Dan mengapa kamu tidak mau memakan dari apa (daging hewan) yang (ketika disembelih) disebut nama Allah, padahal Allah telah menjelaskan kepadamu apa yang diharamkan-Nya kepadamu, kecuali jika kamu dalam keadaan terpaksa. Dan sungguh, banyak yang menyesatkan orang dengan keinginannya tanpa dasar pengetahuan. Tuhanmu lebih mengetahui orang-orang yang melampaui batas
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.
اخْتَلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريين: معنى ذلك: وأيُّ شيءٍ لكم في ألّا تَأْكُلوا؟ قال: وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. يقولُ: أيُّ شيءٍ لنا في تركِ القتالِ؟ قال: ولو كانت "أَنْ" زائدةً لارْتَفَع الفعلُ، ولو كانت في معنى: وما لنا وكذا. لكانت وما لنا وأن لا تُقاتِلَ.
وقال غيرُه: إنما دخَلَت "لا" للمنعِ؛ لأن تأويلَ "ما لك"، و "ما مَنعك" واحدٌ: ما منَعك لا تَفْعَلُ ذلك، وما لك لا تفعلُ.
كانت وما لنا وأن لا تُقاتِلَ.
وقال غيرُه: إنما دخَلَت "لا" للمنعِ؛ لأن تأويلَ "ما لك"، و "ما مَنعك" واحدٌ: ما منَعك لا تَفْعَلُ ذلك، وما لك لا تفعلُ. واحدٌ، فلذلك دخَلَت "لا".
قال: وهذا الموضعُ تَكونُ فيه "لا"، وتَكونُ فيه "أن" مثلَ قولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] و "أن لا تَضِلُّوا": يَمْنَعُكم مِن الضلالِ بالبيانِ.
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ في هذا الموضعِ: وأيُّ شيءٍ يَمْنَعُكم أن تَأْكُلوا مما ذُكِر اسمُ اللهِ عليه.
ى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ في هذا الموضعِ: وأيُّ شيءٍ يَمْنَعُكم أن تَأْكُلوا مما ذُكِر اسمُ اللهِ عليه. وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه تقدَّم إلى المؤمنين بتَحْليلِ ما ذُكِر اسمُ اللهِ عليه، وإباحةِ أكلِ ما
ذُبِح بدينِه أو دينِ مِن كان يَدِينُ ببعضِ شَرائعِ كتبِه المعروفةِ، وتحريمِ ما أُهِلَّ به لغيرِه مِن الحيوانِ، وزَجْرِهم عن الإصغاء لما يُوحِي الشياطينُ بعضُهم إلى بعضٍ مِن زُخرفِ القولِ في الميتةِ والمُنْخَنِقةِ والمُتَرَدِّيةِ وسائرِ ما حرَّم اللهُ مِن المَطاعمِ، ثم قال: وما يَمْنَعُكم مِن أكلِ ما ذُبِح بديني الذي ارْتَضَيتُه وقد فصَّلْتُ لكم الحلالَ مِن الحرامِ فيما تَطْعَمون، وبيَّنْتُه لكم بقولي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣].
دَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. فلا لَبْسَ عليكم في حَرامِ ذلك مِن حلالِه، فتَمْتَنعوا مِن أكلٍ حَلالِه، حَذَرًا مِن مُواقعةٍ حَرامِه.
فإذ كان ذلك معناه، فلا وجهَ لقولِ مُتأوِّلي ذلك: وأيُّ شيءٍ لكم في أن لا تَأْكُلوا؟ لأن ذلك إنما يقالُ كذلك لمن كان كفَّ عن أكلِه رجاءَ ثوابٍ بالكفِّ عن أكلِه، وذلك يَكونُ ممَّن آمَن بالكفِّ، فكفَّ اتِّباعًا لأمرِ اللهِ، وتسليمًا لحكمِه، ولا نَعْلَمُ أحدًا مِن سلفِ هذه الأمةِ كفَّ عن أكلِ ما أَحَلَّ اللهُ مِن الذبائحِ رجاءَ ثوابِ اللهِ على تركِه ذلك، واعْتقادًا منه أن اللهَ حرَّمه عليه، فبيِّنٌ بذلك إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا أن أولى التأويلين في ذلك بالصوابِ ما قلنا.
وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن معنى قولِه: فصَّل، وفصَّلْنا، وفُصِّل: بيَّن، وبُيِّن، بما يُغْنِي عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتحِ فاءِ "فصَّل"، وتشديدِ صادِه، "ما حُرِّم" بضمِّ حائِه وتشديدِ رائِه، بمعنى: وقد فصَّل اللهُ لكم المحرَّمَ عليكم مِن مَطاعمِكم.
وقرَأ ذلك بعضُ المكيين وبعضُ البصريين: (وقد فُصِّل لكم) بضمِّ فائِه وتشديدِ صادِه، (ما حُرِّم عليكم) بضمِّ حائِه وتشديِد رائِه، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه في الحرفين كليهما.
ورُوِي عن عطيةَ العَوْفيِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وقد فَصَل) بتخفيفِ الصادِ وفتحِ الفاءِ، بمعنى: وقد أتاكم حكمُ اللهِ فيما حَرَّم عليكم.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالُ: إن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ التي ذكَرْناها، سوى القراءةِ التي ذكرنا عن عطيةَ، قراءاتٌ معروفاتٌ، مستفيضةٌ القراءةُ بها في قرأةِ الأمصارِ، وهن متَّفقاتُ المعاني، غيرُ مختلفاتٍ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ فيه الصوابَ.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
ي قرأةِ الأمصارِ، وهن متَّفقاتُ المعاني، غيرُ مختلفاتٍ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ فيه الصوابَ.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. فإنه يعني تعالى ذكرُه أن ما اضطُرِرْنا
إليه مِن المطاعمِ المحرَّمةِ التي بيَّن تحريمَها لنا في غيِر حالِ الضرورةِ، لنا حلالٌ ما كنا إليه مُضْطَرِّين حتى تَزولَ الضرورةُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾: مِن الميتةِ.
ًا منهم لأهوائِهم، واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم، اعتداءً وخلافًا لأمرِ اللهِ ونهيِه، وطاعةً للشياطينِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: إن ربَّك يا محمدُ الذي أحَلَّ لك ما أَحَلَّ، وحرَّم عليك ما حرَّم، هو أعلمُ بمَن اعْتَدَى حُدودَه، فتَجاوَزها إلى خلافِها، وهو لهم بالمِرْصادِ.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾؛ فقرأَته عامةُ أهلِ الكوفةِ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرَهم.
وقرَأ ذلك بعضُ البصريين والحجازيين: (لَيَضِلُّون) بمعنى: أنهم هم الذين يَضِلُّون عن الحقِّ فيَجُورُون عنه.
وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مِن قرَأ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرَهم. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر نبيَّه ﷺ
عن إضلالهِم مَن تبِعهم، ونهاه عن طاعتِهم واتِّباعِهم إلى ما يَدْعُونَه إليه، فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
نهاه عن طاعتِهم واتِّباعِهم إلى ما يَدْعُونَه إليه، فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. ثم أخْبَر أصحابه عنهم بمثلِ الذي أخْبَره عنهم، ونهاهم مِن قَبولِ قولِهم عن مثلِ الذي نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليُضلُّونكم بأهوائِهم بغيرِ علمٍ. نظيرَ الذي قال لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ الآية، ومعنى الآية: أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم، وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصل لكم المحرم
أكله عليكم في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية، وليس هذا منه.
وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية. فهو غلط؛ لأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من سورة الأنعام، وهي مكية، فالحق هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
•