ج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا) يعني: ذلك القبطي، (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) أي: إذا رأوني.
(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا)، وذلك أن موسى، ﵇، كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير؛ ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٧ - ٣٢] أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد.
ْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٧ - ٣٢] أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد. ولهذا قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا [يُصَدِّقُنِي])، أي: وزيرًا ومعينًا ومقويًّا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ﷿؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد؛ ولهذا قال: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).
وقال محمد بن إسحاق: (رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) أي: يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم [عني].
فلما سأل ذلك قال الله تعالى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) أي: سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك. كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].
في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]. ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّةً على أخيه، من موسى على هارون، ﵉، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال [الله تعالى] في حق موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وقوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي: حجة قاهرة، (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا) أي: لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى [لرسوله محمد ﷺ]: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
ووجه ابن جرير على أن المعنى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا)، ثم يبتدئ فيقول: (بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)، تقديره: أنتما ومَنْ اتبعكما الغالبون بآياتنا.
ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.