القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
فأمَر جلَّ ثناؤُه الفريقين اللذين أَخْبر عن أحدِهما أنه سواءٌ عليهم أُنْذِروا أَمْ لم يُنذَروا أنهم لا يؤمنون؛ لطبعِه على قلوبهم وسمعِهم، وعن الآخَرِ أنه يُخادِعُ اللهَ والذين آمنوا بما يُبْدي بلسانِه من قيلِه: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع استبطانِه خلافَ ذلك ومرضِ قلبِه وشكِّه في حقيقةِ ما يُبْدي مِن ذلك، وغيرَهم مِن سائرِ خلقِه المُكلَّفين - بالاستكانةِ والخضوعِ له بالطاعةِ، وإفرادِ الرُّبوبيَّةِ له والعبادةِ دود الأوثانِ والأصنامِ والآلهةِ؛ لأَنَّه جلَّ ذِكرُه هو خالقُهم وخالقُ مَن قبلَهم مِن
آبائِهم وأجدادِهم، وخالقُ أوثانِهم وأصنامِهم وآلهتِهم.
فقال لهم جلَّ ذِكرُه: فالذي خلَقكم وخلَق آباءَكم وأجدادَكم وسائرَ الخلقِ غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفعِكم، أَوْلى بالطاعةِ ممَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضَرٍّ.
فالذي خلَقكم وخلَق آباءَكم وأجدادَكم وسائرَ الخلقِ غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفعِكم، أَوْلى بالطاعةِ ممَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضَرٍّ.
وكان ابنُ عباسٍ فيما رُوِي لنا عنه يقولُ في ذلك نظيرَ ما قُلنا فيه، غيرَ أنه ذُكِر عنه أنه كان يقولُ في معنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحِّدوا رَبَّكم.
وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى العبادةِ؛ الخضوعُ للهِ بالطاعةِ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ.
والذي أراد ابنُ عباسٍ - إن شاء اللهُ - بقولِه في تأويلِ قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: [وحِّدوه.
ةِ؛ الخضوعُ للهِ بالطاعةِ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ.
والذي أراد ابنُ عباسٍ - إن شاء اللهُ - بقولِه في تأويلِ قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: [وحِّدوه. أي]: أَفْرِدوا الطاعةَ والعبادةَ لرَبِّكم دونَ سائرِ خلقِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾: للفريقين جميعًا من الكفارِ والمنافقين، أي: وحِّدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم.
وحدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. [يقولُ: خلَقكم وخلَق الذين مِن قبلِكم.
قال أبو جعفرٍ]: وهذه الآيةُ مِن أدلِّ الدليلِ على فسادِ قولِ مَن زعَم أن تكليفَ ما لا يُطاقُ إلَّا بمعونةِ اللهِ غيرُ جائزٍ، إلَّا بعدَ إعطاءِ الله المكلَّفَ المعونةَ على ما كلَّفه، وذلك أن اللهَ جلَّ وعزَّ أمَر مَن وصَفْنا بعبادتِه والتوبةِ مِن كفرِه، بعدَ إخبارِه عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضلالتهم لا يَرْجِعون.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾.
وتأويلُ ذلك: لعلَّكم تَتَّقون بعبادتِكم ربكم الذي خلَقكم، وطاعتِكم إيَّاه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، وإفرادِكم له بالعبادةِ - سخطَه وغضبَه أن يَحُلَّ عليكم، وتكونوا مِن المتقين الذين رَضِي عنهم ربُّهم.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَتَّقُونَ﴾: تُطيعون.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثني أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال: لعلكم تُطيعون.
والذي أظنٌّ أن مجاهدًا أراد بقولِه هذا: لعلكم أن تتَّقوا رَبَّكم بطاعتِكم إيَّاه،
وإقلاعِكم عن ضلالتِكم.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أوَ لم يكُن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عَبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعَلتم ذلك أن تَتَّقوا.
جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أوَ لم يكُن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عَبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعَلتم ذلك أن تَتَّقوا. فأخْرَج الخبرَ عن عاقبةِ عبادتِهم إيَّاه مُخْرَجَ الشكِّ؟
قيل: ذلك على غيرِ المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبُدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم لتَتَّقوه بطاعتِه وتوحيدِه وإفرادِه بالرُّبوبيةِ والعبادةِ، كما قال الشاعرُ:
وقُلْتُمْ لنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا … نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ
فلَمَّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكُمْ … كَلَمْحِ سَرَابٍ في المَلَا مُتَألِّقِ
يريدُ بذلك: قلتم لنا كفُّوا لنكفَّ. وذلك أن "لعل" في هذا الموضعِ لو كان شكًّا لم يكونوا وثَّقوا لهم كلَّ مَوْثِقٍ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾
شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي: مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.
به السحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" الحديث. وكذا حديث معاذ:
"أتدري ما حق الله على عباده؟
ي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" الحديث. وكذا حديث معاذ:
"أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا" الحديث وفي الحديث الآخر: "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله، ثم شاء فلان".
وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن الطفيل بن سَخْبَرَة، أخي عائشة أم المؤمنين لأمها، قال: رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟
الوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " فقلت: نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده".
، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده". رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به.
وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه عن ابن عباس: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله، ﷿ (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]) قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا كله به شرك.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا".
تَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا كله به شرك.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا". وفي الحديث الآخر: "نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون، تقولون: ما شاء الله، وشاء فلان".
قال أبو العالية: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسُّدي، وأبو مالك: وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:
ل مجاهد: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعَد من البُدَلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله ﷿، أمر يحيى بن زكريا، ﵇، بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي".
قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي". قال: "فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن: أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي
نفسي؟
ند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي
نفسي؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله".
قال: وقال رسول الله ﷺ: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟
خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ فقال: "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله ﷿: المسلمين المؤمنين عباد الله".
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال: وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟
لى وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!!
قها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي: أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب
ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:
تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد
لك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ أشار في هذه الآية إلى ثلاثة
براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر.
البرهان الأول: خلق الناس أولا المشار إليه بقوله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني.
ُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧)﴾ ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.
البرهان الثاني: خلق السموات والأرض المشار إليه بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ َبِنَاءً﴾ لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى.
وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ