مصدرٌ من قول القائل: لازم فلانٌ فلانًا يُلازِمُه مُلازمةً ولِزامًا. إذا لم يُفارقه. وقدَّم قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. قبل قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. [ومعنى الكلامِ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى] لكان لزامًا، فاصبِرْ على ما يقولون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: الأجلُ المسمَّى: الدنيا.
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. وهذه من مَقاديمِ الكلامِ. يقولُ: ولولا كلمةٌ سبَقت من ربِّك] إلى أجلٍ مسمًّى لكان لزامًا.
سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. وهذه من مَقاديمِ الكلامِ. يقولُ: ولولا كلمةٌ سبَقت من ربِّك] إلى أجلٍ مسمًّى لكان لزامًا. والأجلُ المسمَّى: الساعةُ؛ لأن اللهُ يقولُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى لكان لزامًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لكان موتًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: لَكَانَ لِزَامًا ?.
عضُهم: معناه: لكان موتًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: لَكَانَ لِزَامًا ?. يقولُ: موتًا.
وقال آخرون: بل معناه: لكان قتلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: واللِّزامُ القتلُ.
وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﵇:
فاصْبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ مِن قومِك، لك: إنك، ساحرٌ، وإنك [مجنونٌ،] وشاعرٌ. ونحوَ ذلك مِن القولِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصلِّ بثنائِك على ربِّك. وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. والمعنى: [بحمدِكَ ربَّك]، كما تقولُ: أَعْجَبَنِى ضربُ زيدٍ.
ءِ الآخرةِ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ مُضِى آناءٍ مِن الليلِ.
وقولُه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. يعنى صلاةَ الظهرِ والمغربِ.
وقيل: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. والمرادُ بذلك الصلاتان اللتان ذكَرْنا؛ لأن صلاةَ الظهرِ في آخِرِ طَرَفِ النهارِ الأولِ، وفى أولِ طَرَفِ النهارِ الآخِرِ، فهي في طرفين منه، والطَّرَفُ الثالثُ غروبُ الشمسِ، وعند ذلك تُصَلَّى المغربُ، فلذلك قيل: أطرافٌ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يقالَ: أُرِيد به طرفا النهارِ، فقيل: أطرافٌ. كما قيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فجمَع، والمرادُ قلبان، فيكونُ ذلك أولَ طرفِ النهارِ الآخِرِ، وآخِرَ طرفِه الآخِرِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن [أبى رَزينٍ]، عن ابن عباسٍ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
ا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن [أبى رَزينٍ]، عن ابن عباسٍ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قَيسٍ بن أبي حازمٍ، عن جريرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فرأى القمرَ ليلةَ البدرِ، فقال: "إنكم راءُون ربَّكم كما تَرَوْن هذا، لا تُضامُّون في رُؤيتِه، فإن اسْتَطَعْتُم ألا تُغلبوا على صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها فافْعَلوا". ثم تلا: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال ابن جُرَيج: العصر. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
اللَّيْلِ﴾: العَتَمةِ. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: المغربَ والصبحَ.
ونصَب قولَه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. لأن معنى ذلك: فسبِّح بحمدِ ربِّك آخِرَ الليلِ وأطرافَ النهارِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: المصلَّى مِن الليلِ كلِّه.
حدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: مِن أولِه وأوسطِه وآخرِه.
حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. قال: آناءُ الليل جوفُ الليلِ.
وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. قال: آناءُ الليل جوفُ الليلِ.
وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. يقولُ: كَى تَرْضَى.
وقد اختلفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأَته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتحِ التاءِ.
وكان عاصمٌ والكِسائيُّ يَقرآن ذلك: (لعلك تُرْضَى) بضمِّ التاءِ. ورُوِى ذلك عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ.
وكأن الذين قرَءوا ذلك بالفتحِ ذهَبوا إلى معنَى: إِن اللَّهَ يُعْطِيك حتى تَرْضَى عطيتَه وثوابَه إياك، وكذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: الثواب؛ تَرْضَى مما يُثِيبُك اللهُ على ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
َّكَ تَرْضَى﴾. قال: الثواب؛ تَرْضَى مما يُثِيبُك اللهُ على ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: بما تُعْطَى.
و كأن الذين قرَءوا ذلك بالضمِّ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: لعل الله يُرْضِيك مِن عبادتك إياه وطاعتِك له.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرَأةِ الأمصارِ، مُتَّفِقَتَا المعنى، غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إذا أرْضاه، فلا شكَّ أنه يَرْضَى، [وأنه] إذا رضِى فقد أرْضاه اللهُ، فكلُّ واحدةٍ منهما تَدلُّ على معنى الأُخرى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.
لأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال في سورة "الم السجدة": ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦].
ثم قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة؛ ولهذا قال لنبيه مسليًا له: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) أي: من تكذيبهم لك، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يعني: صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البَجَليّ ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ
شَّمْسِ) يعني: صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البَجَليّ ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ هذه الآية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رُوَيْبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لن يَلجَ النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ".
رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به.
وفي المسند والسنن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لَمَنْ ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين ".
وقوله: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) أي: من ساعاته فتهجد به.
قصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لَمَنْ ينظر إلى الله ﷿ في اليوم مرتين ".
وقوله: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) أي: من ساعاته فتهجد به. وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) في مقابلة آناء الليل، (لَعَلَّكَ تَرْضَى) كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
وفي الصحيح: " يقول الله: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا ".
وفي الحديث [الآخر] يقال: " يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن يُنْجزكُمُوه. فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة ".