القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مُؤَدُّون. وفِعْلُهم الذي وُصِفوا به هو أداؤُهموها.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾. يقولُ: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بالفروج في هذا الموضع فروج الرجال، وذلك أَقْبالُهم، ﴿حَافِظُونَ﴾ يَحْفَظُونها من إعمالها في شيءٍ من الفروج، ﴿إِلَّا عَلَى
أَزْوَجِهِمْ﴾. يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحَلَّهن الله للرجال بالنكاح، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْهُمْ﴾. يَعْنى بذلك إماءَهم.
و ﴿مَا﴾ التى في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على "الأزواج".
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
. يَعْنى بذلك إماءَهم.
و ﴿مَا﴾ التى في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على "الأزواج".
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. يقولُ: فإن من لم يَحْفَظْ فرجَه عن زوجه ومِلْكِ يمينه، وحفظه عن غيره من الخلقِ، فإنه غيرُ مُوبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكبٌ ذنبًا يُلامُ عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾. يقولُ: رَضِى الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
كت أيمانهم.
وقولُه: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. يقولُ: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرَّم عليهم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. فَسَمَّى الزانيَ من العادِين.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: الذين يَتَعَدَّون الحلال إلى الحرام.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال: من زنَى فهو عادٍ.
َالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سُلَيْم قال: أملى عليَّ يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحيُ، يسمع عند وجهه كدَوِيّ النحل فَمَكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال: "اللهم، زدنا ولا تَنْقُصْنا، وأكرمنا ولا تُهِنَّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثِرْنا ولا تؤثر [علينا، وارض عنا] وأرضِنا"، ثم قال: "لقد أنزلت علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة"، ثم قرأ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى ختم العَشْر.
وكذا روى الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق، به.
وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه.
عَشْر.
وكذا روى الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق، به.
وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه.
وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قُتَيْبَةَ بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران عن يزيد بن بابَنُوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى انتهت إلى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)، قالت: هكذا كان خُلُق رسول الله ﷺ.
وقد رُوي عن كعب الأحبار، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم: لَمَّا خلق الله جنة عدن،
وغرسها بيده، نظر إليها وقال لها. تكلمي. فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، قال كعب الأحبار: لِمَا أعدَّ لهم فيها من الكرامة.
َا خلق الله جنة عدن،
وغرسها بيده، نظر إليها وقال لها. تكلمي. فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، قال كعب الأحبار: لِمَا أعدَّ لهم فيها من الكرامة. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه.
وقد رُوي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المُثَنَّى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وُهَيْب، عن الجُرَيْري، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة، لَبِنَةً من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها: تكلمي. فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزلَ الملوك!.
ثم قال: وحدثنا بِشْر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العُمَري، حدثنا عَدِي بن الفضل، حدثنا الجُرَيْرِي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "خلق الله الجنة، لَبِنَةً من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك". قال أبو بكر: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: "حائط الجنة، لبنة ذهب ولبنة فضة، ومِلاطُها المسك. فقال لها: تكلمي.
من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك". قال أبو بكر: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: "حائط الجنة، لبنة ذهب ولبنة فضة، ومِلاطُها المسك. فقال لها: تكلمي. فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك! ".
ثم قال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا عَدِيّ بن الفضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بَقِيَّة، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: "لمّا خلق الله جنة عَدْن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت]، ولا خطر على قلب بشر. ثم قال لها: تكلمي.
يْج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: "لمّا خلق الله جنة عَدْن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت]، ولا خطر على قلب بشر. ثم قال لها: تكلمي. فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
بَقِيًّة: عن الحجازيين ضعيف.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا مِنْجَابُ بن الحارث، حدثنا حماد ابن عيسى العبسي، عن إسماعيل السُّدِّيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس -يرفعه-: "لما خلق الله جنة عَدْن بيده، ودَلَّى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). قال: وعزتي لا يجاورني فيك بخيل".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البَزَّار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قَتادة، عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من دُرَّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زَبَرْجَدَةَ خضراء، ملاطُها المسك، وحَصْباؤها اللؤلؤ، وحَشِيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي.
ه، لبنة من دُرَّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زَبَرْجَدَةَ خضراء، ملاطُها المسك، وحَصْباؤها اللؤلؤ، وحَشِيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي. قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فقال الله: وعزتي، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] فقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) أي: قد فازوا وسُعِدُوا وحَصَلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف.
(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) " قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (خَاشِعُونَ): خائفون ساكنون. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهري.
وعن علي بن أبي طالب، ﵁: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ.
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (خَاشِعُونَ): خائفون ساكنون. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهري.
وعن علي بن أبي طالب، ﵁: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ. وكذا قال إبراهيم النخعي.
وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح.
وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.
[و] قال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغْمِضْ.
ي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.
[و] قال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغْمِضْ. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ثم رَوَى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رَبَاح أيضًا مرسلا أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية.
والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقُرَّة عين، كما قال النبي ﷺ، في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حُبِّبَ إليَّ الطِّيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة".
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا مِسْعَر، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجَعْد،
عن رجل من أسلَم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة".
ال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا مِسْعَر، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجَعْد،
عن رجل من أسلَم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة".
وقال الإمام أحمد أيضًا؛ حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أبي الجعد، أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحَضَرت الصلاة، فقال: يا جارية، ائتني بوَضُوء لعلي أصلي فأستريح. فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة".
وقال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) أي: عن الباطل، وهو يشمل: الشرك -كما قاله بعضهم-والمعاصي -كما قاله آخرون -وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقَذَهم عن ذلك.
ن الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقَذَهم عن ذلك.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ): الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه [الآية] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النَّصَب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]، وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]، على أحد القولين في تفسيرها.
خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]، وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]، على أحد القولين في تفسيرها.
وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج؛ ولهذا قال: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) أي: غير الأزواج والإماء، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) أي: المعتدون.
حرج؛ ولهذا قال: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) أي: غير الأزواج والإماء، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) أي: المعتدون.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن امرأة
اتخذت مملوكها، وقالت: تأَوّلْت آية من كتاب الله: (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [قال]: فأُتي بها عمر ابن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال: فَغرب العبد وجزّ رأسه: وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم.
بها عمر ابن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال: فَغرب العبد وجزّ رأسه: وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في أول تفسير سورة المائدة، وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀، ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عَرَفَةَ في جزئه المشهور حيث قال:
سمين، وقد قال: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عَرَفَةَ في جزئه المشهور حيث قال:
حدثني علي بن ثابت الجَزَريّ، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه: ناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره".
هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف؛ لجهالته، والله أعلم.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
ا، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أيّ؟ قال: "بِرُّ الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
أخرجاه في الصحيحين. وفي مستدرك الحاكم قال: "الصلاة في أول وقتها".
وقال ابن مسعود، ومسروق في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يعني: مواقيت الصلاة.
في مستدرك الحاكم قال: "الصلاة في أول وقتها".
وقال ابن مسعود، ومسروق في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يعني: مواقيت الصلاة. وكذا قال أبو الضُّحَى، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير، وعكرمة.
وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها.
وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
ولَما وَصَفَهم [الله] تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".
نَ)
وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار وَرثَ أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ).
وقال ابن جُرَيْج، عن لَيْث، عن مجاهد: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيُبنَى بيته الذي في الجنة، ويُهدّم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيُهْدَم بيته الذي في الجنة، ويُبنى بيته الذي في النار.
نزل في النار، فأما المؤمن فيُبنَى بيته الذي في الجنة، ويُهدّم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيُهْدَم بيته الذي في الجنة، ويُبنى بيته الذي في النار. وروي عن سعيد بن جُبَيْر نحو ذلك.
فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم [كلهم] خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترَكَ أولئك ما أمرُوا به مما خُلقوا له -أحرزَ هؤلاء نصيب
أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بُردَةَ، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضَعُها على اليهود والنصارى".
وفي لفظ له: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم القيامة دَفَعَ الله لكل مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقال: هذا فَكَاكُكَ من النار". فاستحلف عُمر بن عبد العزيز أبا بُردَةَ بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أن أباه حَدَّثه عن رسول الله ﷺ، قال: فحلف له.
ل: هذا فَكَاكُكَ من النار". فاستحلف عُمر بن عبد العزيز أبا بُردَةَ بالله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، أن أباه حَدَّثه عن رسول الله ﷺ، قال: فحلف له. قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. وقد قال مجاهد، وسعيد بن جُبَيْر: الجنة بالرومية هي الفردوس.
وقال بعض السلف: لا يسمى البستان فردوسًا إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس ويخلدون فيها حفظهم لفروجهم، أي: من اللواط والزنى، ونحو ذلك، وبين أن حفظهم فروجهم لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بعقد الزواج أو بملك اليمين. والمراد به التمتع بالسراري.
ن اللواط والزنى، ونحو ذلك، وبين أن حفظهم فروجهم لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بعقد الزواج أو بملك اليمين. والمراد به التمتع بالسراري. وبين أن من لم يحفظ فرجه عن زوجه أو سريته لا لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعا بفرجه وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات فهو من العادين، أي: المعتدين المتعدين حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه.
وبين معنى العادين في هذه الآية قوله تعالى في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وهذا الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة (سأل سائل) لأنه قال فيها في الثناء على المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
َكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن "ما" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من صيغ العموم، والمراد بها "من" وهي من صيغ العموم. فآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وآية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة "ما" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين في التسري بهما معًا؛ لدخولهما في عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبهذا قال داود الظاهري، ومن تبعه. ولكن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يدل بعمومه على منع جمع الأختين بملك اليمين؛ لأن الألف واللام في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين، سواء كانتا بعقد، أو ملك يمين. ولذا قال عثمان ﵁ لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى.
م في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين، سواء كانتا بعقد، أو ملك يمين. ولذا قال عثمان ﵁ لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. يعني بالآية المحللة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبالمحرمة ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وسنذكر هنا إن شاء الله المهم مما ذكرنا فيه، ونزيد ما تدعو الحاجة إلى زيادته.
وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم وخصوص من وجه، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان ﵁ عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى.
: أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم وخصوص من وجه، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان ﵁ عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. وإيضاحه أن آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ تنفرد عن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأختين المجموع بينهما، بعقد نكاح، وتنفرد آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأمة الواحدة، أو الأمتين اللتين ليستا بأختين، ويحتمعان في الجمع بين الأختين، فعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريمه، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقتضي إباحته. وإذا تعارض الأعمان من وجه في الصورة التي يجتمعان فيها وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدم ويخصص به عموم الآخر، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر ...
الصورة التي يجتمعان فيها وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدم ويخصص به عموم الآخر، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
وإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مرجح من خمسة أوجه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.
الأول: منها: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك المقصود بالذات، لأن السورة سورة النساء: وهي التي بين الله فيها من تحل منهن، ومن لا تحل، وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم النساء، ولا تحليلهن، بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة، فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية.
أجل تحريم النساء، ولا تحليلهن، بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة، فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية. وقد تقرر في الأصول: أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها، لا من مظانها.
الوجه الثاني: أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليس باقية على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا: للإِجماع على أن عموم (أو ما ملكت أيمانهم) يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعًا، للإِجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص، مع العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص. وهذا هو قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفي الدين الهندي، والسبكي.
وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص.
و قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفي الدين الهندي، والسبكي.
وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص. والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم: هو مجاز في الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز؟ وإن كان الصحيح: أنه حجة في الباقي، وحقيقة فيه؛ لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه. وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه.
الوجه الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف
لْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف
العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم قال في مراقي السعود:
وما أتى للمدح أو للذم ... يعم عند جل أهل العلم
وخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإِمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم.
ف في ذلك بعض العلماء منهم: الإِمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم. ولذا لم يأخذ الإِمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الحلي المباح؛ لأن الآية سيقت للذم، فلا تعم عنده الحلي المباح.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء.
الوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم حتى يدل دليل لا معارض له على الإِباحة.
الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإِباحة، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.
روج التحريم حتى يدل دليل لا معارض له على الإِباحة.
الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإِباحة، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.
فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين محتجًا بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي، والشافعي، والحنبلي. وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء بعد جمل متعاطفة، أو مفردات متعاطفة أن الاستثناء
المذكور يرجع لجميعها خلافًا لأبي حنيفة القائل: يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. قال في مراقي السعود:
وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . .
ائل: يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. قال في مراقي السعود:
وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . . إلخ
وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم، وبني زهرة، والفقراء إلَّا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط.
ة، والفقراء إلَّا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط. ولذلك لم يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يرجِع عنده الاستثناء فيه للأخيرة فقط، وهي ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: فقد زال عنهم اسم الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا مطلقًا بلا استثناء؛ لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة.
سِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا مطلقًا بلا استثناء؛ لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة. ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة، وغيره.
ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله؛ لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في الجملة الأخيرة التي هي ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ لأن الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى الشرك، والقتل،
والزنى في الجمل المتعاطفة قبله، فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها عند أبي حنيفة، على أصله المقرر مستلزمًا لرجوعه للجميع.
في الجمل المتعاطفة قبله، فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها عند أبي حنيفة، على أصله المقرر مستلزمًا لرجوعه للجميع.
وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضًا برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فيقول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيكون المعنى: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.
وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك.
مع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.
وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك. وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين:
الأول منهما: أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لما قدمنا من أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت
عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلَّا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر، فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء، كما قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق
وإذ كان ملك اليمين في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في السبي خاصة، كما هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعًا من رجوعه إلى قوْله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقًا. وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مطلقًا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق.
نزاع في ملك اليمين مطلقًا. وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مطلقًا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق. وأوضحنا الأدلة على ذلك.
الوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها يحتاج إلى دليل منفصل، لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع، أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعًا لغير الجملة الأخيرة التي تليه، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلَّا بعد النظر في الأدلة، ومعرفة ذلك منها. وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع، أو بعضها المعين، دون بعض إلَّا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة.
و الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع، أو بعضها المعين، دون بعض إلَّا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة. واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالًا على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضًا استدلال داود.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.
َصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.
وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء.
جْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.
وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية، لا يرجع قولًا واحدًا إلى الجملة الأخيرة التي تليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدًا ولو وصلوا إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه
وهم إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﷺ ، كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر، وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل
إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإِعجاز تبين أنه ليس نصًّا في الرجوع إلى غيرها.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ على ما قاله جماعات من المفسرين؛ لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى.
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها.
لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها.
وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه، وأن المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان في الاستمرار على ملة آبائكم من الكفر، وعبادة الأوثان إلَّا قليلًا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وأمثالهم.
وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ معناه: لاتبعتم الشيطان كلكم. قال: والعرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:
أشم ندى كثير النوادي ... قليل المثالب والقادحه
يعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم
كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل.
القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم
كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلَّا بغامها
ويريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته.
وقول الآخر:
فما بأس لو ردت علينا تحية ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابها
يعني لا عاب فيها، أي: لا عيب فيها عند من يعرف الحق. وأمثال هذا كثير في كلام العرب.
وبالآيات التي ذكرنا تعلم أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلَّا لدليل هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضًا.
لوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلَّا لدليل هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، وتتمتع به بملك اليمين. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهو يؤيد قول الأكثرين أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلَّا بدليل منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة.
وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : تأولت آية
من كتاب الله ﷿ على غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم.
ر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : تأولت آية
من كتاب الله ﷿ على غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. ثم قال ابن كثير: هذا أثر غريب منقطع. ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة. وهو هنا أليق. وإنما حرمها عَلَى الرجال، معاملة لها بنقيض قصدها. واللَّه أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأةٌ غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تأولت كتاب الله ﷿ على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها.
فقالوا: تأولت كتاب الله ﷿ على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها.
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عني بني عمي، فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما واللَّه لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها.
ي عمي، فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما واللَّه لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. اهـ من القرطبي.
المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ هذه التي هي ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه
بذلك قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل) وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد.
من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل) وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز، قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة.
وما روي عن الإِمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به ...
ياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها، لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن. والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارًا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى
فاللَّه جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ ولم يستثن من ذلك البتة إلَّا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة، والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده.
عين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده. وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل من كتاب أو سنَّة يجب الرجوع إليه. أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية - بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة، واستدلالهم بالآية ما نصه - : وقد استأنسوا بحديث رواه الإِمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلَّا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره". اهـ.
ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته.
خمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره". اهـ.
ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. واللَّه أعلم. انتهى منه. ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة، لدلالته على منع ذلك. وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة؛ لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر.
لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين أن مغفلًا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم
صياحها، فجاءوا وقالوا: ما هذا الصياح؟
.
لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين أن مغفلًا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم
صياحها، فجاءوا وقالوا: ما هذا الصياح؟ فقال لهم ذلك المغفل: لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة.
المسألة الرابعة: اعلم أنا قدمنا في سورة النساء أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ تدل بظاهرها على منع نكاح المتعة؛ لأنه جل وعلا صرح فيها بما يعلم منه وجوب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وأن المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة، ولا مملوكة. أما كونها غير مملوكة فواضح.
ِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وأن المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة، ولا مملوكة. أما كونها غير مملوكة فواضح. وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء.
فتبين بذلك أن مبتغى نكاح المتعة من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ما حرم. وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنَّة، وأن نكاح المتعة ممنوع إلى يوم القيامة. وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة "على" في هذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية؛ لأن مادة الحفظ لا تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى، فقيل: إن "على" بمعنى: "عن".
وجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية؛ لأن مادة الحفظ لا تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى، فقيل: إن "على" بمعنى: "عن". والمعنى: أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء إلَّا عن أزواجهم، و"حفظ" قد تتعدى بعن.
وحاول الزمخشري الجواب عن الإِتيان بعلى هنا فقال ما نصه:
(على أزواجهم) في موضع الحال، أي: إلَّا والين على أزواجهم، أو قوامين عليهم، من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان. ونظيره. كان زياد على البصرة، أي: واليًا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشًا.
والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلَّا في تزوجهم أو تسريهم، أو تعلق "على" بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلَّا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلَّا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه، أو تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ علي عنان فرسي. على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك باللَّه إلَّا فعلت بمعنى: ما طلبت منك إلَّا فعلك. اهـ منه.
تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ علي عنان فرسي. على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك باللَّه إلَّا فعلت بمعنى: ما طلبت منك إلَّا فعلك. اهـ منه. ولا يخفى ما فيه من عدم الظهور.
قال أبو حيان: وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة، وهي متكلفة. ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين، ضمن حافظون معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾.
والظاهر أن قوله هنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن المملوكات من جملة العقلاء، والعقلاء يعبر عنهم بـ "من" لا بـ "ما"، هو أن الإِماء لما كنَّ يتصفن ببعض صفات غير العقلاء، كبيعهن وشرائهن، ونحو ذلك كان ذلك مسوغًا لإِطلاق لفظة "ما" عليهن. والعلم عند الله تعالى.
وقال بعض أهل العلم: إن وراء ذلك هو مفعول ابتغى، أي: ابتغى سوى ذلك. وقال بعضهم: إن المفعول به محذوف، ووراء ظرف، أي: فمن ابتغى مستمتعًا لفرجه وراء ذلك.
•