Sesungguhnya orang-orang yang merendahkan suaranya di sisi Rasulullah, mereka itulah orang-orang yang telah diuji hatinya oleh Allah untuk bertakwa. Mereka akan memperoleh ampunan dan pahala yang besar
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يكُفُّون رفْعَ أصواتِهم عنْدَ رسولِ اللَّهِ. وأصلُ الغَضِّ: الكَفُّ في لينٍ. ومنه غَضُّ البصرِ، وهو كَفُّه عن النَّظَرِ، كما قال جريرٌ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّك من نُمَيْرٍ … فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يغضُّون أصواتَهم عندَ رسولِ اللَّهِ، هم الذين اخْتَبر اللَّهُ قلوبَهم بامتحانِه إيَّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصها، ﴿لِلتَّقْوَى﴾.
عالى ذكرُه: هؤلاء الذين يغضُّون أصواتَهم عندَ رسولِ اللَّهِ، هم الذين اخْتَبر اللَّهُ قلوبَهم بامتحانِه إيَّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصها، ﴿لِلتَّقْوَى﴾. يعني لاتِّقائِه بأداءِ طاعتِه واجتنابِ معاصيه، كما يُمتَحنُ الذهبُ بالنارِ، فيَخْلُصُ جيِّدُها، ويبطُلُ خَبَثُها.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. قال: أخْلَص.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. قال: أخْلَص اللَّهُ قلوبَهم فيما أحبَّ.
وقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم من اللَّهِ عفوٌ عن ذنوبِهم السَّالفةِ، وصَفْحٌ منه عنها لهم، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وثوابٌ جزيلٌ، وهو الجَنَّةُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾
هذه آداب، أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ])، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، [إذ] قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟
ء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، [إذ] قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله".
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ): لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال العَوْفي عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء، حتى يقضي الله على لسانه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بقول ولا فعل.
لسانه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بقول ولا فعل.
وقال الحسن البصري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قال: لا تدعوا قبل الإمام.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا، وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك، وتقدم فيه.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: فيما أمركم به، (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) أي: لأقوالكم (عَلِيمٌ) بنياتكم.
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): هذا أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ [فوق صوته].
َذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): هذا أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ [فوق صوته]. وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر، ﵄.
وقال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه-فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمعُ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر ﵁.
ِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمعُ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر ﵁. انفرد به دون مسلم.
ثم قال البخاري: حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج، حدثني ابن أبي مليكة: أن عبد الله بن الزبير أخبره: أنه قَدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمرّ القعقاعَ بن مَعْبد. وقال عمر: بل أمرّ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلى -أو: إلا-خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، حتى انقضت الآية، (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) الآية [الحجرات: ٥].
وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا.
َيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، حتى انقضت الآية، (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) الآية [الحجرات: ٥].
وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا.
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخَارق، عن طارق بن شهاب، عن أبى بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السّرار.
حصين بن عمر هذا -وإن كان ضعيفًا-لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة [﵁] بنحو ذلك، والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، ﵁، أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار.
أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى: (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ، وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النار.
له ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ، وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال: "لا بل هو من أهل الجنة". قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل.
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى آخر الآية، جلس ثابت في بيته، قال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى.
يته، قال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أُنزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "بل، هو من أهل الجنة".
ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة، به، قال: ولم يذكر سعد بن معاذ. وعن قطن بن نُسَير عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ.
حدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية، واقتص الحديث، ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رَجلٌ من أهل الجنة..
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ.
كر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رَجلٌ من أهل الجنة..
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العَجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيت، رفيع الصوت.
بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العَجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيت، رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلتُ بيت فَرَسي فشدّي عَلَيّ الضبَّة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله، ﷿، أو يرضى عني رسول الله ﷺ. قال: وأتى عاصم رسولَ الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: "اذهب فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة. قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "ما يبكيك يا ثابت؟ ". فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ). فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تَعِيش حَميدًا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ ".
ْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ). فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تَعِيش حَميدًا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ ". فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله ﷺ، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت النبي ﷺ. قال: وأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى).
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿، عن رفع الأصوات
بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [﵁] أنه سمع صَوت رجلين في مسجد رسول الله ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه، دائما.
من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه، دائما. ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)، كما قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وقوله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بَالا يكتب له بها الجنة.
يغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بَالا يكتب له بها الجنة. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلقي لها بالا يَهْوِي بها في النار أبعد ما بين السموات والأرض".
ثم ندب الله ﷿، إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك، وأرشد إليه، ورغَّب فيه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) أي: أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كُتب إلى عمر يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها، أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر، ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).