Sesungguhnya pada penciptaan langit dan bumi, pergantian malam dan siang, kapal yang berlayar di laut dengan (muatan) yang bermanfaat bagi manusia, apa yang diturunkan Allah dari langit berupa air, lalu dengan itu dihidupkan-Nya bumi setelah mati (kering), dan Dia tebarkan di dalamnya bermacam-macam binatang, dan perkisaran angin dan awan yang dikendalikan antara langit dan bumi, (semua itu) sungguh, merupakan tanda-tanda (kebesaran Allah) bagi orang-orang yang mengerti
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟
وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ]، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.
فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
ذكرُ المدةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ
اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ
بيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟
ا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت.
وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
أنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد أعجَبَهم هذا؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ
يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك.
وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ.
ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
وجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ]، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟
قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ.
ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك.
رمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه.
والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه.
ى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[وقال آخَرون: بل قائِلو] هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعني تعالى جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض. ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟!
قيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها. واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ "الكهفِ": ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ. قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها.
وقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي غيرُه.
وقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ. قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا. واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون.
وقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه. فمعنى قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنَّ في السماواتِ والأرضِ.
هما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه.
ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ:
بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ
وأما "الليلُ" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ "ليالٍ"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ.
وأما "النهارُ" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه "النُّهُر"، قال الشاعرُ:
لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ … ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ
ولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كان قياسًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.
يعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾. [وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ]. وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها.
وأما قولُه: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعِ الناسِ. [فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] في البَحرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.
يعني بقولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وفي تصريفه الرياحَ. فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك. يُرادُ: إكرامُك أخاك.
وتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها.
كما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من أُرسِلَتْ
عليه.
وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا.
ابٌ على من أُرسِلَتْ
عليه.
وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها.
وهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها.
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها.
عةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ.
فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟
قيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
الِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ
والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم
الٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟ فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا.
ون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا. فهذا هو معنى الآيةِ.
والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه.
وْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يقول تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) تلك في [لطافتها و] ارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في [كثافتها و] انخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها وَوِهَادها وعُمْرانها وما فيها من المنافع (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)
ُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)
أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦] (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم
ْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦] (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبور وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة والرياح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم].
ح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم]. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [أي: سائر بين السماء والأرض] يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدَّشْتَكِيّ، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا لي لئِنْ دعوتُ ربي فجعلَ لكم الصفا ذهبًا لتُؤْمنُنّ بي" فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: "ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم".
إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: "ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم". فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) الآية.
ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة، به. وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟
قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله ﷿: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (يَعْقِلُونَ)
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي -عن سعيد بن مسروق، والد سفيان، عن أبي الضحى، به.