَاءُ جُزْأَيْهِ عَلَى الْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ مُفْرَدًا وذاتِ صِفَةٌ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِكَسْرِ ذاتِ، عَلَى أَنَّ مَوْقِعَ هَذَا الِاسْمِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِعادٍ يُنَاكِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 320 · #149907
مُفْرَدًا وذاتِ صِفَةٌ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِكَسْرِ ذاتِ، عَلَى أَنَّ مَوْقِعَ هَذَا الِاسْمِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِعادٍ يُنَاكِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَمُنِعَ ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأُمَّةُ الْمَعْرُوفَةُ، وَوُصِفَ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ لِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ جابُوا دُونَ أَنْ يَقُولَ الَّتِي جابت الصخر بِتَأْوِيلِ الْقَوْمِ فَلَمَّا وُصِفَ عُدِلَ عَنْ تَأْنِيثِهِ تَفَنُّنًا فِي الْأُسْلُوبِ. وَمَعْنَى جابُوا: قَطَعُوا، أَيْ نَحَتُوا الصَّخْرَ وَاتَّخَذُوا فِيهِ بُيُوتًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الشُّعَرَاء: ١٤٩] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ثَمُودَ أَوَّلُ أُمَمِ الْبَشَرِ نَحَتُوا الصَّخْرَ وَالرُّخَامَ. والصَّخْرَ: الْحِجَارَةُ الْعَظِيمَةُ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 320 · #149908
يُوتاً [الشُّعَرَاء: ١٤٩] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ثَمُودَ أَوَّلُ أُمَمِ الْبَشَرِ نَحَتُوا الصَّخْرَ وَالرُّخَامَ. والصَّخْرَ: الْحِجَارَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْوَادِ: اسْمٌ لِأَرْضٍ كَائِنَةٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مُنْخَفِضَةٍ، وَمِنْهُ سُمِّي مَجْرَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَادًا وَفِيهِ لُغَتَانِ: أَنْ يَكُونَ آخِرُهُ دَالًا، وَأَنْ يَكُونَ آخِرُهُ يَاءً سَاكِنَةً بَعْدَ الدَّالِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِدُونِ يَاءٍ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِيَاءٍ فِي آخِرِهِ وَصْلًا وَوَقْفًا، وَقَرَأَهُ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَبِدُونِهَا فِي الْوَقْفِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُرَاعَاة الفواصل مثل مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الْفجْر: ٤] وَهُوَ مَرْسُومٌ فِي الْمُصْحَفِ بِدُونِ يَاءٍ وَالْقِرَاءَاتُ تَعْتَمِدُ الرِّوَايَةَ بِالسَّمْعِ لَا رَسْمِ الْمُصْحَفِ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهَا
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 320 · #149909
يَاءٍ وَالْقِرَاءَاتُ تَعْتَمِدُ الرِّوَايَةَ بِالسَّمْعِ لَا رَسْمِ الْمُصْحَفِ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهَا الْحُفَّاظُ مَا عَسَى أَنْ يَنْسَوْهُ. وَالْوَادِ: عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَنَازِلِ ثَمُودَ، وَيُقَالُ لَهُ: وَادِي الْقُرَى، بِإِضَافَتِهِ إِلَى «الْقُرَى» الَّتِي بَنَتْهَا ثَمُودُ فِيهِ وَيُسَمَّى أَيْضًا «الْحِجْرَ» بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَيُقَالُ لَهَا: «حِجْرُ ثَمُودَ» وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وَتَيْمَاءَ فِي طَرِيقِ الْمَاشِي مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، وَنَزَلَهُ الْيَهُودُ بَعْدَ ثَمُودَ لَمَّا نَزَلُوا بِلَادَ الْعَرَبِ، ونزله من قبائل الْعَرَبِ قُضَاعَةُ وَجُهَيْنَةُ، وَعُذْرَةُ وَبَلِيٌّ. وَكَانَ غَزَاهُ النَّبِيءُ ﷺ وَفَتَحَهُ سَنَةَ سَبْعٍ فَأَسْلَمَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَصُولِحَتِ الْيَهُودُ عَلَى جِزْيَةٍ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْوادِ لِلظَّرْفِيَّةِ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 321 · #149910
فَتَحَهُ سَنَةَ سَبْعٍ فَأَسْلَمَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَصُولِحَتِ الْيَهُودُ عَلَى جِزْيَةٍ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْوادِ لِلظَّرْفِيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِ فِرْعَوْنَ هُوَ وَقَوْمُهُ. وَوَصْفُ ذِي الْأَوْتادِ لِأَنَّ مَمْلَكَتَهُ كَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى الْأَهْرَامِ الَّتِي بَنَاهَا أَسْلَافُهُ لِأَنَّ صُورَةَ الْهَرَمِ عَلَى الْأَرْضِ تُشْبِهُ الْوَتِدَ الْمَدْقُوقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوْتَادِ مُسْتَعَارًا لِلتَّمَكُّنِ وَالثَّبَاتِ، أَي ذِي الْقُوَّة عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: ذاتِ الْعِمادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ فِي ص [١٢] . وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ عَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 321 · #149911
وْتادِ فِي ص [١٢] . وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ عَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِفِرْعَوْنَ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ وَقَوْمُهُ. وَالطُّغْيَانُ شِدَّةُ الْعِصْيَانِ وَالظُّلْمِ وَمَعْنَى طُغْيَانِهِمْ فِي الْبِلَادِ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ طَغَوْا فِي بَلَدِهِمْ وَلَمَّا كَانَ بَلَدُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْبِلَاد أَي أرضي الْأَقْوَامِ كَانَ طُغْيَانُهُمْ فِي بَلَدِهِمْ قَدْ أَوْقَعَ الطُّغْيَانَ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّ فَسَادَ الْبَعْضِ آئِلٌ إِلَى فَسَادِ الْجَمِيعِ بِسَنِّ سُنَنِ السُّوءِ، وَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَلَيْهِ مَا فُرِّعَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ لِأَن الطغيان يجرّىء صَاحِبَهُ عَلَى دَحْضِ حُقُوقِ النَّاسِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ يَكُونُ قُدْوَةَ سوء لأمثاله وملئه، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْغَى عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ،
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 321 · #149912
قِ النَّاسِ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ يَكُونُ قُدْوَةَ سوء لأمثاله وملئه، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْغَى عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ، لِأَنَّ بِهِ اخْتِلَالَ الشَّرَائِعِ الْإِلَاهِيَّةِ وَالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يُثِيرُ الْحَفَائِظَ وَالضَّغَائِنَ فِي الْمَطْغِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعِيَّةِ فَيُضْمِرُونَ السُّوءَ لِلطَّاغِينَ وَتَنْطَوِي نُفُوسُهُمْ عَلَى كَرَاهِيَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَرَبُّصِ الدَّوَائِرِ بِهَا فَيَكُونُونَ لَهَا أَعْدَاءً غَيْرَ مُخْلَصِي الضَّمَائِرِ وَيَكُونُ رِجَالُ الدَّوْلَةِ مُتَوَجِّسِينَ مِنْهُمْ خِيفَةً فَيَظُنُّونَ بِهِمُ السُّوءَ فِي كُلِّ حَالٍ وَيَحْذَرُونَهُمْ فَتَتَوَزَّعُ قُوَّةُ الْأُمَّةِ عَلَى أَفْرَادِهَا عِوَضَ أَنْ تَتَّحِدَ عَلَى أَعْدَائِهَا فَتُصْبِحُ لِلْأُمَّةِ أَعْدَاءٌ فِي الْخَارِجِ وَأَعْدَاءٌ فِي الدَّاخِلِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى فَسَادٍ عَظِيمٍ، فَلَا جَرَمَ كَانَ
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 321 · #149913
لَى أَعْدَائِهَا فَتُصْبِحُ لِلْأُمَّةِ أَعْدَاءٌ فِي الْخَارِجِ وَأَعْدَاءٌ فِي الدَّاخِلِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى فَسَادٍ عَظِيمٍ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الطُّغْيَانُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ فِي الْبِلادِ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ، أَيْ فِي بِلَادِهِمْ وَالْجَمْعُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ، أَيْ طَغَتْ كُلُّ أُمَّةٍ فِي بِلَادِهَا. والْفَسادَ: سُوءُ حَالِ الشَّيْءُ وَلَحَاقُ الضُّرِّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] .
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 322 · #149914
يْءُ وَلَحَاقُ الضُّرِّ بِهِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] . وَضِدُّ الْفَسَادِ الصَّلَاحُ قَالَ تَعَالَى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الْأَعْرَاف: ٥٦] وَكَانَ مَا أَكْثَرُوهُ مِنَ الْفَسَادِ سَبَبًا فِي غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ. وَالصَّبُّ حَقِيقَتُهُ: إِفْرَاغُ مَا فِي الظَّرْفِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِحُلُولِ الْعَذَابِ دَفْعَةً وَإِحَاطَتِهِ بِهِمْ كَمَا يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ أَوْ يُصَبُّ الْمَطَرُ عَلَى الْأَرْضِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ مُرَكَّبٌ مِنَ السُّرْعَةِ وَالْكَثْرَةِ وَنَظِيرُهُ اسْتِعَارَةُ الْإِفْرَاغِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً [الْبَقَرَة: ٢٥٠] وَنَظِيرُ الصَّبِّ قَوْلُهُمْ: شَنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 322 · #149915
ةُ الْإِفْرَاغِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً [الْبَقَرَة: ٢٥٠] وَنَظِيرُ الصَّبِّ قَوْلُهُمْ: شَنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ. وَكَانَ الْعَذَابُ الَّذِي أَصَابَ هَؤُلَاءِ عَذَابًا مُفَاجِئًا قَاضِيًا. فَأَمَّا عَادٌ فَرَأَوْا عَارِضَ الرِّيحِ فَحَسِبُوهُ عَارِضَ مَطَرٍ فَمَا لَبِثُوا حَتَّى أَطَارَتْهُمُ الرِّيحُ كُلَّ مَطِيرٍ. وَأَمَّا ثَمُودُ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ. وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَحَسِبُوا الْبَحْرَ مُنْحَسِرًا فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَ بِهِمْ. وَالسَّوْطُ: آلَةُ ضَرْبٍ تُتَّخَذُ مِنْ جُلُودٍ مَضْفُورَةٍ تُضْرَبُ بِهَا الْخَيْلُ لِلتَّأْدِيبِ وَلِتَحْمِلَهَا عَلَى الْمَزِيدِ فِي الْجَرْيِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ كَلِمَةَ سَوْطَ عَذابٍ يَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ عَذَابٍ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ (أَيْ يَقَعُ بِالسَّوْطِ) ، يُرِيدُ أَنَّ حَقِيقَتَهَا كَذَلِكَ وَلَا يُرِيدُ أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَذَلِكَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 322 · #149916
عَذَابٍ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ (أَيْ يَقَعُ بِالسَّوْطِ) ، يُرِيدُ أَنَّ حَقِيقَتَهَا كَذَلِكَ وَلَا يُرِيدُ أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَذَلِكَ. وَإِضَافَةُ سَوْطَ إِلَى عَذابٍ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ صَبَّ عَلَيْهِمْ عَذَابًا سَوْطًا، أَيْ كَالسَّوْطِ فِي سُرْعَةِ الْإِصَابَةِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. وَجُمْلَةُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تَذْيِيلٌ وَتَعْلِيلٌ لِإِصَابَتِهِمْ بِسَوْطِ عَذَابٍ إِذَا قُدِّرَ جَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَوَابَ الْقَسَمِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. فَعَلَى كَوْنِ الْجُمْلَةِ تَذْيِيلًا تَكُونُ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وَتَصْرِيحًا لِلْمُعَانِدِينَ بِمَا عَرَّضَ لَهُمْ بِهِ مِنْ تَوَقُّعِ مُعَامَلَتِهِ إِيَّاهُمْ بِمِثْلِ مَا عَامَلَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ الْأَوَّلِينَ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 322 · #149917
َصْرِيحًا لِلْمُعَانِدِينَ بِمَا عَرَّضَ لَهُمْ بِهِ مِنْ تَوَقُّعِ مُعَامَلَتِهِ إِيَّاهُمْ بِمِثْلِ مَا عَامَلَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ الْأَوَّلِينَ. أَيْ أَنَّ اللَّهَ بِالْمِرْصَادِ لِكُلِّ طَاغٍ مُفْسِدٍ. وَعَلَى كَوْنِهَا جَوَابَ الْقَسَمِ تَكُونُ كِنَايَةً عَنْ تَسْلِيطِ الْعَذَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ لَا يُرَادُ مِنَ الرَّصْدِ إِلَّا دَفْعُ الْمُعْتَدِي مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ وَمَا قَبْلَهُ اعْتِرَاضًا تَفَنُّنًا فِي نَظْمِ الْكَلَامِ إِذْ قُدِّمَ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالْقَسَمِ مَا هُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَيْهِ وَتَنْظِيرٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ عِقَابِ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِلَخْ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ الْخَطَابَةِ إِذْ يُجْعَلُ الْبَيَانُ وَالتَّنْظِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَدِّمَةِ وَيُجْعَلُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ وَالْعِلَّةِ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 323 · #149918
الْبَيَانُ وَالتَّنْظِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَدِّمَةِ وَيُجْعَلُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ وَالْعِلَّةِ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ صَالِحًا لِلِاعْتِبَارَيْنِ مَعَ قَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُقَدَّمِ وَالْمُبَادِرَةِ بِهِ. وَالْعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى رَبُّكَ فِي قَوْلِهِ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ وَقَوْلِهِ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ رَبُّهُ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ، فَهُوَ مُؤَمِّلٌ بِأَنْ يُعَذِّبَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ انْتِصَارًا لَهُ انْتِصَارَ الْمَوْلَى لِوَلِيِّهِ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 323 · #149919
ُّهُ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ، فَهُوَ مُؤَمِّلٌ بِأَنْ يُعَذِّبَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ انْتِصَارًا لَهُ انْتِصَارَ الْمَوْلَى لِوَلِيِّهِ. وَالْمِرْصَادُ: الْمَكَانُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ، أَيِ الْجَمَاعَةُ الْمُرَاقِبُونَ شَيْئًا، وَصِيغَةُ مِفْعَالٍ تَأْتِي لِلْمَكَانِ وَلِلزَّمَانِ كَمَا تَأْتِي لِلْآلَةِ، فَمَعْنَى الْآلَةِ هُنَا غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، فَهُوَ هُنَا إِمَّا لِلزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ إِذِ الرَّصْدُ التَّرَقُّبُ.
QS 89:6-14 (jilid 30 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 30 · hlm. 323 · #149920
َانِ كَمَا تَأْتِي لِلْآلَةِ، فَمَعْنَى الْآلَةِ هُنَا غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، فَهُوَ هُنَا إِمَّا لِلزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ إِذِ الرَّصْدُ التَّرَقُّبُ. وَتَعْرِيفُ «الْمِرْصَادِ» تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَهُوَ يُفِيدُ عُمُومَ الْمُتَعَلِّقِ، أَيْ بِالْمِرْصَادِ لِكُلِّ فَاعِلٍ، فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِعُمُومِ علم الله تَعَالَى بِمَا يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَحَرَكَاتِهِمْ، بِحَالِ اطِّلَاعِ الرَّصَدِ عَلَى تَحَرُّكَاتِ الْعَدُوِّ وَالْمُغِيرِينَ، وَهَذَا الْمَثَلُ كِنَايَةٌ عَنْ مُجَازَاةِ كُلِّ عَامِلٍ بِمَا عمله وَمَا يعمله إِذْ لَا يُقْصَدُ الرَّصْدُ إِلَّا لِلْجَزَاءِ عَلَى الْعُدْوَانِ، وَفِي مَا يُفِيدُهُ مِنَ التَّعْلِيلِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهُمْ فِيمَا أَصَابَهُمْ بِهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْله لَبِالْمِرْصادِ لِلظَّرْفِيَّةِ [١٥- ٢٠]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 89:10QS 89:8QS 89:9QS 89:7QS 46:21QS 89:6QS 41:15QS 51:49QS 69:7QS 81:18