القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾: أم لهم حظٌّ مِن المُلْكِ.
يقولُ: ليس لهم حَظٌّ مِن المُلْكِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. يقولُ: لو كان لهم نصيبٌ مِن
المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَقِيرًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. قال: فليس لهم، [فلو كان لهم] نصيبٌ مِن المُلْكِ [لم يؤتوا الناسَ نقيرًا.
َّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. قال: فليس لهم، [فلو كان لهم] نصيبٌ مِن المُلْكِ [لم يؤتوا الناسَ نقيرًا. يقولُ]: ولو كان لهم نصيبٌ وحَظٌّ مِن المُلْكِ، لم يكونوا إذن يُعْطُون الناسَ نَقيرًا مِن بُخْلِهم.
واختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى "النَّقِير"، فقال بعضُهم: هو النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾.
نقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. يقولُ: النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ.
حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ الدُّوريُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ،
عن خُصيفٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: النَّقِيرُ وَسَطُ النواةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ، وَسَطُها.
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾.
ال النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ، وَسَطُها.
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ الذي في وَسَطِ النواةِ من ظهرِها].
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. يقولُ: لو كان لهم نَصيبٌ مِن المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَفِيرًا، والنَّقِيرُ النُّكْتةُ التي في وَسَطِ النواةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سَمِع عطاءَ بنَ أبى رباحٍ، يقولُ: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: النقيرُ: الذي في ظهرِ النواةِ].
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن
الضحاكِ، قال: النَّقِيرُ النُّقَيْرَةُ التي تكونُ في ظهْرِ النواةِ.
واةِ].
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن
الضحاكِ، قال: النَّقِيرُ النُّقَيْرَةُ التي تكونُ في ظهْرِ النواةِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ.
وقال آخرون: بل النَّقِيرُ الحَبَّةُ التي تكونُ في وَسَطِ النواةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النَّقِيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
لتي في وَسَطِها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: النَّقِيرُ في النَّواة.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرنى عبدُ الله بنُ كثيرٍ، أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ التي في بطنها (٤) وَسَطَها.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ الأبيضُ الذي يكونُ في وسطِ النواةِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجلِ الشيءَ بطَرَفِ إبهامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
ِمٍ يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ الأبيضُ الذي يكونُ في وسطِ النواةِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجلِ الشيءَ بطَرَفِ إبهامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن [يزيدَ بن] دِرهمٍ أبى العلاءِ، قال: سمِعتُ أبا العالية، [عن ابن عباسٍ: النقيرُ نقرُ الرجلِ إِصْبَعَيْه كما يَنْقُرُ الدرهمَ. قال أبو العاليةِ]: ووَضَع ابن عباسٍ طَرَفَ الإبهامِ على باطنِ السَّبَّابةِ، ثم رفَعَهما وقال: هذا النَّقِيرُ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جل ثناؤُه وَصَف هؤلاء الفِرْقةَ مِن أهلِ الكتابِ بالبُخْلِ باليسيرِ مِن الشيءِ الذي لا خطَرَ له، ولو كانوا مُلُوكًا وأهلَ قُدْرةٍ على الأشياءِ الجليلةِ الأقدارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النَّقِيرِ أن يكونَ أصغرَ ما يكونُ مِن النُّقَر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنُّقْرَةُ التي هي في ظَهْرِ النواةِ مِن صِغارِ النُّقَرِ، وقد يَدخُلُ في ذلك كلُّ ما شاكَلها مِن النُّقَرِ.
ورُفِع قولُه: ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾.
ه، فالنُّقْرَةُ التي هي في ظَهْرِ النواةِ مِن صِغارِ النُّقَرِ، وقد يَدخُلُ في ذلك كلُّ ما شاكَلها مِن النُّقَرِ.
ورُفِع قولُه: ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾. ولم يُنصَبْ بـ "إذن"، ومِن حُكْمِها أن تَنصِبَ الأفعالَ المُستقبَلةَ إذا ابتُدئَ بها الكلامُ؛ لأن معها فاءً، ومِن حُكْمِها إذا دخَل فيها بعضُ حروفِ العطفِ أن تُوَجَّهَ إلى الابتداءِ بها مَرَّةً، وإلى النَّقْلِ عنها إلى غيرِها أخرى، وهذا المَوضِعُ مما أُرِيدَ بالفاءِ فيه النقلُ عن "إذن" إلى ما بعدَها، وأن يكونَ معنى الكلامِ: أم لهم نصيبٌ [من المُلْكِ] فلا يُؤتون الناسَ نَقِيرًا إذن.
يْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾
[الأحزاب: ٢٥].
يقول تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ)؟ ! وهذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل فقال: (فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس -ولا سيما محمدا ﷺ-شيئًا، ولا ما يملأ "النقير"، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين.
وهذه الآية كقوله تعالى ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلا.
: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلا.
ثم قال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) يعني بذلك: حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه]) الآية، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل -الذين هم من ذرية إبراهيم-النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن -وهي الحكمة-وجعلنا فيهم الملوك، ومع هذا (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بهذا الإيتاء
من ذرية إبراهيم-النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن -وهي الحكمة-وجعلنا فيهم الملوك، ومع هذا (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟.
وقال مجاهد: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بمحمد ﷺ (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.
ولهذا قال متوعدا لهم: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.