القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم
الأوثانَ والأصنامَ الذين يَسْألونك أن تَتَّبِعَ أهواءَهم على الباطلِ، مِن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. يقولُ: وذَبْحي. ﴿وَمَحْيَايَ﴾. يقولُ: وحياتى. ﴿وَمَمَاتِي﴾. يقولُ: ووَفاتى ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كله له خالصًا دونَ ما أشركتم به أيُّها المشركون مِن الأوثانِ
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك مِن خلقِه، ولا لشيءٍ منهم فيه نصيبٌ؛ لأنه لا يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك إلا له خالصًا، ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. يقولُ: وبذلك أَمَرني ربى، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾.
لشيءٍ منهم فيه نصيبٌ؛ لأنه لا يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك إلا له خالصًا، ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. يقولُ: وبذلك أَمَرني ربى، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأنا أولُ مَن أَقَرَّ وأَذْعَن وخَضَعَ مِن هذه الأمة لربِّه بأن ذلك كذلك.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال: النُّسُكُ في هذا الموضعِ الذبحُ
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمد بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
ضعِ الذبحُ
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمد بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: النُّسُكُ الذبائح في الحجِّ والعُمْرةِ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى في الحجِّ والعمرةِ].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى في الحجِّ والعمرةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ - وليس بابنِ أبي خالدٍ - عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكي﴾. قال: ذَبْحى.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
ال: ذَبْحى.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبيحتى.
[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، [عن سعيدِ] بن جبيرٍ - قال ابن مهديٍّ: لا أدرى من إسماعيلُ هذا -: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: صلاتي وذبيحتى].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: وذبيحتى.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبْحى.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذبيحتى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
ضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذبيحتى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: الصلاةُ: الصلاة، والنُّسُكُ: الذبحُ.
وأما قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فإن محمدَ بنَ عبدِ الأعلى حدَّثنا، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: أوّلُ المسلمين مِن هذه الأمةِ.
تامًا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال؛ ولهذا كان خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرهب إليه الخلق حتى إبراهيم الخليل، ﵇.
وقد قال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حَفْص، حدثنا أحمد بن عِصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كُهَيْل، سمعت ذر بن عبد الله الهَمْدَاني، يحدث عن ابن أبْزَى، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصبحنا على مِلَّة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة [أبينا] إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحبّ إلى الله؟
".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة".
وقال [الإمام] أحمد أيضًا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه، لأنظر إلى زَفْن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه.
قال عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لتعلم يَهودُ أن في ديننا فُسْحَةً، إني أرسلت بِحَنيفيَّة سَمْحَة.
أصل الحديث مُخَرَّجٌ في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
، إني أرسلت بِحَنيفيَّة سَمْحَة.
أصل الحديث مُخَرَّجٌ في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى
بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى.
قال مجاهد في قوله: (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) قال: النسك: الذبح في الحج والعمرة.
وقال الثوري، عن السُّدِّي عن سعيد بن جُبَيْر: (وَنُسُكِي) قال: ذبحي.
قال مجاهد في قوله: (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) قال: النسك: الذبح في الحج والعمرة.
وقال الثوري، عن السُّدِّي عن سعيد بن جُبَيْر: (وَنُسُكِي) قال: ذبحي. وكذا قال السُّدِّي والضحاك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَوْف، حدثنا أحمد بن خالد الوَهْبِي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن زيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: ضَحَّى رسول الله ﷺ في يوم عيدٍ بِكَبْشَيْنِ وقال حين ذبحهما: " وَجَّهْت وجهي للذي فَطَر السموات والأرض حنيفًا وَمَا أنا من المشرِكين، (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
وقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) قال قتادة: أي من هذه الأمة.
ال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
فأخبر [الله] تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال
الى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال
قائمة منصورة، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال عليه [الصلاة و] السلام: "نحن مَعاشِر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد" فإن أولاد العلات هم الأخوة من أب واحد وأمهات شَتَّى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا، بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والأخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم.
ت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا، بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والأخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشُون، حدثنا عبد الله ابن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح، ثم قال: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت.
اعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".
ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد. وقد رواه مسلم في صحيحه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية.
قال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من أعظم العبادات، هي النحر، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن صلاته ونحره كلاهما خالص لله تعالى. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾.
وقال بعض العلماء: النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد بقوله: "وَانْحَرْ" وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة - والله تعالى أعلم.
﷽
سورة الأعراف
﷽
•