Dan berjihadlah kamu di jalan Allah dengan jihad yang sebenar-benarnya. Dia telah memilih kamu, dan Dia tidak menjadikan kesukaran untukmu dalam agama. (Ikutilah) agama nenek moyangmu Ibrahim. Dia (Allah) telah menamakan kamu orang-orang muslim sejak dahulu, dan (begitu pula) dalam (Alquran) ini, agar Rasul (Muhammad) itu menjadi saksi atas dirimu dan agar kamu semua menjadi saksi atas segenap manusia. Maka laksanakanlah salat dan tunaikanlah zakat, dan berpegang teguhlah kepada Allah. Dialah Pelindungmu; Dia sebaik-baik pelindung dan sebaik-baik penolong
قال عمرُ: مَن أُمِر بالجهادِ؟ قال: قبيلتانِ من قُريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدَقتَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في اللهِ لومةَ لائمٍ. قالوا: وذلك هو حقُّ الجهادِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:
قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: لا تخافوا في الله لومةَ لائمٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: اعمَلوا بالحقِّ حقَّ عملِه. وهذا قولٌ ذكَره عن الضحاكِ بعضُ مَن في روايتِه نظرٌ.
والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى به الجهادُ في سبيلِ الله. لأنَّ المعروفَ من الجهادِ ذلك، وهو الأغلبُ على قولِ القائلِ: جاهدتُ في اللهِ. وحقُّ الجهادِ هو استفراغُ الطاقةِ فيه.
وقولُه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. يقولُ: هو اختارَكم لدينِه، واصطَفاكم لحربِ أعدائِه، والجهادِ في سبيلِه
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾.
حربِ أعدائِه، والجهادِ في سبيلِه
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال: هو هداكم.
وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَل عليكم ربُّكم في الدينِ الذى تعبَّدَكم به من ضيقٍ لا مخرجَ لكم ممَّا ابتُليتُم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعَل التوبةَ مِن بعضٍ مخرجًا، والكفارةَ من بعضٍ، والقِصاصَ من بعضٍ، فلا ذنبَ يُذنِبُ المؤمنُ إلَّا وله منه فى دينِ الإِسلامِ مَخرجٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى
[يونسُ بنُ يزيدَ]، عن ابن شهابٍ، قال: سأل عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ علىَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
َ]، عن ابن شهابٍ، قال: سأل عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ علىَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فقال علىُّ بنُ عبدِ اللهِ: الحرجُ الضيقُ، فجعَل اللهُ الكفاراتِ مخرَجًا من ذلك، سمِعتُ ابنُ عباسٍ يقولُ ذلك.
قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسأل عن: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: ما هاهنا من هُذيلٍ أحدٌ؟ فقال رجلٌ: نعم. قال: ما تعدُّون الحرَجةَ فيكم؟ قال: الشيءُ الضيِّقُ. قال ابنُ عباسٍ: فهو كذلك.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبيدِ الله ابنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، وذكَر نحوَه، إِلَّا أَنَّه قال: فقال ابنُ عباسٍ: أهاهُنا أحدٌ من هُذيلٍ؟ فقال رجلٌ: أنا. فقال أيضًا: ما تعُدُّون الحرَجَ؟
دَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، وذكَر نحوَه، إِلَّا أَنَّه قال: فقال ابنُ عباسٍ: أهاهُنا أحدٌ من هُذيلٍ؟ فقال رجلٌ: أنا. فقال أيضًا: ما تعُدُّون الحرَجَ؟ وسائرُ الحديثِ مثلُه.
حدَّثني عمرانُ بنُ بكارٍ الكَلاعِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن الحكمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يحدِّثُ عن عائشةَ، قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾. قال: "هو الضيقُ".
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا أبو خَلْدَةَ، قال: قال لى أبو العالية: أتدرِى ما الحرجُ؟ قلتُ: لا أدرى. قال: الضيقُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مسعدةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
مِنْ حَرَجٍ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مسعدةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.
حدَّثنا عمرُو بنُ بَيْذَقَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلدَةَ، قال: قال لي أبو العالية: هل تدرِى ما الحريجُ؟ قلتُ: لا. قال: الضيقُ، إنَّ اللهَ لم يُضيِّقْ عليكم، لم يجعَلْ عليكم في الدينِ من حرجٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عونٍ، عن القاسمِ أنَّه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: تدرُونَ ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا [تعانيتم في] شيءٍ مِن القرآنِ فانظروا في الشعرِ، فإنَّ الشعرَ عربيٌّ. ثم دعا ابنُ عباسٍ أعرابيًّا، فقال: ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ.
ابنِ عباسٍ، قال: إذا [تعانيتم في] شيءٍ مِن القرآنِ فانظروا في الشعرِ، فإنَّ الشعرَ عربيٌّ. ثم دعا ابنُ عباسٍ أعرابيًّا، فقال: ما الحرجُ؟ قال: الضيقُ. قال: صدقتَ
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: من ضيقٍ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: مَا جَعَلَ عليكم في الدِّينِ من ضيقٍ في أوقاتِ فروضِكم إذا التَبَستْ عليكم، ولكنَّه وسَّع ذلك عليكم حتى تتيقَّنوا مَحِلَّها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
لك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: هذا في هلالِ شهرِ رمضانَ إذا شكَّ فيه الناسُ، وفى الحجِّ إذا شكُّوا في الهلالِ، وفي الفطرِ و الأضحَى؛ إذا التبَس عليهم، وأشباهِه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعَل في الإسلامِ من ضيقٍ، بل وسَّعه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. يقولُ: ما جعَل عليكم في الإسلامِ من ضيقٍ، هو واسعٌ، وهو مثلُ قوله فى "الأنعامِ": ﴿فَمَنْ يُرِدِ
اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الكلامَ قبلَه أمرٌ، فكأنَّه قِيل: اركَعوا، واسجُدوا، والزَموا ملةَ أبيكم إبراهيمَ.
وقولُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ سمَّاكم يا معشرَ من آمَن بمحمدٍ ﷺ، المسلمين مِن قبلُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عطاءُ بنُ أبي رباحٍ أنه سمع ابنُ عباسٍ يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، جميعًا عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.
معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمين مِن قبلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ فى قولِه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: اللهُ سمَّاكم المسلمين.
وقال آخرون: بل معناه: إبراهيمُ سمَّاكم المسلمين. وقالوا: هو كنايةٌ من ذكرِ إبراهيمَ ﷺ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: ألَا ترى قولَ إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال: هذا قولُ إبراهيمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
ْمُسْلِمِينَ﴾. قال: ألَا ترى قولَ إبراهيمَ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال: هذا قولُ إبراهيمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ولم يذكُرِ اللهُ بالإسلامِ والإيمانِ غيرَ هذه الأمةِ، ذُكِرَتْ بالإيمانِ والإسلامِ جميعًا، ولم نسمَعْ بأمةٍ ذُكرت إلَّا بالإيمانِ.
ولا وجهَ لمَا قال ابنُ زيدٍ من ذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ إبراهيمَ لم يُسَمِّ أمةَ محمدٍ مسلمينَ فى القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ أُنزِل مِن بعده بدهرٍ طويلٍ. وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. ولكنَّ الذى سمَّانا مسلمينَ من قبلِ نزولِ القرآنِ وفى القرآنِ، اللهُ الذي لم يزَلْ ولا يزالُ.
وأمَّا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. فإن معناهُ: من قبلِ هذا القرآنِ، في الكتبِ التي نزلت قبلَه، ﴿وَفِي هَذَا﴾.
نِ وفى القرآنِ، اللهُ الذي لم يزَلْ ولا يزالُ.
وأمَّا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. فإن معناهُ: من قبلِ هذا القرآنِ، في الكتبِ التي نزلت قبلَه، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يقولُ: وفى هذا الكتابِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾: القرآنِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. قال: فى الكتبِ كلِّها والذِّكرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يعني: القرآن.
وقولُه: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
ال: فى الكتبِ كلِّها والذِّكرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾. يعني: القرآن.
وقولُه: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اجتباكم اللهُ وسمَّاكم أيُّها المؤمنون باللهِ وآياتهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ مسلمينَ؛ ليكونَ محمدٌ رسولُ اللهِ شهيدًا عليكم يومَ القيامةِ بأنَّه قد بلَّغكم ما أُرسِل بِه إليكم، وتكونوا أنتم شهداءَ حينئذٍ على الرسلِ أجمعين أنَّهم قد بلَّغوا أُمَمهم ما أُرسِلُوا به إليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: اللهُ سمَّاكم المسلمينَ من قبلُ. ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أَنَّه بلَّغكم. ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنَّ رُسلَهم قد بلَّغتهم.
وبه عن قتادةَ، قال: أُعطيت هذه الأمةُ ما لم يُعطَه إلَّا نبيٌّ، كان يقالُ للنبيِّ:
اذهبْ فليس عليك حرجٌ.
ءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنَّ رُسلَهم قد بلَّغتهم.
وبه عن قتادةَ، قال: أُعطيت هذه الأمةُ ما لم يُعطَه إلَّا نبيٌّ، كان يقالُ للنبيِّ:
اذهبْ فليس عليك حرجٌ. وقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال اللهُ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبيِّ: سلْ تُعطَه، وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أُعطِيتْ هذه الأمةُ ثلاثًا لم يعطَها إلَّا نبىٌّ؛ كان يقالُ للنبيِّ: اذهبْ فليس عليك حرجٌ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال: وكان يقالُ للنبىِّ: أنت شهيدٌ على قومِك. وقال الله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وكان يقالُ للنبىِّ: سلْ تُعْطَه. وقال اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
لاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.
اختلف الأئمة، ﵏، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجودُ فيها أم لا؟ على قولين. وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ: "فُضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما".
وقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فَشَقَ عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين-تجب في الحَضَر أربعًا وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتُصَلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
ضَر أربعًا وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتُصَلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، ﵇: "بُعِثْتُ بالحنِيفيَّة السَّمحة" وقال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما أميرَين إلى اليمن: "بَشِّرا ولا
تنفرا، ويَسِّرا ولا تُعسِّرَا". والأحاديث في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يعني: من ضيق.
وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ): قال ابن جرير: نصب على تقدير: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: من ضيق، بل وَسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم.
يكُمْ إِبْرَاهِيمَ): قال ابن جرير: نصب على تقدير: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: من ضيق، بل وَسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم].
قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية [الأنعام: ١٦١].
وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا) قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) قال: الله ﷿.
ْلُ وَفِي هَذَا) قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) قال: الله ﷿. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسمّ هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا) قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، (وَفِي هَذَا) يعني: القرآن.
ُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا) قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، (وَفِي هَذَا) يعني: القرآن. وكذا قال غيره.
قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نَوّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا القرآن (وَفِي هَذَا)، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية:
أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شُعَيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جِثيّ جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟
ن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جِثيّ جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله".
وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من سورة البقرة [الآية: ٢١]؛ ولهذا قال: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عُدولا خيارا، مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها؛ فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك.
ومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها؛ فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك. وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.
وقوله: (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم.
قِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ومن أهم ذلك إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله، بما أوجب، للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السَّنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة "التوبة".
وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) أي: اعتضدوا بالله، واستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتَأيَّدوا به، (هُوَ مَوْلاكُمْ) أي: حافظكم وناصركم ومُظفركُم على أعدائكم، (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) يعني: [نعم] الولي ونعم الناصر من الأعداء.
قال وُهَيْب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
رد: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم.
والله تعالى أعلم وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال.
هذا آخر تفسير سورة "الحج"، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
تفسير سورة المؤمنون
مكية.
﷽
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
الحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا.
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ
ضَعِيفًا (٢٨)﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عباس أن النبي ﷺ لما قرأ خواتم سورة البقرة "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله: قد فعلت" في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم.
ابن عباس أن النبي ﷺ لما قرأ خواتم سورة البقرة "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله: قد فعلت" في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحرج في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر، والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام قاعدًا، وإباحة المحظور للضرورة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير. وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا ﷺ هو إحدى القواعد الخمس، والتي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي هذه الخمس:
الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: "لا ضرر ولا ضرار".
الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكرنا في معناها من الآيات.
ولا ضرار".
الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكرنا في معناها من الآيات.
الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا؛ لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها.
الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية.
الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث "إنما
الأعمال بالنيات" الحديث. وقد أشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر ... وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن ... يحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد ... مع التكلف ببعض وارد
•
قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾.
قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير، أي: ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم. وأعربه بعضهم منصوبًا بمحذوف، أي: الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ شاملًا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله.
•
قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾.
اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ فقال بعضهم: الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا. وهذا القول مروي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو، أي: إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنه ابن كثير.
وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول.
كثير.
وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.
إحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أي: القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.
القرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم، فقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: الله (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: الله، (هو سماكم المسلمين) أي: الله.
فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
ه (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: الله، (هو سماكم المسلمين) أي: الله.
فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
فالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف؛ لأن قوله: (وفي هذا) يعني القرآن دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله، لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله، نحو: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يناسبه أن يكون (هو سماكم) أي: الله المسلمين.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:
اسبه أن يكون (هو سماكم) أي: الله المسلمين.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:
قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول ﷺ بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، وفي هذا.
روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟
ن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وأن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾. اهـ من تفسير ابن كثير.
وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين.
•
قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
يعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها
المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدًا أنه بلغكم، وقيل: شهيدًا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ.
وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وقال فيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.
* * *
﷽
سورة المؤمنون
﷽
•