أكلُ مما نأكل، وتَشْرَبُ مما نَشْربُ، ولستَ بربٍّ ولا ملَكٍ، فعلامَ نَتَّبِعُك؟ فإن كنتَ صادقًا في قيِلك، وأنَّ الله أَرسَلك إلينا، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾. يعنى: بدلالةٍ وحجةٍ على أنك محقٌّ فيما تقولُ، إن كنتَ ممن صدَقَنا في دعواه أن الله أرسَلَه إلينا.
وقد حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكِلابيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى الفراتِ، قال: ثنا عِلباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، أن صالحًا النبي ﷺ بعثَه اللهُ إلى قومِه، فآمَنوا به واتبَعوه، فمات صالحٌ، فرَجعوا عن الإسلامِ، فأتاهم صالحٌ فقال لهم: أنا صالحٌ. قالوا: إن كنتَ صادقًا فأتِنا بآيةٍ. فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله.
وقولُه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
صادقًا فأتِنا بآيةٍ. فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله.
وقولُه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لثمودَ، لمَّا سألوه آيةً يعلَمون بها صِدْقَه، فأتاهم بناقةٍ أخرَجها من صخرةٍ أو هَضْبةٍ: هذه ناقةٌ يا قومِ، لها شِرْبُ يومٍ ولكم مِثْلُه شِرْبُ يومٍ آخر معلومٍ
ما لكم مِن الشَّرْبِ ليس لكم في يومِ وِرْدِها أن تشربوا من شِرْبِها شيئًا، ولا لها أن تشربِ في يومِكم مما لكم شيئًا.
ويعنى بالشَّرْبِ الحظِّ والنصيبَ من الماءِ. يقولُ: لها حَظَّ مِن الماءِ، ولكم مِثْلُه. والشُّرْبُ والشَّرْبُ والشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا.
وقولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾.
الشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا.
وقولُه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾. يقولُ: لا تَمَسُّوها بما يُؤْذِيها مِن عَقْرٍ وقتلٍ ونحوِ ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: لا تَعْقِروها.
وقولُه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: فيَحِلَّ بكم مِن اللهِ عَذابُ يومٍ عظيمٍ عذابُه.
ن المسحورين.
وروى أبو صالح، عن ابن عباس: (مِنَ الْمُسَحَّرِينَ): يعني من المخلوقين، واستشهد بعضهم على هذا القول بما قال الشاعر:
فإن تسألينا: فيم نحن? فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحر
يعني الذين لهم سُحور، والسَّحر: هو الرئة.
والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة: أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك.
ثم قالوا: (مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا) يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٥، ٢٦].
ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم -أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم -ناقة عُشَراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنَنَ به، [وليصدقنه]، وليتبعنه، فأنعموا بذلك.
َراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنَنَ به، [وليصدقنه]، وليتبعنه، فأنعموا بذلك. فقام نبي الله صالح، ﵇، فصلى، ثم دعا الله، ﷿، أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) يعني: ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم، (وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى.
سُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى. وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها.
(فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ) وهو أن أرضهم زُلزلت زلزالا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).