Wahai orang-orang yang beriman! Janganlah kamu meninggikan suaramu melebihi suara Nabi, dan janganlah kamu berkata kepadanya dengan suara keras sebagaimana kerasnya (suara) sebagian kamu terhadap yang lain, nanti (pahala) segala amalmu bisa terhapus sedangkan kamu tidak menyadari
في الخطابِ، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. يقولُ: ولا تنادُوه كما يُنادِي بعضُكم بعضًا باسمِه؛ يا محمدُ، يا محمدُ. [ولكن قولًا ليِّنًا وخطابًا حسنًا، بتعظيمٍ له وتوقيرٍ وإجلالٍ]؛ يا نبيَّ اللَّهِ، يا رسولَ اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. قال: لا تُنادُوه نداءً، ولكِنْ قولًا لَيِّنًا؛ يا رسولَ اللَّهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾.
ا؛ يا رسولَ اللَّهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. كانوا يَجْهَرون له بالكلامِ ويرفَعون أصواتَهم، فوعَظهم اللَّهُ ونهَاهم عن ذلك.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: كانوا يرفَعون ويَجْهَرون عندَ النبيِّ ﷺ، فوُعِظوا ونُهوا عن ذلك.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية: هو كقولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية: هو كقولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. نهاهم اللَّهُ أن يُنادُوه كما يُنادِي بعضُهم بعضًا، وأمَرهم أن يُشَرِّفوه ويُعَظِّموه، ويدْعوه إذا دَعوه باسمِ النبوَّةِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: ثنا أبو ثابتِ بنُ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ الشَّمَّاسِ، قال: ثنى عمي إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ الشَّمَّاسِ، عن أبيه، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. قال: قعَد ثابتُ بنُ قيسٍ في الطريقِ يَبْكي، قال: فمرَّ به عاصمُ بنُ عديٍّ، مِن بني العَجْلانِ، فقال: ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ قال: هذه الآيةُ، أَتَخوَّفُ أن تكونَ نزَلت فيَّ، وأنا صيِّتٌ رفيعُ الصوتِ.
فمرَّ به عاصمُ بنُ عديٍّ، مِن بني العَجْلانِ، فقال: ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ قال: هذه الآيةُ، أَتَخوَّفُ أن تكونَ نزَلت فيَّ، وأنا صيِّتٌ رفيعُ الصوتِ. قال: فمضَى عاصمُ بن عديٍّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، قال: وغلَبه البكاءُ، قال: فأتى امْرأتَه جميلةَ بنتَ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبيٍّ ابنِ سَلولَ. فقال لها: إذا دخَلتُ بيتَ فرَسى فشُدِّي عليَّ الضَّبةَ بمِسْمارٍ.
فضرَبَتْه بمسمارٍ حتى إذا خرج عطَفه، وقال: لا أخرُجُ حتى يتوفَّاني اللَّهُ أَو يَرْضَى عنِّي رسولُه. فأتَى عاصمٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فأخبَره خبرَه، فقال: "اذْهَبْ فَادْعُه لي". فجاء عاصمٌ إلى المكانِ فلم يجِدْه، فجاء إلى أهلِه، فوجَده في بيتِ الفَرَسِ، فقال له: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ يدْعُوك. فقال: اكْسِرِ الضبَّةَ. قال: فخرَجا فأتَيا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ ".
فقال له: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ يدْعُوك. فقال: اكْسِرِ الضبَّةَ. قال: فخرَجا فأتَيا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما يُبْكِيكَ يا ثابتُ؟ ". فقال: أنا صَيِّتٌ، وأتخوَّفُ أن تكونَ هذه الآيةُ نزلت فيَّ؛ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "أما تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حميدًا، وتُقْتَلَ شَهِيدًا، وتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ ". فقال: رضِيتُ ببُشْرَى اللَّهِ ورسولِه، لا أرفَعُ صوتي على رسولِ اللَّهِ أبدًا. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: جاء ثابتُ بنُ قيسِ بن الشَّمَّاسِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو محزونٌ، فقال: "يا ثابتُ، ما الذي أرَى بك؟ ".
ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: جاء ثابتُ بنُ قيسِ بن الشَّمَّاسِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو محزونٌ، فقال: "يا ثابتُ، ما الذي أرَى بك؟ ". قال: آيةٌ قرأتُها الليلةَ، فأخْشَى أن يكونَ قد حَبِط عمَلي؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - وكان في أُذنِه صَمَمٌ - فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني أخْشَى أن أكونَ قد رفَعتُ صوتي وجَهَرتُ لك بالقولِ، وأن أكونَ قد حَبِط عمَلي وأنا لا أشْعُرُ. فقال النبيُّ ﷺ: "امْشِ على الأرضِ بِسْطًا فإنَّكَ مِن أهلِ الجَنَّةِ".
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن عكرِمةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. قال ثابتُ بنُ قيسٍ: فأنا كُنتُ أرفَعُ صَوتي فوقَ صوتِ النبيِّ ﷺ وأجْهَرُ له بالقولِ، فأنا من أهلِ النارِ.
مُ اليمامةِ انهزَم الناسُ، فقال: أفٍّ لهؤلاء وما يعبُدون، وأفٍّ لهؤلاء وما يصنَعون، يا معشرَ الأنصارِ، خَلُّوا لي بشيءٍ لعَلِّي أصْلَى بحرِّها ساعةً. قال: ورجلٌ قائمٌ على ثُلْمةٍ، فقَتَله وقُتِل.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، أن ثابتَ بنَ قيسِ بن شَمَّاشٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. قال: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد خَشِيتُ أن أكونَ قد هَلَكتُ، نهانا اللَّهُ أن نرفَعَ أصواتَنا فوقَ صوتِك، وإنِّي امرؤٌ جَهِيرَ الصوتِ، ونهَى اللَّهُ المرءَ أن يحبَّ أن يُحمَدَ بما لم يفعَلْ فأجِدُني أحِبُّ الحمدَ، ونَهَى اللَّهُ عن الخُيَلاءِ وأَجِدُني أُحبُّ الجمالَ. قال: فقال النبيُّ ﷺ: "يا ثابِتُ، أما تَرْضَى أن تعيشَ حميدًا، وتُقتَلَ شَهِيدًا،
وتَدخُلَ الجَنَّةَ؟ ".
لَّهُ عن الخُيَلاءِ وأَجِدُني أُحبُّ الجمالَ. قال: فقال النبيُّ ﷺ: "يا ثابِتُ، أما تَرْضَى أن تعيشَ حميدًا، وتُقتَلَ شَهِيدًا،
وتَدخُلَ الجَنَّةَ؟ ". فعاش حميدًا، وقُتِل شهيدًا يومَ مُسَيلِمةَ.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا نافعُ بنُ عمرَ بنِ جميلٍ الجُمَحِيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عن ابنِ الزبيرِ، قال: قَدِم وفدُ - أُرَاه قال: تميمٍ - على النبيِّ ﷺ، مِنهم الأقرعُ بنُ حابسٍ، فكَلَّم أبو بكرٍ النبيَّ ﷺ أَن يَسْتَعْمِلَه على قومِه، قال: فقال عمرُ: لا تفعَلْ يا رسولَ اللَّهِ. قال: فتَكلَّما حتى ارْتفَعتْ أصواتُهما عندَ النبيِّ ﷺ. قال: فقال أبو بكرٍ لعمرَ: ما أردتَ إِلَّا خِلافي. قال: ما أردتُ خلافَك. قال: فنزَل القرآنُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قال: فما حدَّث عمرُ النبيَّ ﷺ بعدَ ذلك فسمِع النبيُّ [كلامَه يستفهمَه؛ مما يَخفِضُ صوتَه للنبيِّ ﷺ].
َوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قال: فما حدَّث عمرُ النبيَّ ﷺ بعدَ ذلك فسمِع النبيُّ [كلامَه يستفهمَه؛ مما يَخفِضُ صوتَه للنبيِّ ﷺ]. قال: وما ذكَر ابنُ الزُّبيرِ جَدَّه. يعني أبا بكرٍ.
وقولُه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾. يقولُ: أَلَّا تحبَطَ أعمالُكم فتذهَبَ باطلةً، لا ثوابَ لكم عليها ولا جزاءَ؛ برفعِكم أصواتَكم فوقَ صوتِ نبيِّكم، وجَهْرِكم له بالقولِ كجَهْرِ بعضِكم لبعضٍ.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معناه: لا تحبَطُ أعمالُكم. قال: وفيه الجزمُ والرفعُ إذا وُضِعت "لا" مكانَ "أنْ". قال: وهي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فتَحْبَطَ أعمالُكم). [وهو دليلٌ على جوازِ الجزمِ.
وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾]. أي مخافَةَ أن تحبَطَ أعمالُكم. وقد يقالُ: أَسْنَدَ الحائطَ أن يميلَ.
وقولُه: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تعلَمون ولا تَدْرُون.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾
هذه آداب، أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ])، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، [إذ] قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟
ء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، [إذ] قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله".
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ): لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال العَوْفي عنه: نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء، حتى يقضي الله على لسانه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بقول ولا فعل.
لسانه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بقول ولا فعل.
وقال الحسن البصري: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قال: لا تدعوا قبل الإمام.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا، وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك، وتقدم فيه.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: فيما أمركم به، (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) أي: لأقوالكم (عَلِيمٌ) بنياتكم.
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): هذا أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ [فوق صوته].
َذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): هذا أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ [فوق صوته]. وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر، ﵄.
وقال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه-فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمعُ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر ﵁.
ِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمعُ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر ﵁. انفرد به دون مسلم.
ثم قال البخاري: حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج، حدثني ابن أبي مليكة: أن عبد الله بن الزبير أخبره: أنه قَدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمرّ القعقاعَ بن مَعْبد. وقال عمر: بل أمرّ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلى -أو: إلا-خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، حتى انقضت الآية، (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) الآية [الحجرات: ٥].
وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا.
َيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، حتى انقضت الآية، (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) الآية [الحجرات: ٥].
وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا.
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخَارق، عن طارق بن شهاب، عن أبى بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السّرار.
حصين بن عمر هذا -وإن كان ضعيفًا-لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة [﵁] بنحو ذلك، والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، ﵁، أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار.
أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى: (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ، وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النار.
له ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ، وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال، فقال: "لا بل هو من أهل الجنة". قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل.
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى آخر الآية، جلس ثابت في بيته، قال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى.
يته، قال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أُنزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "بل، هو من أهل الجنة".
ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة، به، قال: ولم يذكر سعد بن معاذ. وعن قطن بن نُسَير عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ.
حدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يذكر، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية، واقتص الحديث، ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رَجلٌ من أهل الجنة..
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ.
كر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رَجلٌ من أهل الجنة..
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العَجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيت، رفيع الصوت.
بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العَجلان، فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيت، رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلتُ بيت فَرَسي فشدّي عَلَيّ الضبَّة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله، ﷿، أو يرضى عني رسول الله ﷺ. قال: وأتى عاصم رسولَ الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: "اذهب فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة. قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "ما يبكيك يا ثابت؟ ". فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ). فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تَعِيش حَميدًا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ ".
ْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ). فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تَعِيش حَميدًا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ ". فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله ﷺ، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت النبي ﷺ. قال: وأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى).
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿، عن رفع الأصوات
بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [﵁] أنه سمع صَوت رجلين في مسجد رسول الله ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه، دائما.
من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه، دائما. ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)، كما قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وقوله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بَالا يكتب له بها الجنة.
يغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بَالا يكتب له بها الجنة. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلقي لها بالا يَهْوِي بها في النار أبعد ما بين السموات والأرض".
ثم ندب الله ﷿، إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك، وأرشد إليه، ورغَّب فيه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) أي: أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كُتب إلى عمر يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها، أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر، ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾.
سبب نزول هذه الآية الكريمة: أنه لما قدم على النبي ﷺ وفد تميم، أشار عليه أبو بكر ﵁ أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عبدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليهم الأقرع بن حابس بن عقال. فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما، فأنزل الله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ذكره البخاري في صحيحه وغيره.
وهذه الآية الكريمة علَّم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي ﷺ ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضًا.
ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضًا.
وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابًا يليق بمقامه، ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم (وأنتم لا تشعرون) أي لا تعلمون بذلك.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي ﷺ -
وتعظيمه واحترامه جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي - ﷺ - ، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ الآية.
وقوله هنا: (ولا تجهروا له بالقول) أي لا تنادوه باسمه: كَـ "يا محمد".
كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ الآية.
وقوله هنا: (ولا تجهروا له بالقول) أي لا تنادوه باسمه: كَـ "يا محمد".
وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾، وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾، وقوله: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾.
وسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾.
أما النبي - ﷺ - فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك، كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.
وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه - ﷺ - بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها، وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.
وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض.
َهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.
وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض.
قال القرطبي ﵀ في تفسير الآية ما نصه: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل الغرض منه.
وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإِنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره.
ب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل الغرض منه.
وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإِنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره. وظاهر الآية يرد عليه.
وقد قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله ﷿: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض".
تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض". اهـ محل الغرض منه بلفظه.
ومعلوم أن حرمة النبي - ﷺ - بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ما جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره - ﷺ - وهم في صخب ولغط وأصواتهم مرتفعة ارتفاعًا مزعجًا، كله لا يجوز ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر.
وقد شدد عمر ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده - ﷺ - ، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.
مسألتان
الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي - ﷺ - المشعر بالغض منه أو تنقيصه - ﷺ - والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإِسلام وكفر بالله.
عتكما ضربًا.
مسألتان
الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي - ﷺ - المشعر بالغض منه أو تنقيصه - ﷺ - والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإِسلام وكفر بالله.
وقد قال تعالى في الذين استهزؤوا بالنبي - ﷺ - وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.
المسألة الثانية: وهي من أهم المسائل: اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه، كحق النبي - ﷺ - ، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي - ﷺ - في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة.
، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه، كحق النبي - ﷺ - ، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي - ﷺ - في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته: التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله.
فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده؛ لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته وطاعة رسوله - ﷺ - ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي - ﷺ - ؛ لأن أعظم أنواع
توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا.
وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب، من خصائص ربوبيته تعالى.
د والعبادة له وحده جل وعلا.
وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب، من خصائص ربوبيته تعالى.
من أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾.
فإنه جل وعلا قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
ثم بين خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.
مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.
فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق ذات البهجة، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله، من خصائص ربوبية الله، ولذا قال تعالى بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب: لا؛ لأنه لا إله إلا الله وحده.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.
فهذه المذكورات أيضًا، التي هي جعل الأرض قرارًا، وجعل الأنهار خلالها، وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعد ذكرها: (أإله مع الله)؟
ل الأرض قرارًا، وجعل الأنهار خلالها، وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعد ذكرها: (أإله مع الله)؟ الجواب: لا.
فالاعتراف لله جل وعلا بأن خلق السماوات والأرض وإنزال الماء وإنبات النبات ونحو ذلك مما ذكر في الآيات من خصائص ربوبيته جل وعلا هو الحق، وهو من طاعة الله ورسوله، ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله بالاقتداء به - ﷺ - في تعظيم الله.
ثم قال تعالى - وهو محل الشاهد - : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.
فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: (أإله مع الله قليلًا ما تذكرون).
ذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: (أإله مع الله قليلًا ما تذكرون).
فتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا، وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار؛ لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
فمن صرف شيئًا من ذلك غير الله توجه إليه الإِنكار السماوي
الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية.
ذلك غير الله توجه إليه الإِنكار السماوي
الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.
فهذه المذكورات التي هي هدى الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بشرًا، أي مبشرات، بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون معه إله يستحق شيئًا مما ذكر فقال جل وعلا: ﴿تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
َلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
ثم عجَّز جل وعلا كل من يدعي شيئًا من ذلك كله لغير الله، فقال آمرًا نبيه ﷺ بأن يخاطبهم بصيغة التعحيز: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية، أن إجابة المضطرين الداعين، وكشف السوء عن المكروبين، من خصائص الربوبية، كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء، وإنبات النبات، والحجز بين البحرين، إلى آخر ما ذكر.
وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من
َفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ الآية.
فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله - ﷺ - ، معظمين لله ولرسوله؛ لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله - ﷺ - هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده.
فإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله ﷺ ويأمر به، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.
َنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.
واعلم أن الكفار في زمن النبي - ﷺ - كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف، يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك.
وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.
وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ﵁ أنه لما فتح النبي - ﷺ - مكة ذهب
فارًا منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجهًا إلى الحبشة فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليَّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد - ﷺ - فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم وحسن إسلامه ﵁.
لك عليَّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد - ﷺ - فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم وحسن إسلامه ﵁. انتهى.
وقد قدمنا هناك أن بعض المتسمين باسم الإِسلام أسوأ حالًا من هؤلاء الكفار المذكورين؛ لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون من الله، وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا، كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي - ﷺ - وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول - ﷺ - وتعظيمه ومحبة الصالحين، كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله.
لأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي - ﷺ - أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح، مستوجب سخط الله وسخط النبي - ﷺ - وسخط كل متبع له بالحق.
الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي - ﷺ - أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح، مستوجب سخط الله وسخط النبي - ﷺ - وسخط كل متبع له بالحق.
ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
(٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
بل الذي كان يأمر به - ﷺ - هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.
واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلًا متدينًا في زعمه، مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه، وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه ﷺ هو الذي جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزًا، إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله.
بين البحرين حاجزًا، إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله.
وقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين.
فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا - ﷺ - باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإِخلاص له والاقتداء به في كل ما جاء به، وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع الأصوات قرب قبره - ﷺ - .
وقصدنا النصيحة والشفقة لإِخواننا المسلمين، ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ تعظيم الموافق لما جاء به - ﷺ - ، ويتركوا
، كرفع الأصوات قرب قبره - ﷺ - .
وقصدنا النصيحة والشفقة لإِخواننا المسلمين، ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ تعظيم الموافق لما جاء به - ﷺ - ، ويتركوا
ما يسميه الجهلة محبة وتعظيمًا وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله - ﷺ - ، ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.
واعلم أيضًا رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير.
رق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير.
فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضًا من خصائص ربوبيته جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾، الآية، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وفي الحديث: "إذا سألت فاسأل الله".
وقد أثنى الله جل وعلا على نبيه - ﷺ - وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية. فنبينا - ﷺ - كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء.
وله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية. فنبينا - ﷺ - كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ولا نبتدع.
تنبيه
اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي
تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.
والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة، فلا ينبغي للمسلِّم عليه ﷺ أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها، فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان ﷺ هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده.
•