القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾. ممن أظهرَ الإيمانَ بمحمدٍ ﷺ مِن أهلِ النِّفاقِ، الذين يَسْتَبْطِنون الكفرَ، وهم مع ذلك يُظْهِرون الإيمانَ، ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. يعنى: عَرَضَ الدنيا، بإظهارِه ما أظهَر مِن الإيمانِ بلسانِه، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾.
يعنى: جزاؤُه في الدنيا منها، وثوابُه فيها هو ما يُصِيبُ مِن المَغْنَمِ إِذا شَهِد مع [النبيِّ ﷺ] مَشْهَدًا، وأَمْنُه على نفسِه وذُرِّيِته ومالِه، وما أشبَه ذلك، وأما ثوابُه في الآخرةِ فنارُ جهنمَ.
ا يُصِيبُ مِن المَغْنَمِ إِذا شَهِد مع [النبيِّ ﷺ] مَشْهَدًا، وأَمْنُه على نفسِه وذُرِّيِته ومالِه، وما أشبَه ذلك، وأما ثوابُه في الآخرةِ فنارُ جهنمَ.
فمعنى الآيةِ: مَن كان من العامِلين في الدنيا من المنافقين، يريدُ بعملِه ثوابَ الدنيا وجزاءَها مِن عملِه، فإن اللَّهَ مُجازِيه بها جزاءَه في الدنيا مِن الدنيا، وجزاءَه في الآخرةِ مِن العقابِ والنَّكَالِ، وذلك أن الله قادرٌ على ذلك كلِّه، وهو مالكُ جميعِه، كما قال في الآيةِ الأُخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ) أي: وصيناكم بما وصيناهم به، من تقوى الله، ﷿، بعبادته وحده لا شريك له.
ثم قال: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وِمَا فِي الأرْضِ [وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا]) كما قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقال ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أي: غني عن عباده، (حَمِيدٌ) أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.
وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.
رعه.
وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.
وقوله: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال [تعالى] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره!
اءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا]﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا) أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك، (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا) وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: (وَالآخِرَةِ) أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم.
بُ الدُّنْيَا) وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: (وَالآخِرَةِ) أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم. وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا] وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن
ك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا؛ ولهذا قال: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)