Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 164

QS 2:164

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 164

2:164
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ
Sesungguhnya pada penciptaan langit dan bumi, pergantian malam dan siang, kapal yang berlayar di laut dengan (muatan) yang bermanfaat bagi manusia, apa yang diturunkan Allah dari langit berupa air, lalu dengan itu dihidupkan-Nya bumi setelah mati (kering), dan Dia tebarkan di dalamnya bermacam-macam binatang, dan perkisaran angin dan awan yang dikendalikan antara langit dan bumi, (semua itu) sungguh, merupakan tanda-tanda (kebesaran Allah) bagi orang-orang yang mengerti
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 163Ayat 165 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

إِنَّ
إِنّ
partikel nashab
فِى
فِى
preposisi
خَلْقِ
خَلْق
خلق
ٱلسَّمَٰوَٰتِ
سَمَآء
سمو
وَٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
وَٱخْتِلَٰفِ
ٱخْتِلَٰف
خلف
ٱلَّيْلِ
لَيْل
ليل
وَٱلنَّهَارِ
نَهَار
نهر
وَٱلْفُلْكِ
فُلْك
فلك
ٱلَّتِى
ٱلَّذِى
kata sambung penghubung
تَجْرِى
جَرَيْ
جري
فِى
فِى
preposisi
ٱلْبَحْرِ
بَحْر
بحر
بِمَا
مَا
kata sambung penghubung
يَنفَعُ
نَفَعَ
نفع
ٱلنَّاسَ
نَّاس
نوس
وَمَآ
مَا
kata sambung penghubung
أَنزَلَ
أَنزَلَ
نزل
ٱللَّهُ
ٱللَّه
اله
مِنَ
مِن
preposisi
ٱلسَّمَآءِ
سَمَآء
سمو
مِن
مِن
preposisi
مَّآءٍ
مَآء
موه
فَأَحْيَا
أَحْيَا
حيي
بِهِ
pronomina
ٱلْأَرْضَ
أَرْض
ارض
بَعْدَ
بَعْد
بعد
مَوْتِهَا
مَوْت
موت
وَبَثَّ
بَثَّ
بثث
فِيهَا
فِى
preposisi
مِن
مِن
preposisi
كُلِّ
كُلّ
كلل
دَآبَّةٍ
دَآبَّة
دبب
وَتَصْرِيفِ
تَصْرِيف
صرف
ٱلرِّيَٰحِ
رِيح
روح
وَٱلسَّحَابِ
سَحَاب
سحب
ٱلْمُسَخَّرِ
مُسَخَّر
سخر
بَيْنَ
بَيْن
بين
ٱلسَّمَآءِ
سَمَآء
سمو
وَٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
لَءَايَٰتٍ
ءَايَة
ايي
لِّقَوْمٍ
قَوْم
قوم
يَعْقِلُونَ
عَقَلُ
عقل

Tafsir dalam korpus (102 potongan)

QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 617) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 617 · #52251
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟ وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ]، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه. فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52252
، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟ فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52253
المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ. ذكرُ المدةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 618) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 618 · #52254
ي المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ -شكَّ محمدُ بنُ أبى محمدٍ- عن ابنِ عباسٍ، قال: لما صُرِفت القبلةُ عن الشامِ إلى الكعبةِ -وصُرِفت في رجبٍ على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا من مَقدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ- أتى رسولَ اللهِ ﷺ رفاعةُ بنُ قيسٍ، وقَرْدَمُ بن عمرٍو، وكعبُ بنُ الأشرفِ، ونافعُ بنُ أبى نافعٍ -هكذا قال ابنُ حميدٍ، وقال أبو كُريبٍ: ورافعُ بنُ أبى رافعٍ- والحجاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ، والربيعُ ابنُ الربيعِ بنِ أبى الحُقَيقِ، وكِنانةُ [بنُ الربيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 619) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 619 · #52255
بيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا. قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 619) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 619 · #52256
ا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا. قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت. وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 620) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 620 · #52257
إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ. وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 620) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 620 · #52258
أنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد أعجَبَهم هذا؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك. وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 621) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 621 · #52259
سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين. وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 621) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 621 · #52260
ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا. وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ. ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه]. ذِكرُ من قال ذلك
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 622) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 622 · #52261
وجُّهُ شطرَ الكعبةِ اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه]. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ]، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52262
، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ. وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم. ذكرُ من قال ذلك
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52263
ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ. وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 623 · #52264
: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: صلّى رسولُ اللهِ ﷺ أوَّلَ ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِف إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ قبلَ قدومِه ﵇ ثلاثَ حِجَجٍ، وصلَّى بعدَ قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ. ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52265
قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ. ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52266
رمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه. والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه.
QS 2:142-174 (jilid 2 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 624 · #52267
ى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [وقال آخَرون: بل قائِلو] هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 8) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 8 · #52507
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعني تعالى جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً. وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض. ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ. فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟! قيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها. واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ "الكهفِ": ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 9) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 9 · #52508
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ. قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها. وقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي غيرُه. وقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ. قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا. واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون. وقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه. فمعنى قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنَّ في السماواتِ والأرضِ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 9) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 9 · #52509
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يعنِي جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليكم أيها، الناسُ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الموضِعِ الافْتِعالُ، مِن خُلُوفِ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه. ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 10) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 10 · #52510
هما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه. ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ: بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ وأما "الليلُ" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ "ليالٍ"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ. وأما "النهارُ" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه "النُّهُر"، قال الشاعرُ: لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ … ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ ولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كان قياسًا.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 11) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 11 · #52511
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. يعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾. [وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ]. وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها. وأما قولُه: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعِ الناسِ. [فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] في البَحرِ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 11) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 11 · #52512
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعني جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وفيما أنزَل اللهُ مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذي يُنزِلُه اللهُ مِن السماءِ. وقولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراجُ نباتِها. والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على "الماءِ"، والهاءُ والألفُ في قولِهِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ على الأرضِ. وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُثُورُ عمارتِها، وانقطاعُ نباتِها الذي هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنامِ أرزاقٌ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 12) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 12 · #52513
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. يعني بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: وإنَّ فيما بَثَّ في الأرضِ من دابةٍ. ومعنى قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: وفَرَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأميرُ سَراياه. يعني: فَرَّقَ. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ عائدَتانِ على "الأرضِ". والدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، من قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبيبًا فهي دابَّةٌ. والدَّابَّةُ اسمٌ لكلِّ ذي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بِجَناحٍ؛ لدَبِيبهِ على الأرضِ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 12) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 12 · #52514
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. يعني بقولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وفي تصريفه الرياحَ. فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك. يُرادُ: إكرامُك أخاك. وتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها. كما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من أُرسِلَتْ عليه. وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 12) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 12 · #52515
ابٌ على من أُرسِلَتْ عليه. وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها. وهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها. وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 13) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 13 · #52516
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾. يعني بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾: وفي السحاب المُسخَّرِ. و"السحابُ" جمعُ سحابةٍ. يَدُلُّ علَى ذلك قولُه جل ذكرُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]. ووحَّدَ المُسخَّرِ وذَكَّره، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ، في جمعِه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ. وإنما قيل للسحاب: سحابٌ - إنْ شاء اللهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَحْبِه إيَّاهُ. مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ ذيلَه. [بمَعْنى: يَجُرُّه]. فأمّا معنى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ﴾: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 14) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 14 · #52517
مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ ذيلَه. [بمَعْنى: يَجُرُّه]. فأمّا معنى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ﴾: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لمن عَقَل مواضعَ الحُجَجِ، وفَهِم عن اللهِ أدِلَّتَه على وحدانيَّتِه. فأعلَم عزّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إنما وُضعتْ مُعْتبَرًا لذوِي العقولِ والتمييزِ، دونَ غيرِهم مِن الخلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهيِ، والمُكَلَّفين الطاعةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ. فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 14) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 14 · #52518
عةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ. فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟ قيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 14) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 14 · #52519
الِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 15) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 15 · #52520
الٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟ فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا.
QS 2:164 (jilid 3 hlm. 15) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 15 · #52521
ون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا. فهذا هو معنى الآيةِ. والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه.
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 474) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 474 · #81876
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية [بتفرده] بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 474) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 474 · #81877
وْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يقول تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) تلك في [لطافتها و] ارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في [كثافتها و] انخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها وَوِهَادها وعُمْرانها وما فيها من المنافع (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 474) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 474 · #81878
ُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦] (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 475 · #81879
ْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦] (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبور وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة والرياح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم].
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 475 · #81880
ح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم]. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [أي: سائر بين السماء والأرض] يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 475 · #81881
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدَّشْتَكِيّ، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا لي لئِنْ دعوتُ ربي فجعلَ لكم الصفا ذهبًا لتُؤْمنُنّ بي" فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: "ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم".
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 475 · #81882
إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: "ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم". فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) الآية. ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة، به. وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 476) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 476 · #81883
قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء. وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية، قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله ﷿: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (يَعْقِلُونَ) ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي -عن سعيد بن مسروق، والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
QS 2:164 (jilid 1 hlm. 106) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 106 · #96040
قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لم يبين هنا كيفية تسخيره، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه﴾. •
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 76) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 76 · #110840
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٦٤] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) مَوْقِعُ هَاتِهِ الْآيَةِ عَقِبَ سَابِقَتِهَا مَوْقِعُ الْحُجَّةِ مِنَ الدَّعْوَى، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَنَ أَنَّ الْإِلَهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُتَلَقَّى بِالْإِنْكَارِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَنَاسَبَ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِمَنْ لَا يَقْتَنِعُ فَجَاءَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا يَسَعُ النَّاظِرَ إِلَّا التَّسْلِيم إِلَيْهَا.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 76) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 76 · #110841
سَبَ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِمَنْ لَا يَقْتَنِعُ فَجَاءَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا يَسَعُ النَّاظِرَ إِلَّا التَّسْلِيم إِلَيْهَا. فَإِن هُنَا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِلَفْتِ الْأَنْظَارِ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْرُوا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الْآيَاتُ. وَلَيْسَتْ إِنَّ هُنَا بِمُؤْذِنَةٍ بِتَعْلِيلٍ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا صَالِحًا لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَوْقِعُ لِفَاءِ الْعَطْفِ فَحِينَئِذٍ يُغْنِي وُقُوعُ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 76) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 76 · #110842
جُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا صَالِحًا لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَوْقِعُ لِفَاءِ الْعَطْفِ فَحِينَئِذٍ يُغْنِي وُقُوعُ (إِنَّ) عَنِ الْإِتْيَانِ بِفَاءِ الْعَطْفِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» وَقَدْ بَسَطْنَا فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [الْبَقَرَة: ٦١] . وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَاتِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ دَلَائِلِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ إِثْرَ ذِكْرِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِأَنَّهَا إِذَا أُثْبِتَتْ بِهَا الْوَحْدَانِيَّةُ ثَبَتَ الْوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 77 · #110843
َانِيَّتِهِ وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ إِثْرَ ذِكْرِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِأَنَّهَا إِذَا أُثْبِتَتْ بِهَا الْوَحْدَانِيَّةُ ثَبَتَ الْوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ. فَالْآيَةُ صَالِحَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَهْرِيِّهِمْ وَمُشْرِكِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمَقْصُودُ ابْتِدَاءً، وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ دَلَائِلَ كُلُّهَا وَاضِحَةٌ مِنْ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ مَعَ وُضُوحِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْرَارٍ يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي دَرْكِهَا حَتَّى يَتَنَاوَلَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِقْدَارَ الْأَدِلَّةِ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ قَرَائِحِهِمْ وَعُلُومِهِمْ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 77 · #110844
وَتُ النَّاسُ فِي دَرْكِهَا حَتَّى يَتَنَاوَلَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِقْدَارَ الْأَدِلَّةِ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ قَرَائِحِهِمْ وَعُلُومِهِمْ. وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَاخْتِيرَ هُنَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلِلْعِبْرَةِ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ تَكْوِينِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنِّظَامِ الْجَامِعِ بَيْنَهَا فَكَمَا كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنْهَا أَوْ فِيهَا هُوَ آيَةٌ وَعِبْرَةٌ فَكَذَلِكَ مَجْمُوعُ خَلْقِهَا، وَلَعَلَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ بِالنِّظَامِ الشَّمْسِيِّ وَهُوَ النِّظَامُ الْمُنْضَبِطُ فِي أَحْوَالِ الْأَرْضِ مَعَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالسَّمَاوَاتِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 77 · #110845
ِالنِّظَامِ الشَّمْسِيِّ وَهُوَ النِّظَامُ الْمُنْضَبِطُ فِي أَحْوَالِ الْأَرْضِ مَعَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالسَّمَاوَاتِ. والسَّماواتِ جَمْعُ سَمَاءٍ وَالسَّمَاءُ إِذَا أُطْلِقَتْ مُفْرَدَةً فَالْمُرَادُ بِهَا الْجَوُّ الْمُرْتَفِعُ فَوْقَنَا الَّذِي يَبْدُو كَأَنَّهُ قُبَّةٌ زَرْقَاءُ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْعَظِيمُ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ الْكَوَاكِبُ وَذَلِكَ الْمُرَادُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الْملك: ٥] ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات: ٦] ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء [الْبَقَرَة: ٢٢] .
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 77 · #110846
بِمَصابِيحَ [الْملك: ٥] ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات: ٦] ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء [الْبَقَرَة: ٢٢] . وَإِذَا جُمِعَتْ فَالْمُرَادُ بِهَا أَجْرَامٌ عَظِيمَةٌ ذَاتُ نِظَامٍ خَاصٍّ مِثْلُ الْأَرْضِ وَهِيَ السَّيَّارَاتُ الْعَظِيمَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَالَّتِي عُرِفَتْ مِنْ بَعْدُ وَالَّتِي سَتُعْرَفُ: عُطَارِدُ وَالزُّهَرَةُ وَالْمِرِّيخُ وَالشَّمْسُ وَالْمُشْتَرِي وَزُحَلُ وَأُرَانُوسُ وَنِبْتُونُ. ولعلها هِيَ السَّمَوَات السَّبْعُ وَالْعَرْشُ الْعَظِيمُ، وَهَذَا السِّرُّ فِي جمع (السَّمَوَات) هُنَا وَإِفْرَادِ (الْأَرْضِ) لِأَنَّ الْأَرْضَ عَالَمٌ وَاحِدٌ وَأَمَّا جَمْعُهَا فِي بَعْضِ الْآيَاتِ فَهُوَ عَلَى مَعْنَى طَبَقَاتِهَا أَوْ أَقْسَامِ سَطْحِهَا. وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي خلق مَجْمُوع السَّمَوَات مَعَ الْأَرْضِ آيَاتٍ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ الْخَلْقُ وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَعْطُوفًا على السَّمَوَات لِيَتَسَلَّطَ الْمُضَافُ عَلَيْهِمَا.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 77 · #110847
السَّمَوَات مَعَ الْأَرْضِ آيَاتٍ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ الْخَلْقُ وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَعْطُوفًا على السَّمَوَات لِيَتَسَلَّطَ الْمُضَافُ عَلَيْهِمَا. وَالْآيَةُ فِي هَذَا الْخَلْقِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ عَرَفَ أَسْرَارَ هَذَا النِّظَامِ وَقَوَاعِدَ الْجَاذِبِيَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سَيْرِ مَجْمُوعِ هَاتِهِ السَّيَّارَاتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِيهِ خَلَلٌ وَلَا خَرْقٌ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] ، وَأَعْظَمُ تِلْكَ الْأَسْرَارِ تَكْوِينُهَا عَلَى هَيْئَةِ كُرَيَّةٍ قَالَ الْفَخْرُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْحُسَامِ يَقْرَأُ «كِتَابَ الْمِجَسْطِيِّ» عَلَى عُمَرَ الْأَبْهَرِيِّ فَقَالَ لَهُمَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَوْمًا مَا الَّذِي تَقْرَءُونَهُ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ أُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 78 · #110848
ْفُقَهَاءِ يَوْمًا مَا الَّذِي تَقْرَءُونَهُ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ أُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها [ق: ٦] فَأَنَا أُفَسِّرُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا وَلَقَدْ صَدَقَ الْأَبْهَرِيُّ فِيمَا قَالَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَوَغُّلًا فِي بِحَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ اه. قُلْتُ وَمِنْ بَدِيعِ هَذَا الْخَلْقِ أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا بِمَا يَحْتَاجُهُ كُلٌّ فَلَا يَنْقُصُ مِنَ الْمُمِدِّ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ يمده غَيره يما يُخْلِفُ لَهُ مَا نَقَصَ، وَهَكَذَا نَجِدُ الْمَوْجُودَاتِ مُتَفَاعِلَةً، فَالْبَحْرُ يُمِدُّ الْجَوَّ بِالرُّطُوبَةِ فَتَكُونُ مِنْهُ الْمِيَاهُ النَّازِلَةُ ثُمَّ هُوَ لَا يَنْقُصُ مَعَ طُولِ الْآبَادِ لِأَنَّهُ يُمِدُّهُ كُلُّ نَهْرٍ وَوَادٍ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 78 · #110849
لْجَوَّ بِالرُّطُوبَةِ فَتَكُونُ مِنْهُ الْمِيَاهُ النَّازِلَةُ ثُمَّ هُوَ لَا يَنْقُصُ مَعَ طُولِ الْآبَادِ لِأَنَّهُ يُمِدُّهُ كُلُّ نَهْرٍ وَوَادٍ. وَهِيَ آيَةٌ لِمَنْ كَانَ فِي الْعَقْلِ دُونَ هَاتِهِ الْمَرْتَبَةِ فَأَدْرَكَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا الْخَلْقِ مَشْهَدًا بَدِيعًا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَظُهُورِ الْكَوَاكِبِ فِي الْجَوِّ وَغُرُوبِهَا. وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يَحُفُّ بِهَا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ كَالنُّجُومِ الثَّوَابِتِ وَالشُّهُبِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ جِبَالٍ وَبِحَارٍ وَأَنْهَارٍ وَحَيَوَانٍ فَذَلِكَ مِنْ تَفَارِيعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 78 · #110850
وَابِتِ وَالشُّهُبِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ جِبَالٍ وَبِحَارٍ وَأَنْهَارٍ وَحَيَوَانٍ فَذَلِكَ مِنْ تَفَارِيعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ تَذْكِيرٌ بِآيَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ لَا تَخْفَى على أحد من الْعُقَلَاءِ وَهِيَ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَعْنِي اخْتِلَافَ حَالَتَيِ الْأَرْضِ فِي ضِيَاءٍ وَظُلْمَةٍ، وَمَا فِي الضِّيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ لِلنَّاسِ وَمَا فِي الظُّلْمَةِ مِنَ الْفَوَائِدِ لَهُمْ لِحُصُولِ سُكُونِهِمْ وَاسْتِرْجَاعِ قُوَاهُمُ الْمَنْهُوكَةِ بِالْعَمَلِ. وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ لِخَاصَّةِ الْعُقَلَاءِ إِذْ يَعْلَمُونَ أَسْبَابَ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مِنْ آثَارِ دَوَرَانِ الْأَرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلِهَذَا جُعِلَتِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِهِمَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آيَةٌ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 78 · #110851
دَوَرَانِ الْأَرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلِهَذَا جُعِلَتِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِهِمَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آيَةٌ. وَالِاخْتِلَافُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخَلْفِ وَهُوَ أَن يجيئ شَيْءٌ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ يَخْلُفُهُ فِي مَكَانِهِ وَالْخِلْفَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْخَلْفُ قَالَ زُهَيْرٌ: «بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً» وَقَدْ أُضِيفَ الِاخْتِلَافُ لِكُلٍّ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْلُفُ الْآخَرَ فَتَحْصُلُ مِنْهُ فَوَائِدُ تُعَاكِسُ فَوَائِدَ الْآخَرِ بِحَيْثُ لَوْ دَامَ أَحَدُهُمَا لانقلب النَّفْع ضَرَرا قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 79 · #110852
َسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الْقَصَص: ٧١، ٧٢] . وَلِلِاخْتِلَافِ مَعْنًى آخَرُ هُوَ مُرَادٌ أَيْضًا وَهُوَ تَفَاوُتُهُمَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ فَمَرَّةً يَعْتَدِلَانِ وَمَرَّةً يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَةِ الْفُصُولِ وَبِحَسَبِ أَمْكِنَةِ الْأَرْضِ فِي أَطْوَالِ الْبِلَادِ وَأَعْرَاضِهَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبْرَةِ لِأَنَّهُ آثَارُ الصُّنْعِ الْبَدِيعِ فِي شَكْلِ الْأَرْضِ وَمِسَاحَتِهَا لِلشَّمْسِ قُرْبًا وَبُعْدًا.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 79 · #110853
ِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبْرَةِ لِأَنَّهُ آثَارُ الصُّنْعِ الْبَدِيعِ فِي شَكْلِ الْأَرْضِ وَمِسَاحَتِهَا لِلشَّمْسِ قُرْبًا وَبُعْدًا. فَفِي اخْتِيَارِ التَّعْبِيرِ بِالِاخْتِلَافِ هُنَا سِرٌّ بَدِيعٌ لِتَكُونَ الْعِبَارَةُ صَالِحَةً لِلْعِبْرَتَيْنِ. وَاللَّيْلُ اسْمٌ لِعَرْضِ الظُّلْمَةِ وَالسَّوَادِ الَّذِي يَعُمُّ مِقْدَارَ نِصْفٍ مِنْ كُرَةِ الْأَرْضِ الَّذِي يَكُونُ غَيْرَ مُقَابِلٍ لِلشَّمْسِ فَإِذَا حُجِبَ قُرْصُ الشَّمْسِ عَنْ مِقْدَارِ نِصْفِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ بِسَبَبِ التَّقَابُلِ الْكُرَوِيِّ تَقَلَّصَ شُعَاعُ الشَّمْسِ عَنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ فَأَخَذَ النُّورُ فِي الضَّعْفِ وَعَادَتْ إِلَيْهِ الظُّلْمَةُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي مَا أَزَالَهَا إِلَّا شُعَاعُ الشَّمْسِ وَيَكُونُ تَقَلُّصُ النُّورِ مُدَرَّجًا مَنْ وَقْتِ مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَنْ مُقَابَلَةِ الْأُفُقِ ابْتِدَاءً مِنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ ثُمَّ وَقْتِ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 79 · #110854
وَيَكُونُ تَقَلُّصُ النُّورِ مُدَرَّجًا مَنْ وَقْتِ مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَنْ مُقَابَلَةِ الْأُفُقِ ابْتِدَاءً مِنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ ثُمَّ وَقْتِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ ثُمَّ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ إِلَى أَنْ يَحْلُكَ السَّوَادُ فِي وَقْتِ الْعَشَاءِ حِينَ بَعُدَ قُرْصُ الشَّمْسِ عَنِ الْأُفُقِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ الْمَغِيبُ، وَكُلَّمَا اقْتَرَبَ قُرْصُ الشَّمْسِ مِنَ الْأُفُقِ الْآخَرِ أَكْسَبَهُ ضِيَاءً مِنْ شُعَاعِهَا ابْتِدَاءً مِنْ وَقْتِ الْفَجْرِ إِلَى الْإِسْفَارِ إِلَى الشُّرُوقِ إِلَى الضُّحَى، حَيْثُ يَتِمُّ نُورُ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ الْمُتَّجِهَةِ إِلَى نِصْفِ الْكُرَةِ تَدْرِيجًا.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 79 · #110855
فَجْرِ إِلَى الْإِسْفَارِ إِلَى الشُّرُوقِ إِلَى الضُّحَى، حَيْثُ يَتِمُّ نُورُ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ الْمُتَّجِهَةِ إِلَى نِصْفِ الْكُرَةِ تَدْرِيجًا. وَذَلِكَ الضِّيَاءُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالنَّهَارِ وَهُوَ النُّورُ التَّامُّ الْمُنْتَظِمُ عَلَى سَطْحِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَسْتَنِيرُ سَطْحُ الْكُرَةِ بِالْقَمَرِ فِي مُعْظَمِ لَيَالِيهِ اسْتِنَارَةً غَيْرَ تَامَّةٍ، وَبِضَوْءِ بَعْضِ النُّجُومِ اسْتِنَارَةً ضَعِيفَةً لَا تَكَادُ تُعْتَبَرُ. فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيْ تَعَاقُبِهِمَا وَخَلْفِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، وَمِنْ بَلَاغَةِ عِلْمِ الْقُرْآنِ أَنْ سَمَّى ذَلِكَ اخْتِلَافًا تَسْمِيَةً مُنَاسِبَةً لِتَعَاقُبِ الْأَعْرَاضِ عَلَى الْجَوْهَرِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 79 · #110856
ْ بَلَاغَةِ عِلْمِ الْقُرْآنِ أَنْ سَمَّى ذَلِكَ اخْتِلَافًا تَسْمِيَةً مُنَاسِبَةً لِتَعَاقُبِ الْأَعْرَاضِ عَلَى الْجَوْهَرِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ ذَاتِيٍّ فَإِنَّ مَا بِالذَّاتِ لَا يَخْتَلِفُ فَأَوْمَأَ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَيْسَا ذَاتَيْنِ وَلَكِنَّهُمَا عَرَضَانِ خِلَافَ مُعْتَقَدِ الْأُمَمِ الْجَاهِلَةِ أَنَّ اللَّيْلَ جِسْمٌ أَسْوَدُ كَمَا صَوَّرَهُ الْمِصْرِيُّونَ الْقُدَمَاءُ عَلَى بَعْضِ الْهَيَاكِلِ وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي اللَّيْلِ: فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ...
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 80 · #110857
هُ الْمِصْرِيُّونَ الْقُدَمَاءُ عَلَى بَعْضِ الْهَيَاكِلِ وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي اللَّيْلِ: فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشَّمْسِ: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشَّمْس: ٣- ٤] . وَقَوْلُهُ: وَالْفُلْكِ عَطْفٌ عَلَى خَلْقِ واخْتِلافِ فَهُوَ مَعْمُول لفي أَيْ وَفِي الْفُلْكِ، وَوَصْفُهَا بِالَّتِي تَجْرِي الْمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ الْعَطْفِ أَيْ أَنَّ عَطْفَهَا عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، وَفِي كَوْنِهَا نِعْمَةً مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 80 · #110858
ا عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، وَفِي كَوْنِهَا نِعْمَةً مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَجْرِي بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، فَأَمَّا جَرْيُهَا فِي الْبَحْرِ فَهُوَ يَتَضَمَّنُ آيَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا آيَةُ خَلْقِ الْبَحْرِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْفُلْكُ خَلْقًا عَجِيبًا عَظِيمًا إِذْ كَانَ مَاءً غَامِرًا لِأَكْثَرِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَمَا فِيهِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ وَمَا رُكِّبَ فِي مَائِهِ مِنَ الْأَمْلَاحِ وَالْعَقَاقِيرِ الْكِيمْيَاوِيَّةِ لِيَكُونَ غَيْرَ مُتَعَفِّنٍ بَلْ بِالْعَكْسِ يُخْرِجُ لِلْهَوَاءِ أَجْزَاءً نَافِعَةً لِلْأَحْيَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالثَّانِيَةُ آيَةُ سَيْرِ السُّفُنِ فِيهِ وَهُوَ مَاءٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فَجَرْيُ السُّفُنِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ إِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْإِنْسَانَ لِلتَّفَطُّنِ لِهَذَا التَّسْخِيرِ الْعَجِيبِ الَّذِي اسْتَطَاعَ بِهِ أَنْ يَسْلُكَ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 80 · #110859
لسُّفُنِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ إِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْإِنْسَانَ لِلتَّفَطُّنِ لِهَذَا التَّسْخِيرِ الْعَجِيبِ الَّذِي اسْتَطَاعَ بِهِ أَنْ يَسْلُكَ الْبَحْرَ كَمَا يَمْشِي فِي الْأَرْضِ، وَصُنْعُ الْفُلْكِ مِنْ أَقْدَمِ مُخْتَرَعَاتِ الْبَشَرِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُوحًا ﵇ فِي أَقْدَمِ عُصُورِ الْبَشَرِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لِلْفُلْكِ الرِّيَاحَ الدَّوْرِيَّةَ وَهِيَ رِيَاحٌ تَهُبُّ فِي الصَّبَاحِ إِلَى جِهَةٍ وَفِي الْمَسَاءِ إِلَى جِهَةٍ فِي السَّوَاحِلِ تنشأ عَن إحْيَاء أَشِعَّةِ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ الْهَوَاءُ الَّذِي فِي الْبَرِّ حَتَّى يَخِفَّ الْهَوَاءُ فَيَأْتِي هَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ لِيَخْلُفَ ذَلِكَ الْهَوَاءَ الْبَرِّيَّ الَّذِي تَصَاعَدَ فَتَحْدُثُ رِيحٌ رُخَاءٌ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ وَيَقَعُ عَكْسُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَتَأْتِي رِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْبَرِّ إِلَى الْبَحْرِ، وَهَذِهِ الرِّيحُ يَنْتَفِعُ بِهَا الصَّيَّادُونَ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 80 · #110860
َحْرِ وَيَقَعُ عَكْسُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَتَأْتِي رِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْبَرِّ إِلَى الْبَحْرِ، وَهَذِهِ الرِّيحُ يَنْتَفِعُ بِهَا الصَّيَّادُونَ وَالتُّجَّارُ وَهِيَ تَكُونُ أَكْثَرَ انْتِظَامًا فِي مَوَاقِعَ مِنْهَا فِي مَوَاقِعَ أُخْرَى. وَسَخَّرَ لِلْفُلْكِ رِيَاحًا مَوْسِمِيَّةً وَهِيَ تَهُبُّ إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ وَإِلَى عَكْسِهَا فِي أَشْهُرٍ أُخْرَى تَحْدُثُ مِنَ اتِّجَاهِ حَرَارَةِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَى الْأَمَاكِنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ مَدَارِ السَّرَطَانِ وَمَدَارِ الْجَدْيِ، مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ عِنْدَ انْتِقَالِ الشَّمْسِ مِنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ إِلَى جِهَةِ مَدَارِ السَّرَطَانِ وَإِلَى جِهَةِ مَدَارِ الْجَدْيِ، فَتَحْدُثُ هَاتِهِ الرِّيحُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي شطوط الْيمن وَحضر موت وَالْبَحْرِ الْهِنْدِيِّ وَتُسَمَّى الرِّيحَ التِّجَارِيَّةَ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 80 · #110861
ثُ هَاتِهِ الرِّيحُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي شطوط الْيمن وَحضر موت وَالْبَحْرِ الْهِنْدِيِّ وَتُسَمَّى الرِّيحَ التِّجَارِيَّةَ. وَأَمَّا كَوْنُهَا نِعْمَةً فَلِأَن فِي هَذَا التَّسْخِيرِ نَفْعًا لِلتِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ وَالْغَزْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصَارِ. وَالْفُلْكُ هُنَا جَمْعٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي كَثْرَتِهَا، وَهُوَ وَمُفْرَدُهُ سَوَاءٌ فِي الْوَزْنِ فَالتَّكْسِيرُ فِيهِ اعْتِبَارِيٌّ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ مُفْرَدِهِ فُلُكٌ بِضَمَّتَيْنِ كَعُنُقٍ وَكُسِّرَ عَلَى فُلْكٍ مِثْلَ عُرْبٍ وَعُجْمٍ وَأُسْدٍ وَخُفِّفَ الْمُفْرَدُ بِتَسْكِينِ عَيْنِهِ لِأَنَّ سَاكِنَ الْعَيْنِ فِي مَضْمُومِ الْفَاءِ فَرْعُ مَضْمُومِ الْعين مَا قُصِدَ مِنْهُ التَّخْفِيف على مت بَيَّنَهُ الرَّضِيُّ فَاسْتَوَى فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ، وَقِيلَ الْمُفْرَدُ بِفَتْحِ الْفَاءِ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 81 · #110862
ْعين مَا قُصِدَ مِنْهُ التَّخْفِيف على مت بَيَّنَهُ الرَّضِيُّ فَاسْتَوَى فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ، وَقِيلَ الْمُفْرَدُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَالْجَمْعُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ قِيلَ أَسْدٌ وَأُسُدٌ وَخَشْبٌ وَخُشُبٌ ثُمَّ سُكِّنَتِ اللَّامُ تَخْفِيفًا، وَالِاسْتِعْمَالُ الْفَصِيحُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ ضَمُّ الْفَاءِ وَسُكُونُ اللَّامِ قَالَ تَعَالَى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ [هود: ٣٧] . والْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشُّعَرَاء: ١١٩] وَقَالَ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ وَقَالَ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [إِبْرَاهِيم:
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 81 · #110863
ِ الْمَشْحُونِ [الشُّعَرَاء: ١١٩] وَقَالَ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ وَقَالَ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [إِبْرَاهِيم: ٣٢] ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ [يُونُس: ٢٢] ، ثُمَّ إِنَّ أَصْلَ مُفْرَدِهِ التَّذْكِيرُ قَالَ تَعَالَى: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى السَّفِينَةِ قَالَ تَعَالَى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها [هود: ٤١] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ [هود: ٤٢] كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [هود: ٣٨] .
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 81 · #110864
ِينَةِ قَالَ تَعَالَى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها [هود: ٤١] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ [هود: ٤٢] كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [هود: ٣٨] . وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إِذْ عَدَّ لَفْظَ الْفُلْكِ مِمَّا أُنِّثَ بِدُونِ تَاءٍ وَلَا أَلِفٍ فَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ «وَالْفُلْكُ تَجْرِي وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ» لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِاسْتِعْمَالِهِ مُؤَنَّثًا وَإِنْ كَانَ تَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَجُوزُ فِي مُفْرَدِهِ فَقَطْ ضَمُّ اللَّامِ مَعَ ضَمِّ الْفَاءِ وَقُرِئَ بِهِ شَاذًّا وَالْقَوْلُ بِهِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ أَيْضًا لِلْمُفْرَدِ وَالْجَمْعُ وَهُوَ مَرْدُودٌ إِذْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَا دَاعِيَ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قَالَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّاكِنِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 81 · #110865
َدِ وَالْجَمْعُ وَهُوَ مَرْدُودٌ إِذْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَا دَاعِيَ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قَالَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّاكِنِ. وَفِي امْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى بِجَرَيَانِ الْفُلْكِ فِي الْبَحْرِ (١) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مِثْلِ رُكُوبِهِ لِلْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» (٢) وَتَبِعَهُ أَهْلُ «الصَّحِيحِ» حَدِيثَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فِي بَابِ التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ الثَّانِي مِنَ «الْمُوَطَّأِ» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ..
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 81 · #110866
قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... فَنَامَ يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا على الأسرة قَالَت فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا» الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ» الحَدِيث. وَعَلِيهِ فَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ لَا يَحْمِلَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَحْرِ مُؤَوَّلٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَتَرْكِ التَّغْرِيرِ (١) وَأَنَا أَحْسَبُهُ قَدْ قَصَدَ مِنْهُ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 82 · #110867
صِ أَنْ لَا يَحْمِلَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَحْرِ مُؤَوَّلٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَتَرْكِ التَّغْرِيرِ (١) وَأَنَا أَحْسَبُهُ قَدْ قَصَدَ مِنْهُ خَشْيَةَ تَأَخُّرِ نَجَدَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ لِأَنَّ السُّفُنَ قَدْ يَتَأَخَّرُ وُصُولُهَا إِذَا لَمْ تُسَاعِفْهَا الرِّيَاحُ الَّتِي تَجْرِي بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ وَلِأَنَّ رُكُوبَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ فِي سُفُنِ ذَلِكَ الْعَصْرِ مَظِنَّةُ وُقُوعِ الْغَرَقِ، وَلِأَنَّ عَدَدَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَدُوِّ فَلَا يَنْبَغِي تَعْرِيضُهُ لِلْخَطَرِ فَذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ لِلنَّاسِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 82 · #110868
ُهُ لِلْخَطَرِ فَذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ لِلنَّاسِ. وَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ اسْتَأْذَنَ مُعَاوِيَةُ عُثْمَانَ فَأَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهِ فَرَكِبَهُ لِغَزْوِ (قُبْرُصَ) ثُمَّ لِغَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَفِي غَزْوَةِ (قُبْرُصَ) ظَهَرَ تَأْوِيل رُؤْيا النَّبِي ﷺ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ نَهَى عَنْ رُكُوبِهِ ثُمَّ رَكِبَهُ النَّاسُ بَعْدَهُ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 82 · #110869
ِيثِ أُمِّ حَرَامٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ نَهَى عَنْ رُكُوبِهِ ثُمَّ رَكِبَهُ النَّاسُ بَعْدَهُ. وَرُوِيَ عَن مَالك كَرَاهَة سَفَرِ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَحَدِيثُ أُمِّ حَرَامٍ يَرُدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَلَكِنْ تَأَوَّلَهَا أَصْحَابُهُ بِأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِخَشْيَةِ اطِّلَاعِهِنَّ عَلَى عَوْرَاتِ الرِّجَالِ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ فَخَصَّهُ أَصْحَابُهُ بِسُفُنِ أَهْلِ الْحِجَازِ لِصِغَرِهَا وَضِيقِهَا وَتَزَاحُمِ النَّاسِ فِيهَا مَعَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْبَرِّ مُمْكِنًا سَهْلًا وَأَمَّا السُّفُنُ الْكِبَارُ كَسُفُنِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِاسْتِتَارُ وَقِلَّةُ التَّزَاحُمِ فَلَيْسَ بِالسَّفَرِ فِيهَا لِلْمَرْأَةِ بَأْسٌ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) .
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 82 · #110870
ِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِاسْتِتَارُ وَقِلَّةُ التَّزَاحُمِ فَلَيْسَ بِالسَّفَرِ فِيهَا لِلْمَرْأَةِ بَأْسٌ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) . وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي قَبْلَهُ جِيءَ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ لِيَأْتِيَ عَطْفُ صِلَةٍ عَلَى صِلَةٍ فَتَبْقَى الْجُمْلَةُ بِمَقْصِدِ الْعِبْرَةِ وَالنِّعْمَةِ، فَالصِّلَةُ الْأُولَى وَهِيَ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ تَذْكِيرٌ بِالْعِبْرَةِ لِأَنَّ فِي الصِّلَةِ مِنَ اسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ مَا لَيْسَ فِي نَحْوِ كَلِمَةِ الْمَطَرِ وَالْغَيْثِ، وَإِسْنَادُ الْإِنْزَالِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَدَ أَسْبَابَ نُزُولِ الْمَاءِ بِتَكْوِينِهِ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ. وَالسَّمَاءُ الْمُفْرَدُ هُوَ الْجَوُّ وَالْهَوَاءُ الْمُحِيطُ بِالْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَهُوَ الَّذِي يُشَاهِدُهُ جَمِيعُ السَّامِعِينَ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 82 · #110871
. وَالسَّمَاءُ الْمُفْرَدُ هُوَ الْجَوُّ وَالْهَوَاءُ الْمُحِيطُ بِالْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَهُوَ الَّذِي يُشَاهِدُهُ جَمِيعُ السَّامِعِينَ. وَوجه الْعبْرَة فِيهِ أَنَّ شَأْنَ الْمَاءِ الَّذِي يَسْقِي الْأَرْضَ أَنْ يَنْبُعَ مِنْهَا فَجَعْلُ الْمَاءِ نَازِلًا عَلَيْهَا مِنْ- ضِدِّهَا وَهُوَ السَّمَاءُ- عِبْرَةٌ عَجِيبَةٌ. وَفِي الْآيَةِ عِبْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِمَنْ يَجِيءُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ جَعْلَ الْمَاءِ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ بُخَارَ الْمَاءِ يَصِيرُ مَاءً فِي الكرة الهوائية عِنْد مَا يُلَامِسُ الطَّبَقَةَ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 83 · #110872
َ أَنَّ جَعْلَ الْمَاءِ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ بُخَارَ الْمَاءِ يَصِيرُ مَاءً فِي الكرة الهوائية عِنْد مَا يُلَامِسُ الطَّبَقَةَ الزَّمْهَرِيرِيَّةَ وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ تصير زمهريرا عِنْد مَا تَقِلُّ حَرَارَةُ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَلَعَلَّ فِي بَعْضِ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَخَاصَّةً الْقَمَرِ أَهْوِيَةً بَارِدَةً يَحْصُلُ بِهَا الزَّمْهَرِيرُ فِي ارْتِفَاعِ الْجَوِّ فَيَكُونُ لَهَا أَثَرٌ فِي تَكْوِينِ الْبُرُودَةِ فِي أَعْلَى الْجَوِّ فأسند إِلَيْهَا بإنزال الْمَاءِ مَجَازًا عَقْلِيًّا وَرُبَّمَا يُسْتَرْوَحُ لِهَذَا بِحَدِيثٍ مَرْوِيٍّ وَهُوَ أَنَّ الْمَطَرَ يَنْزِلُ مِنْ بَحْرٍ تَحْتَ الْعَرْشِ أَيْ أَنَّ عُنْصُرَ الْمَائِيَّةِ يَتَكَوَّنُ هُنَالك ويصل بالمجاورة حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى جَوِّنَا قَلِيلٌ مِنْهُ فَإِذَا صَادَفَتْهُ الْأَرْضُ تكون من ازدواجهما الْمَاءُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النُّور:
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 83 · #110873
ْهُ فَإِذَا صَادَفَتْهُ الْأَرْضُ تكون من ازدواجهما الْمَاءُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النُّور: ٤٣] ، وَلَعَلَّهَا جِبَالُ كُرَةِ الْقَمَرِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْهَيْئَةِ أَنَّ نَهَارَ الْقَمَرِ يَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَيْلُهُ كَذَلِكَ، فَيَحْصُلُ فِيهِ تَغْيِيرٌ عَظِيمٌ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى شِدَّةِ الْبَرْدِ فَإِذَا كَانَتْ مُدَّةُ شِدَّةِ الْبَرْدِ هِيَ مُدَّةَ اسْتِقْبَالِهِ الْأَرْضَ أَحْدَثَ فِي جَوِّ الْأَرْضِ عُنْصُرَ الْبُرُودَةِ. وَقَوْلُهُ: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ بِالْفَاءِ لِسُرْعَةِ حَيَاةِ الْأَرْضِ إِثْرَ نُزُولِ الْمَاءِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ الْفِعْلُ وَالْفَاءُ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وَمَوْضِعُ مِنَّةٍ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 83 · #110874
لَةِ بِالْفَاءِ لِسُرْعَةِ حَيَاةِ الْأَرْضِ إِثْرَ نُزُولِ الْمَاءِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ الْفِعْلُ وَالْفَاءُ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وَمَوْضِعُ مِنَّةٍ. وَأُطْلِقَتِ الْحَيَاةُ عَلَى تَحَرُّكِ الْقُوَى النَّامِيَةِ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ قُوَّةُ النَّبَاتِ اسْتِعَارَةً لِأَنَّ الْحَيَاةَ حَقِيقَةً هِيَ ظُهُورُ الْقُوَى النَّامِيَةِ فِي الْحَيَوَانِ فَشُبِّهَتِ الْأَرْضُ بِهِ. وَإِذَا جَعَلْنَا الْحَيَاةَ حَقِيقَةً فِي ظُهُورِ قَوَى النَّمَاءِ وَجَعَلْنَا النَّبَاتَ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ حَقِيقَةً وَبِالْمَوْتِ فَقَوْلُهُ: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَالْمُرَادُ إِحْيَاءُ مَا تُرَادُ لَهُ الْأَرْضُ وَهُوَ النَّبَاتُ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَيْنَ أَحْيَا وَمَوْتٍ طِبَاقَانِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 83 · #110875
الْمُرَادُ إِحْيَاءُ مَا تُرَادُ لَهُ الْأَرْضُ وَهُوَ النَّبَاتُ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَيْنَ أَحْيَا وَمَوْتٍ طِبَاقَانِ. وَقَوْلُهُ: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ عَطْفٌ إِمَّا عَلَى أَنْزَلَ فَيَكُونُ صِلَةً ثَانِيَةً وَبِاعْتِبَارِ مَا عُطِفَ قَبْلَهُ عَلَى الصِّلَةِ صِلَةً ثَالِثَةً، وَإِمَّا عطف على فَأَحْيا فَيَكُونُ مَعْطُوفًا ثَانِيًا عَلَى الصِّلَةِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ آيَةٌ وَمِنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ عَطْفًا عَلَى الصِّلَةِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ بَيَانِيَّةٌ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ عَطْفًا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَى الصِّلَة وَهُوَ فَأَحْيا فَمِنْ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 83 · #110876
بَّةٍ بَيَانِيَّةٌ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ عَطْفًا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَى الصِّلَة وَهُوَ فَأَحْيا فَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ ظَرْفٌ لَغْوٌ، أَيْ أَكْثَرَ فِيهَا عَدَدًا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ يَنْبَثُّ بَعْضٌ كَثِيرٌ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِهِ، فَالتَّنْكِيرُ فِي دَابَّةٍ لِلتَّنْوِيعِ أَي أَكثر الله مِنْ كُلِّ الْأَنْوَاعِ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ دُونَ آخَرَ. وَالْبَثُّ فِي الْأَصْلِ نَشْرُ مَا كَانَ خَفِيًّا وَمِنْهُ بَثَّ الشَّكْوَى وَبَثَّ السِّرَّ أَيْ أَظْهَرَهُ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 84 · #110877
يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ دُونَ آخَرَ. وَالْبَثُّ فِي الْأَصْلِ نَشْرُ مَا كَانَ خَفِيًّا وَمِنْهُ بَثَّ الشَّكْوَى وَبَثَّ السِّرَّ أَيْ أَظْهَرَهُ. قَالَتِ الْأَعْرَابِيَّةُ «لَقَدْ أَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي وَأَطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي» وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ قَالَتِ السَّادِسَةُ «وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ» أَيْ لَا يَبْحَثُ عَن سر زوحته لِتَفْشُوَهُ لَهُ، فَمَثَّلَتِ الْبَحْثَ بِإِدْخَالِ الْكَفِّ لِإِخْرَاجِ الْمَخْبُوءِ (١) ، ثمَّ اسْتعْمل البث مَجَازًا فِي انْتِشَارِ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ كَامِنًا كَمَا فِي هَاتِهِ الْآيَةِ وَاسْتُعْمِلَ أَيْضًا فِي مُطْلَقِ الِانْتِشَارِ، قَالَ الْحَمَاسِيُّ: وَهَلَّا أَعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفَاقَدُوا ...
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 84 · #110878
ِنًا كَمَا فِي هَاتِهِ الْآيَةِ وَاسْتُعْمِلَ أَيْضًا فِي مُطْلَقِ الِانْتِشَارِ، قَالَ الْحَمَاسِيُّ: وَهَلَّا أَعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفَاقَدُوا ... وَفِي الأَرْض مثبوت شُجَاعٌ وَعَقْرَبُ وَبَثُّ الدَّوَابِّ عَلَى وَجْهِ عَطْفِهِ عَلَى فِعْلِ أَنْزَلَ هُوَ خَلْقُ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ عَلَى الْأَرْضِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَثِّ لِتَصْوِيرِ ذَلِكَ الْخَلْقِ الْعَجِيبِ الْمُتَكَاثِرِ فَالْمَعْنَى وَخَلَقَ فَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ. وَعَلَى وَجْهِ عَطْفِ وَبَثَّ عَلَى فَأَحْيا فَبَثُّ الدَّوَابِّ انْتِشَارُهَا فِي الْمَرَاعِي بَعْدَ أَنْ كَانَتْ هَازِلَةً جَاثِمَةً وَانْتِشَارُ نَسْلِهَا بِالْوِلَادَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ انْتِشَارٌ وَبَثٌّ وَصَفَهُ لَبِيدٌ بِقَوْلِهِ: رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَا فَعَلَا فُرُوعُ الْأَيْهُقَانِ وَأَطْفَلَتْ ...
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 84 · #110879
بِقَوْلِهِ: رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَا فَعَلَا فُرُوعُ الْأَيْهُقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا وَالْآيَةُ أَوْجَزُ مِنْ بَيْتَيْ لَبِيدٍ وَأَوْفَرُ مَعْنًى فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ أَوْجَزُ مِنَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلَهُ: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أَوْجَزُ مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَا فُرُوعُ الْأَيْهُقَانِ وَأَعَمُّ وَأَبْرَعُ بِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِعَارَةِ الْحَيَاةِ، وَقَوْلَهُ: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ أَوْجَزُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَطْفَلَتْ الْبَيْتَ مَعَ كَوْنِهِ أَعَمَّ لِعَدَمِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الظِّبَاءِ وَالنَّعَامِ. وَالدَّابَّةُ مَا دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَقَدْ آذَنَتْ كَلِمَةُ كُلِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْأَنْوَاعِ فَانْتَفَى احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الدَّابَّةِ خُصُوصُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 84 · #110880
وَقَدْ آذَنَتْ كَلِمَةُ كُلِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْأَنْوَاعِ فَانْتَفَى احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الدَّابَّةِ خُصُوصُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. وَقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ أُصُولَ عِلْمِ التَّارِيخِ الطَّبِيعِيِّ وَهُوَ الْمَوَالِيدُ الثَّلَاثَةُ الْمَعْدِنُ وَالنَّبَاتُ وَالْحَيَوَانُ، زِيَادَةً عَلَى مَا فِي بَقِيَّةِ الْآيَة سَابِقًا وَلَا حَقًا مِنَ الْإِشَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الرَّاجِعَةِ لِعِلْمِ الْهَيْئَةِ وَعِلْمِ الطَّبِيعَةِ وَعِلْمِ الْجُغْرَافْيَا الطَّبِيعِيَّةِ وَعِلْمِ حَوَادِثِ الْجَوِّ (٢) . وَقَوْلُهُ: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ فِي وَهُوَ مِنْ آيَاتِ وُجُودِ الْخَالِقِ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 84 · #110881
ا الطَّبِيعِيَّةِ وَعِلْمِ حَوَادِثِ الْجَوِّ (٢) . وَقَوْلُهُ: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ فِي وَهُوَ مِنْ آيَاتِ وُجُودِ الْخَالِقِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ وَرُكُودَهَا آيَةٌ، وَاخْتِلَافَ مَهَابِّهَا آيَةٌ، فَلَوْلَا الصَّانِعُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَوْدَعَ أَسْرَارَ الْكَائِنَاتِ لَمَا هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ لَمَا رَكَدَتْ، وَلَمَا اخْتَلَفَتْ مَهَابُّهَا بَلْ دَامَتْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا مَوْضِعُ الْعبْرَة، وَمن تصريف الرِّيَاح أَيْضا مَوْضِعُ نِعْمَةٍ وَهُوَ أَنَّ هُبُوبَهَا قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ مَوْضِعٍ لِلتَّنْفِيسِ مِنَ الْحَرَارَةِ أَو لجلب الأسحبة أَوْ لِطَرْدِ حَشَرَاتٍ كَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِجَلْبِ مَنَافِعَ مِثْلِ الطَّيْرِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 85 · #110882
لُ مَوْضِعٍ لِلتَّنْفِيسِ مِنَ الْحَرَارَةِ أَو لجلب الأسحبة أَوْ لِطَرْدِ حَشَرَاتٍ كَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِجَلْبِ مَنَافِعَ مِثْلِ الطَّيْرِ. وَقَدْ يحْتَاج أهل مَكَان إِلَى اخْتِلَافِ مَهَابِّهَا لِتَجِيءَ رِيحٌ بَارِدَةٌ بَعْدَ رِيحٍ حَارَّةٍ أَوْ رِيحٌ رَطْبَةٌ بَعْدَ رِيحٍ يَابِسَةٍ، أَوْ لِتَهُبَّ إِلَى جِهَةِ السَّاحِلِ فَيَرْجِعُ أَهْلُ السُّفُنِ مِنَ الْأَسْفَارِ أَوْ مِنَ الصَّيْدِ، فَكُلُّ هَذَا مَوْضِعُ نِعْمَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَاهَدُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَوْضِعُ عِبْرَةٍ أَعْجَبُ وَمَوْضِعُ نِعْمَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ أَنَّ اللَّهَ أَحَاطَ الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ بِهَوَاءٍ خَلَقَهُ مَعَهَا، بِهِ يَتَنَفَّسُ الْحَيَوَانُ وَهُوَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْكُرَةِ بَحْرِهَا وَبَرِّهَا مُتَّصِلٌ بِسَطْحِهَا وَيَشْغَلُ مِنْ فَوْقِ سَطْحِهَا ارْتِفَاعًا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ لَوْ صَعِدَ إِلَى أَعْلَاهُ،
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 85 · #110883
لْكُرَةِ بَحْرِهَا وَبَرِّهَا مُتَّصِلٌ بِسَطْحِهَا وَيَشْغَلُ مِنْ فَوْقِ سَطْحِهَا ارْتِفَاعًا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ لَوْ صَعِدَ إِلَى أَعْلَاهُ، وَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤَلَّفًا مِنْ غَازَيْنِ هَمَّا (النَّيِتْرُوجِينُ وَالْأُكْسُجِينُ) وَفِيهِ جُزْءٌ آخَرُ عَارِضٌ فِيهِ وَهُوَ جَانِبٌ مِنَ الْبُخَارِ الْمَائِيِّ الْمُتَصَاعِدِ لَهُ مِنْ تَبَخُّرِ الْبِحَارِ وَرُطُوبَةِ الْأَرْضِ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَهَذَا الْبُخَارُ هُوَ غَازٌ دَقِيقٌ لَا يُشَاهَدُ، وَهَذَا الْهَوَاءُ قَابِلٌ لِلْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ، وَحَرَارَتُهُ تَأْتِي مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَمِنْ صُعُودِ حَرَارَةِ الْأَرْضِ حِينَ تُسَخِّنُهَا الشَّمْسُ وَبُرُودَتُهُ تَجِيءُ مِنْ قِلَّةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ وَمِنْ بُرُودَةِ الثُّلُوجِ الصاعدة من الأَرْض وَمن الزَّمْهَرِيرِ الَّذِي يَتَزَايَدُ بِارْتِفَاعِ الْجَوِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 85 · #110884
َّةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ وَمِنْ بُرُودَةِ الثُّلُوجِ الصاعدة من الأَرْض وَمن الزَّمْهَرِيرِ الَّذِي يَتَزَايَدُ بِارْتِفَاعِ الْجَوِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمَّا كَانَتِ الْحَرَارَةُ مِنْ طَبْعِهَا أَنْ تُمَدِّدَ أَجْزَاءَ الْأَشْيَاءِ فَتَتَلَطَّفُ بِذَلِكَ التَّمَدُّدِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْكِيمْيَاءِ، وَالْبُرُودَةُ بِالْعَكْسِ، كَانَ هَوَاءٌ فِي جِهَةٍ حَارَّةٍ كَالصَّحْرَاءِ وَهَوَاءٌ فِي جِهَةٍ بَارِدَةٍ كَالْمُنْجَمِدِ وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْهَوَاءَيْنِ فِي الْكَثَافَةِ فَصَعِدَ الْخَفِيفُ وَهُوَ الْحَارُّ إِلَى الْأَعْلَى وَانْحَدَرَ الْكَثِيفُ إِلَى الْأَسْفَلِ وَبِصُعُودِ الْخَفِيفِ يَتْرُكُ فَرَاغًا يَخْلُفُهُ فِيهِ الْكَثِيفُ طَلَبًا لِلْمُوَازَنَةِ فَتَحْدُثُ حَرَكَةٌ تُسَمَّى رِيحًا، فَإِذَا كَانَتِ الْحَرَكَةُ خَفِيفَةً لِقُرْبِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْهَوَاءَيْنِ سُمِّيَتِ الْحَرَكَةُ نَسِيمًا وَإِذَا اشْتَدَّتِ الْحَرَكَةُ وَأَسْرَعَتْ فَهِيَ الزَّوْبَعَةُ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 85 · #110885
خَفِيفَةً لِقُرْبِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْهَوَاءَيْنِ سُمِّيَتِ الْحَرَكَةُ نَسِيمًا وَإِذَا اشْتَدَّتِ الْحَرَكَةُ وَأَسْرَعَتْ فَهِيَ الزَّوْبَعَةُ. فَالرِّيحُ جِنْسٌ لِهَاتِهِ الْحَرَكَةِ وَالنَّسِيمُ وَالزَّوْبَعَةُ وَالزَّعْزَعُ أَنْوَاعٌ لَهُ. وَمِنْ فَوَائِدِ هَاتِهِ الرِّيَاحِ الْإِعَانَةُ عَلَى تَكْوِينِ السَّحَابِ وَنَقْلِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَتَنْقِيَةِ الْكُرَةِ الْهَوَائِيَّةِ مِمَّا يَحِلُّ بِهَا مِنَ الْجَرَاثِيمِ الْمُضِرَّةِ، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وَنِعْمَةٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 86 · #110886
لْكُرَةِ الْهَوَائِيَّةِ مِمَّا يَحِلُّ بِهَا مِنَ الْجَرَاثِيمِ الْمُضِرَّةِ، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وَنِعْمَةٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدِ اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ التَّصْرِيفِ هُنَا دُونَ نَحْوِ لَفْظِ التَّبْدِيلِ أَوِ الِاخْتِلَافِ لِأَنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يَصْلُحُ مَعْنَاهُ لِحِكَايَةِ مَا فِي نفس الْأَمْرِ مِنْ حَالِ الرِّيَاحِ لِأَنَّ التَّصْرِيفَ تَفْعِيلٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْمُبَالَغَةِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَنْشَأَ الرِّيحِ هُوَ صَرْفُ بَعْضِ الْهَوَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَصَرْفُ غَيْرِهِ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَيَجُوزُ أَنْ تُقَدِّرَ: وَتَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الرِّيَاحَ، وَجَعَلَ التَّصْرِيفَ لِلرِّيحِ مَعَ أَنَّ الرِّيحَ تَكَوَّنَتْ بذلك التصريف لِأَنَّهَا تحصل مَعَ التَّصْرِيفِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى الْحَاصِل فِي وَقْتَ الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [الْبَقَرَة:
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 86 · #110887
ّصْرِيفِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى الْحَاصِل فِي وَقْتَ الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [الْبَقَرَة: ١٥٩] وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ تَجْعَلَ التَّصْرِيفَ بِمَعْنَى التَّغْيِيرِ أَيْ تَبْدِيلِ رِيحٍ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ فَتَبْقَى الْحَقِيقَةُ وَيَفُوتُ الْإِعْجَازُ الْعِلْمِيُّ وَيَكُونُ اخْتِيَارُ لَفْظِ التَّصْرِيفِ دُونَ التَّغْيِيرِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ. وَجَمَعَ الرِّيَاحَ هُنَا لِأَنَّ التصريف اقْتضى الْعدَد لِأَنَّهَا كُلَّمَا تَغَيَّرَ مَهَبُّهَا فَقَدْ صَارَتْ رِيحًا غَيْرَ الَّتِي سبقت.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 86 · #110888
أَخَفُّ. وَجَمَعَ الرِّيَاحَ هُنَا لِأَنَّ التصريف اقْتضى الْعدَد لِأَنَّهَا كُلَّمَا تَغَيَّرَ مَهَبُّهَا فَقَدْ صَارَتْ رِيحًا غَيْرَ الَّتِي سبقت. وقرأه الْجُمْهُورُ (الرِّيَاحِ) بِالْجَمْعِ وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الرِّيحِ) بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، وَاسْتِفَادَةِ الْعُمُومِ مِنَ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا سَوَاءٌ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الرِّيَاحَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رِيحِ الْخَيْرِ وَإِن الرّيح بِالْإِفْرَادِ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رِيحِ الشَّرِّ وَاعْتَضَدُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا رَأَى الرِّيحَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا لَا رِيحًا» ، وَهِيَ تَفْرِقَةُ أَغْلَبِيَّةٍ وَإِلَّا فَقَدْ غُيِّرَ بِالْإِفْرَادِ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ، وَالْعَكْسُ فِي قِرَاءَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرَّاءِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 86 · #110889
، وَهِيَ تَفْرِقَةُ أَغْلَبِيَّةٍ وَإِلَّا فَقَدْ غُيِّرَ بِالْإِفْرَادِ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ، وَالْعَكْسُ فِي قِرَاءَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرَّاءِ. وَالْحَدِيثُ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّفْرِقَةِ فَأَحْسَنُ مَا يُعَلَّلُ بِهِ أَنَّ الرِّيحَ النَّافِعَةَ لِلنَّاسِ تَجِيءُ خَفِيفَةً وَتَتَخَلَّلُ مَوْجَاتِهَا فَجَوَاتٌ فَلَا تَحْصُلُ مِنْهَا مَضَرَّةٌ فَبِاعْتِبَارٍ تَخَلُّلِ الْفَجَوَاتِ لِهُبُوبِهَا جُمِعَتْ، وَأَمَّا الرِّيحُ الْعَاصِفُ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ لِلنَّاسِ فَجْوَةً فَلِذَلِكَ جُعِلَ رِيحًا وَاحِدَةً وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 86 · #110890
أَمَّا الرِّيحُ الْعَاصِفُ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ لِلنَّاسِ فَجْوَةً فَلِذَلِكَ جُعِلَ رِيحًا وَاحِدَةً وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ. وَالرِّيَاحُ جَمْعُ رِيحٍ وَالرِّيحُ بِوَزْنِ فِعْلٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَعَيْنُهَا وَاوٌ انْقَلَبَتْ يَاءً لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي الْجَمْعِ أَرْوَاحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْجَمْعِ رِيَاحٌ فَانْقِلَابُ الْوَاوِ فِيهِ يَاءً كَانْقِلَابِهَا فِي الْمُفْرِدِ لِسَبَبِ الْكَسْرَةِ كَمَا قَالُوا دِيمَةٌ وَدِيَمٌ وَحِيلَةٌ وَحِيَلٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِيِّ. وَقَوْلُهُ: وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ عَطْفٌ عَلَى وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أَوْ عَلَى الرِّياحِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَتَصْرِيفِ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ أَيْ نَقْلِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 87 · #110891
َى وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أَوْ عَلَى الرِّياحِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَتَصْرِيفِ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ أَيْ نَقْلِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ. وَهُوَ عِبْرَةٌ وَمِنَّةٌ أَمَّا الْعِبْرَةُ فَفِي تَكْوِينِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَتَسْخِيرِهِ وَكَوْنِهِ فِي الْفَضَاءِ، وَأَمَّا الْمِنَّةُ فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَتَكْوِينُهُ مِنَّةٌ وَتَسْخِيرُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعِ مِنَّةٌ وَكَوْنُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَّةٌ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مِنْهُ الْمَطَرُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ ارْتِفَاعٍ فَيُفِيدُ اخْتِرَاقَ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 87 · #110892
مِنَّةٌ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مِنْهُ الْمَطَرُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ ارْتِفَاعٍ فَيُفِيدُ اخْتِرَاقَ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ لَاخْتَنَقَ النَّاسُ فَهَذَا مَا يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عِبْرَةٌ وَمِنَّةٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَتَكْوِينُهُ عِبْرَةٌ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنْ تَصَاعُدِ أَبْخِرَةِ الْبِحَارِ وَرُطُوبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُبَخِّرُهَا أَشِعَّةُ الشَّمْسِ وَلِذَا لَمْ يَخْلُ الْهَوَاءُ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ إِلَّا أَنَّ بُخَارَ الْمَاءِ شَفَّافٌ غَازِيٌّ فَإِذَا جَاوَرَ سَطْحًا بَارِدًا ثَقُلَ وَتَكَاثَفَ فَصَارَ ضَبَابًا أَوْ نَدًى أَوْ سَحَابًا، وَإِنَّمَا تَكَاثَفَ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْبُخَارِ تَجْتَمِعُ فَتَقِلُّ قُدْرَةُ الْهَوَاءِ عَلَى حَمْلِهِ، ثُمَّ إِذَا تَكَامَلَ اجْتِمَاعُهُ نَزَلَ مَطَرًا، وَلِكَوْنِ الْبُخَارِ الصَّاعِدِ إِلَى الْجَوِّ أَكْثَرَ بُخَارِ الْبَحْرِ لِأَنَّ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 87 · #110893
عَلَى حَمْلِهِ، ثُمَّ إِذَا تَكَامَلَ اجْتِمَاعُهُ نَزَلَ مَطَرًا، وَلِكَوْنِ الْبُخَارِ الصَّاعِدِ إِلَى الْجَوِّ أَكْثَرَ بُخَارِ الْبَحْرِ لِأَنَّ الْبَحْرَ أَكْثَرُ سَطْحِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ كَانَتِ السَّحْبُ أَكْثَرَ مَا تَتَكَوَّنُ مِنْ جِهَةِ الْبِحَارِ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَطَرَ كُلَّهُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ وَأَنَّ خَرَاطِيمَ السَّحَابِ تَتَدَلَّى إِلَى أَمْوَاجِ الْبَحْرِ فَتَمْتَصُّ مِنْهُ الْمَاءَ ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ: سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَنَاتِمُ سُودٌ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ وَقَالَ الْبَدِيعُ الْإِصْطِرْلَابِيُّ (١) : أُهْدِي لِمَجْلِسِكَ الشَّرِيفِ وَإِنَّمَا ... أُهْدِي لَهُ مَا حُزْتُ مِنْ نَعْمَائِهِ كَالْبَحْرِ يمطره السَّحَاب وَمَاله ...
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 87 · #110894
ِصْطِرْلَابِيُّ (١) : أُهْدِي لِمَجْلِسِكَ الشَّرِيفِ وَإِنَّمَا ... أُهْدِي لَهُ مَا حُزْتُ مِنْ نَعْمَائِهِ كَالْبَحْرِ يمطره السَّحَاب وَمَاله ... فَضْلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ مَائِهِ فَلَوْلَا الرِّيَاحُ تُسَخِّرُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لَكَانَ الْمَطَرُ لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي الْبِحَارِ. وَمَوْضِعُ الْمِنَّةِ فِي هَذَا فِي تَكْوِينِهِ حَتَّى يَحْمِلَ الْمَاءَ لِيُحْيِيَ الْأَرْضَ، وَفِي تَسْخِيرِهِ لِيَنْتَقِلَ، وَفِي كَوْنِهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَهُوَ مُسَخَّرٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَتَكَامَلَ مَا فِي الْجَوِّ مِنَ الْمَاءِ فَيَثْقُلُ السَّحَابُ فَيَنْزِلُ مَاءٌ إِذَا لَمْ تَبْقَ فِي الْهَوَاءِ مَقْدِرَةٌ عَلَى حَمْلِهِ قَالَ تَعَالَى: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ [الرَّعْد: ١٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أَيْ دَلَائِلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْآيَةِ وَالْآيَاتِ،
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 87 · #110895
حابَ الثِّقالَ [الرَّعْد: ١٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أَيْ دَلَائِلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْآيَةِ وَالْآيَاتِ، وَجَمَعَ الْآيَاتِ لِأَنَّ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ آيَاتٍ. فَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى وُجُودِ الله تَعَالَى فقد كَانَتْ دَلَائِلَ وَاضِحَةً وَكَانَ رَدًّا عَلَى الدَّهْرِيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ وَكَانَ ذِكْرُهُمْ بَعْدَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ (١) الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ تَكْمِيلًا لِأَهْلِ النِّحَلِ فِي الْعَرَبِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [الْبَقَرَة: ١٦٥] رُجُوعًا إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا الْوَجْهُ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَالَمِ عَلَى الصَّانِعِ وَهُوَ دَلِيلٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 88 · #110896
ًا إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا الْوَجْهُ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَالَمِ عَلَى الصَّانِعِ وَهُوَ دَلِيلٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ. وَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَاتِهِ الدَّلَائِلِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِوُجُودِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَاتِهِ الدَّلَائِلِ وَأَمْثَالِهَا عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلٍ بِخِلَافِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى الوحدانية، وَلِأَنَّهُ ذكره بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَلِأَنَّ دُهْمَاءَ الْعَرَبِ كَانُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مِنَ الْمُعَطِّلِينَ الدَّهْرِيِّينَ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 88 · #110897
: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَلِأَنَّ دُهْمَاءَ الْعَرَبِ كَانُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مِنَ الْمُعَطِّلِينَ الدَّهْرِيِّينَ. وَكِفَايَةُ هَذِهِ الدَّلَائِلِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَدَّعُونَ لِلْأَصْنَامِ قُدْرَةً عَلَى الْخَلْقِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] . وَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآثَارِ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَمِ الَّتِي تُثْبِتُ الِاشْتِرَاكَ لِلْآلِهَةِ فِي الْإِيجَادِ مِثْلِ مَجُوسِ الْفُرْسِ وَمُشْرِكِي الْيُونَانِ.
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 88 · #110898
لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَمِ الَّتِي تُثْبِتُ الِاشْتِرَاكَ لِلْآلِهَةِ فِي الْإِيجَادِ مِثْلِ مَجُوسِ الْفُرْسِ وَمُشْرِكِي الْيُونَانِ. فَوَجْهُ دَلَالَةِ هَاتِهِ الْآيَاتِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ أَنَّ هَذَا النِّظَامَ الْبَدِيعَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ التَّدْبِيرَ فِي تَكْوِينِهَا وَتَفَاعُلِهَا وَذَهَابِهَا وَعَوْدِهَا وَمَوَاقِيتِهَا كُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهَا صَانِعًا حَكِيمًا مُتَّصِفًا بِتَمَامِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَة وَالْحكمَة وَهِي الصِّفَات الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأُلْهَانِيَّةِ، وَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ الْمَوْصُوفُ بِهَاتِهِ الصِّفَاتِ وَاحِدًا لِاعْتِرَافِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ نَوَامِيسَ الْخَلْقِ وَتَسْيِيرَ الْعَالَمِ مِنْ فِعْلِ الله تَعَالَى، إِذا لَمْ يَدَّعُوا لِشُرَكَائِهِمُ الْخَلْقَ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] ، وَذَكَرَ فِي سُورَةِ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 88 · #110899
ا لِشُرَكَائِهِمُ الْخَلْقَ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] ، وَذَكَرَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ الِاسْتِدْلَالَ بِبَعْضِ مَا هُنَا عَلَى أَنْ لَا إِلَهَ مَعَ اللَّهِ، فَالْمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ شُرَكَائِهِمْ، وَأَمَّا طَرِيقَةُ الِاسْتِدْلَالِ الْعِلْمِيَّةُ فَهِيَ بِالْبُرْهَانِ الْمُلَقَّبِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِبُرْهَانِ التَّمَانُعِ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْقَوْمُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الرِّجَالِ وَيُطْلَقُ عَلَى قَبِيلَةِ الرَّجُلِ كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: فَلَوْ أَن قومِي أنقطتني رِمَاحُهُمْ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأُمَّةِ. وَذكر لفظ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ دُونَ أَنْ يُقَالَ لِلَّذِينَ يَعْقِلُونَ أَوْ لِلْعَاقِلِينَ لِأَنَّ إِجْرَاءَ
QS 2:164 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 88 · #110900
ِمَاحُهُمْ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأُمَّةِ. وَذكر لفظ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ دُونَ أَنْ يُقَالَ لِلَّذِينَ يَعْقِلُونَ أَوْ لِلْعَاقِلِينَ لِأَنَّ إِجْرَاءَ الْوَصْفِ عَلَى لَفْظِ قَوْمٍ يُومِئُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ سَجِيَّةٌ فِيهِمْ، وَمِنْ مُكَمِّلَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، فَإِنَّ لِلْقَبَائِلِ وَالْأُمَمِ خَصَائِصَ تُمَيِّزُهَا وَتَشْتَهِرُ بِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التَّوْبَة: ٥٦] ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ فِي ذَلِكَ آيَاتٍ لِلَّذِينَ سَجِيَّتُهُمُ الْعَقْلُ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِآيَاتِ ذَلِكَ لَيْسَتْ عُقُولُهُمْ بِرَاسِخَةٍ وَلَا هِيَ مَلَكَاتٌ لَهُمْ وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا فِي سُورَةِ يُونُسَ. [١٦٥]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:163QS 16:65QS 18:51QS 45:5QS 2:115QS 3:191QS 11:6QS 13:12QS 30:40QS 36:35QS 36:41

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:163QS 45:1-5