القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: مُخْبِرًا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبَرًّا. [أى جعلني برًّا] بوالدتى. والبرُّ هو البارُّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به. وبفتح الباء قرأتْ هذا الحرف قرأةُ الأمصار.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ [ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبى نَهيكٍ] أنه قرأ: (وبرًّا بِوَالِدَتي) من قول عيسى، ﵇، قال أبو نَهيكٍ: أوصانى بالصلاة والزكاة، والبرِّ بوالدتي، كما أوصاني بذلك.
فكأنَّ أبا نَهيكٍ وجَّه تأويل الكلام إلى أنَّ قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾. من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه] بذلك.
رًّا بِوَالِدَتِي﴾. من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه] بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه؛ لأنَّ الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنهما مفعولٌ بهما.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. يقول: ولم يجعلْنى مستكبرًا على
الله فيما أمرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلَّلنى لطاعته، وجعلنى متواضعًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي.
ا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي. مما أعطاه الله من التواضع.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ذُكر لنا أنَّ امرأة رأتِ ابن مريم يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأكْمَهَ والأبرصَ، في آياتٍ سلَّطه الله عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذى حملك، والثدي الذى أُرضِعتَ به. فقال نبيُّ الله ابنُ مريم يجيبُها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتَّبع ما فيه، ولم يَكُنْ جَبَّارًا شقيًّا.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا. ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا. ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقولُه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ: والأَمَنَةُ منَ اللهِ عليَّ من الشيطان وجنده يومَ ولدتُ؛ أن ينالوا منى ما ينالون ممن يُولد
عندَ الولادة من الطعن فيه، ويومَ أموتُ من هول المطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛ أن ينالني الفرع الذي ينالُ الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ ﵀: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
ميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ ﵀: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. قال: يُخبرهم فى قصِّهِ خبره عن نفسه، أنَّه لا أب له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث حيًّا، يقولُ ﵎: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدًا من البشر فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها فسلمت لأمر الله، ﷿، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدًّا، وقالوا: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أي: أمرًا عظيمًا. قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن نوف البِكَاليّ قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف. فلم يحسوا منها شيئًا، فرأوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نَعْتُها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سُجَّدا نحو هذا الوادي.
عي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نَعْتُها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سُجَّدا نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها، (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أمرًا عظيمًا. (يَا أُخْتَ هَارُونَ) أي: يا شبيهة هارون في العبادة (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح
والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟
قال علي بن أبي طلحة، والسدي: قيل لها: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.
وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة، والزهادة.
وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون.
ل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة، والزهادة.
وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم.
حدثنا علي بن الحسين الهِسِنْجَاني حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فَضَالة، حدثنا أبو صخر، عن القُرَظي في قول الله ﷿: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قَصَّت أثر موسى، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفَّى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد.
ن النبي ﷺ أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١]، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى.
ريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى. وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سِمَاك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ)
، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يَتَسَمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ ".
انفرد بإخراجه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك، به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نُبِّئت أن كعبًا قال: إن قوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ): ليس بهارون أخي موسى.
حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نُبِّئت أن كعبًا قال: إن قوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ): ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت وفي هذا التاريخ نظر.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] ويتوالدون به.
كِ بَغِيًّا) قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] ويتوالدون به. وكان هارون مصلحًا محببًا، في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمون هارون، من بني إسرائيل.
وقوله: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرْية، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)؟
قال ميمون بن مِهْران: (فَأَشَارَتْ [إِلَيْهِ])، قالت: كلموه.
ا، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)؟
قال ميمون بن مِهْران: (فَأَشَارَتْ [إِلَيْهِ])، قالت: كلموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!
وقال السدي: لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لَسُخْريَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.
(قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.
وقوله: (آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا): تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة.
قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) إلى قوله: (مَا دُمْتُ حَيًّا)
ع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) إلى قوله: (مَا دُمْتُ حَيًّا)
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) الآية.
وقال عكرمة: (آتَانِيَ الْكِتَابَ) أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه فذلك قوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).
يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.
وقوله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلمًا للخير.
َبِيًّا).
يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.
وقوله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد: نَفَّاعًا.
وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنَيْس المخزومي، سمعت وُهَيْب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، وقيل: ما بركته؟
هي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان.
وقوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر.
وقوله: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
ُكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يقبل على الغضب.
وقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا، ثم قرأ: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورًا، ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
وقال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، ﵇، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.
له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، ﵇، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.
وقوله: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا): إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه]
قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه!
علا في هذه الآية الكريمة: أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها الله جل وعلا عنه في مواضع أخر؛ كقوله تعالى ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقوله في "آل عمران": ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾، وقوله في "الزخرف": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ
اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾، وقوله هنا في سورة "مريم": ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...
ِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ -إلى قوله- وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.
فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل؛ تنزيلًا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن .. وهذا الذي ذكرنا؛ من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ إلخ؛ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله، خلافًا لمن زعم أنه نُبِّئ وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أي كثير البركات؛ لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿مُبَارَكًا أَيْنَ مَا﴾: عن رسول الله ﷺ حيث كنت. وقال ابن حجر في الكافي الشاف: أخرجه
أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم.
ًا أَيْنَ مَا﴾: عن رسول الله ﷺ حيث كنت. وقال ابن حجر في الكافي الشاف: أخرجه
أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه اهـ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ قال الحوفي وأبو البقاء: هو معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. قال أبو حيان في البحر: وفيه بعد الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿وَأَوْصَانِي﴾ ومتعلقها؛ والأولى أنه منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعلني برًّا بوالدتي. ولما قال: ﴿بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل بوالدي؛ عُلِم أنه أمر من قبل الله؛ كما ذكره القرطبي عن ابن عباس ﵄. وقد قدمنا معنى "الجبار والشقي". وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿شَقِيًّا (٣٢)﴾ أي خائبًا من الخير. ابن عباس: عاقًّا. وقيل عاصيًا لربه. وقيل: لم يجعلني تاركًا لأمره فأشقى كما شقى إبليس. اهـ كلام القرطبي.
تنبيه
احتج مالك ﵀ بهذه الآية على القدرية.
ير. ابن عباس: عاقًّا. وقيل عاصيًا لربه. وقيل: لم يجعلني تاركًا لأمره فأشقى كما شقى إبليس. اهـ كلام القرطبي.
تنبيه
احتج مالك ﵀ بهذه الآية على القدرية. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر؛ أخبر عيسى ﵇ بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت اهـ.
•