Kemudian setelah itu hatimu menjadi keras, sehingga (hatimu) seperti batu, bahkan lebih keras. Padahal dari batu-batu itu pasti ada sungai-sungai yang (airnya) memancar darinya. Ada pula yang terbelah lalu keluarlah mata air darinya. Dan ada pula yang meluncur jatuh karena takut kepada Allah. Dan Allah tidaklah lengah terhadap apa yang kamu kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعنى بذلك كُفَّارَ بني إسرائيلَ، وهم -فيما ذُكر- بنو أخى المقتولِ، فقال لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم. أي: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ:
وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى
يُقالُ: قسا وعسا وعتا، بمعنًى واحدٍ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب. يُقالُ منه: قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً.
ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذى ادَّارءوا في قتْلِه، فأخبرَهم بقاتلِه، وما السببُ الذى مِن أجْلِه قتَله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ.
ما السببُ الذى مِن أجْلِه قتَله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ. وكانت قساوةُ قلوبِهم التى وصَفهم اللهُ بها أنهم -فيما بلَغَنا- أنكَروا أن يَكُونوا هم قتَلوا القتيلَ الذى أحياه اللهُ، فأخبَر بني إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِه إيّاهم بذلك، وبعدَ مِيتَتِه الثانيةِ.
كما حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا ضُرِب المقتولُ ببعضِها -يعنى ببعضِ البقرةِ- جلَس حيًّا، فقِيل له: مَن قتَلك؟ فقال: بنو أخى قتَلونى. ثم قُبِض، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللهِ ما قتَلْناه. فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال اللهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: يعنى بني أخى الشيخِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
يعنى بقولِه: ﴿فَهِىَ﴾. قلوبَكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم -بعدَ إذ رأيتُم الحقَّ فتبيَّنْتُموه وعَرَفْتُموه- عن الخُضوعِ له والإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليكم، فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُبْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً، أو أشدُّ صلابةً -يعنى قلوبَكم- عن الإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمِ مِن حقوقِه لهم من الحجارةِ.
فإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و"أوْ" عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى في الكلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما
كلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما
أَخبَر عنه، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها -عند عبادِه الذين هم أصحابُها الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوُا العظيمَ مِن آياتِ اللهِ- كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم، وقد قال في ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وما أشبهَ ذلك من الأخبارِ التى تأتى بـ "أو" كقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وكقولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهو عالمٌ أىُّ ذلك كان. قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً.
وْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهو عالمٌ أىُّ ذلك كان. قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً. وهو عالمٌ أىَّ ذلك أكَل، ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ:
أُحِبُّ مُحَمّدَا حُبًّا شَدِيدًا … وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا
فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رَشَدًا أُصِبْه … وَلَسْتُ بِمُخْطئٍ إنْ كانَ غَيّا
قالوا: ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًّا في أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ، ولكنه أَبْهَم على مَن خاطَبه به. وقد ذُكِرَ عن أبي الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له: شكَكتَ؟ فقال: كلَّا واللهِ. ثم انتزَع بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟!
وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا. وقد أطعَمه النوعين جميعًا.
أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟!
وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا. وقد أطعَمه النوعين جميعًا. فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاكًّا أنه قد أطعَم صاحبَه الحُلْوَ والحامضَ كليهما، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعَمه إيَّاه أنه لم يَخرُجْ عن هذين النوعين.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. إنما معناه: فقلوبُهم لا تَخرُجُ من أحدِ هذين المَثَليْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ في القسوةِ، وأما أن تكونَ أشدَّ منها قسوةً. ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً، وبعضُها أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
وقال بعضُهم: "أو" في قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. بمعنى: وأشدُّ قسوةً. كما قال ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. بمعنى: وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ؛
نال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا … كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ
يعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا.
بمعنى: وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ؛
نال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا … كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ
يعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا. وكما قال النابغةُ:
قالَتْ [ألا لَيْتَما] هَذَا الحَمامُ لَنا … إلى حَمامَتِنا أوْ نِصْفُهُ فَقَدِ
يريدُ: ونصفُه.
وقال آخَرون: "أو" في هذا الموضعِ بمعنى "بل". فكان تأويلُه عندَهم: فهى كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. بمعنى: بل يزيدون.
وقال آخَرون: معنى ذلك: فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم.
قال أبو جعفرٍ: ولكلٍّ ممَّا قيل مِن هذه الأقوالِ التى حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إلىَّ في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذى ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ.
الأقوالِ إلىَّ في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذى ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ. على تأويلِ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن "أو" وإن استُعمِلتْ في أماكنَ مِن أماكنِ "الواوِ" حتى يَلتبِسَ معناها ومعنى "الواوِ" -لتقارُبِ معنيَيْهما في بعضِ تلك الأماكنِ- فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ، فتوجيهُها إلى أصلِها -[مَن وجَد] إلى ذلك سبيلًا- أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن أصلِها ومعناها المعروفِ لها.
قال: وأمّا الرفعُ في قولِه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. فمِن وجهينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التى في قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾. لأن معناها الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى "مِثْل": فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ "هى" عليه، فيكونَ تأويلُ ذلك: فهى كالحجارةِ أو هى أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن مِن الحجارةِ لَمَا يَهْبِطُ -أى: يَتَرَدَّى- مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْحِ مِن خوفِ اللهِ وخشيتِه. وقد دلَّلْنا على معنى الهبوطِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وأُدْخِلَتْ هذه اللَّاماتُ اللواتى في "ما" توكيدًا للخَبرِ.
وإنما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به -مِن أن منها المتفجِّرَ منه الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللهِ، بعدَ الذى جعَل منها لقلوبِ الذين أَخبَر عن قسوةِ قلوبهم مِن بنى إسرائيل مَثَلًا- معذرةً منه جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبَر عن قسوةِ قلوبهم من بنى إسرائيل؛ إذ كانوا بالصفةِ التى وصفَهم اللهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من
حودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التى لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع ذلك منه ما يَتفجَّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهبِطُ مِن خشيةِ اللهِ، فأخبَر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ.
وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
َمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو يَتَرَدَّى مِن رأسِ جبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللهِ ﷿، نزَل بذلك القرآنُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
َر اللهُ الحجارةَ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ أنه قال فيها: كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ، أو تردَّى من جبلٍ، فمن خشيةِ الله، نزَل به القرآنُ.
ثم اختَلف أهلُ النحوِ في معنى هُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللهِ.
فقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللهِ: تَفَيُّؤُ ظلالِه.
وقال آخَرون: ذلك الجبلُ الذى صار دكًّا إذ تجلَّى له ربُّه.
وقال بعضُهم: ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللهَ جلَّ ذكرُه أعطَى بعضَ الحجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْعِ الذى كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله ﷺ إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ.
حجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْعِ الذى كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله ﷺ إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ. وكالذى رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ".
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. كقولِه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. ولا إرادةَ له. قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَمِ أمْرِ اللهِ يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللهِ، كما قال زيدُ الخَيْلِ:
بِجَمْعٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ … ترَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ
وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له يُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ:
ساجِدَ المَنْخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ … خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ المُسْتَمَعْ
وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ:
لَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ
ُهُ … خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ المُسْتَمَعْ
وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ:
لَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ
وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. أى: يُوجبُ الخشيةَ لغيرِه بدلالتِه على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ: إذا كانت مِن نَجابتِها وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ:
وأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه … فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فبَصِيرُ
فجعَل الصفةَ لليلِ والنهارِ، وهو يُرِيدُ بذلك صاحبَه النَّبْهانىَّ الذى يَهْجُوه مِن أجْلِ أنه فيهما كان ما وصَفه به.
وهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممَّا تَحْتَمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأمةِ بخلافِها، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صرْفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنًى منها.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الخشيةِ، وأَنها الرهبةُ والمخافةُ، فكرِهْنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللهُ بغافلٍ -يا معشرَ المكذِّبينَ بآياتِه، والجاحدينَ نبوّةَ رسولِه محمدٍ ﷺ، والمتقوِّلِين عليه الأباطيلَ من بنى إسرائيلَ وأحبارِ اليهودِ- عما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ، وأفعالِكم الرديئةِ، ولكنه يُحصِيها عليكم، فيجازِيكم بها في الآخرةِ أو يعاقِبُكم بها في الدنيا.
وأصلُ الغَفْلةِ عن الشئِ تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له. فأخبَرهم تعالى ذكرُه أنه غيرُ غافلٍ عن أفعالِهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظٌ.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ الآية. لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
•