القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وعد اللهُ أيُّها الناسُ الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأقَرُّوا بما جاءَهم به مِن عند ربِّهم، وعمِلوا بما واثَقَهم اللهُ به، وأوْفَوْا بالعقود التي عاقَدَهم عليها بقولهم: لنَسْمَعَنَّ ولَنُطِيعَنَّ اللَّهَ ورسولَه. فسمِعوا أمرَ اللهِ ونهيَه، وأطاعوه فعمِلوا بما أَمَرَهم الله به، وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه.
ويعنى بقولِه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لهؤلاء الذين وفَّوْا بالعقودِ والميثاقِ الذي واثَقَهم به ربُّهم، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، وهى سترُ ذنوبهمِ السالفةِ منهم عليهم، عليهم، وتَغْطيتَها بعفوِه لهم عنها، وتركِه عقوبتَهم عليها، وفضيحتَهم بها، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاءً على أعمالِهم التي
عمِلوها، ووفائِهم بالعقودِ التي عاقَدوا ربَّهم عليها أجرٌ عظيمٌ.
ْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاءً على أعمالِهم التي
عمِلوها، ووفائِهم بالعقودِ التي عاقَدوا ربَّهم عليها أجرٌ عظيمٌ. والعظيمُ مِن خيرٍ غيرُ محدودٍ مبلغُه ولا يَعْرِفُ مُنتهاه غيرُه تعالى ذكره.
فإن قال قائلٌ: إن الله جلَّ ثناؤُه أخْبَر في هذه الآيةِ أنه وعَد الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، ولم يُخْبِرْ بما وعَدَهم، فأين الخبر عن الموعودِ؟
قيل: بلى، إنه قد أخْبَر عن الموعودِ، والموعود هو قولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
فإن قال: فإن قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خبرٌ مبتدأٌ، ولو كان هو الموعودَ لَقيل: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ مغفرةً وأجْرًا عظيمًا. ولم يَدْخُلْ في ذلك ﴿لَهُمْ﴾. وفى دخولِ ذلك فيه دلالةٌ على ابتداءِ الكلامِ وانقضاءِ الخبرِ عن الوعدِ.
قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكَرْتَ، فإنه مما اكتُفِى بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على ما بطَن مِن معناه، مِن ذكر بعض قد تُرِك ذكره فيه.
ِ عن الوعدِ.
قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكَرْتَ، فإنه مما اكتُفِى بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على ما بطَن مِن معناه، مِن ذكر بعض قد تُرِك ذكره فيه. وذلك أن معنى الكلامِ: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ أَن يَغْفِرَ لهم ويَأْجُرَهم أَجْرًا عَظِيمًا. لأن مِن شأن العربِ أن يُصْحِبوا الوعد "أن"؛ يُعْمِلوه فيها، فتُرِكَت "أن" إذ كان الوعدُ قولًا، ومن شأنِ القولِ أن يَكونَ ما بعده مِن جملِ الأخبارِ مبتدأً وذُكر بعدَه جملةُ الخبرِ اجْتزاءً بدلالةِ ظاهرِ الكلامِ على معناه، وصرفًا للوعدِ الموافقِ للقولِ في معناه - وإن كان للفظِه مُخالِفًا - إلى معناه، فكأنه قيل: قال اللهُ: للذين آمُنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةً وأجرٌ عظيم.
وكان بعضُ نحويى البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الوعدِ الذي وُعِدوا.
نحويى البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الوعدِ الذي وُعِدوا. فكان معنى الكلامِ على تأويلِ قائلِ هذا القولِ: وعد اللَّهِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ.
بايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، فقال [تعالى] (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي
وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله ﷺ عليها عند إسلامهم، كما قالوا: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرةً علينا، وألا ننازع الأمر أهله"، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمد ﷺ والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد، ومُقَاتِل بن حَيَّان.
على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قاله مجاهد، ومُقَاتِل بن حَيَّان. والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس، والسُّدِّي. واختاره ابن جرير.
ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال.
ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ) أي: كونوا قوامين بالحق لله، ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نَحْلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهد رسول الله ﷺ. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جَوْر".
ُشْهد رسول الله ﷺ. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم". وقال: "إني لا أشهد على جَوْر". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا) أي: لا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوًا؛ ولهذا قال: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه. ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]
وقوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله [تعالى] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله ﷺ.
الى] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله ﷺ.
ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال بعده: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي: لذنوبهم (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى
الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.