Kemudian kamu (Bani Israil) membunuh dirimu (sesamamu), dan mengusir segolongan dari kamu dari kampung halamannya. Kamu saling membantu (menghadapi) mereka dalam kejahatan dan permusuhan. Dan jika mereka datang kepadamu sebagai tawanan, kamu tebus mereka, padahal kamu dilarang mengusir mereka. Apakah kamu beriman kepada sebagian Kitab (Taurat) dan ingkar kepada sebagian (yang lain)? Maka tidak ada balasan (yang pantas) bagi orang yang berbuat demikian di antara kamu selain kenistaan dalam kehidupan dunia, dan pada hari Kiamat mereka dikembalikan kepada azab yang paling berat. Dan Allah tidak lengah terhadap apa yang kamu kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وَيَتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ أُريدَ به: ثم أنتم يا هؤلاء. فترَك "يا" استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وتأويلُه: يا يوسفُ أَعْرِضْ عن هذا. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: ثم أنتم يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم [ألا تَسْفِكوا] دماءَكم، ولا تُخْرِجوا أنفسَكم من ديارِكم، وبعد شهادتِكم على أنفسِكم بأن ذلك حقٌّ لى عليكم لازمٌ لكم الوفاءُ لى به -تَقْتلون
أنفسَكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم، متعاونين عليهم في إخراجِكم إياهم بالإثمِ والعدوانِ. والتعاونُ هو التظاهرُ. وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ.
ن
أنفسَكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم، متعاونين عليهم في إخراجِكم إياهم بالإثمِ والعدوانِ. والتعاونُ هو التظاهرُ. وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ. لتقويةِ بعضِهم ظهرَ بعضٍ، فهو تفاعُلٌ من الظَّهْرِ، وهو مساندةُ بعضِهم ظهرَه إلى ظهرِ بعضٍ.
والوجهُ الآخرُ أن يكونَ معناه: ثم أنتم، القومَ، تَقْتلون أنفسَكم، فيَرْجعُ إلى الخبرِ عن "أنتم"، وقد اعْتُرِضَ بينهم وبين الخبرِ عنهم بـ "هؤلاء"، كما تقولُ العربُ: أنا ذا أقوم، أنا ذا أَجْلِسُ. ولو قيل: أنا هذا يَجْلِسُ. كان صحيحًا جائزًا، وكذلك: أنت ذاك تقومُ.
وقد زعَم بعضُ البصريين أن قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [تنبيهٌ وتوكيدٌ] لـ ﴿أَنْتُمْ﴾. وزعَم أنَّ "أنتم" وإن كانت كنايةَ أسماءِ جماعِ المخاطَبين، فإنما جاز أن يؤكَّدوا بـ "هؤلاء" - [و"هؤلاء" لا يؤكدُ بها] عن مخاطَبين- كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةَ:
أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَه … تأمَّلْ خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا
يريد: أنا هذا.
هؤلاء" لا يؤكدُ بها] عن مخاطَبين- كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةَ:
أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَه … تأمَّلْ خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا
يريد: أنا هذا. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
ثم اختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِىَ بهذه الآيةِ نحوَ اختلافِهم في من عُنِىَ بقولِه:
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
ذكْرُ اختلافِ المختلِفين في ذلك
حدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: أَى: أهلَ الشركِ حتى تَسْفِكوا دماءَهم معهم وتُخْرِجوهم من ديارِهم معهم، فقال: ابْتَلاهُم اللهُ بذلك مِن فعلِهم، وقد حَرَّم عليهم في التوراةِ سفكَ دمائِهم، وافترضَ عليهم فيها فداءَ
دماءَهم معهم وتُخْرِجوهم من ديارِهم معهم، فقال: ابْتَلاهُم اللهُ بذلك مِن فعلِهم، وقد حَرَّم عليهم في التوراةِ سفكَ دمائِهم، وافترضَ عليهم فيها فداءَ أَسْراهم، فكانوا فريقَيْن؛ طائفةٌ منهم بنو قينقاعَ ولِفُّهم حلفاءُ الخزرجِ، والنضيرُ وقريظةُ ولِفُّهم حلفاءُ الأوسِ، فكانوا إذا كانت بين الأوْسِ والخزرجِ حربٌ خرجتْ بنو قينقاعَ مع الخزرجِ، وخرجتِ النضيرُ وقريظةُ مع الأوسِ، يُظاهرُ كلُّ واحدٍ من الفريقَيْن حلفاءَه على إخوانِه حتى يَتَسافكوا دماءَهم بينهم، وبأيديهم التوراةُ يَعْرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ يَعبدون الأوثانَ لا يَعْرِفون جنةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا ولا حرامًا ولا حلالًا، فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوْا أَسْراهم، تصديقًا لما في التوراةِ وأخذًا به بعضُهم من بعضٍ.
بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا ولا حرامًا ولا حلالًا، فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوْا أَسْراهم، تصديقًا لما في التوراةِ وأخذًا به بعضُهم من بعضٍ. يَفْتَدِى بنو قينقاعَ ما كان من أَسْراهم في أيدى الأوسِ، وتَفْتَدِى النضيرُ وقريظةُ ما كان في أيدى الخزرجِ منهم، ويُطِلُّون ما أصابُوا من الدماءِ، وقتَلوا مَن قتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهلِ الشركِ عليهم، يقولُ اللهُ ﷿ حين أنْبَأَهُم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ﴾ أى: [يُفادِيه بحُكْمِ التوراةِ، ويقتُلُه، وفى حكمِ التوراةِ ألا يفعَلَ، ويُخرِجُه من دارِه، ويُظاهِرُ] عليه مَن يُشرِكُ باللهِ ويعبدُ الأوثانَ من دونِه ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا.
وراةِ، ويقتُلُه، وفى حكمِ التوراةِ ألا يفعَلَ، ويُخرِجُه من دارِه، ويُظاهِرُ] عليه مَن يُشرِكُ باللهِ ويعبدُ الأوثانَ من دونِه ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا. ففى ذلك من فعلِهم مع الأوسِ والخزرجِ -فيما بلغنى- نزلتْ هذه القصةُ.
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال: إن اللهَ جلَّ ذكرُه أَخَذ على بنى إسرائيلَ في التوراةِ ألا يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجَدْتموه من بنى إسرائيلَ فاشترُوه بما [قام ثَمَنُه] فأَعْتِقوه، فكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنضيرُ حلفاءَ الخزرجِ، فكانوا يَقْتَتِلُون في حربِ سُمَيْرٍ، فتقاتلُ بنو قريظةَ مع حلفائِها النضيرَ وحلفاءَها، وكانت النضيرُ تُقاتِلُ قريظةَ وحلفاءَها ويَغْلِبونَهم، فيُخْرِبون ديارَهم ويُخْرِجونَهم منها، فإذا أُسِر رجلٌ من الفريقَيْن كليهِما، جَمَعوا له حتى يَفْدُوه، فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نَفْدِيَهم وحُرِّم علينا قتالُهم. قالوا: فَلِمَ تُقاتلُونهم؟ قالوا: إنا نَسْتَحْيِى أن يُستَذَلَّ حلفاؤُنا.
تلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نَفْدِيَهم وحُرِّم علينا قتالُهم. قالوا: فَلِمَ تُقاتلُونهم؟ قالوا: إنا نَسْتَحْيِى أن يُستَذَلَّ حلفاؤُنا. فذلك حين عَيَّرهم اللهُ جلَّ وعزُّ، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت قريظةُ والنضيرُ أخوَيْن، وكانوا بهذه البلدةِ، وكان الكتابُ بأيديهم، وكانت الأوسُ والخزرجُ أخوَيْن فافترَقا، وافترَقَتْ قريظةُ والنضيرُ، فكانت النضِيرُ مع الخزرجِ، وكانت قريظةُ مع الأوسِ.
البلدةِ، وكان الكتابُ بأيديهم، وكانت الأوسُ والخزرجُ أخوَيْن فافترَقا، وافترَقَتْ قريظةُ والنضيرُ، فكانت النضِيرُ مع الخزرجِ، وكانت قريظةُ مع الأوسِ. قال: فاقْتَتلوا، وكان بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال آخرون بما حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: كان في بنى إسرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أَخْرَجوهم من ديارِهم، وقد أُخِذ علَيْهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم.
وأما العُدْوانُ فهو الفُعْلانُ من التَّعَدِّي، يقالُ منه: عدا فلانٌ في كذا يَعْدُو فيه عَدْوًا وعُدْوانًا، واعْتَدَى فهو يَعْتَدِى اعتداءً. وذلك إذا جاوز حدَّه ظُلْمًا وبَغْيًا.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾.
واعْتَدَى فهو يَعْتَدِى اعتداءً. وذلك إذا جاوز حدَّه ظُلْمًا وبَغْيًا.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾. على مثالِ "تَفاعَلُون"، بحذفِ التاءِ الزائدة - وهى التاءُ الآخرةُ، وقرَأها آخرون: (تَظَّاهَرُونَ). مُشدَّدةً، بتأويلِ "تَتَظاهَروُن"، غيرَ أنهم أَدْغَموا التاءَ الثانيةَ في الظاءِ لتقاربِ مخرجَيْهما فصَيَّروهما ظاءً مشددةً.
وهاتان القراءتان وإن اختلفتْ ألفاظُهما فهما مُتَّفِقَتَا المعني، فسواءٌ بأىِّ ذلك قرَأ به القارئُ؛ لأنهما جميعًا لغتان معروفتان وقراءتان مُسْتَفيضتان في أمْصارِ الإسلامِ بمعنًى واحدٍ، ليس في إحداهما معنًى تَسْتَحِقُّ به اختيارَها على الأخري، إلَّا
أن يختارَ مختارٌ (تَظَّاهَرُونَ) بالتشديدِ طلبًا منه تتمةَ الكلمةِ.
موهم من ديارِهم حرامٌ عليكم، كما حرامٌ عليكم تَرْكُهم أَسْرى في أيدى عَدُوِّكم، فكيف تَسْتَجِيزونَ قتلَهم ولا تَسْتَجيزونَ تَرْكَ فدائِهم من عدوِّهم؟ أم كيف لا تَسْتَجيزون تَرْكَ فدائِهم، وتَسْتَجيزون قتلَهم، وهما جميعًا في اللازمِ لكم من الحكمِ فيهم سواءٌ؛ لأنَّ الذى حَرَّمْتُ عليكم مِن قَتْلِهم وإخراجِهم من دورِهم نظيرُ الذى حَرَّمْتُ عليكم من تَرْكِهم أَسْرَى في أيدى عدوِّهم، أتؤمنون ببعضِ الكتابِ الذى فرضْتُ عليكم فيه فرائضى وبَيَّنْتُ لكم فيه حُدُودى وأخذْتُ عليكم بالعملِ بما فيه ميثاقى - فتُصَدِّقون به، فتُفادُون أَسْراكم مِن أيدِى عدوِّكم، وتَكْفُرونَ ببَعْضِه، فتَجْحَدونه فتَقْتُلُون مَن حرَّمْتُ عليكم قتلَه مِن أهلِ دينِكم ومِن قومِكُم، وتُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وقد علِمْتُم أن الكفرَ منكم ببَعْضِه نقضٌ منكم عهدى ومِيثاقى؟
ِبَعْضٍ﴾: فادين، واللهِ إن فداءَهم لَلْإيمانُ، وإن إخراجَهم لَلْكفرُ، فكانوا يُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وإذا رأَوْهم أُسارَى في أيدى عدوِّهم افتَكُّوهم.
حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: قد علِمْتُم أن ذلكم عليكم في دينِكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابِكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: أتُفادُونهم مؤمنين بذلك، وتُخْرِجونهم كفرًا بذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾.
م كفرًا بذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. يقولُ: إن وجدْتَه في يدِ غَيرِكَ فدَيْته وأنت تَقْتُلُه بيدِك.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان قَتادةُ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فكان إخراجُهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا.
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ
َتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فكان إخراجُهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا.
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ
في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال: كان في بنى إسْرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أخْرَجوهم مِن ديارِهم، وقد أُخِذ عليهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجُوا أنفسَهم مِن ديارِهم، وأُخِذ عليهم الميثاقُ إنْ أُسِر بعضُهم أن يُفادُوهم، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، ثم فادوهم، فآمَنوا ببعضِ الكتابِ وكفَروا ببعضٍ، آمَنوا بالفِداءِ ففدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فأَخْرَجوا.
يُفادُوهم، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، ثم فادوهم، فآمَنوا ببعضِ الكتابِ وكفَروا ببعضٍ، آمَنوا بالفِداءِ ففدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فأَخْرَجوا.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ أنسٍ، قال: أخْبَرَنى أبو العاليةِ، أن عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ مرَّ على رأسِ الجالوتِ بالكوفةِ وهو يُفادِى مِن النساءِ مَن لم يَقَعْ عليه العربُ، ولا يُفادِى مَن قد وقَع عليه العربُ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: أما إنه مَكْتوبٌ عندَك في كتابِك: أن فَادُوهن كلَّهن.
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قال: كفرُهم القتلُ والإخْراجُ، وإيمانُهم الفِداءُ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم، وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أُسِروا تَفْدُونهم؟
لقتلُ والإخْراجُ، وإيمانُهم الفِداءُ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم، وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أُسِروا تَفْدُونهم؟ وبلَغَنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في قصةِ بنى إسرائيلَ: إن بنى إسرائيلَ قد مضَوْا، وإنكم [يا أهلَ الإسلامِ] تُعْنَوْن بهذا الحديثِ.
واخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أُسارَى تُفادُوهم). وبعضُهم:
(أُسارَى تَفْدُوهم). وبعضُهم: (أَسْرى تُفادُوهم).
فمَن قرَأ ذلك: (وإن يأتوكم أسْرَى). فإنه أراد جمعَ الأسيرِ، إذ كان على "فَعِيل" على مثالِ جمعِ أسماءِ ذَوِى العاهاتِ التى يأتى واحدُها على تقديرِ "فَعِيل"؛ إذ كان الأسْرُ شَبيهَ المعنى -في الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ- ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْحِق جَمْعُ المسمى به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أَسيرٌ وأسْرَى.
شَبيهَ المعنى -في الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ- ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْحِق جَمْعُ المسمى به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أَسيرٌ وأسْرَى. كما قيل: مريضٌ ومَرْضَى، وكَسيرٌ وكَسْرَى، وجَريحٌ وجَرْحَى.
وأما الذين قرَءوا ﴿أُسَارَى﴾ فإنَّهم أخرَجوه على مُخرجِ جمعِ "فَعْلان"؛ إذ كان جمعُ "فعلان" الذى له "فَعْلَى"، قد يُشاركُ جمعَ "فعيلٍ"، كما قالوا: سُكَارى وسَكْرى، وكُسالى وكَسْلى، فشبَّهوا أسيرًا -إذ جمَعوه مرةً أُسارى، وأُخرى أَسْرى- بذلك.
وكان بعضُهم يَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى مخالِفٌ معنى الأسارَى، ويَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى اسْتِئْسارُ القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن المُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى مَصيرِ القومِ المأْسُورِين في أيدى الآسِرِين بأسْرِهم إياهم وأخْذِهم قهرًا وغَلَبةً.
القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن المُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى مَصيرِ القومِ المأْسُورِين في أيدى الآسِرِين بأسْرِهم إياهم وأخْذِهم قهرًا وغَلَبةً.
قال أبو جعفرٍ: وذلك ما لا وجهَ له يُفْهَمُ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، ولكنَّ ذلك على ما وصَفْتُ مِن جمعِ الأسيرِ مرةً على "فَعْلَى" لِمَا بيَّنْتُ مِن العلةِ، ومرةً على "فُعَالى" لمَا ذكَرْتُ مِن تشبيهِهم جمعَه بجمعِ سَكْرانَ وكَسْلانَ وما أشْبَه ذلك.
وأولى القراءات بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: (وَإنْ يأتُوكُم أسْرَى)؛
لأن "فُعَالى" في جمعِ "فَعِيل" غيرُ مُسْتَفيضٍ في كلامِ العربِ، فإذ كان ذلك غيرَ مُسْتَفِيضٍ في كلامِهم، وكان مُسْتَفِيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان مِن الصفاتِ -التي بمعنى الآلامِ والزَّمَانةِ- واحدُه على تقديرِ "فَعيلٍ" على "فَعْلَى" كالذى وصَفْنا قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِه وأشْكالِه فيُجْمَعَ جمعَها دونَ غيرِها ممَّن خالَفَها.
وأما مَن قرَأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾.
قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِه وأشْكالِه فيُجْمَعَ جمعَها دونَ غيرِها ممَّن خالَفَها.
وأما مَن قرَأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾. فإنه أراد: إنكم تَفْدُونهم ممن أسرَهم، ويُفْدَى منكم الذين أسَرُوهم؛ ففادُوكم بهم [أسْراهم منكم].
وأما مَن قرَأ ذلك: (تَفْدوُهُمْ) فإنه أراد أنكم يا معشرَ اليهودِ إن أتاكم الذين أخْرَجْتُموهم منكم مِن ديارِهم أسْرَى، فدَيْتُموهم فاسْتَنْقَذْتُموهم.
وهذه القراءةُ أعجبُ إلىَّ مِن الأولى -أعْنِى: (أسْرَى تَفْدُوهم) - لأن الذى على اليهودِ في دينِهم فِداءُ أسْراهم بكلِّ حالٍ، فَدَى الآسِرون أسْراهم منهم أم لم يَفْدُوهم.
وأمّا قولُه: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فإن في قولِه: ﴿وَهُوَ﴾ وجهين مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراجِ الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجُهم مُحَرَّمٌ عليكم.
ين مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراجِ الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجُهم مُحَرَّمٌ عليكم. ثم كرَّر الإخْراجَ الذي بعدَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرًا على "هو"، لمَّا حال بينَ "الإخراجِ" و ﴿وَهُوَ﴾ كلامٌ.
والتأويلُ الثانى: أن يَكونَ عِمادًا لمَّا كانت الواوُ التى مع ﴿وَهُوَ﴾ تَقْتَضِى
اسمًا يَلِيها دونَ الفعلِ، فلما قدَّم الفعلَ قبلَ الاسمِ -الذى تَقْتَضِيه الواوُ أن يَلِيَها- أُولِيَت "هو"؛ لأنه اسمٌ، كما تَقولُ في الكلامِ: أتَيْتُك، وهو قائمٌ أبوك. بمعنى وأبوك قائمٌ؛ إذ كانت الواوُ تَقْتَضِى اسمًا، فعُمِدَت بـ"هو"؛ إذ سبق الفعلُ الاسمَ ليَصْلُحَ الكلامُ به، كما قال الشاعرُ:
فأَبْلِغْ أبا يحيى إذا ما لقِيتَه … على العِيسِ في آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ
بأنَّ السُّلاميَّ الذي بضَرِيَّةٍ … أَميرَ الحِمَى قد باع حَقِّى بنى عَبْسِ
بثوبٍ ودينارٍ وَشاةٍ ودِرْهَمٍ … فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا راسُ
فأُولِيَت "هل" لطلبِها الاسمَ العِمادَ.
اءُ﴾، يعني بـ"الجزاءِ" الثوابَ، وهو العِوَضُ مما فعَل مِن ذلك والأجرُ عليه، ﴿إِلَّا خِزْيٌ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. والخِزْىُ الذُّلُّ والصَّغارُ. يقالُ منه: قد خَزِى الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعنى: في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخِرةِ.
ثم اخْتُلِف في الخِزْىِ الذى جزاهم اللهُ بما سلَف منهم مِن معصيتِهم إياه؛ فقال بعضُهم: ذلك هو حُكْمُ اللهِ الذى أنْزَلَه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن أخْذِ القاتلِ بِمَن قتَل والقَوَدِ به قِصاصًا، والانتقامِ للمظلومِ مِن الظالِم.
وقال آخرون: بل ذلك هو أخْذُ الجزيةِ منهم ما أقاموا على دينِهم ذِلَّةً لهم وصَغارًا.
وقال آخرون: بل ذلك الخِزْىُ الذى جُوزُوا به في الدنيا إخراجُ رسولِ اللهِ ﷺ النَّضِيرَ عن دِيارهم لأولِ الحَشْرِ، وقَتْلُ مُقاتِلةِ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَراريِّهم، فكان ذلك لهم خِزْيًا في الدنيا، ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: ويومَ تَقومُ الساعةُ، يُرَدُّ مَن يَفْعَلُ ذلك منكم بعدَ الخَزْىِ الذى يَحِلُّ به في الدنيا جَزاءً على معصيتِه اللهَ، إلى أشدِّ العذابِ الذى أعَدَّه اللهُ لأعْدائِه.
وقد قال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ مِن عذابِ الدنيا.
ولا معنى لقولِ قائلِ ذلك؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أنهم يُرَدُّون إلى أشدِّ معانى العذابِ، ولذلك أدْخَل فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه عَنَى به جنسَ العذابِ كلِّه دونَ نوعٍ منه.
ِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ.
وقرَأه آخَرون: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ. قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتُؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعضٍ، وما اللهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم.
وأَعْجَبُ القراءتينِ في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُون). إلى ذلك أقربُ منه إلى قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه.
والوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ.
وتأويلُ قولِه: [﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾]: وما اللهُ بساهٍ عن أعمالِهم الخبيثةِ، بل هو مُحْصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها في الآخرةِ، ويُخْزِيَهم في الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها.
َمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾
يقول، ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس.
انوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل: بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهوديّ الآخرُ من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولهذا قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]
من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]
وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
[وقوله] (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.
(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة-عن ابن عباس: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) الآية، قال: أنبهم الله من فعلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها
ن ابن عباس: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) الآية، قال: أنبهم الله من فعلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فدَاء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة وإنهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.
في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أَنَّبهم بذلك: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي: يفاديه بحكم التوراة ويقتله، وفي حكم التوراة ألا يفعل، ولا يُخرج من داره، ولا يُظَاهَر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني-نزلت هذه القصة.
وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضيرَ وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة
وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟
ليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنَّا نستحيى أن تُسْتَذلّ حلفاؤنا. فذلك حين عيَّرهم الله، فقال: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ)
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَطيم: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرّ برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال: نعم. قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أرْبحُك سبعمائة أخرى.
فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال: نعم. قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أرْبحُك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم.
إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله.
ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) أي: استحبوها على الآخرة واختاروها (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)
أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. يعني: تقتلون إخوانكم. ويبين أن ذلك هو المراد كثرة وروده كذلك في القرآن، نحو قوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يلمز أحدكم أخاه وقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ أي بإخوانهم، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بأن يقتل البرئ من عبادة العجل من عبده منهم، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح هذا المعنى قوله ﷺ: "إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، كمثل الجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
•
قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يتبين مما قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم، وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب، وآمنوا بغيره منه.
•