ا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبِلُ، ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى،
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تَستَقْبلون أبدًا، ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآنَ وفيما أستقبلُ.
وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّ الخطاب من اللَّهِ كان لرسوله ﷺ في أشخاصٍ بأعيانهم من المشركين، قد عُلم أنهم لا يؤْمِنون أبدًا، وسبَق لهم ذلك في السابقِ مِن علمِه، فأمَر نبيَّه ﷺ اللَّهِ أن يُؤْيِسَهم مِن الذي طَمِعوا فيه وحدَّثوا به أنفسهم، وأنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه ولا منهم في وقتٍ من الأوقاتِ، وآيَس نبيَّ اللَّهِ ﷺ مِن الطمعِ في إيمانِهم، ومن أنْ يُفلِحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يُفْلِحوا ولم يُنْجِحوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا أبو خلفٍ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: إِنَّ قريشًا وَعَدُوا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعطوه مالًا فيكونَ أَغْنى رجلٍ بمكةَ، ويُزوِّجوه ما أراد مِن النساءِ، ويَطَئوا عَقِبَه، فقالوا له: هذا لك عندَنا يا محمدُ، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تَذْكُرْها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَلْ، فإِنا نَعْرِضُ عليك خَصْلَةً واحدةً، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ. قال: "ما هي؟ ". قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً. قال: "حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي".
، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ. قال: "ما هي؟ ". قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً. قال: "حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي". فجاء الوَحْى من اللَّوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّهِ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني سعيدُ بنُ مِينا مولى البخْتَرِيِّ، قال: لقى الوليدُ بنُ المغيرةُ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ المطلبِ، وأميَّةُ بنُ خلف، رسول اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هلُمَّ فلنعبُدْ ما تعبُدُ، وتعبُدْ ما نعبُدُ، ونَشْرَكُك في أمرِنا كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيرًا مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك.
مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك. فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾. حتى انقضَتِ السورة.
وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لكم دينُكم فلا تَتْرُكونه أبدًا؛ لأنه قد خُتِم عليكم، وقضى ألا تَنْفَكُّوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولىَ ديني الذي أنا عليه، لا أَتْرُكُه أبدًا؛ لأنه قد مضَى في سابقِ علمِ اللَّهِ أنى لا أنتقِلُ عنه إلى غيرِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. قال: للمشركين. قال: واليهودُ لا يعبُدون إلا اللَّهِ ولا يشركون، إلا أنهم يكفُرون ببعضِ الأنبياءِ وبما جاءوا به من عندِ اللَّهِ، ويكفرون برسولِ اللَّهِ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وقتلوا طوائف الأنبياءِ ظلمًا وعُدْوانًا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفارُ قريش.
وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) يعني: من الأصنام والأنداد، (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهو الله وحده لا شريك له.
رأ من دينهم بالكلية، فقال: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) يعني: من الأصنام والأنداد، (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وهو الله وحده لا شريك له. ف "ما" هاهنا بمعنى "من".
ثم قال: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة
َا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة
يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وقال البخاري: يقال: (لَكُمْ دِينَكُمْ) الكفر، (وَلِيَ دِينِ) الإسلام.
ُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وقال البخاري: يقال: (لَكُمْ دِينَكُمْ) الكفر، (وَلِيَ دِينِ) الإسلام. ولم يقل: "ديني" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] و ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤].
انتهى ما ذكره.
ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦، ٧] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي، وغيره-عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولا.
ٌ مَا عَبَدْتُمْ) نفى قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا. وهو قول حسن أيضا، والله أعلم.
وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس؛ إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان -ما عدا الإسلام-كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يتوارث أهل ملتين شتى".
آخر تفسير سورة "قل يا أيها الكافرون" ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة إذا جاء نصر الله والفتح
وهي مدنية.
قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و (إِذَا زُلْزِلَتِ) تعدل ربع القرآن.
ا أيها الكافرون" ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة إذا جاء نصر الله والفتح
وهي مدنية.
قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و (إِذَا زُلْزِلَتِ) تعدل ربع القرآن.
وقال النسائي: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح) وأخبرنا محمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العُمَيس، عن عبد المجيد بن سهيل عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال: صدقت
وروى الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الرّبذي عن صدقة بن يَسَار، عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فَرحَلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة
َ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فَرحَلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ "دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: "إنه قد نُعِيت إليّ نفسي"، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نُعيت إليه نفسُه فبكيت، ثم قال: "اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي" فضحكت
وقد رواه النسائي -كما سيأتي-بدون ذكر فاطمة.
﷽