Dan Allah menciptakan kamu dari tanah kemudian dari air mani, kemudian Dia menjadikan kamu berpasangan (laki-laki dan perempuan). Tidak ada seorang wanita pun yang mengandung dan melahirkan, melainkan dengan sepengetahuan-Nya. Dan tidak dipanjangkan umur seseorang dan tidak pula dikurangi umurnya, melainkan (sudah ditetapkan) dalam Kitab (Lauḥ Maḥfūẓ). Sungguh, yang demikian itu mudah bagi Allah
ِنْ نُطْفَةٍ﴾. يعني ذرَّيته، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾، فزوَّج بعضكم بعضًا.
وقولُه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تحملُ مِن أنثى منكم أيُّها الناسُ مِن حمل، ولا تضعُ إلا وهو عالمٌ بحملها إياه. ووضعِها، وما هو ذكرٌ أو أنثى، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.
وقولُه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وما يُعمَّرُ مِن معمرٍ فيطولُ عمره، ولا يُنقصُ من عمرٍ آخرَ غيرِه عن عمر هذا الذي عُمِّر عمرًا طويلًا، ﴿إِلَّا فِي
كِتَابٍ﴾ عندَه مكتوبٍ قبلَ أن تحِملَ به أمُّه، وقبلَ أن تضَعَه، قد أحصَى ذلك كلَّه، وعلمه قبلَ أن يخلُقَه، لا يُزادُ فيما كتَب له ولا يُنقَصُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلى ﴿يَسِيرٌ﴾.
ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلى ﴿يَسِيرٌ﴾. يقولُ: ليس أحدٌ قضيتُ له طولَ العمرِ والحياةِ إلا وهو بالغٌ ما قدَّرتُ له مِن العمرِ، وقد قضَيتُ ذلك له، فإنما ينتهى إلى الكتابِ الذي قدَّرت له، لا يُزادُ عليه، وليس أحدٌ قضَيتُ له أنه قصيرُ العمرِ والحياةِ ببالغٍ العمرَ، ولكن ينتهى إلى الكتابِ الذي كُتِب له، [لا يزادُ عليه]، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
العمرِ والحياةِ ببالغٍ العمرَ، ولكن ينتهى إلى الكتابِ الذي كُتِب له، [لا يزادُ عليه]، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك في كتابٍ عندَه.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ الآيةَ، يقولُ]: مَن قضيتُ له أن يُعمَّرَ حتى يُدركَه الكبرُ، أو يُعَمَّرَ أنْقَصَ من ذلك، فكلٌّ بالغٌ أجلَه الذي قد قُضِى له، كلُّ ذلك في كتابٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال: ألا ترى الناسَ؛ الإنسانُ يعيشُ مائة سنةٍ، وآخرُ يموتُ حين يولدُ؟!
مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال: ألا ترى الناسَ؛ الإنسانُ يعيشُ مائة سنةٍ، وآخرُ يموتُ حين يولدُ؟! فهذا هذا.
فالهاءُ التي في قولِه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على هذا التأويلِ، وإن كانت في الظاهرِ أنَّها كنايةٌ عن اسمِ المُعمَّرِ الأَوَّلِ، فهي كنايهُ اسمٍ آخرَ غيرِه، وإنما حسُن ذلك؛ لأن صاحبَها لو أظهِر أظهِر بلفظِ الأوَّل، وذلك كقولِهم: عندى ثوبٌ ونصفُه، والمعنى: ونصفُ الآخرِ
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّرُ مِن معمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عمره، بفناءِ ما فنِى من أيامِ حياتهِ، فذلك هو نقصانُ عمرِه.
والمعنى: ونصفُ الآخرِ
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّرُ مِن معمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عمره، بفناءِ ما فنِى من أيامِ حياتهِ، فذلك هو نقصانُ عمرِه. والهاءُ على هذا التأويلِ للمُعَمَّرِ الأَوَّلِ؛ لأن معنى الكلامِ: ما يُطوَّلُ عمرُ أحدٍ، ولا يذهبُ من عمرِه شيءٌ فيُنْقَصَ، إلا وهو في كتابٍ عندَ اللهِ مكتوبٍ، قد [أحصاه وعلمهٍ].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو حَصينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسُ، قال: ثنا عبثْرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال: ما يُنقصُ مِن أيامِه التي عددتُ له إلا في كتابٍ.
[حدَّثني [ابن سنانٍ القزازُ]، قال: حدَّثني الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: حدَّثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾.
حدَّثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾. قال: يُكتبُ نقَص شهرٌ، نقَص شهران، نقَص ثلاثة أشهر، نقَص سنةٌ، نقَص سنتان، نقَص ثلاثُ سنين، حتى يأتىَ على أجلِه فيموت].
وأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ التأويلِ الأوّلُ، وذلك أن ذلك هو أظهرُ معنييه، وأشبهُهما بظاهرِ التنزيلِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن إحصاءَ أعمارِ خَلْقِه عليه يسيرٌ سهلٌ، طويلُ ذلك وقصيرُه، لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ منه.
ْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.
كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها -كما في [أول] سورة الحج -ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، كذلك الأجساد، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعم الأرض جميعًا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض؛ ولهذا جاء في الصحيح: "كل ابن آدم يبلى إلا عَجْب الذَّنَب، منه خلق ومنه يركب"؛ ولهذا قال تعالى: (كَذَلِكَ النُّشُورُ).
وتقدم في "الحج" حديث أبي رَزِين: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محْلا ثم مررت به يهتز خَضِرًا؟ " قلت: بلى.
زِين: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محْلا ثم مررت به يهتز خَضِرًا؟ " قلت: بلى. قال: "فكذلك يحيي الله الموتى".
وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) أي: مَنْ كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
قال مجاهد: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بعبادة الأوثان، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
ِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
قال مجاهد: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بعبادة الأوثان، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
وقال قتادة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) أي: فليتعزز بطاعة الله ﷿.
وقيل: مَنْ كان يريد علْم العزة، لمن هي، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، حكاه ابن جرير.
وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. قاله غير واحد من السلف.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحْمَسِيّ، أخبرني جعفر بن عَوْن، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال:
رير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحْمَسِيّ، أخبرني جعفر بن عَوْن، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال:
قال لنا عبد الله -هو ابن مسعود-إذا حدثناكم حديثا أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله: إن العبد المسلم إذا قال: "سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله"، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صَعد بهن إلى السماء فلا يمُرّ بهن على جمْعٍ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن ﷿، ثم قرأ عبد الله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، أخبرنا سعيد الجُرَيْرِي، عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لـ "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" لدويا حول العرش كدويّ النحل، يُذَكِّرْنَ بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن.
وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار، ﵀، وقد روي مرفوعًا.
إلا الله، والله أكبر" لدويا حول العرش كدويّ النحل، يُذَكِّرْنَ بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن.
وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار، ﵀، وقد روي مرفوعًا.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نُمَيْر، حدثنا موسى -يعني: ابن مسلم الطحان -عن عون بن عبد الله، عن أبيه -أو: عن أخيه -عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الذين يذكرون من جلال الله، من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون بصاحبهن ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الله شيء يذكر به؟ ".
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بشر بكر بن خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي [عيسى] الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه -أو: عن أخيه-عن النعمان بن بشير، به.
وقوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله، ﷿، والعمل الصالح: أداء فرائضه.
وقوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله، ﷿، والعمل الصالح: أداء فرائضه. ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به.
وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. وكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم النَّخعِيّ، والضحاك، والسُّدِّيّ، والربيع بن أنس، وشَهْر بن حَوْشَب، وغير واحد [من السلف].
وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام.
وقال الحسن، وقتادة: لا يقبل قولٌ إلا بعمل.
وقوله: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ): قال مجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وشَهْر بن حَوْشَب: هم المراؤون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بُغَضَاء إلى الله
﷿، يراؤون بأعمالهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون.
عة الله، وهم بُغَضَاء إلى الله
﷿، يراؤون بأعمالهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون.
والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ)، أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
صائر والنهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يُكشَف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.
وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) أي: ذكرًا وأنثى، لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم، لتسكنوا إليها.
وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ) أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
بل ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ] الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٨، ٩].
وقوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ) أي: ما يعطى بعض النطف من العمر الطويل يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول، (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) الضمير عائد على الجنس، لا على العين؛ لأن العين الطويل للعمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس.
قال ابن جرير: وهذا كقولهم: "عندي ثوب ونصفه" أي: ونصف آخر.
؛ لأن العين الطويل للعمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس.
قال ابن جرير: وهذا كقولهم: "عندي ثوب ونصفه" أي: ونصف آخر.
وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، يقول: ليس أحد قضيت له طول عُمُر وحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قَضَيْتُ له أنه قصير العمر والحياة ببالغ للعمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، يقول: كل ذلك في كتاب عنده.
وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ) قال: ما لَفَظت الأرحام من الأولاد من غير تمام.
لضحاك بن مزاحم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ) قال: ما لَفَظت الأرحام من الأولاد من غير تمام.
وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس، يعيش الإنسان مائة سنة، وآخر يموت حين يولد فهذا هذا.
وقال قتادة: والذي ينقص من عمره: فالذي يموت قبل ستين سنة.
وقال مجاهد: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ) أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره، وكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغ ما بلغ.
وقال بعضهم: بل معناه: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) أي: ما يكتب من الأجل (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ)، وهو ذهابه قليلا قليلا الجميع معلوم عند الله سنة بعد سنة، وشهرًا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب.
نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السُّدِّيّ، وعطاء الخراساني.
شهر، وجمعة بعد جمعة، ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب.
نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السُّدِّيّ، وعطاء الخراساني. واختار ابن جرير [القول] الأول، وهو كما قال.
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان، سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأ له في أجله فليصل رَحِمَه".
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود، من حديث يونس بن يزيد الأيلي، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو مسرح، حدثنا عثمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مَشْجَعَة بن ربعي، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر".
ال: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر".
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل لجميع ذلك لا يخفى منه عليه شيء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
قد قدمنا بعض الكلام عليه في آخر سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾.
•