Dan Kami tidak mengutus seorang rasul dan tidak (pula) seorang nabi sebelum engkau (Muhammad), melainkan apabila dia mempunyai suatu keinginan,549) setan pun memasukkan godaan-godaan ke dalam keinginannya itu. Tetapi Allah menghilangkan apa yang dimasukkan setan itu, dan Allah akan menguatkan ayat-ayat-Nya. Dan Allah Maha Mengetahui, Mahabijaksana
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
قيل: إِنَّ السببَ الذى من أجله أُنزِلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، كان أنَّ الشيطان كان ألقَى على لسانه فى بعض ما يَتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم
يُنزله اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ، واغتمَّ به، فسلّاه مما به من ذلك بهذه الآيات.
ذكرُ مَن قال ذلك
لوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم
يُنزله اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسول الله ﷺ، واغتمَّ به، فسلّاه مما به من ذلك بهذه الآيات.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن ابن جُريج، عن أبي مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلَس رسولُ الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش كثير أهله، فتمنَّى يومئذٍ ألا يأتيه من الله شيءٌ فينفروا الله عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرَأها رسول الله ﷺ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ألقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى.
ُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ألقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى. فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدِرُ على السجودِ، فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيى ويُميتُ، وهو الذي يَخلُقُ ويَرْزُقُ، ولكنَّ آلهتنا هذه تشفع لنا عندَه، إذ جعَلتَ لها نصيبًا، فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبريلُ ﵇، فعرض عليه السورةً، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين. فقال رسولُ الله ﷺ: "افتريت على اللهِ، وقلتُ على اللهِ ما لم يَقُلْ". فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥].
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: فسمِع مَن كان من المهاجرين بأرض الحبشة أنَّ أهلَ مكة قد أسلَموا كلُّهم، فرجَعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا. فوجَدوا القومَ قد ارتكَسوا حينَ نسَخ اللهُ ما ألقَى الشيطانُ.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيِّ، عن محمد بن كعب القرظيِّ، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولِّى قومه عنه، وشقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدتِهم ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، تمنَّى فى نفسه أن يأتيه مِن اللهِ ما يقارِبُ به بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه وحِرصِه عليهم أن يلينَ له بعضُ ما غلظ عليه من أمرهم حين حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّى وأحبَّه، فأنزَل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. فلما انتهى إلى قولِ اللهِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطان على لسانه لما كان يُحدِّث به نفسه ويتمنَّى أن يأتى به قومَه: تلك الغرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتهن تُرتضى.
َاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقَى الشيطان على لسانه لما كان يُحدِّث به نفسه ويتمنَّى أن يأتى به قومَه: تلك الغرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتهن تُرتضى. فلما سمعت قريشٌ ذلك فرحوا وسرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخُوا له، والمؤمنون مصدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يتَّهمونه على خطأ ولا وَهمٍ ولا زَللٍ، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجودِ نبيِّهم تصديقًا لما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجدِ من المشركين من قريشٍ وغيرهم لما سمعوا من ذكرِ آلهتهم، فلم يبق في المسجدِ مؤمنٌ
ولا كافرٌ إلا سجَد، إلا الوليدُ بنُ المغيرةِ، فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع، فأخذ بيده حَفنةٌ مِن البطحاءِ، فسجَد عليها، ثم تفرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرَجت قريشٌ وقد سرَّهم ما سمِعوا مِن ذكرِ آلهتِهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتَنا بأحسنِ الذِّكر، وزعم فيما يتلو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهنَّ تُرتَضى.
يشٌ وقد سرَّهم ما سمِعوا مِن ذكرِ آلهتِهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتَنا بأحسنِ الذِّكر، وزعم فيما يتلو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهنَّ تُرتَضى. وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريشٌ، فنَهضت منهم رجالٌ، وتخلف آخرون، وأتى جبريل النبي ﷺ، فقال: يا محمدُ، ماذا صنَعْتَ؟ لقد تَلَوْتَ على الناس ما لم آتِك به عن اللهِ، وقلت ما لم يُقَل لك. فحَزِن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفًا كثيرًا، فأنزل الله تعالى عليه -وكان به رحيمًا- يُعزِّيه ويُخفِّضُ عليه الأمر، ويُخبرُه أنه لم يكن قبله رسولٌ ولا نبىٌّ تمنَّى كما تمنَّى، ولا أحبَّ كما أحبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أُمنيَّتِه كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقَى الشيطانُ، وأحكم آياته. أى: فأنتَ كبعض الأنبياءِ والرُّسُلِ. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية.
لما جاءه من اللهِ ما نسخ ما كان الشيطانُ ألقَى على لسان نبيِّه، قالت قريشٌ: ندِم محمدٌ على ما كان من منزلة آلهتكم عندَ اللهِ، فغيَّر ذلك وجاء بغيرِه. وكان ذانِك الحَرفان اللذان ألقَى الشيطانُ على لسانِ رسولِه قد وقَعا فى فَمِ كلُّ مُشركٍ، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا
عليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعتُ داود، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ لرسول الله ﷺ: إنما جلساؤك عبد بنى فلانٍ ومَولى بنى فلانٍ، فلو ذكرت آلهتنا بشيءٍ جالَسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العربِ، فإذا رأَوْا جُلساءَك أشرافَ قومِك، كان أرغَبَ لهم فيك. قال: فألقى الشيطانُ في أُمنيته، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: فأجرى الشيطانُ على لسانِه: تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهن تُرتجي، مثلُهن لا يُنسى.
اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: فأجرى الشيطانُ على لسانِه: تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتهن تُرتجي، مثلُهن لا يُنسى. قال: فسجد النبىُّ ﷺ حين قرَأها، وسجَد معه المسلمون والمشركون، فلما عَلِم الذى أُجرِى على لسانِه، كبُرَ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت قريشٌ: يا محمدُ، إنما يجالِسُك الفقراءُ والمساكينُ وضُعفاءُ الناسِ، فلو ذكرت آلهتنا بخيرٍ لجالَسناك، فإِنَّ الناسَ يأتونك مِن الآفاقِ. فقرأ رسول الله ﷺ سورة "النَّجم"، فلما أتَى على هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فألقى الشيطانُ على لسانِه: وهى الغرانِقةُ العُلى، وشفاعتهنَّ تُرتَجى.
: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فألقى الشيطانُ على لسانِه: وهى الغرانِقةُ العُلى، وشفاعتهنَّ تُرتَجى. فلما فرَغ منها سجَد رسولُ الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحيحةً سعيدَ بنَ العاصِ، أخذ كفًّا من ترابٍ وسجَد عليه،
وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخيرٍ. حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشًا قد أسلمت، فاشتد على رسولِ الله ﷺ ما ألقى الشيطانُ على لسانِه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. إلى آخرِ الآية.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قرأها رسولُ الله ﷺ فقال: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجى". فسجَد رسولُ اللهِ ﷺ، فقال المشركون: إنه لم يَذكُرْ آلهتَكم قبل اليوم بخير.
﴾. قرأها رسولُ الله ﷺ فقال: "تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجى". فسجَد رسولُ اللهِ ﷺ، فقال المشركون: إنه لم يَذكُرْ آلهتَكم قبل اليوم بخير. فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشرٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.
ريلُ ﵇، فنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقول فى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية: إن نبىَّ الله ﷺ وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعَل يَتْلُو اللات والعزَّى، ويُكثِرُ تَرديدها، فسمع أهلُ مكة نبيَّ الله يذكُرُ آلهتهم، ففرِحُوا بذلك ودَنَوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيِّ ﷺ: تلك الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتجي. فقرأها النبىُّ ﷺ كذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ أنه سألَه عن قولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية.
ي يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ أنه سألَه عن قولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. قال ابنُ شهابٍ: ثنى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ وهو بمكة قرَأ
عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: "إن شَفاعتهن تُرتجى". وسَها رسول الله ﷺ، فلقِيه المشركون الذين في قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: "إنَّما ذلك من الشيطانِ".
قال: "إن شَفاعتهن تُرتجى". وسَها رسول الله ﷺ، فلقِيه المشركون الذين في قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: "إنَّما ذلك من الشيطانِ". فأنزَل اللهُ عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾.
فتأويلُ الكلامِ: ولم نُرْسِلْ يا محمد من قبلك من رسول إلى أمةٍ من الأممِ، ولا نبىٍّ مُحدَّثٍ ليس بمُرسلٍ، إلا إذا تمنَّى.
واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ﴿تَمَنَّى﴾ فى هذا الموضِعِ، وقد ذَكرتُ قولَ جماعةٍ ممَّن قال: ذلك التَّمَنِّى من النبىِّ ﷺ ما حَدَّثَته نفسُه من محبتِه مقاربةَ قومِه [في ذكر] آلهتهم ببعضِ ما يُحِبُّون، ومَن قال: ذلك محبةٌ منه في بعضِ الأحوال ألَّا تُذكَّرَ بسوءٍ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدَّث.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.
قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. يقولُ: إذا حدَّث أَلقَى الشيطانُ في
حديثِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي يسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾. قال: إذا قال.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: يعنى بالتمنِّى التلاوةَ والقراءةَ.
وهذا القولُ أشبه بتأويل الكلام بدَلالةِ قولِه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾.
ِّى التلاوةَ والقراءةَ.
وهذا القولُ أشبه بتأويل الكلام بدَلالةِ قولِه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. على ذلك؛ لأن الآياتِ التي أخبَر اللهُ جل ثناؤه أنه يُحكمُها، لا شكَّ أنها آيات تنزيلِه، فمعلومٌ بذلك أنَّ الذي ألقَى فيه الشيطانُ هو ما أخبر الله تعالى ذكرُه أنه نسَخ ذلك منه وأبطلَه، ثم أحكَمه بنسخِه ذلك منه.
فتأويلُ الكلامِ إذن: وما أرسَلنا من قبلك من رسول ولا نبىٍّ إلا إذا تَلا
كتاب الله وقرأ، أو حدَّث، وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتاب الله الذي تَلاه وقرأه، أو في حديثِه الذى حدَّث وتكلَّم، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾.
وقرأ، أو حدَّث، وتكلَّم، ألقى الشيطانُ في كتاب الله الذي تَلاه وقرأه، أو في حديثِه الذى حدَّث وتكلَّم، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. يقول تعالى: فيُذهبُ اللهُ ما يُلقى الشيطانُ مِن ذلك على لسان نبيِّه ويُبطله.
كما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: فيُبْطِلُ اللهُ ما أَلقَى الشيطانُ.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: نسَخ جبريلُ بأمرِ اللهِ ما ألقى الشيطانُ على لسانِ النبيِّ ﷺ، وأحكم اللهُ آياتِه.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ثم يُخلِّصُ الله آيات كتابه من الباطل الذى أَلقَى الشيطانُ على لسان نبيِّه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يحدُث في خَلقِه من حدثٍ، لا يَخفَى عليه منه شيءٌ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره إياهم، وصرفِه لهم فيما شاء وأحبَّ.
مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.
قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة "النجم" فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن ترتجى". قالوا: ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم.
َى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن ترتجى". قالوا: ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم. فسجَدَ وسجدوا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ])
رواه ابن جرير، عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، به نحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث-أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة "النجم"، حتى انتهى إلى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور.
تى انتهى إلى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي، مرسلا. وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، مرسلا أيضا.
وقال قتادة: كان النبي ﷺ [يصلي] عند المقام إذ نَعَس، فألقى الشيطان على لسانه "وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى"، فحفظها المشركون.
لا أيضا.
وقال قتادة: كان النبي ﷺ [يصلي] عند المقام إذ نَعَس، فألقى الشيطان على لسانه "وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى"، فحفظها المشركون. وأجرى الشيطان أن نبي الله قد قرأها، فزَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى]) الآية، فدَحَرَ الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر.
مشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هُداهم، فلما أنزل الله سورة
"النجم" قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: "وإنهن لهن الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى ". وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا، قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله ﷺ [آخر النجم]، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع على كفه ترابا فسجد عليه.
ن قومه. فلما بلغ رسول الله ﷺ [آخر النجم]، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع على كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين-فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم.
ن في مسامع المشركين-فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال [تعالى]: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، فلما بين الله قضاءه، وبرأه من
َانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل.
وفي تفسير ابن جرير عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، نحوه. وقد رواه الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" فلم يَجُزْ به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت: وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه؟
ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما
كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن ﷺ، والله أعلم.
وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض، ﵀، في كتاب "الشفاء" لهذا، وأجاب بما حاصله.
وقوله: (إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، هذا فيه تسلية له، صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يَهيدنّك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال البخاري: قال ابن عباس: (فِي أُمْنِيَّتِهِ) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
طان ويحكم الله آياته.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقال مجاهد: (إِذَا تَمَنَّى)] يعني: إذا قال.
ويقال: (أُمْنِيَّتِهِ): قراءته، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، يقولون ولا يكتبون.
قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: (تَمَنَّى) أي: تلا وقرأ كتاب الله، (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:
تَمَنّى كتَابَ الله أوّل لَيْلة … وآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ
وقال الضحاك: (إِذَا تَمَنَّى): إذا تلا.
قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام.
وقوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)، حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فيبطل الله ﷾-ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
الإزالة والرفع.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فيبطل الله ﷾-ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ)، [أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية]، (حَكِيمٌ) أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك وشرك وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.
قال ابن جريج: (لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هم: المنافقون (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ): المشركون.
وقال مقاتل بن حيان: هم [الكافرون] اليهود.
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.
المشركون.
وقال مقاتل بن حيان: هم [الكافرون] اليهود.
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، المؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وقوله: (فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي: يصدقوه وينقادوا له، (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي: تخضع وتذل، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم [إلى] الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾.
معنى قوله: (تمنى) في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان:
الأول: أن (تمنى) بمعنى: قرأ وتلا. ومنه قول حسان في عثمان بن عفان ﵁:
تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخرها لاقى حمام المقادر
وقول الآخر:
تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل
فمعنى (تمنى) في البيتين قرأ وتلا.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
لزبور على رسل
فمعنى (تمنى) في البيتين قرأ وتلا.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا هو قول أكثر المفسرين.
القول الثاني: أن تمني في الآية من التمني المعروف، وهو تمنيه إسلام أمته، وطاعتهم للَّه ولرسله، ومفعول ألقى محذوف، فعلى أن (تمنى) بمعنى: أحب إيمان أمته، وعلق أمله بذلك، فمفعول ألقى يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد من دين الله حتى لا يتم للنبي أو الرسول ما تمنى.
ومعنى كون الإِلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن الشيطان يلقي وساوسه وشبهه ليصدّ بها عما تمناه الرسول أو النبي،
فصار الإِلقاء كأنه واقع فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك.
وعلى أن تمنى بمعنى: قرأ ففي مفعول ألقى تقديران:
أحدهما: من جنس الأول، أي: ألقى الشيطان في قراءة رسول الله ﷺ أو النبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النبي، وعلى هذا التقدير فلا إشكال.
الأول، أي: ألقى الشيطان في قراءة رسول الله ﷺ أو النبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النبي، وعلى هذا التقدير فلا إشكال.
وأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته، أي: قراءته ما ليس منها ليظن الكفار أنه منها.
وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يستأنس به لهذا التقدير.
وقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق قالوا: سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون.
ةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون. وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي ﷺ ، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنًا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم.
وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثلنا لذلك بأمثلة متعددة.
وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ هذا الشرك الأكبر، والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.
ذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ هذا الشرك الأكبر، والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. يعنون: اللات
والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي ﷺ قرأ بعد موضع الإِلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ وليس من المعقول أن النبي ﷺ يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخير المزعوم إلا وغضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على النبي ﷺ ، وإخوانه من الرسل، وأتباعهم المخلصين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى
تِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم.
مسألة
اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار ﵀: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها.
فقد أخرج البزار، وابن مردويه من طريق أمية بن خالد، عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب. ثم ساق حديث القصة المذكورة.
في وصلها.
فقد أخرج البزار، وابن مردويه من طريق أمية بن خالد، عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب. ثم ساق حديث القصة المذكورة. وقال البزار: لا يرى متصلًا إلا بهذا الإِسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وقال البزار: وإنما يروى عن طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك.
فتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه؛ ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح.
وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآية.
دفعه المحققون بكتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ فنفى المقاربة للركون فضلًا عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة.
وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي، وجماعات كثيرة.
وقراءته ﷺ سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال.
وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا.
الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا. فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النبي ﷺ كان يرتل السورة ترتيلًا تتخلله سكتات، فلما قرأ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ قال الشيطان لعنه الله محاكيًا لصوته: تلك الغرانيق العلى. . إلخ. فظن المشركون أن الصوت صوته ﷺ ، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس.
وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحًا وافيًا، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإِلقاء على لسانه ﷺ لما ذكر شرعًا. ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان، فتبين أن نطق النبي ﷺ بذلك الكفر ولو سهوًا مستحيل شرعًا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعًا على كل حال.
والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك.
وًا مستحيل شرعًا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعًا على كل حال.
والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك. يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها، قبحهم الله ما أكفرهم، ونحن وإن ذكرنا أن قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإِلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها؛ لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الإِبطال والإِزالة، من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي.
الإِبطال والإِزالة، من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي. فالذي يظهر لنا أنه الصواب، وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده.
والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإِلقاء المذكور امتحان الخلق؛ لأنه قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً
لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ثم قال الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية.
َنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية. يدل على أن الشيطان يلقي عليهم أن الذي يقرأه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق، لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إِلقائه. فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة. والعلم عند الله تعالى.
وعلى هذا القول فمعنى نسخ ما يلقي الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم.
ومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإِحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإِلقائه المذكور.
نين الذين أوتوا العلم.
ومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإِحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإِلقائه المذكور.
وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم بذلك الامتحان جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ الآية،
نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ الآية. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد ﷺ ؛ لأن الشجر
لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ الآية الأظهر أنها متعلقة بألقى، أي: ألقى الشيطان في أمنية؛ لرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الإِلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافًا للحوفي القائل: إنها متعلقة بيحكم، وابن عطية القائل: إنها متعلقة بينسخ.
ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر.
وقد أوضحنا معانى الفتنة في القرآن سابقًا، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة:
انى الفتنة في القرآن سابقًا، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة:
منها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي: يحرقون بها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ الآية، أي: أحرقوهم بنار الأخذوذ على أظهر التفسيرين.
ومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
مْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
ومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال، كقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك بدليل قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقوله في الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ومما يوضح هذا المعنى
قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" الحديث. فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية؛ لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: حجتهم كما هو الظاهر.
واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:
فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: حجتهم كما هو الظاهر.
واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:
أحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: كفر وشك.
والثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمى انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضًا، وذلك معروف في لغتهم. ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى ...
مَرَضٌ﴾ أي: ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمى انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضًا، وذلك معروف في لغتهم. ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض
وقوله هنا: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
وآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه، وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، يدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير.
غير صحيح؛ لأن
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، يدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون، ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخشع وتخضع وتطمئن.
•