(Yaitu) beberapa hari tertentu. Maka barang siapa di antara kamu sakit atau dalam perjalanan (lalu tidak berpuasa), maka (wajib mengganti) sebanyak hari (yang dia tidak berpuasa itu) pada hari-hari yang lain. Dan bagi orang yang berat menjalankannya,62) wajib membayar fidyah, yaitu memberi makan seorang miskin. Tetapi barang siapa dengan kerelaan hati mengerjakan kebajikan,63) maka itu lebih baik baginya, dan puasamu itu lebih baik bagimu jika kamu mengetahui
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: كُتِب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدوداتٍ.
ونصَب ﴿أَيَّامًا﴾ بمضمرٍ من الفعلِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ كما
كُتب على الذين مِن قبلِكم، أن تصومُوا أيامًا معدوداتٍ. كما يقالُ: أعجبَنى الضربُ زيدًا.
وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من صلةِ الصيامِ، كأنه قيل: كُتِب عليكم الذى هو مثلُ الذى كُتِب على الذين مِن قبلِكم أن تصوموا أيامًا معدوداتٍ.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ فيما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الأيامُ المعدوداتُ صومُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ. قال: وكان ذلك الذى فُرِض على الناسِ من الصيامِ قبلَ أن يُفرضَ عليهم شهرُ رمضانَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ -ولم يُسَمَّ الشهرُ- أيامًا معدوداتٍ.
َّثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ -ولم يُسَمَّ الشهرُ- أيامًا معدوداتٍ. قال: وكان هذا صيامَ الناسِ قبلَ ذلك، ثم فرَض اللهُ ﷿ على الناسِ شهرَ رمضانَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمى، عن أبيه،
عن جدِّه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وكان ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم نُسِخ ذلك بالذى أَنزلَ اللهُ من صيامِ رمضانَ، فهذا الصومُ الأولُ من
العتَمَةِ.
ذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
أيامَ شهرِ رمضانَ، لا الأيامَ التى كان يصومُهنَّ قبلَ وجوبِ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم، أمَرهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوُّعًا لا فريضةً، قال: ثم أُنْزِلَ صيامُ رمضانَ.
قال أبو موسى: قولُه: قال عَمرُو بنُ مُرَّةَ: حدثنا أصحابُنا. يريدُ ابنَ أبى ليلَى، كأنَّ ابنَ أبى ليلَى القائلُ: حدَّثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبى ليلَى.
لَى القائلُ: حدَّثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبى ليلَى. فذكَر نحوَه.
وقد ذكَرنا قولَ من قال: عنَى بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ شهرَ رمضانَ.
وأوْلَى ذلك بالصوابِ عندِى قولُ من قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامَ شهرِ رمضانَ، وذلك أنه لم يأتِ خبرٌ تقومُ به حجةٌ بأن صومًا فُرِض على أهلِ الإسلامِ غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ، ثم نُسِخ بصومِ شهرِ رمضانَ، وبأن اللهَ تعالى قد بيَّنَ في سياقِ الآيةِ أن الصيامَ الذى أوجَبه علينا، هو صيامُ شهرِ رمضانَ دونَ غيرِه من الأوقاتِ، بإبانتِه عن الأيامِ التى أخبَرنا أنه كتَب علينا صوْمَها بقولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
رمضانَ دونَ غيرِه من الأوقاتِ، بإبانتِه عن الأيامِ التى أخبَرنا أنه كتَب علينا صوْمَها بقولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فمن ادّعى أن صومًا كان قد
لزِم المسلمينَ فَرضُه غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ الذى هم على وجوبِ فرضِ صومِه مُجْمِعون، ثم نُسِخ ذلك - سُئِل البرهانَ على ذلك من خبرٍ تقومُ به حجةٌ، إذْ كان ذلك لا يُعْلَمُ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ.
وإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصفْنا للذى بيَّنَّا، فتأويلُ الآيةِ: كُتِب عليكم أيها المؤمنون الصيامُ كما كُتِب على الذين من قبلِكم، لعلكُم تتقونَ، أيامًا معدوداتٍ، هن شهرُ رمضانَ.
وجائزٌ أيضا أن يكونَ معناهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: كُتِب عليكم شهرُ رمضانَ.
وأما "المعدوداتُ" فهى التى تُعدُّ مبالِغُها وساعاتُ أوقاتِها.
ويعنى بقولِه ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾: مُحصَيَاتٍ.
رضِه أو سفرِه [إن هو أفطر في مرضِه أو سفرِه].
والرفعُ في قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نظيرُ الرفعِ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد مضَى بيانُ ذلك هنالك بما أغنَى عن إعادتِه.
وأما قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن قراءةَ كَافَّةِ المسلمين ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعلى ذلك خطوطُ مصاحفِهم، وهى القراءةُ التى لا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ خلافُها، لنقلِ جميعِهم تصويبَ ذلك قرنًا عن قرنٍ، وكان ابنُ عباسٍ يقرؤُها فيما رُوِى عنه: (وعَلى الذين يُطَوَّقونه).
ثم اختلَف قرأةُ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ في معناه، فقال: بعضُهم: كان ذلك في أوَّلِ ما فُرِض الصومُ، وكان مَن أطاقَه من المقيمين صامَه إن شاءَ، وإن شاءَ أفطرَه وافْتدَى، فأطعمَ لكلِّ يومٍ أفطرَه مسكينًا حتى نُسِخ ذلك.
ذِكرُ من قال ذلك
ما فُرِض الصومُ، وكان مَن أطاقَه من المقيمين صامَه إن شاءَ، وإن شاءَ أفطرَه وافْتدَى، فأطعمَ لكلِّ يومٍ أفطرَه مسكينًا حتى نُسِخ ذلك.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بني مُرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصامَ يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم إنَّ اللهَ فرَض شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
ءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم إنَّ اللهَ فرَض شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، ثم إن اللهَ أوْجَبَ الصيامَ على الصحيحِ المقيمِ، وثبَت الإطعامُ للكبيرِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عمرِو ابنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم أمَرَهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوعًا غيرَ فريضةٍ. قال: ثم نزَل صيامُ رمضانَ. قال: وكانوا قومًا لم يتعوَّدُوا الصيامَ. قال: وكان يشتدُّ عليهم الصومُ.
يامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوعًا غيرَ فريضةٍ. قال: ثم نزَل صيامُ رمضانَ. قال: وكانوا قومًا لم يتعوَّدُوا الصيامَ. قال: وكان يشتدُّ عليهم الصومُ. قال: فكان مَن لم يَصُمْ أطعَم مِسكينًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فكأنما الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، وأُمِرنا بالصيامِ.
قال محمدُ بنُ المثنَّى: قولُه: قال عَمرٌو: حدثنا أصحابُنا. يريدُ ابنَ أبى ليلى، كأن ابنَ أبى ليلى القائلُ: حدثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى.
ليلى القائلُ: حدثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ نصفَ صاعٍ مسكينًا، فنسَخها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بنحوِه، وزادَ فيه قال: فنَسختْها هذه الآيةُ، وصارت الآيةُ الأولى للشيخِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، يتصدَّقُ مكانَ كلِّ يومٍ على مسكينٍ نصفَ صاعٍ.
براهيمَ بنحوِه، وزادَ فيه قال: فنَسختْها هذه الآيةُ، وصارت الآيةُ الأولى للشيخِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، يتصدَّقُ مكانَ كلِّ يومٍ على مسكينٍ نصفَ صاعٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصرىِّ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان مَن شاءَ منهم أن يصومَ صامَ، ومن شاء منهم أن يفتدِىَ بطعامِ مسكينٍ افتدَى وتمَّ له صومُه، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
ان مَن شاءَ منهم أن يصومَ صامَ، ومن شاء منهم أن يفتدِىَ بطعامِ مسكينٍ افتدَى وتمَّ له صومُه، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ثم استثنَى من ذلك فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فحدثنا عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: نَسخَتْها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا عبدُ الوهاب، قال: حدثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: نسَختْ هذه الآيةَ، يَعْنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ التى بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
كينٍ، ثم نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال: فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافرِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: دخلتُ على عطاءٍ وهو يأكُلُ في شهرِ رمضانَ فقال: إنى شيخٌ كبيرٌ، إن الصومَ نزَل، فكان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فوجَب الصومُ على كلِّ أحدٍ إلا مريضٍ أو مسافرٍ أو شيخٍ كبيرٍ مثلى يَقْتدِى.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
برني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابنُ شهابٍ: كتَب اللهُ الصيامَ علينا، فكان من شاءَ افتدَى ممن يُطيقُ الصيامَ من صحيحٍ أو مريضٍ أو مسافرٍ، ولم يكنْ عليه غيرُ ذلك، فلما أوجَب اللهُ على من شهِد الشهرَ الصيامَ، فمن كان صحيحًا يُطيقُه وضَع عنه الفديةَ، وكان مَن كان على سفرٍ أو كان مريضًا فعدةٌ من أيامٍ أخرَ. قال: وبقِيت الفديةُ التى كانت تُقبلُ قبلَ ذلك للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، والذى يَعرِضُ له العطشُ أو العِلَّةُ التى لا يستطيعُ معها الصيامَ.
أخرَ. قال: وبقِيت الفديةُ التى كانت تُقبلُ قبلَ ذلك للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، والذى يَعرِضُ له العطشُ أو العِلَّةُ التى لا يستطيعُ معها الصيامَ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل اللهُ في الصومِ الأولِ فديةً طعامَ مِسكينٍ، فمن شاءَ مِن مُسافرٍ أو كل مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفْطِرَ، كان ذلك رخصةً له، فأنزل اللهُ في الصومِ الآخرِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخرِ فديةً طعامَ مسكينٍ، فنُسِخَتْ الفديةُ، وثبَت في الصومِ الآخرِ، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهو الإفطارُ في السفرِ، وجعْلُه عدةً من أيامٍ أُخَر.
ى قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وأحَلَّ الجِماعَ أيضًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وكان في الصومِ الأولِ الفديةُ، فمن شاءَ مِن مسافرٍ أو مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفطِرَ، فعَل ذلك، ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخِرِ الفديةَ، وقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فنسَخ هذا الصومُ الآخِرُ الفديةَ.
وقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حُكمًا خاصًّا للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ اللَّذَيْن يُطيقان الصومَ، كان مرخَّصًا لهما أن يَفْدِيا صومَهما بإطعامِ مسكينٍ ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
ُطيقان الصومَ، كان مرخَّصًا لهما أن يَفْدِيا صومَهما بإطعامِ مسكينٍ ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فلزِمهما من الصومِ مثلُ الذى لزِم الشابَّ، إلَّا أن يَعْجِزَا عن الصومِ فيكونَ ذلك الحكمُ الذى كان لهما قبلَ النسخِ ثابتًا لهما حينَئذٍ بحالِه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ وهما يُطيقان الصومَ رُخِّص لهما أن يُفطرَا إن شاءَا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
سكينًا، ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وثبَت للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ إذا كانا لا يطيقان الصومَ، وللحُبْلَى والمُرضِعِ إذا خافَتَا.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ بشرٍ، عن يزيدَ.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: كان الشيخُ والعجوزُ لهما الرخصةُ أن يُفْطِرا ويُطعِما بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: فكانت لهم الرخصةُ، ثم نُسِخت بهذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
ى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: فكانت لهم الرخصةُ، ثم نُسِخت بهذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فنسِخت الرخصةُ عن الشيخِ والعجوزِ إذا كانا يطيقان الصومَ، وبقِيت الحاملُ والمرُضِعُ أنْ تُفْطِرَا وتُطعِمَا.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا حجاجُ بن المنهالِ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: كان فيها رخصةٌ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، وهما يُطيقانِ الصومَ، أن يُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك في الآيةِ التى بعدَها فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نسَختْها هذه الآيةُ.
يومٍ مسكينًا ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك في الآيةِ التى بعدَها فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نسَختْها هذه الآيةُ. فكان أهل العلمِ يرَون ويَرجُون الرُّخصةَ ثبتت للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا لم يُطيقا الصومَ أن يُفْطِرَا ويُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا، وللحُبلَى إذا
خشِيتْ على ما في بطنها، وللمُرضعِ إذا ما خشِيتْ على ولدِها.
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان الشيخُ والعجوزُ يُطيقانِ صومَ رمضانَ، فأحلَّ اللهُ لهما أن يُفْطِراه إنْ أرادا ذلك، وعليهما الفديةُ لكلِّ يومٍ [يُفطران فيه]؛ طعامُ مسكينٍ، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ ذلك فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وعليهما الفديةُ لكلِّ يومٍ [يُفطران فيه]؛ طعامُ مسكينٍ، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ ذلك فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وقال آخرون ممن قرَأ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: لم يُنسخْ ذلك ولا شيءٌ منه، وهو حُكمٌ مُثبَتٌ من لَدُنْ نزَلتْ هذه الآيةُ إلى قيام الساعةِ. وقالوا: إنما تأويلُ ذلك: [وعلى الذين كانوا يُطيقونه في حالِ شبابِهم] وحداثَتِهم، وفى حالِ صحتِهم وقوتِهم، إذا مرِضوا أو كَبِروا فعجَزوا من الكِبَرِ عن الصومِ - فديةٌ طعامُ مسكينٍ، لا أن القومَ كان رُخِّص لهم في الإفطارِ وهم على الصومِ قادرون إذا افْتدَوا.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: أما ﴿الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ﴾ فالرجلُ كان يُطيقُه وقد صام قبلَ ذلك، ثم يَعْرِضُ له الوَجَعُ أو العَطَشُ أو المرضُ الطويلُ، أو المرأةُ المرضِعُ لا تستطيعُ أن تصومَ، فإن أولئك عليهم مكانَ كلِّ يومٍ إطعامُ مسكينٍ، فإنْ أطعم مسكينيْن فهو خيرٌ له، ومَن تكلَّف الصيامَ فصامه فهو خيرٌ له.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا خافت الحاملُ على نفسِها والمرضِعُ على ولدِها في رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا تقضيان صومًا.
، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا خافت الحاملُ على نفسِها والمرضِعُ على ولدِها في رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا تقضيان صومًا.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، [عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرةَ]، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه رأى أمَّ ولدٍ له حاملًا أو مُرضِعًا، فقال: أنتِ بمنزلةِ الذى لا يُطيقُه، عليك أن تُطْعِمى مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليك.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن [علىِّ بنِ ثابتٍ، عن نافعٍ]، عن ابنِ عمرَ مثلَ قولِ ابنِ عباسٍ في الحاملِ والمرضِعِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِعٍ: أنتِ بمنزلةِ الذين لا يُطِيقونه، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك.
ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِعٍ: أنتِ بمنزلةِ الذين لا يُطِيقونه، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك. هذا إذا خافت على نفسِها.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: هو الشيخُ الكبيرُ كان يُطِيقُ صومَ شهرِ رمضانَ وهو شابٌّ، فكبِر وهو لا يَسْتَطِيعُ صومَه، فَلْيَتَصَدَّقْ على مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أفْطَره، حينَ يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ.
وحين يَتَسَحَّرُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عن سعيدِ بنِ المسُيَّبِ أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هو الكبيرُ الذى كان يصومُ فكبِر وعجَز عنه، وهى الحاملُ التى ليس عليها الصيامُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما طعامُ مسكينٍ، مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لكلِّ يومٍ حتى يَنْقَضِىَ رمضانُ.
وقرَأ ذلك آخَرون: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقالوا: إنه
الشيخُ الكبيرُ والمرأةُ العجوزُ اللذان قد كبِرا عن الصومِ، فهما يُكَلَّفانِ الصومَ ولا يُطِيقانِه، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أفْطَراه مسكينًا. وقالوا: الآيةُ ثابتةُ الحكمِ منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ.
َلَّفانِ الصومَ ولا يُطِيقانِه، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أفْطَراه مسكينًا. وقالوا: الآيةُ ثابتةُ الحكمِ منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ. وأنْكَروا قولَ مَن قال: إنها منسوخةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (يُطَوَّقُونَه)
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فِدْيَةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: فكان يقولُ: هى للناسِ اليومَ قائمةٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ).
ةٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ). [هو الشيخُ الكبيرُ يُفطِرُ ويُطعِمُ].
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) ويقولُ: هو الشيخُ
الكبيرُ [يُفطِرُ و] يُطْعمُ عنه.
[حدثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، قال: حدثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدثنا أيوبُ، عن عِكْرِمَةَ أنه قال في هذه الآيةِ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) -وكذلك كان يَقْرَؤُها-: إنها ليست منسوخةً، كُلِّف الشيخُ الكبيرُ أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا].
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه)
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطوَّقونه) يعجِزون عنه.
ُونه)
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطوَّقونه) يعجِزون عنه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: حدثنى محمدُ بنُ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبى عَمرٍو مولى عائشةَ، أن عائشةَ كانت تَقْرَأُ: (يُطَّوَّقُونَه).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كان، يَقْرَؤُها: (يُطَّوّقُونَه). قال ابنُ جُريجٍ: وكان مجاهدٌ يَقْرَؤُها
كذلك.
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: حدثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمةَ (وعلى الذين يطيقُونَه) قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الشيخُ الكبيرُ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه).
لشيخُ الكبيرُ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه). قال: يتجشّمونه، يَتكلّفُونَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن مسلمٍ المُلائىِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطيقُ فيُفْطِرُ ويُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا.
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ (وعلى الذين يَطيقونه) قال: يُكلَّفونه، (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، قال: فهذه [ليست بمنسوخةٍ] لا يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى.
يُكلَّفونه، (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، قال: فهذه [ليست بمنسوخةٍ] لا يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى. [هذا عن مجاهدٍ].
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (الذين يَطيقُونه) يتكلَّفونه
(فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، ولم يُرخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ الذى لا يُطِيقُ الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى.
ين يَطيقُونه) يتكلَّفونه
(فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، ولم يُرخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ الذى لا يُطِيقُ الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى. هذا عن مجاهدٍ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ، ليستْ بمنسوخةٍ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) يقولُ: من لم يُطقِ الصومَ إلَّا على جَهدٍ فله أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يومٍ مسكينًا، والحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذى به سقمٌ دائمٌ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هو الشيخُ الكبيرُ [أو المرأةُ] الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف عن الصومِ قبلَ أن يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا.
ٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هو الشيخُ الكبيرُ [أو المرأةُ] الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف عن الصومِ قبلَ أن يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا. قال هنادٌ: قال عَبيدةُ: فقلتُ لمنصورٍ: الذى يُطعَمُ كلَّ يومٍ نصفُ صاعٍ؟ قال: نعم.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، قال: سألتُ مجاهدًا عن امرأةٍ لى وافقَ تاسِعُها شهرَ رمضانَ، ووافق حرًّا شديدًا، فأمرنى أن تُفْطِرَ وتُطعِمَ. قال: وقال مجاهدٌ: وتلك الرخصةُ أيضًا في المسافرِ والمريضِ، فإن اللهَ يقولُ: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ، ويُطْعِمون عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
اصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ، ويُطْعِمون عن كلِّ يومٍ مسكينًا. ثم قرَأ: (وعَلى الَّذينَ يُطوَّقُونَهُ فدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ".
حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ الكِندىُّ، قال: حدثنا حفصٌ، عن حجاجٍ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يستطيعُ الصومَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هم الذين يَتكلّفونَه ولا يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن أبى
إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ.
يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن أبى
إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعلى الذين يطيقُونه) فأفطر.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ، عمن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى مثبتةٌ للكبيرِ والمرضعِ والحاملِ وعلى الذين يُطيقُون الصيامَ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: (وعلى الذين يطيقُونه)؟ قال: بلَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع الصومَ يَفتدِى من كلِّ يومٍ بمسكينٍ. قلت: الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ، أو الذى لا يَسْتَطيعُه إلا بالجَهْدِ؟
لَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع الصومَ يَفتدِى من كلِّ يومٍ بمسكينٍ. قلت: الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ، أو الذى لا يَسْتَطيعُه إلا بالجَهْدِ؟ قال: بل الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُه بجهدٍ ولا بشيءٍ، فأما من استطاع بجَهدٍ فليصُمْه ولا عذرَ له فى ترْكِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ أبى يزيدَ: (وعلى الذين يطيقُونه) الآية. كأنه يعنى الشيخَ الكبيرَ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزَلت في الكبيرِ الذى لا يستطيعُ صيامَ رمضانَ، فيفتدِى من كلِّ يومٍ بطعامِ مسكينٍ. قلتُ له: كمْ
طعامُه؟
ٍ: وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزَلت في الكبيرِ الذى لا يستطيعُ صيامَ رمضانَ، فيفتدِى من كلِّ يومٍ بطعامِ مسكينٍ. قلتُ له: كمْ
طعامُه؟ قال: لا أدرى، غيرَ أنه قال: طعامُ يومٍ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطِيقُ الصومَ يُفطِرُ ويُطعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاءَ التى في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكرِ "الصيامِ". ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ.
فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاءَ التى في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكرِ "الصيامِ". ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجْمعينَ على أن مَن كان مُطِيقًا من الرجالِ الأصحَّاءِ المقيمينَ غيرِ المسافرينَ صومَ شهرِ رمضانَ، فغيرُ جائزٍ له الإفطارُ فيه والافتداءُ منه بطعامِ مسكينٍ، كان معلومًا أن الآيةَ منسوخةٌ، هذا مع ما يُؤيدُ هذا القولَ من الأخبارِ التى ذكرناها آنفًا عن معاذِ بنِ جبلٍ وابنِ عمرَ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ، من أنهم كانوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى صومِ شهرِ رمضانَ بالخيارِ بينَ صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم، وبينَ الإفطارِ والافتداءِ من إفطارِه بإطعامِ مسكينٍ لكلِّ يومٍ أفطَره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ.
نٍ لكلِّ يومٍ أفطَره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ.
فإن قال قائلٌ: وكيفَ تدَّعى إجماعًا من أهلِ الإسلامِ على أنَّ من أطاقَ صومَه وهو بالصِّفةِ التى وصَفْتَ فغيرُ جائزٍ له إلَّا صومُه، وقد علمتَ قولَ مَن قال: للحاملِ
والمرضعِ إذا خافتا على أولادِهما لهما الإفطارُ، وإن أطاقتا الصومَ بأبدانِهما، مع الخبرِ الذى رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى حدثنا به هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: حدثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يتغدَّى فقال: "تعَالَ أُحَدِّثْكَ؛ إن اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والحاملِ والمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ".
قيل: إنّا لم ندَّعِ إجماعًا في الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا في الرجالِ الذين وصفْنَا صِفَتَهم.
ِ والحاملِ والمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ".
قيل: إنّا لم ندَّعِ إجماعًا في الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا في الرجالِ الذين وصفْنَا صِفَتَهم. فأما الحاملُ والمرضعُ فإنما علِمْنا أنهنَّ غيرُ مَعنياتٍ بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذ خَلَا الرجالُ أن يكونوا معنيِّينَ به؛ لأنهنَّ لو كنَّ مَعنياتٍ بذلك دونَ غيرِهنَّ من الرجالِ لقيل: وعلى اللواتِى يُطِقْنه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن ذلك كلامُ العربِ إذا أُفرِد الكلامُ بالخبرِ عنهن دونَ الرجالِ، فلمّا قيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان معلومًا أنَّ المعنىَّ به الرجالُ دونَ النساءِ، أو الرجالُ والنساءُ، فلمَّا صحَّ بإجماعِ الجميعِ على أنَّ من أطاقَ من الرجالِ المقيمينَ الأصِحّاءِ صومَ شهرِ رمضانَ فغيرُ مرخَّصٍ له في الإفطارِ والافتداءِ، فخرَج الرجالُ من أن يكونوا معنيِّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن النساءِ إذا انفَرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِقْنَه.
وا معنيِّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن النساءِ إذا انفَرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِقْنَه. والتنزيلُ بغيرِ ذلك.
وأما الخبرُ الذى رُوى عنِ النبىِّ ﷺ، فإنه إن كان صحيحًا، فإنما معْناه أنه وُضِع عن الحاملِ والمرضعِ الصومُ ما دامتا عاجزتينِ عنه حتى تُطِيقَا فتَقْضِيَا، كما
وُضِع عن المسافرِ في سفرِه حتى يقيمَ فيقضيَه، لا أنهمَا أُمِرَتَا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ وجوبِ قضاءٍ، ولو كان في قولِ النبىِّ ﷺ: "إنَّ اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والمُرْضِعِ والحامِلِ الصومَ". دَلالةٌ على أنه ﷺ إنما عنَى أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه وضَع عنهم بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لوجَبَ ألا يكونَ على المسافرِ إذا أفطرَ في سفرِه قضاءٌ، وألا يَلْزَمَه بإفطارِه ذلك إلا الفديةُ؛ لأن النبىَّ ﷺ قد جمَع بينَ حكمِه وبينَ حُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ اللهِ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ.
ن النبىَّ ﷺ قد جمَع بينَ حكمِه وبينَ حُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ اللهِ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أنّ معْنى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: وعلى الذين يُطيقونَ الطعامَ. وذلك تأويلٌ لتأويلِ أهلِ العلمِ مخالفٌ.
وأمّا قراءةُ مَن قرَأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه). فقراءةٌ لمصاحفِ أهلِ الإسلامِ خلافٌ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرأىِ على ما نقَله المسلمونَ وراثةً عن نبِّيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذرِ؛ لأن ما جاءت به الحجَّةُ من الدينِ هو الحقُّ الذى لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللهِ، ولا يُعْتَرَضُ على ما قد ثبَت وقامتْ به حجةٌ أنه مِن عندِ اللهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ.
وأمّا معْنى "الفديةِ" فإنه الجزاءُ، من قولِك: فديتُ هذا بهذا.
على ما قد ثبَت وقامتْ به حجةٌ أنه مِن عندِ اللهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ.
وأمّا معْنى "الفديةِ" فإنه الجزاءُ، من قولِك: فديتُ هذا بهذا. أى: جَزيتُه به، وأعطتُه بدلًا منه.
ومعْنى الكلامِ: وعلى الذين يُطيقونَ الصيامَ جزاءُ طَعامِ مسكينٍ منه؛ لكلِّ يومٍ أفطرَه من أيامِ صيامِه الذى كُتِب عليه.
وأمّا قولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِه؛ فبعضٌ
يقرأُ بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، وخفضِ "الطعامِ"، وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ، بمعْنى: وعلى الذين يُطيقونه أنْ يَفدُوه طعامَ مسكينٍ. فلمَّا جعَل مكانَ "أنْ يفديَه" "الفديةَ" أُضيفَت إلى "الطعامِ"، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةُ درهمٍ لك. بمعنى: لزمنى أنْ أَغرَم لك درهمًا.
وآخرون يقرَءونه بتنوينِ "الفديةِ" ورفعِ "الطعامِ"، بمعنى الإبانةِ بالطعامِ عن معنى الفديةِ الواجبةِ على مَن أفطر في صومِه الواجبِ، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةٌ درهمٌ لك. فيُبينُ بالدرهم عن معنى الغرامةِ؛ ما هى وما حدُّها.
امِ عن معنى الفديةِ الواجبةِ على مَن أفطر في صومِه الواجبِ، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةٌ درهمٌ لك. فيُبينُ بالدرهم عن معنى الغرامةِ؛ ما هى وما حدُّها. وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ العراقِ.
وأوْلَى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، [وتركِ تنوينِها وخفضِ "الطعامِ"]؛ لأن الفديةَ اسمٌ للفعلِ، وهى غيرُ الطعامِ المَفْدِىِّ به الصومُ، وذلك أن الفديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فديتُ صومَ هذا اليومِ بطعامِ مسكينٍ، أَفديه فِدْيةً. كما يقالُ: جلستُ جِلسَةً، وَمَشَيْتُ مِشيةً. [فالفديةُ "فِعلةٌ"]، والطعامُ غيرُها.
فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أنَّ أصحَّ القراءتين إضافةُ الفديةِ إلى الطعامِ. وواضحٌ خطأُ قولِ مَن قال: إن تَرْكَ إضافةِ الفديةِ إلى الطعامِ أصحُّ في المعنَى، من
أجْلِ أن الطعامَ عندَه هو الفديةُ.
ين إضافةُ الفديةِ إلى الطعامِ. وواضحٌ خطأُ قولِ مَن قال: إن تَرْكَ إضافةِ الفديةِ إلى الطعامِ أصحُّ في المعنَى، من
أجْلِ أن الطعامَ عندَه هو الفديةُ. فيقالُ لقائلِ ذلك: قد علِمْنا أنّ الفديةَ مُقتضيةٌ مُفدِيًا ومُفْدًى به وفديةً، فإنْ كان الطعامُ هو الفديةَ، والصومُ هو المفدَى به، فأين اسمُ فعلِ المفتدِى الذى هو فديةٌ؟ إنّ هذا القولَ بَيِّنٌ خطؤُه غيرُ مُشكلٍ.
وأما "الطعامُ" فإنه مضافٌ إلى "المسكينِ". والقرأةُ في قراءةِ ذلك مختلِفون؛ فقرَأه بعضُهم بتوحيدِ المسكينِ، بمعنَى: وعلى الذين يُطِيقونه فديةُ طعامِ مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أَفْطَره.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا حسينٌ الجُعْفىُّ، عن أبى عَمرٍو أنه قرَأ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ رفعٌ منونٌ، ﴿طَعَامُ﴾ رفعٌ بغير تنوينٍ ﴿مِسْكِينٍ﴾. وقال: عن كلِّ يومٍ مسكينٌ.
وعلى ذلك عُظْمُ قرأةِ أهلِ العراقِ.
وقرَأه آخرون بجمعِ المساكينِ: (فديةُ طعام مساكينَ).
امُ﴾ رفعٌ بغير تنوينٍ ﴿مِسْكِينٍ﴾. وقال: عن كلِّ يومٍ مسكينٌ.
وعلى ذلك عُظْمُ قرأةِ أهلِ العراقِ.
وقرَأه آخرون بجمعِ المساكينِ: (فديةُ طعام مساكينَ). بمعنى: وعلى الذين يُطيقونه فديةُ طعامِ مساكينَ عنِ الشهرِ إذا أفطرَ الشهرَ كلَّه.
كما حدَّثنى أبو هشامٍ محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن عَمرٍو، عن الحسنِ: طعامُ مساكينَ عنِ الشهرِ كلِّه.
وأَعجبُ القراءتينِ إلىَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. على الواحدِ، بمعنى: وعلى الذين يُطيقونَه عن كلِّ يومٍ أفطروه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن في إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وُصُولًا إلى معرفةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ، وليس
في إبانةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ وصولٌ إلى إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وأيّامًا هى أقلُّ من أيامِ جميعِ الشهرِ، وأنّ كلَّ واحدٍ يُترجِمُ عن الجميعِ، وأن الجميعَ لا يُترْجَمُ به عنِ الواحدِ، فلذلك اخترْنا قراءةَ ذلك بالتوحيدِ.
امًا هى أقلُّ من أيامِ جميعِ الشهرِ، وأنّ كلَّ واحدٍ يُترجِمُ عن الجميعِ، وأن الجميعَ لا يُترْجَمُ به عنِ الواحدِ، فلذلك اخترْنا قراءةَ ذلك بالتوحيدِ.
واختلفَ أهلُ العلمِ في مبلغِ الطعامِ الذى كانوا يُطعِمون في ذلك إذا أَفطَروا؛ فقال بعضُهم: كان الواجبُ من طعامِ المسكينِ لإفطارِ اليومِ الواحدِ نصفَ صاعٍ من قمحٍ.
وقال بعضُهم: كان الواجبُ مُدًّا من قمحٍ ومن سائرِ أقواتِهم.
وقال بعضُهم: كان ذلك نصفَ صاعٍ من قمحٍ أو صاعًا من تمرٍ أو زبيبٍ.
وقال بعضُهم: ما كان المفطِرُ يَتَقَوَّتُه يومَه الذى أفطَره.
وقال بعضُهم: كان ذلك سَحورًا وعَشاءً يكونُ للمسكين إفطارًا. وقد ذكَرنا بعضَ هذه المقالاتِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادةَ ذِكرِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
اختَلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزادَ طعامَ مسكينٍ آخرَ فهو خيرٌ له، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،
عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: مَن أَطْعَمَ المسكينَ صاعًا.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال: إطعامُ مساكينَ عن كلِّ يومٍ فهو خيرٌ له.
: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال: إطعامُ مساكينَ عن كلِّ يومٍ فهو خيرٌ له.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حنظلةَ، عن طاوسٍ نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: طعامُ مسكينَيْنِ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ مثلَه.
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ مثلَه].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ هارونَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه قرَأ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ بالتاءِ، خفيفةً ﴿خَيْرًا﴾. قال: زاد على مسكينٍ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
ا﴾. قال: زاد على مسكينٍ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. فإن أطعَم مسكينَيْنِ فهو خيرٌ له.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. قال: من أطعَم مسكينًا آخرَ.
وقال آخرون: معْنى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فصامَ مع الفديةِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: يريدُ أنَّ مَن صامَ مع الفديةِ فهو خيرٌ له.
وقال آخرون: معنَى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فزادَ المسكينَ على قدرِ طعامِه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ
جُريجٍ. قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
على قدرِ طعامِه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ
جُريجٍ. قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. فزاد طعامًا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فلمْ يَخْصُصْ بعضَ معانى الخيرِ دونَ بعضٍ، وجمعُ الصومِ مع الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، وزيادةُ مسكينٍ على جزاءِ الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، [وزيادةُ المسكينِ على قدرِ قوتِ يومِه مِن تطوُّعِ الخيرِ].
وجائزٌ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أىَّ هذه المعانِى تطوَّع به المفتدِى مِن صومِه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ لأنّ كلَّ ذلك من تطوُّعِ الخيرِ ونوافلِ الفضلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأن تَصوموا ما كُتِب عليكم من صومِ (١) شهرِ رمضانَ خيرٌ لكم مِن أن تُفطِروه وتَفْتدُوا.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ومَن تكلَّفَ الصيامَ فصامَه فهو خيرٌ له.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: حدثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أى: إن الصيامَ خيرٌ لكم مِن الفديةِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ
أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: وأنْ تَصُومُوا هو خَيْرٌ لكمْ.
وأما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يعنى: إن كنتم تعلَمون خيرَ الأمرَين لكم أيّها الذين آمنوا؛ من الإفطارِ والفديةِ أو الصومِ على ما أمرَكم اللهُ به.
آمرًا لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله ﷿، لما فيه زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ ولهذا قال هاهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في الصحيحين: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات.
ليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد رُوي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيام -عن معاذ، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك بن مزاحم. وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نَسَخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) فقال: نعم، والله لقد كُتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب علينا شهرًا كاملا وأياما معدودات: عددا معلوما.
َّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) فقال: نعم، والله لقد كُتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب علينا شهرًا كاملا وأياما معدودات: عددا معلوما. وروي عن السدي، نحوه.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع، رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم .. " في حديث طويل اختصر منه ذلك.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عمن حدثه عن ابن عمر، قال أنزلت: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]) كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم [الله] عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، ومقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني، نحو ذلك.
بي حاتم: وروي عن ابن عباس، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، ومقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني، نحو ذلك.
وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني بذلك: أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسّدي وعطاء الخراساني، مثله.
ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر.
عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر. وأما الصحيح المقيم الذي يُطيق الصيام، فقد كان مخيَّرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم، فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم من السلف؛ ولهذا قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
لَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مُرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، ﵁، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال؛ فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ قدم المدينة، وهو يصلي سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوجهَهُ اللهُ إلى مكة. هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤْذِنُ بها بعضهم بعضا حتى نَقَسُوا أو كادوا يَنْقُسُون.
ْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوجهَهُ اللهُ إلى مكة. هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤْذِنُ بها بعضهم بعضا حتى نَقَسُوا أو كادوا يَنْقُسُون. ثم إنّ رجلا من الأنصار، يقال له: عبد الله بن زيد، أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم -ولو قلتُ: إني لم أكن نائمًا لصدقتُ -أني بينا أنا بين النائم واليقظان إذْ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله -مثنى حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة -مرتين -قال رسول الله ﷺ: "علمها بلالا فَلْيؤذن بها". فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: يا رسول الله، [إنه] قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني، فهذان حالان.
قال: وكانوا يأتون الصلاة -قد سبقهم النَّبيّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذًا كم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم.
وكانوا يأتون الصلاة -قد سبقهم النَّبيّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذًا كم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلا كنتُ عليها، ثم قضيتُ ما سبقني. قال: فجاء وقد سَبَقه النبي ﷺ ببعضها، قال: فثَبَتَ معه، فلما قضى رسول الله ﷺ قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: "إنه قَد سن لكم مُعَاذ، فهكذا فاصنعوا". فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصومُ من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
إلى قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فكان مَنْ شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه.
ذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
إلى قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فكان مَنْ شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأثبت اللهُ صيامَه على المقيم الصحيح ورخَّصَ فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعامُ للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان.
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا، فقال: ما لي أراك قد جَهِدْت جهدًا شديدا؟ قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئتُ حين جئتُ فألقيتُ نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائمًا.
جهد جهدًا شديدًا، فقال: ما لي أراك قد جَهِدْت جهدًا شديدا؟ قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئتُ حين جئتُ فألقيتُ نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائمًا. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾
وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث المسعودي، به.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود، مثله.
وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كما قال معاذ: كان في ابتداء الأمر: من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا.
وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كما قال معاذ: كان في ابتداء الأمر: من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا. وهكذا روى البخاري عن سَلَمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كان من أراد أن يُفْطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وروي أيضًا من حديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، قال: هي منسوخة.
وقال السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) قال: يقول: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي: يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا (فَمَنْ تَطَوَّعَ) قال: يقول: أطعم مسكينا آخر (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
قال: يقول: أطعم مسكينا آخر (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
وقال البخاري أيضًا: حدثنا إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عَمْرو بن دينار، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية طعام مسكين). قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس [قال] نزلت هذه الآية: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
هذه الآية: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسين بن محمد بن بِهْرام المحرمي، حدثنا وهب بن بَقِيَّة، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر. فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأما الشيخ الفاني [الهرم] الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جِدة؟
م فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني -وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس -بعد أن كبر عامًا أو عامين -كل يوم مسكينًا خبزًا ولحما، وأفطر.
وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، فقال: حدثنا عُبَيد الله بن مُعَاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس [بن مالك] عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم.
عُبَيد الله بن مُعَاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس [بن مالك] عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثيِن مسكينًا فأطعمهم.
ورواه عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حُدَير -عن أيوب، به.
ورواه عبد أيضًا، من حديث ستة من أصحاب أنس، عن أنس -بمعناه.
ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه. ولله الحمد والمنة.