lalu mereka berdua bertemu dengan seorang hamba di antara hamba-hamba Kami, yang telah Kami berikan rahmat kepadanya dari sisi Kami, dan yang telah Kami ajarkan ilmu kepadanya dari sisi Kami
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفتاه: ﴿ذَلِكَ﴾ يعنى بـ ﴿ذَلِكَ﴾: نسيانَك الحوتَ، ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. يقولُ: الذى كنا نلتمسُ ونطلُبُ؛ لأن موسى كان قِيل له: صاحبُك الذى تُرِيدُهُ حيث تنسَى الحوتَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾. قال موسى: فذاك حيث أُخبِرتُ أَنِّي واجدٌ خَضِرًا حيث يفوتُني الحوتُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ.
وقولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.
ل: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ.
وقولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. يقولُ: فرجَعا في الطريقِ الذي كانا
قطَعاه ناكصين على أدبارِهما يَقُصَّان آثارَهما التي كانا سلَكاها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَصَصًا﴾. قال: اتَّبَع موسى وفتاه أثرَ الحوتِ، فشقَّا البحرَ راجعَين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.
تِ، فشقَّا البحرَ راجعَين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: اتِّباعُ موسى وفتاه أثرَ الحوتِ بشقِّ البحرِ، وموسى وفتاه راجعان، وموسى يعجَبُ من أثرِ الحوتِ في البحرِ ودوَّارتِه التي غاب فيها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: رجَعا عودَهما على بدئِهما، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أى: يَقُصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوتِ".
وقولُه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. [يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾.
وَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. [يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾. ذُكِر أنه الخضِرُ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾]. يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. أي: من عندِنا علمًا.
وكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا.
ا.
وكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا. أو حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللهُ تعريفَه أن من عبادِه في الأرضِ من هو أعلمُ منه، وأنه لم يكنْ له أن يَحْتِمَ على ما لا علمَ له به، ولكن كان ينبغي له أن يكِلَ ذلك إلى عالِمه.
وقال آخرون: بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللهَ جَلَّ ثناؤُه أَن يَدُلَّه على عالمٍ يزدادُ من علمِه إلى علمِ نفسِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليكَ؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينسَاني. قال: فأيُّ عبادِك أقضَى؟ قال: الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبِعُ الهوى. قال: أى ربِّ، أيُّ عبادِك أعلمُ؟ قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى
علمِه، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ؟ قال: نعم.
ِك أعلمُ؟ قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى
علمِه، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ؟ قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: وأين أطلُبُه؟ قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوتُ. قال: فخرَج موسى يطلُبُه، حتى كان ما ذكَر اللهُ، وانتهَى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَني. قال: إنك لن تُطِيقَ صُحبَتى. قال: بلى.
ُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: فكان قولُ موسى في الجدارِ لنفسِه، ولطلبِ شيءٍ من الدنيا، وكان قولُه في السفينةِ وفي الغلامِ للَّهِ، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فَأَخْبَره بما قال اللهُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾. قال: فسار به في البحرِ حتى انتهَى إلى مجمعِ البحورِ، وليس في الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه. قال: وبعَث ربُّكَ الخُطَّافَ فجعَل يستقِى منه بمِنقارِه. فقال لموسى: كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأَ من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ.
رَى هذا الخطافَ رَزَأَ من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ. وكان موسى قد حدَّث نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلَّم به، فمِن ثَمَّ أُمِرَ أَن يَأْتِيَ
الخَضِرَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خطَب موسى بني إسرائيلَ، فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللهِ وبأمرِه منى. [فأُمِر أن يلقَى] هذا الرجلَ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك.
يلقَى] هذا الرجلَ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك. فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ، وتزوَّدوا حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللهُ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ رُوحَه، فسرَب في البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا في البحرِ، فَسَرَب فيه، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ حتى بلَغ قولَه: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، فكان موسى اتخذ سبيله في البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحَوتِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلَّم عليه موسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ عليه¬ السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟
وسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ عليه¬ السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟ قال: بلى، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيكَ
وأَصْحبَك. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. كما قصَّ اللهُ، حتى بلَغ: ﴿رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ صاحبُ موسى، ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. يقولُ: نُكْرًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى.
يى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى. فقال: كذَب عدوُّ اللهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن موسى قام في بني إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا. [فعتَب اللهُ] عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لي عندَ مجمعِ البحرين. فقال: يا ربِّ، كيف به؟ فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعَله في مِكْتَلٍ، [فحيث تفقِدُه فهو هناك. قال: فأخَذ حوتًا فجعَله في مِكْتلٍ]. ثم قال لفتاه: إذا فقَدتَ هذا الحوتَ فأخبِرْني. فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةً، فرقَد موسي، فاضطرَب الحوتُ في المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع في البحرِ، فأمسَك اللهُ عنه جِرْيَةَ الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أمره اللهُ. قال: فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ
أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: يَقُصَّان آثارَهما. قال: فأَتَيا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجًّى بثوبِه، فسلَّم عليه موسى، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ! فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علمِ اللهِ، علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ لا أَعلَمُه. قال: فإني ﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ لا أَعلَمُه. قال: فإني ﴿أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرفِها فنقَر -أو: فنقَد- في الماءِ، فقال الخضِرُ لموسى: ما ينتقصُ عِلْمِي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا مقدارَ ما نقَر -أو نقَص- هذا العصفورُ من البحر" -أبو جعفر يشكُّ، وهو في كتابه: نقَر- قال: "فبينما [هم في السفينةِ] إذ لم يُفْجأْ موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها، فقال له موسى: حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. قال: وكانت الأولى من موسى نِسْيانًا.
مسَحَه بيدِه، فقال له موسى: لم يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ". قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَوَدِدتُ أنَّه كان صبَر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا قَصَصَهم".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جلستُ عندَ ابنِ عباسٍ وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ، فقال بعْضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةِ كعبٍ يزعُمُ عن كعبٍ، أن موسى النبيَّ الذى طلَب العالمَ إنَّما هو موسى بنُ مَنْسَا. قال سعيدٌ: قال ابنُ عباسٍ: أنَوْفٌ يقولُ هذا؟ قال سعيدٌ: فقلتُ له نعمْ، أنا سمِعتُ نوفًا يقولُ ذلك. قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟ قال: قلتُ: نعم. قال: كذَب نوفٌ. ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه.
َّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه. فقال له: نعمْ في عبادِى مَن هو أعلمُ مِنكَ. ثم نعَت له مكانَه، وأذِن له في لُقِيِّه، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليحٌ، قد قيل له: إذا حَيِىَ هذا الحوتُ في مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك. فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه
ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانتهى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك الماءِ، [وذلك الماءُ] ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلا حَيِيَ، فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِيَ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
يلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال الفَتَى وذكَر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال ابن عباسٍ: فظَهر موسى على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ في كساءٍ له، فسَلَّم موسى، فردَّ عليه العالمُ، ثم قال له: [ومن أنت؟ فقال: أنا موسى بنُ عمرانَ. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال]: وما جاء بك؟ إن كان لك في قومِك لشغلٌ؟ قال له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ -وكان رجلًا [يَعْمَلُ على] الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.
َلْنِي عَنْ شَيْءٍ [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: فلا تسأَلْني عن شيءٍ وإِن أَنْكرتَه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أى: خَبرًا]. فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ، يتعرَّضان الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقةٌ لم يمرَّ بهما من
السفنِ شيءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما، فحمَلوهما، فلما اطمأَنَّا فيها، ولَجَّجَتْ بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةً، ثم عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها، ثم أخَذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلَس عليها يَرْقَعُها. قال له موسى - [ورأَى أمرًا أُفْظِع به] -: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: [حمَلونا وآوَونا إلى سفينتِهم، وليس في البحرِ سفينةٌ مثلُها، فلِمَ خرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟ لقد جئتَ شيئًا إمرًا]، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
عَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. أى: قد أُعذِرْتَ في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ﴾ فهدَمه، ثم قعد يَبْنِيه، فضجر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ لما ليس عليه صبرٌ، فقال: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. أى: قد استطعَمناهم فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ فِي غيرِ ضَيْعةٍ، ولو شِئْتَ لأُعْطِيتَ عليه أجرًا في عملِه!
َمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. أى: ما فعلتُه عن نفسى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما كان الكنزُ إلا علمًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟
ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟ فقال ابنُ عباسٍ -فيما يَذْكُرُ من حديثِ الفتى- قال:
شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً، ثم أرسَله في البحرِ، فإنها لتموجُ به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرب منه فشرِب.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية. قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ.
جْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية. قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللهُ من آلِ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ عدوِّهم، وما استخلَفهم اللهُ في الأرضِ، وقال: كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا، واصطفَاني لنفسه، وأنزَل عليَّ محبةً منه، وآتاكم اللهُ من كلِّ ما سأَلتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهلِ الأرضِ، وأنتم تقرَءُون التوراةَ. فلم يترُكْ نعمةً أنعمَها اللهُ عليهم إلَّا ذكَرها، وعرَّفها إياهم. فقال له رجلٌ من بني إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللهِ، قد عرَفنا الذي تقولُ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟ فقال: لا. فبعَث اللهُ جبريلَ إلى موسى ﵉، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟ بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ. فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ.
لهُ جبريلَ إلى موسى ﵉، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟ بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ. فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ. فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه، فأوحَى اللهُ إليه أن ائْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطَّ البحرِ حُوتًا، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطَّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهلَك منكَ، فثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ. فلما طال سفرُ موسى نبيِّ اللهِ ﵇، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا.
نِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا. فأعجَب ذلك موسى،
فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، [فجعَل الحوتُ] يضربُ في البحرِ، ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه الماءَ يَتْبَعُ الحوتَ، وجعَل الحوتُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ ﵇ يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهَى به الحوتُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فلقِى الخَضِرَ بها فسلَّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامَ بهذه الأرضِ! ومَن أنتَ؟ قال: أنا موسى. فقال له الخضرُ: أصاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُكَ على أَن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشدًا. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك. قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك. قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به وقال له: لا تسأَلْنى عن شيءٍ أصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه. فذلك قولُه: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فرَكبا في السفينةِ يُرِيدان البرَّ، فقام الخضرُ فخرق السفينةَ، فقال له موسى: ﴿خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى صلى الله عليه لما قطَع البحرَ وأنجاه اللهُ من آلِ فرعونَ، جَمَع بني إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ. قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك.
فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ. قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك. قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ
يطلُبانِه، فتزوَّدوا مملوحةً في مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما رجلًا عالمًا يقال له: الخَضِرُ. فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ روحَه، فسرَب له من الجُدِّ حتى أَفْضَى إلى البحر، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا. قال: ومضى موسى وفتاه. يقولُ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. ثم تلا إلى قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
ا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. ثم تلا إلى قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. فلقيا رجلًا عالمًا يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "إنما سُمِّي الخَضِرُ خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ بيضاءَ فاهتزَّت به خضراءَ".
حدثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنى الأوزاعيُّ، قال: حدثنى الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنه تمارَى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بنِ حِصْنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ: هو خضِرٌ. فمرَّ بهما أبيُّ بنُ كعبٍ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل سمِعتَ رسولَ اللهِ يذكُرُ شأنَه؟ قال: نعم، سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ] أعلمَ منك؟ قال موسى: لا.
فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا خضِرٌ.
قولُ: "بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ] أعلمَ منك؟ قال موسى: لا.
فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا خضِرٌ. فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقيل له: إذا افتقدتَ الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه. فكان موسى يتْبعُ أثرَ الحوتِ في البحرِ، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. قال موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا﴾، خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابِه".
حدَّثني محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ عمرَ النُّميريُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سمِعتُ الزهريِّ يحدِّثُ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه تمارَى هو والحرُّ بن قيسِ بن حصنٍ الفَزاريُّ في صاحبِ موسى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ العباسِ، عن أبيه.
مَرْحَلَةً (قَالَ) موسى (لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا [نَصَبًا]) أي: الذي جاوزا فيه المكان (نَصَبًا) يعني: تعبًا. قال: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: [وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان]، ولهذا قال: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ) أي: طريقه (فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) أي: هذا الذي نطلب (فَارْتَدَّا) أي: رجعا (عَلَى آثَارِهِمَا) أي: طريقهما (قَصَصًا) أي: يقصان أثر مشيهما، ويقفوان أثرهما.
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) وهذا هو الخضر، ﵇، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.
ْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) وهذا هو الخضر، ﵇، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ. بذلك قال البخاري:
حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالِيّ يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عَدُوّ الله، حدثنا أبي بن كعب، ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فَسُئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يَرُدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا، تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم.
ه، فأوحى الله إليه: إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا، تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا، فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يُوشع بن نون عليهما السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جِريةَ الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوَزَا المكان الذي أمره الله به.
من الغد قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوَزَا المكان الذي أمره الله به. قال له فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) قال: "فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا، فقال: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا). قال: "فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مُسجّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخَضِر: وَأنّى بأرضك السلام!. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما عُلِّمت رشدا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله عَلَّمَكَه الله لا
أعلمه.
لَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله عَلَّمَكَه الله لا
أعلمه. فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا إمرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ: "كانت الأولى من موسى نسيانًا".
يعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ: "كانت الأولى من موسى نسيانًا". قال: وجاء عصفور فنزل على حرف السفينة فنقر في البحر نَقْرة، [أو نقرتين] فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه [بيده] فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾؟! قال: "وهذه أشد من الأولى"، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل.
تَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل. فقال الخضر بيده: ﴿فَأَقَامَهُ﴾، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: "وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما".
قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين".
نا من خبرهما".
قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين".
ثم رواه البخاري عن قتيبة، عن سفيان بن عُيينة … فذكر نحوه، وفيه: "فخرج موسى ومعه فتاه يُوشع بن نون، ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها -قال: فوضع موسى رأسه فنام-قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي: فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال، فتحرك وانسل من المكتل، فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا) كذا قال: وساق الحديث.
إلا حيي: فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال، فتحرك وانسل من المكتل، فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا) كذا قال: وساق الحديث. ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي
وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدارُ ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه".
وقال البخاري أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جُرَيج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير -يزيد أحدهما على صاحبه-وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاص، يقال له: نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل -أما عمرو فقال لي: قال: كذب عدو الله! وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "موسى رسول الله، ذكَّر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟
: قال رسول الله ﷺ: "موسى رسول الله، ذكَّر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى قال: أي رب، وأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي رب، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به". قال لي عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت، قال ما كلفت كبيرًا. فذلك قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ) يوشع بن نون، ليست عن سعيد بن جبير، قال: "فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تَضَرَّب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جَرْيَة الماء حتى كأن أثره في حجر".
رَّب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جَرْيَة الماء حتى كأن أثره في حجر". [قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر]، وحلق بين إبهاميه والتي تليهما: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) قال: "وقد قطع الله عنك النصب" ليست هذه عند سعيد -أخبره، فرجعا فوجدا خَضرًا. قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طِنْفِسَة خضراء على كبِد البحر. قال سعيد بن جبير: مُسَجى بثوب، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: يكفيك التوراة بيدك، وأن الوحي يأتيك!. يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه.
جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: يكفيك التوراة بيدك، وأن الوحي يأتيك!. يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر [فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر]، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر عرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح؟. قال فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم. لا نحمله بأجر. فخرقها، وَوَتَدَ فيها وتدًا. قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
قال مجاهد: منكرًا. قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ﴿فَانْطَلَقَا﴾. حتى لقيا غلامًا فقتله.
ًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ﴿فَانْطَلَقَا﴾. حتى لقيا غلامًا فقتله. قال يعلى: قال سعيد، وجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالحنث. وابن عباس قرأها ﴿زَكِيَّةً﴾ -" زَاكِيَة " مُسْلمَة، كقولك: غلامًا زكيا فانطلقا، فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال [سعيد] بيده هكذا، ورفع يده فاستقام -قال يعلى: حسبت أن سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام -قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال سعيد: أجرًا نأكله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: "أمامهم ملك" يزعمون عن غير سعيد أنه هُدَدُ بن بُدَدَ، والغلام المقتول اسمه -يزعمون-جَيسُور (مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها. ومنهم من يقول: سدوها بقارورة. ومنهم من يقول: بالقار.
ُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها. ومنهم من يقول: سدوها بقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكان كافرًا، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. أن يحملهما حُبّه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ كقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر. وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية. وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: خطب موسى، ﵇، بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فَأمرَ أن يلقى هذا الرجل.
رنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: خطب موسى، ﵇، بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فَأمرَ أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم: يا أبا العباس، إن نوفًا ابن امرأة كعب، يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا؟ قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوفٌ يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوفًا يقول ذلك. قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم. قال: كذب نوف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ: "أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني، فدلني عليه. فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك.
و أعلم منك. ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من
شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي. فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ فانطلقا فلما جاوز مُنْقَلَبَه قال: موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) قال الفتى -وذكر-: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا).
قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالم ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لَشُغل؟.
اس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالم ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لَشُغل؟. قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وكان رجلا يعلم علم الغيب قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؟ أي: إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيتُ ما يخالفني، قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [وإن أنكرته] ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يتلمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يتلمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها. فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما اطمأنا فيها وَلجّجَت بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها. ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال: له موسى -ورأى أمرًا أفظع به-: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما تركت من عهدك، ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.
أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما تركت من عهدك، ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ثم خرجا من السفينة فانطلقا، حتى أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أثرى ولا أوضأ منه، فأخذه بيده، وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي: صغيرة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعْذرتَ في شأني.
سْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعْذرتَ في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف، وما ليس عليه صبر، قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يُضَيّفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عمله؟.
َ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يُضَيّفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عمله؟. قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ -وفي قراءة أبيّ بن كعب: "كل سفينة صالحة" -وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت حين رأى
العيب الذي صنعت بها.
وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: ما فعلته عن نفسي، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا.
وقال العوفي، عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه، فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله: أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه؛ فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعمها عليهم إلا وعرفهم إياها. فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى، ﵉، فقال: إن الله [﷿] يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى.
عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى، ﵉، فقال: إن الله [﷿] يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى. إن على شط البحر رجلا هو أعلم منك -قال ابن عباس: هو الخضر-فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه: أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب ذلك موسى، فرجع حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى
سى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟ ومن أنت؟ قال: أنا موسى. فقال الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟ [قال: نعم] فرحب به وقال: ما جاء بك؟ قال جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يقول: لا تطيق ذلك. قال موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عباس: أنه تمارى هو
والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر.
﴾.
وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عباس: أنه تمارى هو
والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر. فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا؛ فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى لُقيّه فجعل الله له الحوت آية وقيل له: إذا فَقَدت الحوت [فهو ثمة] فارجع، فإنك ستلقاه. فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر. فقال فتى موسى لموسى: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) قَالَ مُوسَى (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) فوجدا عبدنا خضرًا فكان من شأنهما ما قص في الله كتابه"
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ قرأه عامة القراء ما عدا حفصًا (أنْسَنِيهِ) بكسر الهاء. وقرأه حفص عن عاصم ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ بضم الهاء.
• قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر ﵇ بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النبي ﷺ. وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما، لم يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؛ كما قال الراجز:
واختلفت في خضر أهل العقول ... قيل نبيٌّ أو وليٌّ أو رسول
وقيل: مَلَك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة. وأن هذا العلم اللدُنِّي علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء.
اعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن.
ا العلم اللدُنِّي علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء.
اعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن. وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في "الزخرف": ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ .. ﴾ الآية. أي: نبوته، حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة "الدخان": ﴿فِيهَا
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى في آخر "القصص": ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية.
ةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى في آخر "القصص": ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه: أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة أن الرحمة والعلم اللدني اللذين أمتنَّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا.
ي اللذين أمتنَّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا. وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ و ﴿إِنَّمَا﴾ صيغة حصر.
فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام؟
فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به.
كون ذلك عن طريق الإلهام؟
فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به. بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به،
وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وبخبر: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" كله باطل لا يُعَوَّل عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه.
اع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال:
وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعضُ من تصوَّفا ... وعصمة النبي توجب اقتفا
وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاءوا به ولو في مسألة واحدة؛ فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ ولم يقل: حتى نلقي في القلوب إلهامًا.
. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ ولم يقل: حتى نلقي في القلوب إلهامًا. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ
بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ... ﴾ الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد بينا طرفًا من ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.
اديث بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد بينا طرفًا من ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف؛ من أن لهم ولأشياخهم طريقًا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفةً لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى = زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره.
قال القرطبي ﵀ في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذا الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم.
لى الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون".
الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون". قال شيخنا ﵁: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن
أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
َجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل، فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول.
وبيان ذلك؛ أن من قال: يأخذ عن قلبه؛ وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة؛ فإن هذا نحو ما قاله ﷺ: "إن روح القدس نفث في روعي .. " الحديث.
، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة؛ فإن هذا نحو ما قاله ﷺ: "إن روح القدس نفث في روعي .. " الحديث. انتهى من تفسير القرطبي.
وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن
آيات الكتاب) في سورة "آل عمران".
وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام؛ لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل معنى الحديث: التحذير من الشبه؛ لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمها كل الناس. فقد يفتيك المفتي بحِلِّيةِ شيء وأنت تعلم من طريق آخر أنه يحتمل أن يكون حرامًا، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة.
الناس. فقد يفتيك المفتي بحِلِّيةِ شيء وأنت تعلم من طريق آخر أنه يحتمل أن يكون حرامًا، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة. والحديث كقوله: "دع ما يَرِيبك إلى ما لا يَريبك"، وقوله ﷺ : "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁، وحديث وابصة بن معبد ﵁ المشار إليه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "جئت تسأل عن البر"؟ قلت: نعم، قال: "استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما.
طمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه، الحث على الورع وترك الشبهات، فلو التبست مثلًا ميتة بمذكَّاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين بحلية إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في الثاني؛ فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض، لا
يتحقق إلا بتجَنُّب الجميع؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك مستند لنصوص الشرح لا للإلهام.
ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح: قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري ﵀: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه ﵀، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما.
أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري ﵀: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه ﵀، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وبهذا كله تعلم: أن قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة، وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾، وقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ مع قول الخضر له: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾.
مسألة
اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة.
اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح، والنقاش وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى، يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم
القيامة. وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.
وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر. ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية؛ كل ذلك معروف. ومستند القائلين بذلك ضعيف جدًّا؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة.
ومن أقواه عند القائلين به: آثار التعزية حين توفي النبي ﷺ .
ت عن بعض من يظن به الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة.
ومن أقواه عند القائلين به: آثار التعزية حين توفي النبي ﷺ . وقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي ﵁ قال: لما توفي النبي ﷺ وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم أهل البيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... ﴾ الآية. إن في الله خلقًا عن كل هالك، وعوضًا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجو؛ فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر ﵇ ؛ يعني أصحاب النبي ﷺ . انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.
قال مقيده -عفا الله عنه-: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفًا، مردود من وجهين:
الأول: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح. قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم.
ر في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث،
ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف. اهـ. منه.
الثاني: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلًا ولا شرعًا ولا عرفانًا أن يكون ذلك المعزى هو الخضر؛ بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. ودعوى أن ذلك المعزى هو الخضر تحكم بلا دليل.
الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. ودعوى أن ذلك المعزى هو الخضر تحكم بلا دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفى، وذلك لعدة أدلة:
الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله.
َ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله. والخضر بشر من قبله؛ فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد.
الثاني: قوله ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا هناد بن السريّ، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن
بد في الأرض" فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا هناد بن السريّ، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن
الخطاب قال: لما كان يوم بدر، (ح) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي، حدثني عبد الله ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا؛ فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه؛ فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله!
فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه؛ فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فأمده الله بالملائكة .. الحديث. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "لا تعبد في الأرض" فِعلٌ في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض؛ لأن الفعل ينحلّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة "بني إسرائيل". وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا ...
رة "بني إسرائيل". وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا
فإذا علمت أن معنى قوله ﷺ: "إن تهلك هذه العصابة لا
تعبد في الأرض" أي لا تقع عبادة لك في الأرض؛ فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله في الأرض.
وقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك!
وهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾؛ فقوله ﷺ في هذا الحديث: "اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض؛ فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر.
الثالث: إخباره ﷺ على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة؛ فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة.
ائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة؛ فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا، وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان: أن عبد الله بن عمر قال:
صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته؛ فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد". قال ابن عمر: فوَهَل الناسُ في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال رسول الله ﷺ: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب.
الله ﷺ: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب. ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه.
حدثني هارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة". حدثنيه محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد، ولم يذكر: "قبل موته بشهر".
حدثني يحيى بن حبيب، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر، قال ابن حبيب: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك: "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ".
أبي، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك: "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ". وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن قال:
نقص العمر. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي بالإسنادين جميعًا مثله. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو خالد عن داود واللفظ له. (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سليمان بن حيان عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: لما رجع النبي ﷺ من تبوك سألوه عن الساعة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم". حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن سالم عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة" فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ.
وانة عن حصين عن سالم عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة" فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. اهـ منه بلفظه.
فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي ﷺ ابن عمر، وجابر، وأبو سعيد، فيه تصريح النبي ﷺ بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. فقوله "نفس منفوسة" ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نكرة في سياق النفي فهي تعم كل نفس مخلوقة على الأرض. ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر؛ لأنه نفس منفوسة على الأرض.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النبي ﷺ فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه
الأحاديث عن مائة سنة.
"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه
الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال النبي ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن. انتهى منه بلفظه. وقد بينا وجه دلالته على المراد قريبًا.
الرابع: أن الخضر لو كان حيًّا إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة "آل عمران": أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
ان": أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.
وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا ﷺ، كما قاله ابن العباس وغيره، فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولًا أوليًّا؛ فلو كان الخضر حيًّا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته.
كما قاله ابن العباس وغيره، فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولًا أوليًّا؛ فلو كان الخضر حيًّا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ﵁: أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها
بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني" اهـ. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفًا.
، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني" اهـ. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفًا. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه بعد أن ساق آية "آل عمران" المذكورة آنفًا مستدلًّا بها على أن الخضر لو كان حيا لجاء النبي ﷺ ونصره ما نصه: قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه، ذكره البخاري عنه.
فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًّا فالصديق أفضل منه.
ي زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًّا فالصديق أفضل منه. وإن كان نبيًّا فموسى أفضل منه.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني" وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلهم أتباعًا له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما
اجتمع بهم في الإسراء رُفِع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم؛ فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم.
مع بهم في الإسراء رُفِع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم؛ فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن- عُلِم أنه لو كان الخضر حيًّا لكان من جملة أمة محمد ﷺ، وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد.
بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه ﷿ واستنصره واستفتحه على من كفره: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض" وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇؛ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
فلو كان الخضر حيًّا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟
فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله ﷺ، نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قيل: فهل يقال إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟
ان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله ﷺ، نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قيل: فهل يقال إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات، ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام، أفضل مما يقال عن كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟!.
وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
اجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟!.
وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.
فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيًّا باقيًا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه.
وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر وبقائه:
ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرًا من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًّا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ، والله أعلم.
ا حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ، والله أعلم. إلى أن قال ﵀: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضر) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد. اهـ منه.
واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته؛ فزعموا أنه لا يشمله عموم ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ولا عموم حديث: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم" كما تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى: ولا حجة لمن استدل به -يعني الحديث المذكور- على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي؛ لعموم قوله: "ما من نفس منفوسة. .
لله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى: ولا حجة لمن استدل به -يعني الحديث المذكور- على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي؛ لعموم قوله: "ما من نفس منفوسة. ." لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصًّا فيه، بل هو قابل
للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى ﵇ فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة؛ فكذلك لم يتناول الخضر ﵇ ، وليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى ﵇ كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اهـ منه.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط، كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي ﷺ عام في منفس منفوسة عمومًا مؤكدًا؛ لأن زيادة "مِن" قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصًّا صريحًا في العموم لا ظاهرًا فيه كما هو مقرر في الأصول.
النبي ﷺ عام في منفس منفوسة عمومًا مؤكدًا؛ لأن زيادة "مِن" قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصًّا صريحًا في العموم لا ظاهرًا فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة "المائدة".
ولو فرضنا صحة ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- من أنه ظاهر في العموم لا نصٌّ فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندًا ومتنًا؛ فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعًا.
وقوله: "إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث"، فيه: أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى؛ لأن النبي ﷺ قال فيه: "لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد"؛ فخصص
ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله عن الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ وهذا واضح جدًا كما ترى.
ر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله عن الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ وهذا واضح جدًا كما ترى.
ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط، ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه.
وقوله "إن الخضر ليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا" يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:
الأولى: أن دعوى كون الخضر محجوبًا عن أعين الناس كالجن والملائكة، دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها؛ لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضًا لاتفاقهم في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم.
الثانية: أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة.
هم.
الثانية: أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدليًّا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون، وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم، فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافًا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق.
قال صاحب جمع الجوامع في مبحث العام ما نصه: "والصحيح
دخول النادرة وغير المقصودة تحته". فقوله: "النادرة وغير المقصودة"، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله: "تحته" يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق؛ لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة.
صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق؛ لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما، اختلاف العلماء في جواز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيل. وإيضاحه: أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" ولم يذكر فيه ابن ماجه "أو نصل" والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيلة. والسَّبَق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: "إلا في خف" نكرة في سياق الإثبات؛ لأن ما بعد "إلا" مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم.
خول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: "إلا في خف" نكرة في سياق الإثبات؛ لأن ما بعد "إلا" مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في العام.
قال الشيخ زكريا: وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حَيِّز الشرط معنى، إذ التقدير: إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي: أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبًا ببال المتكلم لندرة وقوعه.
ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة: هل تدخل في العام والمطلق أو لا؛ اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة؛ كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني. فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما.
نزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم "إنما الماء من الماء" فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أو لا؟ فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق: ما لو وكَّلَ رجلٌ آخر على أن يشتري له عبدًا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدًا يعتق على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادمًا يخدمه، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله:
هل نادر في ذي العموم يدخل ... ومطلق أو لا خلافَ يُنْقَل
فما لغير لذةٍ والفيلُ ... ومُشْبِهٌ فيه تنافَى القِيل
وما من القصد خلا فيه اختلف ...
ي بقوله:
هل نادر في ذي العموم يدخل ... ومطلق أو لا خلافَ يُنْقَل
فما لغير لذةٍ والفيلُ ... ومُشْبِهٌ فيه تنافَى القِيل
وما من القصد خلا فيه اختلف ... وقد يجيء بالمجاز متصف
وممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول، شمول العام والمطلق للصور النادرة؛ لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة. وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد؛ فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه، بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص. وقد كان الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..
الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..﴾ الآية وعموم قوله ﷺ: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد" هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص.
ومما يوضح ذلك: أن الخنثى صورة نادرة جدًّا، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص والعتق، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع. وما ذكره القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه؛ لأن الدجال أخرجه دليلَ صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي ﷺ يقول: إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال.
حيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي ﷺ يقول: إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد -واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد- حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة
حدثني عامر بن شراحيل الشعبي -شعب همدان- أنه سأل فاطمة بنت قيس -وكانت من المهاجرات الأول- فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل حدثيني. فقالت:. . ثم ساق الحديث وفيه طول. ومحل الشاهد منه قول تميم الداري: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك مالك؟!
قنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك مالك؟! الحديث بطوله -إلى قوله- وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما. . . الحديث.
فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يُخْرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة.
مذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يُخْرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول: أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل، كما قدمناه مرارًا وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله:
وهو حجة لدى الأكثر إن ... مخَصِّص له معينًا يَبِن
وبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر قبله؛ تتناول بظواهرها الخضر، ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في نسب الخضر، فقيل: هو ابن آدم لصلبه.
الخضر، ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في نسب الخضر، فقيل: هو ابن آدم لصلبه. وقال ابن حجر في الإصابة: وهذا قول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس، ورواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وقيل: إنه ابن قابيل ابن آدم، قال ابن حجر: ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين. ثم ساق سنده وقال: هو معضل، وحكى صاحب هذا القول: أن اسمه خضرون وهو الخضر. وقيل: اسمه عامر، ذكره أبو الخطاب بن دحية عن ابن حبيب البغدادي. وقيل: إن اسمه بليان بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه، قاله ابن كثير وغيره.
بغدادي. وقيل: إن اسمه بليان بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه، قاله ابن كثير وغيره. وقيل: إن اسمه المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وهذا قول إسماعيل بن أبي أويس، نقله عنه ابن كثير وغيرهما.
وقيل: خضرون بن عماييل من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وهذا القول حكاه ابن قتيبة أيضًا ذكره عنه ابن حجر. وقيل: إنه من سبط هارون أخي موسى، وروى ذلك عن
الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، ذكره ابن حجر أيضًا ثم قال: وهو بعيد، وأعجب منه قول ابن إسحاق: إنه أرميا بن حلقيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير. وقيل: إنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة.
وقيل: ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش. وقيل: إنه اليسع، حُكي عن مقاتل. وقال ابن حجر: إنه بعيد. وقيل: إنه من ولد فارس. قال ابن حجر: جاء ذلك عن ابن شوذب، أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب.
عن مقاتل. وقال ابن حجر: إنه بعيد. وقيل: إنه من ولد فارس. قال ابن حجر: جاء ذلك عن ابن شوذب، أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب. وقيل: إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه عن أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه. وقيل: كان أبوه فارسيًّا، وأمه رومية. وقيل عكس ذلك اهـ. والله أعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة أنه قال: إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة البيضاء: ما على وجه الأرض من الحشيش الأبيض وشبهه من الهشيم. وقيل: الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها. وقيل: هي الهشيم اليابس.
ومن ذلك القبيل تسمية جلدة الرأس فروة، كما قدمنا في سورة "البقرة" في قول الشاعر:
دنس الثياب كأن فروة رأسه ... غرست فأنبت جانباها فلفلا
•