Tanya Kitab
Daftar surahSurah Ar-Ra'd › Ayat 17

QS 13:17

Surah Ar-Ra'd (الرعد) ayat 17

13:17
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ
Allah telah menurunkan air (hujan) dari langit, maka mengalirlah ia (air) di lembah-lembah menurut ukurannya, maka arus itu membawa buih yang mengambang. Dan dari apa (logam) yang mereka lebur dalam api untuk membuat perhiasan atau alat-alat, ada (pula) buihnya seperti (buih arus) itu. Demikianlah Allah membuat perumpamaan (tentang) yang benar dan yang batil. Adapun buih, akan hilang sebagai sesuatu yang tidak ada gunanya; tetapi yang bermanfaat bagi manusia, akan tetap ada di bumi. Demikianlah Allah membuat perumpamaan
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 16Ayat 18 →

Tafsir dalam korpus (49 potongan)

QS 13:17 (jilid 13 hlm. 496) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 496 · #66806
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، والإيمانِ به والكفرِ. يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ الحقِّ في ثباتِه والباطلِ في اضْمِحْلالِه مَثَلُ ماءٍ أنزَلَه اللَّهُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. يَقُولُ: فاحتَمَلتُه الأوديةُ بمِلْئِها؛ الكبيرُ بكبرِه، والصغيرُ بصِغَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: فاحتمَل السيلُ الذي حدَث عن ذلك الماءِ الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ زَبدًا عاليًا فوقَ السيلِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 496) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 496 · #66807
ه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: فاحتمَل السيلُ الذي حدَث عن ذلك الماءِ الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ زَبدًا عاليًا فوقَ السيلِ. فهذا أحدُ مَثَلَى الحقِّ والباطلِ، فالحقُّ هو الماءُ الباقى الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ، والزَّبَدُ الذي لا يُنتفَعُ به هو الباطلُ. والمَثلُ الآخرُ: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ). يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومثلٌ آخرُ للحقِّ والباطلِ، مَثَلُ فضةٍ أو ذهَبٍ يُوقِدُ عليها الناسُ في النارِ؛ طَلَبَ حليةٍ يَتَّخِذُونها، أو متاعٍ، وذلك مِن النُّحاس والرَّصاصِ والحديدِ، يُوقَدُ عليه ليُتَّخَذَ منه متاعٌ يُنْتَفَعُ به، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومما توقِدون عليه مِن هذه الأشياءِ زَبَدٌ مثلُه، بمعنى: مثلُ زَبَدِ السيلِ، لا يُنْتَفَعُ به ويَذْهَبُ باطلًا، كما لا يُنْتَفَعُ بزَبَدِ السيلِ ويَذْهَبُ باطلًا. ورُفِع الزبدُ بقولِه: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ).
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 497 · #66808
يُنْتَفَعُ به ويَذْهَبُ باطلًا، كما لا يُنْتَفَعُ بزَبَدِ السيلِ ويَذْهَبُ باطلًا. ورُفِع الزبدُ بقولِه: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ). ومعنى الكلامِ: ومما تُوقِدون عليه في النارِ زبدٌ مثلُ زبَدِ السيلِ في بُطولِ زبَدِه، وبقاءِ خالصِ الذهبِ والفضةِ. يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾. يقولُ: كما مَثّل اللَّهُ الإيمانَ والكفرَ في بطولِ الكفرِ وخيبةِ صاحبِه عندَ مجازاةِ اللَّهِ، بالباقى النافعِ مِن ماءِ السيلِ وخالصِ الذهبِ والفضةِ، كذلك يُمَثِّلُ اللَّهُ الحقَّ والباطلَ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 497 · #66809
زاةِ اللَّهِ، بالباقى النافعِ مِن ماءِ السيلِ وخالصِ الذهبِ والفضةِ، كذلك يُمَثِّلُ اللَّهُ الحقَّ والباطلَ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. يَقُولُ: فأما الزَّبَدُ الذي علا السيلَ والذهبَ والفضةَ والنُّحاسَ والرَّصاصَ عندَ الوقودِ عليها، فيَذْهَبُ بدفعِ الرياحِ، وقذفِ الماءِ به، وتَعَلُّقِه بالأشجارِ وجوانبِ الوادى، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ مِن الماءِ والذهبِ والفضةِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ، فالماءُ يَمْكُثُ في الأرضِ فتشربُه، والذهبُ والفضةُ تَمْكُثُ للناسِ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، يَقُولُ: كما مثَّل هذا المثلَ للإيمانِ والكفرِ، كذلك يُمَثِّلُ الأمثالَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 498 · #66810
هُ الْأَمْثَالَ﴾، يَقُولُ: كما مثَّل هذا المثلَ للإيمانِ والكفرِ، كذلك يُمَثِّلُ الأمثالَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: فهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ، احتَملت منه القلوبُ على قَدْرِ يقينِها وشكِّها، فأما الشكُّ فلا يَنْفَعُ معه العملُ، وأما اليقينُ فينْفَعُ اللَّهُ به أهلَه؛ وهو قولُه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشكُّ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقينُ، كما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النارِ، فيؤخذُ خالصُه ويُتْرَكُ خَبَثُه في النارِ، فكذلك يَقْبلُ اللَّهُ اليقينَ ويَتْرُكُ الشكَّ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 498 · #66811
الْأَرْضِ﴾، وهو اليقينُ، كما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النارِ، فيؤخذُ خالصُه ويُتْرَكُ خَبَثُه في النارِ، فكذلك يَقْبلُ اللَّهُ اليقينَ ويَتْرُكُ الشكَّ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: احتمَل السيلُ ما في الوادى مِن عُودٍ ودِمْنةٍ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، فهو الذهبُ والفضةُ والحِليةُ، "والمتاعُ" النُّحاسُ والحديدُ،
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 498 · #66812
تمَل السيلُ ما في الوادى مِن عُودٍ ودِمْنةٍ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، فهو الذهبُ والفضةُ والحِليةُ، "والمتاعُ" النُّحاسُ والحديدُ، وللنُّحاسِ والحديدِ خَبَثٌ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ خبَثهِ كزبدِ الماءِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾، فالذهبُ والفضةُ، وأما ما يَنْفَعُ الأرضَ فما شرِبتْ مِن الماءِ فأنْبَتَت، فجعَل ذلك مَثَل العملِ الصالحِ يَبْقَى لأهلِه، والعملِ السيئَ يَضْمَحِلُّ عن أهلِه، كما يَذْهَبُ هذا الزَّبَدُ، فكذلك الهُدَى والحقُّ جاء مِن عندِ اللَّهِ، فمن عمِل بالحقِّ كان له، وبقِى كما يَبْقَى ما يَنْفَعُ الناسَ في الأرضِ، وكذلك الحديدُ لا يُسْتَطاعُ أن يُجْعَلَ منه سِكِّينٌ ولا سيفٌ حتى يُدخَلَ في النارِ، فتأكُلَ خَبَثَه، فيَخْرُجَ جَيِّدُه، فيُنْتَفَعَ به، فكذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ إذا كان يومُ القيامةِ، وأُقيم الناسُ، وعُرِضَت الأعمالُ، فيَزيغُ الباطلُ ويَهْلِكُ، ويَنْتَفِعُ أهلُ الحقِّ بالحقِّ، ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 499 · #66813
م الناسُ، وعُرِضَت الأعمالُ، فيَزيغُ الباطلُ ويَهْلِكُ، ويَنْتَفِعُ أهلُ الحقِّ بالحقِّ، ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ إلى ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فقال: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: الذهبِ [والفضةِ]، ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: الصُّفْرِ والحديدِ. قال: كما أُوقِدَ على الذهبِ والفضةِ والصُّفْرِ والحديدِ، فخلَص خالِصُه، قال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، كذلك بقاءُ الحقِّ لأهلِه فانْتَفَعوا به. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: قال ابن
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 499 · #66814
اسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، كذلك بقاءُ الحقِّ لأهلِه فانْتَفَعوا به. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: ما أطاقت مِلْأَها، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: انْقَضَى الكلامُ، ثم اسْتَقْبَل فقال: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ). قال: المتاعُ الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: خَبَثُ ذلك مثلُ زبدِ السيلِ. قال: وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ، وأمَّا الزَّبَدُ فيذهبُ جُفاءً. قال: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرِ، عن مجاهدٍ أنه سمِعه يقولُ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 500 · #66815
ل: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرِ، عن مجاهدٍ أنه سمِعه يقولُ. فذكَر نحوَه، وزاد فيه: قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: قولَه: هو ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. قال: جُمودًا في الأرضِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: يَعْنى الماءَ وهما مَثَلان؛ مَثَلُ الحقِّ والباطلِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾: السيلُ مِثْلُه خَبَثُ الحديدِ والحلِيةِ، ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: جمودًا في الأرضِ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ). الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه، وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما هما مَثَلان للحقِّ والباطلِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 500 · #66816
اسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما هما مَثَلان للحقِّ والباطلِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ - يزيدُ أحدُهما على صاحبِه - في قولِه: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: بملئِها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: الزَّبَدُ السيلُ. ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: خَبَثُ الحديدِ والحليةِ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. قال: جمودًا في الأرضِ. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 501 · #66817
: خَبَثُ الحديدِ والحليةِ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. قال: جمودًا في الأرضِ. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: الماءُ، وهما مثَلان للحقِّ والباطلِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾: أي عاليًا، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، والجُفاء ما يَتَعَلَّقُ بالشجرِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. هذه ثلاثةُ أمثالٍ، ضرَبها اللَّهُ في مَثَلٍ واحدٍ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 501 · #66818
َاءً﴾، والجُفاء ما يَتَعَلَّقُ بالشجرِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. هذه ثلاثةُ أمثالٍ، ضرَبها اللَّهُ في مَثَلٍ واحدٍ. يقولُ: كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، فصار جُفاءً لا يُنْتَفَعُ به ولا تُرْجَى بَرَكتُه، كذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ عن أهلِه كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، وكما مكَث هذا الماءُ في الأرضِ، فأمْرَعت هذه الأرضُ وأخرَجت نباتَها، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه كما بَقِى هذا الماءُ في الأرضِ، فأخرَج اللَّهُ به ما أخرَج مِن النباتِ. قولُه: (وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) الآيةُ، كما يَبْقَى خالصُ الذهبِ والفضةِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خَبَثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 501 · #66819
: (وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) الآيةُ، كما يَبْقَى خالصُ الذهبِ والفضةِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خَبَثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه. قولُه: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يقولُ: هذا الحديدُ والصُّفْرُ الذي يُنْتَفَعُ به فيه منافعُ، يقولُ: كما يَبقى خالصُ هذا الحديدِ وهذا الصُّفْرِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خبثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه، كما بَقِى خالصُهما. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال ثنا: محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الكبيرُ بقدْرِه، والصغيرُ بقدْرِه، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: رَبَا فوقَ الماءِ الزَّبَدُ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ).
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 502 · #66820
َةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الكبيرُ بقدْرِه، والصغيرُ بقدْرِه، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾. قال: رَبَا فوقَ الماءِ الزَّبَدُ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ). قال: هو الذهبُ إذا أُدْخِل النارَ بَقِى صَفْوُه، ونُفِى ما كان مِن كَدَرِه، وهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ يتعلق بالشجرِ فلا يكونُ شيئًا، هذا مَثَلُ الباطلِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا يُخرِجُ النباتَ، وهو مثلُ الحقَّ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: المتاعُ الصُّفْرُ والحديدُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: إنما هو مَثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الصغيرُ على قَدْرِه، والكبيرُ على قَدْرِه، وما بينَهما على قَدْرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 502 · #66821
لِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الصغيرُ على قَدْرِه، والكبيرُ على قَدْرِه، وما بينَهما على قَدْرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. يقولُ: عظيمًا، وحيثُ استقرَّ الماءُ يَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفاءً، فتَطِيرُ به الريحُ، فلا يَكُونُ شَيئًا، ويَبقَى صريحُ الماءِ الذي يَنْفَعُ الناسَ؛ منه شرابُهم ونباتُهم ومَنْفَعتُهم، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، ومِثْلُ الزَّبَدِ كلُّ شيءٍ يُوقَدُ عليه في النارِ؛ الذهبُ والفضةُ والنُّحاسُ والحديدُ، فيَذْهَبُ خَبَثُه، ويَبْقَى ما يَنْفَعُ في أيديهم، والخَبَثُ والزَّبَدُ مَثَلُ الباطلِ، والذي يَنْفَعُ الناسَ مما تحصَّل في أيديهم مما يَنْفَعُهم المالُ الذي في أيديهم. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 502 · #66822
قولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ. فقرَأ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، هذا الزَّبَدُ لا يَنْفَعُ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ هذا لا يَنْفَعُ أيضًا، قال: وبَقِى الماءُ في الأرضِ فنفَع الناسَ، وبَقى الحُلِيُّ الذي صلَح مِن هذا، فانْتَفَع الناسُ به، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. وقال: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 503 · #66823
ذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. قال: الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ: ضرَب اللَّهُ مثلًا للحقِّ والباطلِ، فضرَب مَثَلَ الحقَّ كمَثَلِ السيلِ الذي يَمْكُثُ في الأرضِ، وضرَب مَثَلَ الباطلِ كمَثَلِ الزَّبَدِ الذي لا يَنْفَعُ الناسَ. وعنَى بقولِه: ﴿رَابِيًا﴾: عاليًا مُنْتَفِخًا، مِن قولِهم: ربَا الشئُ يَرْبُو رُبُوًّا فهو رابٍ. ومنه قيل للنَّشَزِ مِن الأرضِ كهيئةِ الأكَمَةِ: رابيةٌ. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، [فصلت: ٣٩]. وقيل للنُّحاسِ والرَّصاصِ والحديدِ في هذا الموضعِ: المتاعُ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 503 · #66824
الأكَمَةِ: رابيةٌ. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، [فصلت: ٣٩]. وقيل للنُّحاسِ والرَّصاصِ والحديدِ في هذا الموضعِ: المتاعُ. لأنه يُسْتَمْتَعُ به، وكلُّ ما يَتمتَّعُ به الناسُ فهو متاعٌ؛ كما قال الشاعرُ: تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شيئًا … سَبَقْتَ به المماتَ هو المتاعُ وأما الجُفاءُ، فإنى حُدِّثت عن أبي عُبيدةَ مَعْمَرِ بن المثنى قال: قال أبو عمرِو بنُ العلاءِ، يقالُ: قد أجْفَأَتِ القِدرُ؛ وذلك إذا غَلَتْ فانْصَبَّ زَبَدُها، أو سكَنت فلا يَبْقَى منه شيءٌ. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: تَنْشَفُه الأرضُ. وقال: يُقالُ: جَفا الوادى وأجْفَى في معنى نَشِف، وانْجَفَى الوادى: إذا جاء بذلك الغُثاءِ، وغَثى الوادى، فهو يَغْنِى غَثْيًا وغَثَيانا. وذَكَر عن العربِ أنها تَقُولُ: جَفَأْتُ القِدْرَ أجْفَؤُها: إذا أخرَجتَ جُفاءَها، وهو الزَّبَدُ الذي يَعْلُوها، وأجْفَأْتُها إِجْفَاءً، لغةٌ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 504) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 13 · hlm. 504 · #66825
ثَيانا. وذَكَر عن العربِ أنها تَقُولُ: جَفَأْتُ القِدْرَ أجْفَؤُها: إذا أخرَجتَ جُفاءَها، وهو الزَّبَدُ الذي يَعْلُوها، وأجْفَأْتُها إِجْفَاءً، لغةٌ. قال: وقالوا: جَفَأتُ الرجلَ جَفْئًا: صرَعتُه. وقيل: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ بمعنى جَفْئًا؛ لأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: جَفَأً الوادى غُثَاءَه جُفاءً. فخَرَج مخرَجَ الاسمِ وهو مصدرٌ. كذلك تفعَلُ العربُ في مصدرِ كلَّ ما كان مِن فعلِ شيءٍ اجْتَمع بعضُه إلى بعضٍ كالقُماشِ والدُّقاقِ والحُطامِ والغُثاءِ. تُخْرِجُه على مذهبِ الاسمِ، كما فعَلت ذلك في قولِهم: أعْطَيتُه عطاءً، بمعنى الإعْطاءِ. ولو أُريد مِن القُماشِ المصدرُ على الصحةِ لقيل: قد قَمَشْتُه قَمْشًا.
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 447) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 447 · #87857
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (١٧)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: (أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أي: مطرا، (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها، (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زَبَدٌ عال عليه، هذا مثل، وقوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 447) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 447 · #87858
حْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زَبَدٌ عال عليه، هذا مثل، وقوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه، كما يعلو ذلك زبد منه. (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل؛ ولهذا قال: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح.
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 447) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 447 · #87859
ل يذهب ويضمحل؛ ولهذا قال: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح. وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب، لا يرجع منه شيء، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به؛ ولهذا قال: (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ) كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. قال بعض السلف: كنت إذا قرأتُ مثلا من القرآن فلم أفهمه بَكَيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله تعالى: (أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله.
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 447) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 447 · #87860
لَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله. وهو قوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) [وهو الشك] (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ) وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خَبَثه في النار؛ فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: (أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودِمْنَة (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت.
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 448) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 448 · #87861
ع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له، ويبقى كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض. وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبَثَه، ويخرج جيده فينتفع به. كذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق. وكذلك رُوي في تفسيرها عن مجاهد، والحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 448) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 448 · #87862
اس، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق. وكذلك رُوي في تفسيرها عن مجاهد، والحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. وقد ضرب الله، ﷾، في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا، وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٧]، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩]. وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين، أحدهما: قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر؛ ولهذا جاء في الصحيحين: "فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أيْ رَبَّنا، عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 448) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 448 · #87863
ة، والسراب إنما يكون في شدة الحر؛ ولهذا جاء في الصحيحين: "فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أيْ رَبَّنا، عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كالسراب يَحْطِم بعضها بعضا". ثم قال في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ الآية [النور: ٤٠]. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها [أخرى] إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فَقه في دين الله ونَفَعه الله بما بعثني ونفع به، فَعَلِم وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به". فهذا مثل مائي، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد:
QS 13:17 (jilid 4 hlm. 449) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 4 · hlm. 449 · #87864
ني ونفع به، فَعَلِم وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به". فهذا مثل مائي، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مثلي ومثلكم، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجُزُهُنَّ ويغلبنه فيقتحمن فيها". قال: "فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجزكم عن النار، هَلُمّ عن النار [هَلُمّ عن النار، هَلُمّ] فتغلبوني فتقتحمون فيها". وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 116 · #126453
[سُورَة الرَّعْد (١٣) : آيَة ١٧] أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) جُمْلَةُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ أَفَادَ تَسْجِيلَ حِرْمَانِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِدَلَائِلِ الِاهْتِدَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَهْدِيَ مَنْ لَمْ يَطْبَعِ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ فَاهْتَدَى بِهَا الْمُؤْمِنُونَ. وَجِيءَ فِي هَذَا التَّسْجِيلِ بِطَرِيقَةِ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِحَالَيْ فَرِيقَيْنِ فِي تَلَقِّي شَيْءٍ وَاحِدٍ انْتَفَعَ فَرِيقٌ بِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعَ وَتَعَلَّقَ فَرِيقٌ بِمَا فِيهِ مِنْ مَضَارَّ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 116) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 116 · #126454
ْمَثَلِ بِحَالَيْ فَرِيقَيْنِ فِي تَلَقِّي شَيْءٍ وَاحِدٍ انْتَفَعَ فَرِيقٌ بِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعَ وَتَعَلَّقَ فَرِيقٌ بِمَا فِيهِ مِنْ مَضَارَّ. وَجِيءَ فِي ذَلِكَ التَّمْثِيلِ بِحَالَةٍ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى بَدِيعِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَحْصُلَ التَّخَلُّصُ مِنْ ذِكْرِ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ إِلَى ذِكْرِ عِبَرِ الْمَوْعِظَةِ، فَالْمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ إِلَخْ. شُبِّهَ إِنْزَالُ الْقُرْآنِ الَّذِي بِهِ الْهُدَى مِنَ السَّمَاءِ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الَّذِي بِهِ النَّفْعُ وَالْحَيَاةُ مِنَ السَّمَاءِ. وَشُبِّهَ وُرُودُ الْقُرْآنِ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ بِالسَّيْلِ يَمُرُّ عَلَى مُخْتَلَفِ الْجِهَاتِ فَهُوَ يَمُرُّ عَلَى التِّلَالِ وَالْجِبَالِ فَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا وَلَكِنَّهُ يَمْضِي إِلَى الْأَوْدِيَةِ وَالْوِهَادِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كُلٌّ بِقَدْرِ سَعَتِهِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 117 · #126455
َلَى التِّلَالِ وَالْجِبَالِ فَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا وَلَكِنَّهُ يَمْضِي إِلَى الْأَوْدِيَةِ وَالْوِهَادِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كُلٌّ بِقَدْرِ سَعَتِهِ. وَتِلْكَ السُّيُولُ فِي حَالِ نُزُولِهَا تَحْمِلُ فِي أَعَالِيهَا زَبَدًا، وَهُوَ رَغْوَةُ الْمَاءِ الَّتِي تَرْبُو وَتَطْفُو عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ وَيَبْقَى الْمَاءُ الْخَالِصُ الصَّافِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لِلشَّرَابِ وَالسَّقْيِ. ثُمَّ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ نُزُولِ الْآيَاتِ وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ إِيقَاظِ النَّظَرِ فِيهَا فَيَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ دَخَلَ الْإِيمَانُ قُلُوبَهُمْ عَلَى مَقَادِيرِ قُوَّةِ إِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَيَمُرُّ عَلَى قُلُوبِ قَوْمٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ الْمُعْرِضُونَ، وَيُخَالِطُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيَتَأَمَّلُونَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مَا يُثِيرُ لَهُمْ شُبُهَاتٍ وَإِلْحَادًا.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 117 · #126456
ِ وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ الْمُعْرِضُونَ، وَيُخَالِطُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيَتَأَمَّلُونَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مَا يُثِيرُ لَهُمْ شُبُهَاتٍ وَإِلْحَادًا. كَقَوْلِهِمْ: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمِنْهُ الْأَخْذُ بِالْمُتَشَابِهِ قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [سُورَة آل عمرَان: ٧] . شُبِّهَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَيْئَةِ نُزُولِ الْمَاءِ فَانْحِدَارُهُ عَلَى الْجِبَالِ وَالتِّلَالِ وَسَيَلَانُهُ فِي الْأَوْدِيَةِ عَلَى اخْتِلَافِ مَقَادِيرِهَا، ثُمَّ مَا يَدْفَعُ مِنْ نَفْسِهِ زَبَدًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الزَّبَدُ أَنْ ذَهَبَ وَفَنِيَ وَالْمَاءُ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ لِلنَّفْعِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 117 · #126457
مَا يَدْفَعُ مِنْ نَفْسِهِ زَبَدًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الزَّبَدُ أَنْ ذَهَبَ وَفَنِيَ وَالْمَاءُ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ لِلنَّفْعِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّشْبِيهَ بِالْهَيْئَةِ كُلِّهَا جِيءَ فِي حِكَايَةِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى إِنْزَالِ الْمَاءِ بِالْعَطْفِ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ فِي قَوْلِهِ: فَسالَتْ وَقَوْلِهِ: فَاحْتَمَلَ فَهَذَا تَمْثِيلٌ صَالِحٌ لِتَجْزِئَةِ التَّشْبِيهَاتِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا وَهُوَ أَبْلَغُ التَّمْثِيلِ. وَعَلَى نَحْوِ هَذَا التَّمْثِيلِ وَتَفْسِيرِهِ جَاءَ مَا يُبَيِّنُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ الَّذِي فِي قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادَبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقُوا
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 117) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 117 · #126458
اءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادَبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقُوا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاء وَلَا نتنبت كَلَأً، مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . وَالْأَوْدِيَةُ: جَمْعُ الْوَادِي، وَهُوَ الْحَفِيرُ الْمُتَّسِعُ الْمُمْتَدُّ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 118 · #126459
ذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . وَالْأَوْدِيَةُ: جَمْعُ الْوَادِي، وَهُوَ الْحَفِيرُ الْمُتَّسِعُ الْمُمْتَدُّ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ [سُورَة التَّوْبَة: ١٢١] . وَالْقدر- بِفتْحَتَيْنِ-: التَّقْدِير، فَقَوْلُهُ: بِقَدَرِها فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ أَوْدِيَةٌ، وَذَكَرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبْرَةِ، وَهُوَ أَنْ كَانَتْ أَخَادِيدُ الْأَوْدِيَةِ عَلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ مِنَ السُّيُولِ بِحَيْثُ لَا تَفِيضُ عَلَيْهَا وَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِ الْأَوْدِيَةِ. وَهَذَا الْحَالُ مَقْصُودٌ فِي التَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ حَالُ انْصِرَافِ الْمَاءِ لِنَفْعٍ لَا ضُرَّ مَعَهُ، لِأَنَّ مِنَ السُّيُولِ جَوَاحِفَ تَجْرُفُ الزَّرْعَ وَالْبُيُوتَ وَالْأَنْعَامَ. وَأَيْضًا هُوَ دَالٌّ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَوْدِيَةِ فِي مَقَادِيرِ الْمِيَاهِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 118 · #126460
َ السُّيُولِ جَوَاحِفَ تَجْرُفُ الزَّرْعَ وَالْبُيُوتَ وَالْأَنْعَامَ. وَأَيْضًا هُوَ دَالٌّ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَوْدِيَةِ فِي مَقَادِيرِ الْمِيَاهِ. وَلِذَلِكَ حَظٌّ مِنَ التَّشْبِيهِ وَهُوَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي قَابِلِيَّةِ الِانْتِفَاعِ بِمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَاخْتِلَافِ الْأَوْدِيَةِ فِي قَبُولِ الْمَاءِ عَلَى حَسَبِ مَا يَسِيلُ إِلَيْهَا مِنْ مَصَابِّ السُّيُولِ، وَقَدْ تَمَّ التَّمْثِيلُ هُنَا. وَجُمْلَةُ وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَاحْتَمَلَ إِلَخْ وَجُمْلَةِ فَأَمَّا الزَّبَدُ إِلَخَّ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 118 · #126461
ْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَاحْتَمَلَ إِلَخْ وَجُمْلَةِ فَأَمَّا الزَّبَدُ إِلَخَّ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ آخَرُ وَرَدَ اسْتِطْرَادًا عَقِبَ ذِكْرِ نَظِيرِهِ يُفِيدُ تَقْرِيبَ التَّمْثِيلِ لِقَوْمٍ لَمْ يُشَاهِدُوا سُيُولَ الْأَوْدِيَةِ مِنْ سُكَّانِ الْقُرَى مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمُ الْمَقْصُودُ، فَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي مَكَّةَ صَوَّاغُونَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْإِذْخِرِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ تَمْثِيلَ عَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِمَا انْتَفَعَ بِهِ غَيْرُهُمْ بِمَثَلِ مَا يُصْهَرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْبَوَاتِقِ فَإِنَّهُ يَقْذِفُ زَبَدًا يَنْتَفِي عَنْهُ وَهُوَ الْخَبَثُ وَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِشَيْءٍ فِي حِينِ صَلَاحِ مَعْدِنِهِ لِاتِّخَاذِهِ حِلْيَةً أَوْ مَتَاعًا. وَفِي الْحَدِيثِ «كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» .
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 118) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 118 · #126462
ْرُ صَالِحٍ لِشَيْءٍ فِي حِينِ صَلَاحِ مَعْدِنِهِ لِاتِّخَاذِهِ حِلْيَةً أَوْ مَتَاعًا. وَفِي الْحَدِيثِ «كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» . فَالْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ تَعَدُّدِ التَّشْبِيهِ الْقَرِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ثُمَّ قَوْلِهِ: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [سُورَة الْبَقَرَة: ١٩] . وَأَقْرَبُ إِلَى مَا هُنَا قَوْلُ لَبِيدٍ: فَتَنَازَعَا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلَالُهُ ... كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرَامُهَا مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنَابِتِ عَرْفَجِ ...
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 119 · #126463
هُنَا قَوْلُ لَبِيدٍ: فَتَنَازَعَا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلَالُهُ ... كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرَامُهَا مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنَابِتِ عَرْفَجِ ... كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ أَسْنَامُهَا وَأَفَادَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: زَبَدٌ مِثْلُهُ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمَسْنَدِ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمُسْنَدِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اعْتِبَارٍ أَيْضًا بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ جَعَلَ الزَّبَدَ يَطْفُو عَلَى أَرَقِّ الْأَجْسَامِ وَهُوَ الْمَاءُ وَعَلَى أَغْلَظِهَا وَهُوَ الْمَعْدِنُ فَهُوَ نَامُوسٌ مِنْ نَوَامِيسِ الْخِلْقَةِ، فَبِالتَّقْدِيمِ يَقَعُ تَشْوِيقُ السَّامِعِ إِلَى تَرَقُّبِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ. وَهَذَا الِاهْتِمَامُ بِالتَّشْبِيهِ يُشْبِهُ الِاهْتِمَامَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ فِي وَصْفِ جَهَنَّمَ «فَإِذَا فِيهَا كَلَالِيبُ مِثْلُ حَسَكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ حَسَكَ السَّعْدَانِ» .
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 119 · #126464
سْتِفْهَامِ فِي قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ فِي وَصْفِ جَهَنَّمَ «فَإِذَا فِيهَا كَلَالِيبُ مِثْلُ حَسَكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ حَسَكَ السَّعْدَانِ» . وَعَدَلَ عَنْ تَسْمِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِلَى الْمَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا أَخْصَرُ وَأَجْمَعُ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فِي ذِكْرِ الْجُمْلَةِ الْمَجْعُولَةِ صِلَةً، فَلَوْ ذُكِرَتْ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ صِلَةٍ كَالْوَصْفِيَّةِ مَثَلًا لَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَضْلَةِ فِي الْكَلَامِ وَلَطَالَ الْكَلَامُ بِذِكْرِ اسْمِ الْمَعْدِنَيْنِ مَعَ ذِكْرِ الصِّلَةِ إِذْ لَا مَحِيدَ عَنْ ذِكْرِ الْوَقُودِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الزَّبَدِ، فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ قَضَاءً لِحَقِّ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ مَعَ الِاخْتِصَارِ الْبَدِيعِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 119) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 119 · #126465
نْ ذِكْرِ الْوَقُودِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الزَّبَدِ، فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ قَضَاءً لِحَقِّ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ مَعَ الِاخْتِصَارِ الْبَدِيعِ. وَلِأَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِعْرَاضًا يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِهِمَا تَرَفُّعًا عَنْ وَلَعِ النَّاسِ بِهِمَا فَإِنَّ اسْمَيْهِمَا قَدِ اقْتَرَنَا بِالتَّعْظِيمِ فِي عُرْفِ النَّاسِ. وَمن فِي قَوْلِهِ: وَمِمَّا تُوقِدُونَ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَ (ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ تُوقِدُونَ. ذُكِرَ لِإِيضَاحِ الْمُرَادِ مِنَ الصِّلَةِ وَلِإِدْمَاجِ مَا فِيهِ مِنْ مِنَّةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 120 · #126466
لٌ لِأَجْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ تُوقِدُونَ. ذُكِرَ لِإِيضَاحِ الْمُرَادِ مِنَ الصِّلَةِ وَلِإِدْمَاجِ مَا فِيهِ مِنْ مِنَّةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ. لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِمَا. وَالْحِلْيَةُ: مَا يُتَحَلَّى بِهِ، أَيْ يُتَزَيَّنُ وَهُوَ الْمَصُوغُ. وَالْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ وَيُنْتَفَعُ، وَذَلِكَ الْمَسْكُوكُ الَّذِي يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تُوقِدُونَ- بِفَوْقِيَّةٍ فِي أَوَّلِهِ- عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَخَلَفٌ- بِتَحْتِيَّةٍ- عَلَى الْغَيْبَةِ. وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ مُعْتَرِضَةٌ، هِيَ فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ بِبَيَانِ الْغَرَضِ مِنْهُ، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَمَعْنَى يَضْرِبُ يُبَيِّنُ وَيُمَثِّلُ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 120 · #126467
يلِ بِبَيَانِ الْغَرَضِ مِنْهُ، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَمَعْنَى يَضْرِبُ يُبَيِّنُ وَيُمَثِّلُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنًى يَضْرِبُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦] . فَحُذِفَ مُضَافٌ فِي قَوْلِهِ: يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ، وَالتَّقْدِيرُ: يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الْحق وَالْبَاطِل، دلَالَة فِعْلِ يَضْرِبُ عَلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْمُضَافِ. وَحَذْفُ الْجَارِّ مِنَ الْحَقَّ لِتَنْزِيلِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَنْزِلَةَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 120 · #126468
فِعْلِ يَضْرِبُ عَلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْمُضَافِ. وَحَذْفُ الْجَارِّ مِنَ الْحَقَّ لِتَنْزِيلِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَنْزِلَةَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الزَّبَدَ مَثَلٌ لِلْبَاطِلِ وَأَنَّ الْمَاءَ مَثَلٌ لِلْحَقِّ، فَارْتَقَى عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى مَا فِي الْمَثَلَيْنِ مِنْ صِفَتَيِ الْبَقَاءِ وَالزَّوَالِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ بِأَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ هُوَ الْبَاقِي الدَّائِمُ، وَأَنَّ الْفَرِيقَ الثَّانِيَ زَائِلٌ بَائِدٌ، كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 120 · #126469
كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٥، ١٠٦] ، فَصَارَ التَّشْبِيهُ تَعْرِيضًا وَكِنَايَةً عَنِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرَّعْد: ١٨] إِلَخْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. فَجُمْلَةُ فَأَمَّا الزَّبَدُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً مُفَرَّعَةٌ عَلَى التَّمْثِيلِ. وافتتحت ب فَأَمَّا لِلتَّوْكِيدِ وَصَرْفِ ذِهْنِ السَّامِعِ إِلَى الْكَلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَفِيِّ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَلِأَنَّهُ تَمَامُ التَّمْثِيلِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 120) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 120 · #126470
َّا لِلتَّوْكِيدِ وَصَرْفِ ذِهْنِ السَّامِعِ إِلَى الْكَلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَفِيِّ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَلِأَنَّهُ تَمَامُ التَّمْثِيلِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الزَّبَدُ جُفَاءً وَمَكَثَ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ. وَالْجُفَاءُ: الطَّرِيحُ الْمَرْمِيُّ، وَهَذَا وَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَبِيدُونَ بِالْقَتْلِ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ. وَعُبِّرَ عَنِ الْمَاءِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْبَقَاءُ فِي الْأَرْضِ تَعْرِيضًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَعْرِضُوا أَحْوَالَهُمْ عَلَى مَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلَةِ لِيَعْلَمُوا أَنهم لَيْسُوا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَهَذِهِ الصِّلَةُ مُوَازِنَةٌ لِلْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ١٠٥] .
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 121 · #126471
نَّاسَ، وَهَذِهِ الصِّلَةُ مُوَازِنَةٌ لِلْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ١٠٥] . وَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ وَجْهِ شَبَهِ النَّافِعِ بِالْمَاءِ وَغَيْرِ النَّافِعِ بِالزَّبَدِ عَنْ ذِكْرِ وَجْهِ شَبَهِ النَّافِعِ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَغَيْرِ النَّافِعِ بِزَبَدِهِمَا اسْتِغْنَاءً عَنْهُ. وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ لِمَا فِي لَفْظِ الْأَمْثالَ مِنَ الْعُمُومِ. فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ جُمْلَةِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ لِدَلَالَتِهَا عَلَى صِنْفٍ مِنَ الْمَثَلِ دُونَ جَمِيعِ أَصْنَافِهِ فَلَمَّا أُعْقِبَ بِمَثَلٍ آخَرَ وَهُوَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً جِيءَ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى الْفَائِدَةِ الْعَامَّةِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 121 · #126472
َّا أُعْقِبَ بِمَثَلٍ آخَرَ وَهُوَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً جِيءَ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى الْفَائِدَةِ الْعَامَّةِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَحَصَلَ أَيْضًا تَوْكِيدُ جُمْلَةِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ لِأَنَّ الْعَامَّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْخَاصُّ. فَإِشَارَةُ كَذلِكَ إِلَى التَّمْثِيلِ السَّابِقِ فِي جُمْلَةِ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً أَيْ مَثَلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ الْبَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّذْيِيلِ.
QS 13:17 (jilid 13 hlm. 121) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 13 · hlm. 121 · #126473
ُمْلَةِ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً أَيْ مَثَلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ الْبَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّذْيِيلِ. وَالْإِشَارَةُ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الْمَثَلِ وَتَنْبِيهِ الْأَفْهَامِ إِلَى حِكْمَتِهِ وَحِكْمَةِ التَّمْثِيلِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ، وَمَا جَمَعَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالْكِنَايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ، وَإِلَى بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ، وَذَلِكَ تَبْهِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّ جُمْلَةَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً لَمْ يُؤْتَ بِهَا لِمُجَرَّدِ تَشْخِيصِ دَقَائِقِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالصُّنْعِ الْبَدِيعِ بَلْ وَلِضَرْبِ الْمثل، فَيعلم لممثّل لَهُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ كَمَا فِي شَأْن التذييل. [١٨]