القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، ومَن المَعْنِيُّ بالأمرِ بالإفاضةِ من حيثُ أفاض الناسُ؟ ومَن الناسُ الذين أُمِروا بالإفاضةِ مِن مَوْضعِ إفاضتِهم؟ فقال بعضُهم: المَعْنِيُّ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: قريشٌ ومَن ولَدَته قريشٌ، الذين كانوا يُسَمَّون في
الجاهليةِ الحُمْسَ، أُمِروا في الإسلامِ أن يُفيضوا من عرفاتٍ، وهي البقعةُ التي أفاض منها سائرُ الناسِ غيرَ الحُمْسِ، وذلك أن قريشًا ومَن ولَدَته قريشٌ، كانوا يقولون: لا نخرُجُ من الحرَمِ. فكانوا لا يشهَدون مَوقِفَ الناسِ بعَرفةَ معهم، فأمرَهم اللَّهُ بالوقوفِ معهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ ومَن كان على دينِها، وهم الحُمْسُ، يقِفون بالمُزْدَلفةِ، يقولون: نحن قَطِينُ اللَّهِ.
ال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ ومَن كان على دينِها، وهم الحُمْسُ، يقِفون بالمُزْدَلفةِ، يقولون: نحن قَطِينُ اللَّهِ. وكان مَن سِواهم يقِفُون بعَرفةَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ: كتبتَ إليَّ في قولِ النبيِّ ﷺ لرجلٍ من الأنصارِ: "إني أحْمَسُ". وإني لا أدري أقالها النبيُّ أم لا؟ غيرَ أني سمِعتُها تُحدَّثُ عنه. والحُمْسُ ملةُ قريشٍ، وهم مشركون، ومَن
ولَدَت قريشٌ من خُزاعةَ، وبنو كِنانةَ، كانوا لا يدفَعون من عَرفةَ، إنما كانوا يدفَعون من المُزْدَلفةِ، وهو المشعَرُ الحرامُ، وكانت بنو عامرٍ حُمْسًا، وذلك أن قريشًا ولَدَتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
ون من المُزْدَلفةِ، وهو المشعَرُ الحرامُ، وكانت بنو عامرٍ حُمْسًا، وذلك أن قريشًا ولَدَتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وأن العربَ كلَّها كانت تُفِيضُ من عَرفةَ إلا الحُمْسَ، وكانوا يدفَعون إذا أصبَحوا من المُزْدَلفةِ.
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا أبو تَوْبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سفيانَ، عن حسينِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت العربُ تَقِفُ بعَرفةَ، وكانت قريشٌ تقفُ دون ذلك بالمزدَلفةِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. فرفَع النبيُّ ﷺ الموقفَ إلى مَوْقِفِ العربِ بعَرفةَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال. ثنا حَكَّامٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. [قال: كان جماعةُ الناسِ يُفيضون من عرفاتٍ، ويقولُ أهلُ الحرمِ: إنا حُمْسٌ.
عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. [قال: كان جماعةُ الناسِ يُفيضون من عرفاتٍ، ويقولُ أهلُ الحرمِ: إنا حُمْسٌ. فكانوا يُفيضون من جمعٍ، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾]: من حيثُ يُفِيضُ جماعةُ الناسِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ،
عن [عبدِ اللَّهِ بنِ أبي المُجالِدِ]، عن مجاهدٍ، قال: إذا كان يومُ عَرفةَ، هَبَط اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا في الملائكةِ، فيقولُ: هلمَّ إليَّ عبادي، آمَنوا بوَعدي، وصدَّقوا رسلي. فيقولُ: ما جزاؤُهم؟ فيقالُ: أن تغفِرَ لهم. فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: عَرفةُ.
حٍ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: عَرفةُ. قال: كانت قريشٌ تقولُ: نحن الحُمْسُ أهلُ الحرمِ، ولا نخلِفُ الحرمَ المزدلفةَ. فأُمِروا أن يبلغُوا عَرفةَ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال قتادةُ: وكانت قريشٌ وكلُّ حَليفٍ لهم وبَني أختٍ لهم لا يُفِيضون من عرفاتٍ، إنما يُفِيضون من المُغَمَّسِ، ويقولون: إنما نحن أهلُ اللَّهِ فلا نخرُجُ من حَرمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ من عرفاتٍ، وأخبَرهم أن سُنَّةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ هكذا الإفاضةُ من عرفاتٍ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
إفاضةُ من عرفاتٍ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت العربُ تَقِفُ بعرفاتٍ، فتُعظِمُ قريشٌ أن تَقِفَ معهم، فتَقِفُ قريشٌ بالمزدلفةِ، فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا مع الناسِ من عرفاتٍ.
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت قريشٌ وكلُّ ابنِ أختٍ وحليفٍ لهم لا يُفِيضون مع الناسِ من عرفاتٍ، يَقِفون في الحرَمِ ولا يخرُجون منه، يقولون: إنما نحن أهلُ حرَمِ اللَّهِ، فلا نخرُجُ من حرَمِه.
ابنِ أختٍ وحليفٍ لهم لا يُفِيضون مع الناسِ من عرفاتٍ، يَقِفون في الحرَمِ ولا يخرُجون منه، يقولون: إنما نحن أهلُ حرَمِ اللَّهِ، فلا نخرُجُ من حرَمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، وكانت سنةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ الإفاضةَ من عرفاتٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ، قال: كانت قريشٌ - لا أدري قبلَ الفيلِ أم بعدَه - ابتَدعَت أمْرَ الحُمْسِ رأيًا رأوه بينَهم، قالوا: نحن بنو إبراهيمَ، وأهلُ الحَرَمِ، وولاةُ البيتِ، وقاطِنو مكةَ وساكِنوها، فليس لأحدٍ من العربِ مثلُ حقِّنا، ولا مثلُ مَنْزِلتِنا، ولا تعرِفُ له العربُ مثلَ ما تَعرِفُ لنا، فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرَمَ، فإنكم إن فعلْتُم ذلك استَخفَّت العربُ بحُرمِكم، وقالوا: قد عظَّموا من الحِلِّ مثلَ ما عظَّموا من الحَرَمِ.
ا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرَمَ، فإنكم إن فعلْتُم ذلك استَخفَّت العربُ بحُرمِكم، وقالوا: قد عظَّموا من الحِلِّ مثلَ ما عظَّموا من الحَرَمِ. فتَرَكوا الوقوفَ على عَرفةَ والإفاضةَ منها، وهم يعرِفون ويُقِرُّون أنها من المشاعِرِ والحَجِّ ودينِ إبراهيمَ، ويَرون لسائرِ العرب أن يَقِفوا عليها وأن يُفِيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهلُ الحرَمِ، فليس ينبغي لنا أن نخرُجَ من الحُرْمةِ،
ولا نُعظِّمَ غيرَها كما نُعظِّمُها نحن الحُمْسَ - والحُمْسُ أهلُ الحرَمِ - ثم جعَلوا لمَن ولَدوا من العربِ من ساكِني الحِلِّ مثلَ الذي لهم بولادتِهم إياهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُمُ عليهم ما يَحْرُمُ عليهم، وكانت كِنانةُ وخُزاعةُ قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتَدعوا في ذلك أمورًا لم تكنْ، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْسِ أن يَأْتَقِطُوا الأقِطَ، ولا يَسلَئُوا السَّمْنَ وهم حُرُمٌ، ولا يَدخُلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يستَظِلُّوا إن استظلُّوا إلا في بيوتِ الأدَمِ ما كانوا حُرُمًا.
قِطُوا الأقِطَ، ولا يَسلَئُوا السَّمْنَ وهم حُرُمٌ، ولا يَدخُلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يستَظِلُّوا إن استظلُّوا إلا في بيوتِ الأدَمِ ما كانوا حُرُمًا. ثم رفَعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهلِ الحِلِّ أن يأكُلوا من طعامٍ جاءوا به معهم من الحِلِّ في الحَرَمِ، إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيتِ إذا قدِموا أوَّلَ طوافِهم إلا في ثيابِ الحُمْسِ، فإن لم يَجِدوا منها شيئًا طافوا بالبيتِ عُراةً. فحمَلوا على ذلك العربَ فدانَت به، وأخَذوا بما شرَعوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فأنزَل اللَّهُ حينَ أحكَم له دينَه، وشرَع له حَجَّتَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
اللَّهُ حينَ أحكَم له دينَه، وشرَع له حَجَّتَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعني قريشًا، والناسُ العربُ، فرفَعهم في سُنَّةِ الحَجِّ إلى عرفاتٍ والوقوفِ عليها والإفاضةِ منها، فوضَع اللَّهُ أمرَ الحُمْسِ، وما كانت قريشٌ ابتَدعَت منه عن الناسِ بالإسلامِ حينَ بعَث اللَّهُ رسولَه ﷺ.
حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ الخَوْلانيُّ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنا أبنُ أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة [أنها قالت]: كانت قريشٌ تَقِفُ
بقُزَحَ، وكان الناسُ يَقِفون بعَرفةَ.
ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنا أبنُ أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة [أنها قالت]: كانت قريشٌ تَقِفُ
بقُزَحَ، وكان الناسُ يَقِفون بعَرفةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وقال آخرون: المخاطبون بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ المسلمون كلُّهم، والمَعْنِيُّ بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِن جَمْعٍ، وبالناسِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﵇.
ذكرُ منَ قال ذلك
حُدِّثتُ عن القاسمِ بنِ سلَّامٍ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن أبي بِسْطامَ، عن الضَّحاكِ، قال: هو إبراهيمُ.
قال أبو جعفرٍ: والذي نراه صَوابًا في تأويلِ هذه الآيةِ [التأويلُ الذي رُوِي عن عائشةَ وابنِ عباسٍ]، أنه عُنِي بهذه الآيةِ قريشٌ ومَن كان مُتَحَمِّسًا معها من سائرِ العربِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.
عن عائشةَ وابنِ عباسٍ]، أنه عُنِي بهذه الآيةِ قريشٌ ومَن كان مُتَحَمِّسًا معها من سائرِ العربِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: فمَن فرَض فيهن الحَجَّ فلا رَفَثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحَجِّ، ثم أفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، واستغفِروا اللَّهَ إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، وما تَفعَلوا من خيرٍ يعلَمْه اللَّهُ.
وهذا إذ كان ما وصَفْنا تأويلَه، فهو مِن المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، على نحوِ ما تقدَّم بيانُناه في مثلِه، ولولا إجماعُ مَن وصَفتُ
إجماعَه على أن ذلك تأويلُه، لقلتُ: أولى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الضَّحاكُ، من أن اللَّهَ عنَى بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: من حيثُ أفاض إبراهيمُ؛ لأن الإفاضةَ من عرفاتٍ لا شَكَّ أنها قبلَ الإفاضةِ من جَمْعٍ، وقبلَ وجوبِ الذِّكْرِ عندَ المشعرِ الحرامِ.
ُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: من حيثُ أفاض إبراهيمُ؛ لأن الإفاضةَ من عرفاتٍ لا شَكَّ أنها قبلَ الإفاضةِ من جَمْعٍ، وقبلَ وجوبِ الذِّكْرِ عندَ المشعرِ الحرامِ. وإذ كان ذلك لا شكَّ كذلك، وكان اللَّهُ ﷿ إنما أمَر بالإفاضةِ من الموضعِ الذي أفاض منه الناسُ بعدَ انقضاءِ ذِكْرِ الإفاضةِ من عرفاتٍ، وبعدَ أمْرِه بذكرِه عندَ المشعرِ الحرامِ [بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾]. ثم قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - كان معلومًا بذلك أنه لم يأمُرْ بالإفاضةِ إلا من الموضعِ الذي لم يُفِيضوا منه دونَ الموضعِ الذي قد أفاضوا منه، إذ كان الموضعُ الذي قد أفاضوا منه، فانقضَى وقتُ الإفاضةِ منه، لا وجهَ لأنْ يقالَ: أفِضْ منه.
عِ الذي لم يُفِيضوا منه دونَ الموضعِ الذي قد أفاضوا منه، إذ كان الموضعُ الذي قد أفاضوا منه، فانقضَى وقتُ الإفاضةِ منه، لا وجهَ لأنْ يقالَ: أفِضْ منه. فإذ كان لا وجهَ لذلك، وكان غيرُ جائزٍ أن يأمُرَ اللَّهُ - جل وعز - بأمرٍ لا معنى له، كانت بيِّنةً صحةُ ما قاله من التأويلِ في ذلك، وفسادُ ما خالَفه، لولا الإجماعُ الذي وصَفناه، وتظاهرُ الأخبارِ بالذي ذكَرنا عمن حكَينا قولَه من أهلِ التأويلِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، والناسُ جماعةٌ، وإبراهيمُ واحدٌ، واللَّهُ تعالى ذكرُ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؟
قيل: إن العربَ تفعَلُ ذلك كثيرًا، فَتدُلُّ بذكرِ الجماعةِ على الواحدِ [وبذكرِ الواحدِ على الجماعةِ]، ومن ذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والذي قال ذلك واحدٌ، وهو - فيما تظاهَرَت به الروايةُ من أهلِ السِّيَرِ - نُعَيمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ.
لنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والذي قال ذلك واحدٌ، وهو - فيما تظاهَرَت به الروايةُ من أهلِ السِّيَرِ - نُعَيمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ. ومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قيل: عُنِي بذلك النبيُّ ﷺ. ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا أفَضْتُم من عَرَفاتٍ مُنصرِفِين إلى مِنًى، فاذْكُروا اللهَ عندَ المشْعَرِ الحرامِ، وادعوه واعبُدوه عندَه، كما ذكَركم بهدايتِه، فوفَّقكم لِما ارتَضَى لخليلِه إبراهيمَ، فهَداه له من شريعةِ دينهِ بعدَ أن كنتم ضُلَّالًا عنه.
وفي ﴿ثُمَّ﴾ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من التأويلِ وجهان: أحدُهما: ما قاله الضحاكُ من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرِفوا راجِعين إلى مِنًى من حيثُ أفاض إبراهيمُ خليلي من المشعَرِ الحرامِ، وسَلوني المغفرةَ لذنوبِكم؛ فإني لها غفورٌ، وبكم رحيمٌ.
ن معناه: ثم أفيضوا فانصرِفوا راجِعين إلى مِنًى من حيثُ أفاض إبراهيمُ خليلي من المشعَرِ الحرامِ، وسَلوني المغفرةَ لذنوبِكم؛ فإني لها غفورٌ، وبكم رحيمٌ.
كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عبدُ القاهرِ بنُ السِّرِيِّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ - ويُكْنَى أبا كِنانةَ - عن أبيه، عن العباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "دعَوتُ اللَّهَ يومَ عَرَفةَ أن يَغْفِرَ لأمَّتي ذنوبَها، فأجابَني: إني قد غَفَرتُ، إلا ذنوبَها بينَها وبينَ خَلْقي. فأعَدتُ الدعاءَ يومَئذٍ، فلم أُجَبْ بشيءٍ، فلما كان غداةَ المُزْدَلفةِ قلتُ: يا ربِّ، إنك قادرٌ أن تُعَوِّضَ هذا المظلومَ مِن ظُلامتِه، وتَغْفِرَ لهذا الظَّالمِ. فأجابني: إني قد غفرتُ".
قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تضحَكُ في يومٍ لم تَكُنْ تضحَكُ فيه.
َغْفِرَ لهذا الظَّالمِ. فأجابني: إني قد غفرتُ".
قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تضحَكُ في يومٍ لم تَكُنْ تضحَكُ فيه. قال: "ضحِكتُ مِن عدوِّ اللَّهِ إبليسَ لمَّا سمِع بما سمِع، أهوى يَدْعُو بالوَيلِ والثُّبورِ، ويَضَعُ الترابَ على رأسِه".
حدَّثني مسلمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا بَشَّارُ بنُ بُكَيرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: خطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عَشيَّةَ عَرفةَ، فقال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقَبِل مِن مُحْسِنِكم، وأعطَى مُحْسِنَكم ما سأل، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم إلا التَّبِعاتِ فيما بينَكم، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ". فلما كان غداةَ جَمْعٍ قال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ قد تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقبِل من مُحسِنِكم، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ بينَكم عَوَّضها من عندِه، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ".
تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقبِل من مُحسِنِكم، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ بينَكم عَوَّضها من عندِه، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ". فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، أفَضتَ بنا بالأمسِ كئيبًا حزينًا، وأفَضتَ بنا اليومَ فَرِحًا مسرورًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إني سألتُ ربِّي بالأمسِ شيئًا لم يَجُدْ لي به؛ سألتُه التَّبِعاتِ فأبَى عليَّ، فلمَّا كان اليومُ أتاني جبريلُ، وقال: إن ربَّك [يَقْرأُ عليك] السلامَ، ويقولُ:
التَّبِعاتُ ضَمِنتُ عِوَضَها من عندي".
فقد بيَّن هذان الخبران أن غفرانَ اللَّهِ التَّبِعاتِ التي بينَ خلقِه فيما بينَهم، إنما هو غداةَ جَمْعٍ، وذلك في الوقتِ الذي قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. لذنوبِكم؛ فإنه غفورٌ لها حينَئذٍ، تَفَضُّلًا منه عليكم، رحيمٌ بكم.
والآخرُ منهما: ثم أفِيضوا من عَرفةَ إلى المشعَرِ الحرامِ، فإذا أفَضْتم إليه منها، فاذكُروا اللَّهَ عندَه كما هداكم.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
"ثم" هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يَدْفَع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقُطَّان بيته.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمّون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض
منها، فذلك قوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).
وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
بيه ﷺ أن يَأتَي عرفات، ثم يقف بها ثم يُفيض
منها، فذلك قوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).
وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإجماع، ﵏.
وقال الإمام أحمد، حدثنا سُفْيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللتُ بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحَمْس ما شأنه هاهنا؟
أخرجاه في الصحيحين. ثم روى البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كُرَيب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار. فالله أعلم. وحكاه ابنُ جرير، عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم، ﵇. وفي رواية عنه: الإمام. قال ابن جرير ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثًا.
نَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثًا. وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين.
وقد روى ابن جرير هاهنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي في استغفاره، ﵇، لأمته عَشِيَّةَ عرفة، وقد أوردناه في جُزْء جمعناه في فضل يوم عرفة.
وأورد ابن مَرْدويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عَلَيّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في
يومه فمات دخل الجنة".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، عَلمني دعاء أدعو به في صلاتي؟
ي ليلته دخل الجنة، ومن قالها في
يومه فمات دخل الجنة".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، عَلمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال: "قل: اللهمّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مَغْفِرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم".
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ لم يبين هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة حيث، التي هي كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان. ولكنه بيَّن ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية. وسبب نزولها أن قريشا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي ﷺ، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش.
م؛ لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي ﷺ، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش. وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر،
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾.
وقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
وقال بعض العلماء المراد بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ الآية. أي: من مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم. قال ابن جرير في هذا القول: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
•