kecuali orang yang berlaku zalim yang kemudian mengubah (dirinya) dengan kebaikan setelah kejahatan (bertobat); maka sungguh, Aku Maha Pengampun, Maha Penyayang
تُرِك ذكرُه؛ استغناءً بما ذُكِر عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ. والجانُّ جنسٌ من الحياتِ معروفٌ.
وقال ابن جُرَيْجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى.
وهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه:
يَرْفَعْنَ باللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفا
أعناقَ جِنَّانٍ وَهامًا رُجَّفَا
وَعَنَقًا باقي الرَّسِيمِ خَيْطَفا
وقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ.
خَيْطَفا
وقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ. إذا رجَع على عقِبهِ إلى حيثُ بدَأ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك.
عَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك. قال: فقال اللهُ له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. قال: فلم يقفْ أيضًا على شيءٍ من هذا حتى قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. قال: فالتفَت فإذا هي عصًا كما كانت، فرجَع فأخَذها، ثم قوِى بعدَ ذلك عليها، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها.
وقوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
مُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: إنى لا يخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أَخْتَصُّهم بالنبوةِ، إلا من ظلَم منهم، فعمِل بغيرِ الذي أُذِن له في العمل به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلا بذنبٍ يُصِيبُه أحدُهم، فإنْ أصَابه أخافه يَأْخُذَه منه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عبدِ اللهِ الفَزاريُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ.
عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ. قال: وقال الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ، [ثم تُذنبُ واللهِ فتعاقَبُ].
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، وهو استثناءٌ، إِلَّا مع وعدِ اللهِ الغُفْرانَ المُسْتَثْنَى من قولِه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. [بقولِه: ﴿فَإِنِّي] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافِ معنى ما قبلَه، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْبَتًا، كقولِه: ما قام إلا زيدٌ.
فـ"زيدٌ" مثبَتٌ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنًى مما قبلَ "إلا"، وما قبلَ "إلا" منفيٌّ عنه القيامُ، و أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ "زيدٌ" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ.
مُ، و أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ "زيدٌ" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ. والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ.
و ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، فقد أمَّنه اللهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأَدْخَله في عِدادِ مَن لا يَخافُ لديه من المرسَلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت "إلا" في هذا الموضعِ؛ لأن "إلا" تَدْخُلُ في مثلِ هذا الكلامِ، كمثلِ قولِ العربِ: ما أشْتَكِى إلا خيرًا. فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا، على الشكوى، ولكنه علِم أنه إذا قال: ما أشْتَكِى شيئًا. أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا من ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟ فأقولُ له: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو.
: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو. فهذا وجه. والآخرُ، أن يجعل الاستثناءَ من الذين تُركوا في الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لديَّ المُرْسَلون، إنما الخوفُ على مَن سِواهم. ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل حُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ.
قال: وقد قال بعضُ النحويِّين: إن "إلَّا" في اللغةِ بمنزلةِ "الواوِ"، وإنما معنى هذه الآيةِ: لا يخافُ لديَّ المُرسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا. قال:
وجعَلوا مثلَه كقولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].
م ثم بدَّل حُسْنًا. قال:
وجعَلوا مثلَه كقولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال: ولم أجِدِ العربيةَ تَحتملُ ما قالوا؛ لأنى لا أجيزُ: قامَ الناسُ إلا عبدَ اللهِ، وعبدُ اللهِ قائمٌ، إنما معنى الاستثناءِ أن يخرجَ الاسمُ الذي بعدَ "إلا" من معنى الأسماءِ التي قبلَ "إلا"، وقد أراه جائزًا أن يقولَ: لى عليك ألفٌ سِوى ألفٍ آخرَ. فإن وضعتَ "إلا" في هذا الموضعِ صَلَحَت، وكانت "إلا" في تأويلِ ما قالوا، فأما مُجرَّدةً قد اسُتثْنِى قليلُها من كثيرِها فلا، ولكن مثلُه مما يكونُ معنى "إلا" كمعنى "الواوِ" وليست بها، قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] هو في المعنى: والذي شاء ربُّك مِن الزيادةِ. فلا تُجعَلُ "إلا" بمنزلةِ "الواوِ"، ولكن بمنزلةِ "سِوى"، فإذا كانت "سوى" في موضعِ "إِلَّا" صَلَحَت بمعنى "الواوِ"؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا. أي: وهذا عندى.
بمنزلةِ "الواوِ"، ولكن بمنزلةِ "سِوى"، فإذا كانت "سوى" في موضعِ "إِلَّا" صَلَحَت بمعنى "الواوِ"؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا. أي: وهذا عندى. كأنك قلتَ: عندى مالٌ كثيرٌ، وهذا أيضًا عندى. وهو في "سِوى" أبعدُ منه في "إلا"؛ لأنك تقولُ: عندى سوى هذا. ولا تقولُ: عندى إلا هذا.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾. عندى غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكَينا قولَهِم مِن أهلِ العربيةِ، بل هو القولُ الذي قالَه الحسنُ البصريُّ وابنُ جُرَيجٍ، ومَن قال قولَهما؛ وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءٌ صحيحٌ مِن قولِه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. إلا مَن ظلَم منهم فأتَى ذَنْبًا، فإنه خائفٌ لدَيه مِن عُقُوبَتِه.
وقد بيَّن الحسنُ ﵀ معنى قيلِ اللهِ موسى ذلك، وهو قولُه: قال: إنى إنما أَخَفْتُك لَقَتْلِك النفسَ.
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءً صحيحًا، وخارجًا من عدادِ مَن لا يخافُ لديه مِن المرسلين؟
لَقَتْلِك النفسَ.
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءً صحيحًا، وخارجًا من عدادِ مَن لا يخافُ لديه مِن المرسلين؟ وكيف يكونُ خائفًا من كان قد وُعِد الغفرانَ والرحمةَ؟
قيل: إن قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. كلامٌ آخرُ بعدَ الأَوَّلِ، وقد تناهَى الخبرُ عن الرسلِ ممَّن ظلَم منهم ومن لم يظلِمْ عندَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. ثم ابتَدأ الخبرَ عمَّن ظلَم مِن الرسلِ، وسائرِ الناسِ غيرِهم. وقيل: فمَن ظلم ثم بدَّل حُسْنًا بعدَ سُوءٍ فإني له غفورٌ رحيمٌ.
فإن قال قائلٌ: فعلامَ تَعْطِفُ، إن كان الأمرُ كما قلتَ، بـ ﴿ثُمَّ﴾، إن لم يَكُنْ عطفًا على قولِه: ﴿ظَلَمَ﴾؟
قيل: على متروكٍ اسْتُغْنِى بدلالةِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ عليه عن إظْهارِه، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ.
ْتُغْنِى بدلالةِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ عليه عن إظْهارِه، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ. وأما الذين ذكَرنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ، فقد قالوا على مذهبِ العربيةِ، غيرَ أنهم أغفَلوا معنى الكلمةِ، وحمَلوها على غيرِ وَجْهِها من التأويلِ، وإنما ينبغى أن يُحمَلَ الكلامُ على وجهِه مِن التأويلِ، ويُلْتَمَسَ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ في الصحةِ، مَخْرَجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهها الصحيحِ مِن التأويلِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن أتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللهِ، ورَكِب مأثمًا، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك، وركوبِه المأثمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
مَن أتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللهِ، ورَكِب مأثمًا، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك، وركوبِه المأثمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: فإني ساترٌ على ذنبِه وظلمِه ذلك،
بعَفْوى عنه، وتركِي عقوبتَه عليه، رحيمٌ به أن أُعاقِبَه بعدَ تَبْديلِه الحُسْنَ بعده.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾: ثم تابَ مِن بعدِ إساءتِه، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
اتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾
يقول تعالى لرسوله ﷺ مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله وكلمه، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ) أي: اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تأجج وتضطرم، فقال (لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: عن الطريق، (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: تتدفؤون به.
(لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: عن الطريق، (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: تتدفؤون به. وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا؛ ولهذا قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: فلما أتاها رأى منظرًا هائلا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء.
قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يَتَوَهَّج.
وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي أن بورك من في النار. قال ابن عباس: [أي] قُدّس.
(وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: من الملائكة.
اية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي أن بورك من في النار. قال ابن عباس: [أي] قُدّس.
(وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: من الملائكة. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -[و] هو الطيالسي -حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مُرَّة، سمع أبا عُبَيْدة يحدث، عن أبي موسى، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. زاد المسعودي: "وحجابه النور -أو النار -لو كشفها لأحْرَقَتْ سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره".
ه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. زاد المسعودي: "وحجابه النور -أو النار -لو كشفها لأحْرَقَتْ سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره". ثم قرأ أبو عُبَيْدة: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا)
وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مُرَّة، به.
وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: الذي يفعل ما يشاء ولا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات.
وقوله: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز، الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله.
ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء.
ز، الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله.
ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء. فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) والجان: ضرب من الحيات، أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا -وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنَّان البيوت -فلما عاين موسى ذلك (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: لم يلتفت من شدة فرقه (يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.
يلتفت من شدة فرقه (يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.
وقوله: (إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على [عمل] شيء ثم أقلع عنه، ورجع وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] والآيات في هذا كثيرة جدًا.
: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] والآيات في هذا كثيرة جدًا.
وقوله: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْق من جعل له معجزة، وذلك أن الله -تعالى -أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ كالبرق الخاطف.
وقوله: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن، وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] كما تقدم تقرير ذلك هنالك.
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) أي: بينة واضحة ظاهرة،
(قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) وأرادوا معارضته بسحرهم ﴿فغلبوا [هنالك] وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.